الخميس، 3 يناير 2019

صلب المسيح


 صلب المسيح

يختلف الإسلام مع النصرانية في قضية أساسية من قضايا الإيمان في عقائد المسيحيين، وهي القول بأن المسيح انتهت حياته بالصلب، وأن ذلك كان ضرورة للتكفير عن خطايا البشر حسب نظرية بولس.

إن القرآن يقرر - بوضوح - عدم صلب المسيح، وأن الله نجاه من محاولات اليهود قتله، بأن رفعه إليه، كما سبق أن رفع أنبياءَ وأبرارًا، وإن الأمر كان فتنة اختلطت فيها حقيقة الأمر على كثير من الناس.

فالقرآن يقول:
﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 157، 158].

ويكفي أن نرجع إلى الأسفار في هذه القضية لنعلم منها الآتي:
1- حين شعر المسيح بالخطر يتهدده وهو في الحديقة، كانت صلاته حارة إلى الله؛ كي ينجيه من الموت، فقد "بدأ يدهش ويكتئب. فقال لهم: نفسي حزينة جدًّا حتى الموت. ثم تقدم قليلاً وخر على الأرض، وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن. وقال: يا أبا الآب، كل شيء مستطاع لك، فأجرعني هذه الكأس، ولكن ليكن لا ما أريد بل ما تريد أنت...

وظهر له ملاك من السماء يقويه. وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرضإنجيل مرقس 14: 33 - 36، لوقا 22: 43 - 44".

2- حين جاءت قوة الظلم وتقدم يهوذا الخائن ليدلهم على سيده، "قال له يسوع: يا صاحب، لماذا جئت؟! - إنجيل متى 26: 50".

3- وفي المحاكمة "اجتمعت مشيخة الشعب ورؤساء الكهنة والكتبة، وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقون. وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني - إنجيل لوقا 22: 66 - 68".

وهنا وقفة: لنفرض جدلاً أنه كان المسيح، فإن هذا يعني أنه كان يرجو إطلاق سراحه. وهذا ينفي ما نقرؤه في رسائل بولس، وما اقتبس منها في الأناجيل، مثل القول بأن المسيح: "بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا من العالم الشرير"، أو أنه: "بذل نفسه فدية لأجل الجميع".

ومعنى ذلك: أنه لو كان المسيح قد قتل حقًّا، لكان ذلك رغمًا عنه، وبهذا تتعاظم خطيئة البشرية التي قتلته ظلمًا وقهرًا، ومن يكفر عن تلك الخطيئة العظمى بعد ذلك؟!

وإذا افترضنا أنه ليس المسيح، فإن هذا ما يفيده المضمون، خاصة إذا علمنا أن الفقرة التالية لهذا هي قول ذلك الذي يستجوبونه: "منذ الآن يكون ابن الإنسان (المسيح) جالسًا عن يمين قوة الله - إنجيل لوقا 22: 69".

وهذا يقطع بأن الشخص الذي قبضوا عليه وحاكموه وصلبوه إنما كان شخصًا آخر غير المسيح، وأنه رآه بعيني رأسه وقد صعد إلى السماء؛ ولهذا قال: "منذ الآن".

4- ولقد كانت آخر صرخة للمصلوب هي قوله: الوي، الوي لِمَ شبقتني؟!

الذي تفسيره: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني - إنجيل مرقس 15: 34".

لكن المسيح قرر في الإنجيل أن الله معه ولن يتركه أبدًا، وهذا ما يعتقده كل المؤمنين، فهو يقول: "الذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الآب وحدي؛ لأني في كل حين أفعل ما يرضيه - إنجيل يوحنا 8: 29".

فمن المؤكد أن الذي أطلق صرخة اليأس تلك على الصليب إنما كان شخصًا آخر غير المسيح الذي أكد أن الله معه في كل حين.

5- لقد تنبأ المسيح بنجاته من القتل - كما تنبأت المزامير كثيرًا وكثيرًا - فلا يزال بين أيدينا ما قاله المسيح في تحدٍّ لليهود حين حاولوا اصطياده في إحدى المرات. "فقد أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خدامًا ليمسكوه، فقال لهم يسوع: أنا معكم زمانًا يسيرًا بعد ثم أمضي إلى الذي أرسلني. ستطلبونني ولا تجدونني، حيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا - إنجيل يوحنا 7: 32 - 34".

لا نظن أحدًا يشك في وضوح هذا القول، الذي يعني أن اليهود حين يطلبون المسيح لقتله فلن يجدوه؛ لأن الله سيحفظه بالرفع، ومن الطبيعي أن يقال: إن السماء مكان يعجِز اليهودُ عن الوصول إليه تعقبًا للمسيح.

6- هذا ولقد اختلفت الأناجيل الأربعة في عناصر قصة الصلب، ويكفي أن نذكر أن العشاء الأخير كان حسب الثلاثة الأولى - متى ومرقس ولوقا - هو عشاء الفصح، وأما الإنجيل الرابع فقد جعله قبل الفصح بأيام، وقد ترتب على هذا أن كان يوم الصلب حسب الثلاثة يوم الجمعة، بينما هو حسب إنجيل يوحنا يوم الخميس - اليوم الذي ذبحت فيه خراف الفصح (إنجيل يوحنا 18: 28، 19: 14).

ولما كانت المقبرة التي وضع فيها جسد المصلوب قد وجدتها مريم المجدلية خالية صباح الأحد، فإن هذا يعني أن جسد ذلك المصلوب لم يدفن في الأرض "ثلاثة أيام وثلاث ليال" حسبما هو شائع في الأناجيل: متى 12: 40، 17: 23 - مرقس 9: 31 - لوقا 9: 22]، فالفترة بين يوم الجمعة يوم الصلب، ويوم الأحد يوم القيامة لا تزيد عن: يوم واحد وليلتين.

أما بعد: فإن هذا قليل من كثير مما يبرهن على عدم صلب المسيح[1].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق