الأحد، 20 يناير 2019

♥ مواجهة اعداء الاسلام من منكرى السنة(9)


  مواجهة اعداء الاسلام من منكرى السنة(9)
مكانة السنة في بيان الأحكام الشرعية:
كتاب الله وسنة رسوله هما المصدران الأساسيان لتقرير الأحكام وبيانها، وإليهما ترجع جميع المصادر الأخرى؛ ولكن الكتاب يعد المصدر الأول والأساس الذي تقوم عليه السنة ولا تختلف عنه، وكان لذلك أصل الأدلة بقول الله تعالى في سورة النساء: ﴿ إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾[14].

ويقول في سورة النحل: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [15]، ويقول في سورة الأنعام: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾[16]، وفي فصلت: ﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾[17]، والآيات في هذا المعنى عديدة كثيرة ونكتفي بما ذكرنا.
وقد جاءت السنة مفسرة للقرآن: تبين مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتفصل أحكامه، وتوضح مشكله، فمن الفرائض والأحكام ما جاء في القرآن مجملة نصوصه، كالصلاة والزكاة، والحج، فلم يذكر في القرآن هيئاتها ولا تفاصيلها، فبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بسُنَّته الفعلية والقولية: فبيَّن في الصَّلاة عددَها وكيفياتها وجميع ما يتعلق بها، وفي الزكاة أنواع ما تجب فيه من الأموال، ومقدار الواجب فيها وما يتصل بذلك، وفي الحج أفعاله، وكيفيته ومناسكه، ومن الأحكام ما جاء النص فيه مطلقًا مثل قول تعالى في آية المواريث من سورة النساء ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [18]، فقيدت السنة مطلق الوصية بأن جعلتها وصية لغير وارث، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا وصية لوارث))، ومن الأحكام ما جاء النص فيه عامًّا فخصصته السنة؛ مثل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ [19] بعد بيانه المحرمات، فخصصته السنة بأن أخرجت من عمومه نكاح المرأة على عمتها وخالتها، كما أخرجت منه ما حرم نكاحه بسبب الرضاع، ممن لم يذكر في الآية قبله، وهو ما تناوله قوله صلى الله عليه وسلم: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))؛ كما فصلت السنة كثيرًا مما حرمه الله بمقتضى نصوص القرآن العامة؛ مثل قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [20] إلى غير ذلك من بيانها وتفصيلها للأحكام الشرعية.
ثم هي مع هذا البيان إذا أتت بزيادة إذا أتت بزيادة عن القرآن يجب ألاَّ تتعارض مع أصوله العامة وقواعده الأساسية؛ بل تدور في محيطه غير متجاوزة نطاقه، وذلك شأن التابع مع المتبوع فكانت بسبب ذلك تابعة له، إذ التفسير تابع للمفسر، مرتبط وجوده بوجوده، ومما جاءت به من ذلك حرمة زواج المرأة على عمتها أو على خالتها، وتحريم لحوم الحمر الأهلية، ولحم كل ذي ناب من السباع، أو ذي مخلب من الطير، وغير ذلك مما يدخل في نطاق قوله تعالى: ﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ ﴾ [21]، وذلك مصداق قوله تعالى في سورة النحل: ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [22]، وقوله تعالى: في سورة إبراهيم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [23]، وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [24].
وهذا إلى أن الكتاب مقطوع بوروده جملة وتفصيلاً، أما السنة فمظنونة الورود تفصيلاً، ولا يصح القطع بورودها إلا بالنظر إلى جملتها، فإنا نقطع بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقوالاً وأفعالاً وتقريرات في الأمور الشرعية قد أثرت عنه، وذلك ما أطلق عليه اسم السنة؛ ولكنا لا نقطع في أي حديث معين منها بأنه قد صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون متواترًا، ونادر فيها المتواتر، فكان القرآن لذلك في منزلة أعلى من منزلة السنة من حيث الاطمئنان إلى صحة ورودهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن درجة المظنون دون درجة المقطوع به.
وعلى هذا الوضع من تقديم الكتاب على السنة من حيث هو أصل وأساس للدين لما نزل به من أصوله الأساسية وقواعده الكلية، وأهدافه العامة التي بني عليها، فكانت السنة تابعة له ومبينة له لا تختلف عنه، وكان عمل الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنهم أنهم كانوا حينما تعرض عليهم حادثة بحثوا عن حكمها في كتاب الله، فإن لم يجدوا بحثوا عنه في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجدوا اجتهدوا، وهذا ما ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من معاذ بن جبل حين أرسله قاضيًا إلى اليمن، فقد روي أنه - عليه السلام - قال له حين ذاك: ((بم تقضي؟))، فقال: أقضي بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: أقضي بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فإن لم تَجِدْ؟)) قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: ((الحمد الله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله)؛ رواه أحمد، والترمذي، والدارمي، والبيهقي في "المدخل"، وابن سعد في "الطبقات"، وابن عبدالبر. 
وليس يعني هذا الذي روي من صنيع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بحثهم عن حكم ما يعرض لهم من الحوادث أنهم حينما ينظرون في كتاب الله باحثين عنه لا ينظرون إلى ما عملوه من سنة في بيان ما يدل على الحكم المطلوب من الكتاب؛ بل معناه أنهم ينظرون في كتاب الله متطلبين معناه لتعرف الحكم منه، وذلك ما يستلزم النظر في السنة عند ذلك؛ لأن البحث عما يدل عليه الكتاب يستوجب البحث فيما ورد فيه من بيان صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شكَّ أنَّ هذا ما كان يَعْنِيه مُعاذٌ حين قال: أقضي بكتاب الله، فإن قضاءه لا يكون قضاء بكتاب الله إلا إذا كان على وفق معناه وما أريد منه، وذلك ما قد تكون السنة طريقًا إليه، فإن تركت حينئذ لم يكن القضاء عند تركها قضاء بكتاب الله ولا بما نزل به؛ بل قضاء بغير ما حكم الله، وذلك ما لا يكاد أن يكون محل ريبة عند ذي علم بما كان عليه أصحاب رسول الله حين بحثهم عن حكم ما يعرض لهم من حوادث، وهو ما يتفق مع ما جاء في الكتاب عن بيان السنة له؛ بل وما يعد مخالفته والإعراض عنه خروجًا عما أمر الله به في كتابه، مما دلت عليه الآيات التي أشرنا إليها فيما سبق، من وجوب طاعة الله وطاعة رسوله فيما جاء به من كتاب وسنة، فما كان كل منهما إلا وحيًا أوحي به إليه وأمر بتبليغه، هذا بلفظه الذي به نزل، وهذا بمعناه الذي عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه وعبارته، وما كانت التفرقة بينهما راجعة إلى تقديم أحدهما على الآخر في وجوب العمل والطاعة، وإنما كانت لإرادة الإعجاز بأولهما، وهو الكتاب وجعله حجة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان النظر فيه أولاً، لأنه الجامع لأصول الدين الهادي إلى الطريق، الكاشف عن معالِمِه، العاصم من الضلال فيه.
ومن ذلك يتبين أن ليس في حديث معاذ ما يدعو من ناحية متنه، وما يدل عليه إلى الشك فيه، وإلى محاولة رده من ناحية سنده، وأمَّا ما قيل فيه من أنه ليس بمتصل كما قال الترمذي، إذ رواه شعبة، قال: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ رضي الله عنه فقد قال فيه الغزالي في "المستصفى": إنه حديث تلقَّته الأمة بالقبول، ودافع عنه ابن القيم في "إعلام الموقعين" في ناحية انقطاعه فقال: إن شهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، فإذا كان قد روي عن غير مُسمَّين فهم من أصحاب معاذ ولا يضرُّه ذلك؛ لأن ذلك دليل شهرته إذ لم ينفرد بروايته واحد منهم، بل رواه الحارث بن عمرو عن جمع منهم، وليس يعرف فيهم مُتَّهم ولا كذاب ولا مجروح؛ بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم[25].
ذلك ما يجب أن يكون عليه فهمنا لما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يبحثون عن حكم ما يعرض عليهم من الحوادث من الكتاب، إذ لا يستغني تعرُّف ما جاء به الكتاب من أحكام عن النظر في السنة، فقد جاءت كما بينا بيانًا له، ولا يستغني المبين عن بيانه، ألا يرى أن من آياته ما قد يحتمل أكثر من معنى، فتعين السنة المعنى المراد من المعاني المختلفة، وعندئذٍ يترك ما عداه، وأن من آياته ما يجيء مطلقًا فتقيده السنة، وما يجيء عامًّا فتخصصه السنة إلى غير ذلك من البيان، كبيانها للمراد من اليد في آية السرقة، وكبيانها لمن تصح له الوصية، ولمقدار ما يوصى به في آية الوصية، ولمن يكون حده الجلد إذا زنى في آية جلد الزاني، وما سوى ذلك من بيان ما يجب مراعاته والأخذ به عند النظر في الكتاب[26].
مِمَّا تقدم يتبين لنا كيف جاءت السنة مبينة للكتاب، وكانت لذلك تابعة له، دائرة في محيطه لا تخالفه ولا تخرج عنه، وذلك ما قد يدل على أنها لا تخالف الكتاب، ومن ثم لا تنسخه، وذلك ما ذهب إليه بعض العلماء وعلى رأسهم الشافعي رضي الله عنه فقد منعوا ذلك، مخالفين ما ذهب إليه الجمهور من أن الكتاب قد نسخ بالسنة في بعض ما جاء به من الأحكام، استنادًا منهم إلى أن آية الوصية - وهي قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقاًّ عَلَى المُتَّقِينَ * فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[27] قد نُسخت بقوله صلى الله عليه وسلم ((لا وصية لوارث))، وإلى أن آية جلد الزاني - وهي قوله تعالى ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾[28]، قد نسخت بأحاديث الرجم في المحصن، وغير ذلك مما لا يرى فيه هؤلاء المانعون دليلاً لهم فيه على جواز نسخ السنة للقرآن، ولا على وقوعه، إذ الواقع أنه لا نسخ في هذه الآيات، وذلك ما ذهب إليه كثير من العلماء كالشافعي وأكثر أصحابه، وكثير من الأصوليين، وهو مذهب أهل الظاهر ورواية عن أحمد، وقد يكون هذا هو رأي أكثر من ذهب إلى جواز نسخ القرآن بالسنة من الناحية العقلية لا الواقعية؛ ذلك لأن من ذهب إلى جواز ذلك إنما جوزه مشترطًا أن يكون الناسخ من السنة متواترًا، وتحقق التواتر في الأخبار أمر لا يكاد يوجد، وفيه من الشك والاختلاف ما يقضي بعدم وجوده، وعلى ذلك فليس يوجد بالسنة ما يصلح ناسخًا للقرآن، ويكون البحث في هذه المسألة بحثًا في غير واقع، أو نادر الوقوع، ولا كبير جدوى فيه؛ كما قال الشاطبي[29].
أمَّا من ذهب من الفقهاء إلى إلحاق المشهور من السنة بالمتواتر في جواز نسخ القرآن به، وهو ما نسب إلى الحنفية، فذلك مذهب بعيد عن الصواب - والمسألة مفصلة في عمل الأصول فيرجع إليها من يشاء.

ونتيجة لما تقدم يتبين سلامة ما قررنا من أن السنة تابعة للكتاب، وأنها في درجة أدنى من درجته، وأنها ترجع دائمًا في معناها، وفيما تأتي به إلى الكتاب وأصوله، وأنها مبينة له، تفصل مجمله، وتبين مشكلة، وتقيد مطلقة، وتخصص عامه، ولا تأتي بشريعة جديدة إلا كان القرآن دالاًّ عليها دلالة إجمالية، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾ [30].
وقوله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾[31]، وعلى هذا فما يجيء من الأخبار معارضًا للقرآن لأصوله وأحكامه يجب رده، وتقديم القرآن عليه، إذ إن ذلك من أوجه الطعن في الخبر المسقطة له كما قرر ذلك علماء الحديث.
ومن أجل ذلك أمر الله بطاعة رسوله، وكان أمره بذلك على أوضاع مختلفة؛ وبأساليب متعددة، وبدلالات عديدة، وثقت هذا الأمر، وأكدت هذا الوجوب، وعززت هذا الطلب، فجاء أمره صريحًا في كثير من الآيات في مثل قوله تعالى: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [32]، وقوله: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾[33] وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [34] وقوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [35].

وكذلك جاء أمره بذلك مقرونًا ببيان عاقبته مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً ﴾ [36]، وقوله تعالى:﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [37]، وقوله في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ [38].

وكما جاء أمره بذلك أيضًا مقرونًا بالتحذير من مخالفته؛ مثل قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [39]، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً ﴾ [40].

بل إنه سبحانه وتعالى قد جعل من لوازم الإيمان أنَّهم إذا كانوا معه على أمر جامع لا يذهبون مذهبًا إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ [41]، والآيات في ذلك عديدة والآثار كثيرة، وفيما ذكرنا الكفاية، فليس في وجوب امتثال أمره صلى الله عليه وسلم بعد الذي ذكرنا محل ريبة مرتاب، ولا شك متردد، وعلى هذا كانت السنة هي الأصل الثاني من أصول الدين، والمصدر الثاني من مصادر الأحكام الشرعية، وكان ذلك وضعها في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، ولا تزال على ذلك إلى يومنا هذا، وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق