الأحد، 20 يناير 2019

♥مواجهة اعداء الاسلام من منكرى السنة(12)


مواجهة اعداء الاسلام من منكرى السنة(12)
وعن هذه الشبهة ذهب بعض الناس إلى عدم وجوب العمل بخبر الآحاد، أو إلى عدم حجيته.
رد الشبهة الأولى:
إن تعجب فعجب أن يقول قائل: في كتاب الله غناء عن السنة، وفي بيانه كفاية عن بيانها، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [50]، ويقول أيضًا: ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [51]، ويقول: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [52].
إن القرآن قد حوى أصول الدين، وكثيرًا من قواعد الأحكام العامة، وكان صريحًا في دلالته على بعضها مفصلاً لها، كما كان مجملاً في بيان بعضها الآخر لم يفصله أو مشيرًا إليه، وذلك فيما حواه من أحكامه العامة، ودل عليه بما تضمنه من أصول كلية، تاركًا تفصيل ذلك وبيانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كما نطقت بذلك الآيات السابقة، وكان ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان ذلك ملحقًا بالقرآن وفي منزلته، وكان دينًا لله تجب طاعته؛ كما تجب طاعة القرآن، وكان له ما للقرآن من وجوب العمل به، وجوبًا دائمًا غير منقطع، ولا مُنْتَه بزمن مهما مضت الأعوام وتغيرت الأمور والأحوال.
وهل يستقيم مثل هذا القول، وقد أمر القرآن بإقامة الصلاة دون بيان لكيفيتها وأوقاتها وعدد ما فرضه الله منها، وكذلك أمر بإيتاء الزكاة دون بيان لمقدارها وبيان لما تجب فيه من الأموال وبيان لأوقاتها، وأمر بالحج ولم يبين كيفيته ولا زمنه، وهكذا مما أمر الله به، فهل يرى من يذهب هذا المذهب أن الصلاة المفروضة التي فرضها القرآن هي مطلق دعاء، أو مطلق ركوع أو سجود، وأن فعل ذلك يجزئ عما أمر به القرآن من صلاة؟! أو أن الزكاة المفروضة هي إخراج أية صدقة في أي وقت مهما وأيًّا كان مقدارها ونوعها؟! وأن الحج المفروض هو مجرد التوجه إلى البيت الحرام؟! هل يرى ذلك وفيه هدم للدين وقواعده والخروج على ما أجمع عليه المسلمون؟

وما أحسن ما قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: "أمَّا قولهم لو كان الدين في حاجة إلى السنة لتكفل الله بحفظها؛ كما تكفَّل بحفظ القرآن، فيرده أن الله سبحانه وتعالى إنما تكفل بحفظ ما أنزله من الذكر والسنة، وقد صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا للقرآن أوحى بها إليه، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ [53]، وكانت لذلك من الذكر وتابعة له محفوظة بكفالة الله سبحانه وتعالى، وكان ذلك مما دلت عليه هذه الآية، فإن المراد بالذكر فيها شرع الله ودينه، قرآنًا كان أو سنة؛ يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾[54]؛ أي اسألوا أهل العلم بشريعة الله ودينه، وقد صدق الله وعده فحفظ سنة رسوله كما حفظ كتابه، بما هيَّأ لها ممن حفظها، وتناقلها، ودارسها، وميز صحيحها من سقيمها ودخيلها، فأصبحت بذلك مدروسة محفوظة مدونة في مصادرها".
وقد نص الشافعي رحمه الله أيضًا في الرسالة على أن سنة رسوله موجودة عند عامة أهل العلم، وإن كان بعضهم أجمع من بعض، فإذا جمع علمهم جميعًا أتى عليها كلها[55].
يتبيَّن مما تقدَّم أن ليس لنا عن السنة غناء، وأن بيانها للقرآن أمر واجب لا مندوحة عنه، استوجبته صياغة القرآن ودلالاته وطرائق بيانه، وأن القرآن قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم على أساس أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر ببيانه؛ كما يدل على ذلك ما جاء به القرآن في هذا المعنى من آيات أشرنا إلى بعضها فيما سبق ذكره، وأنه سبحانه وتعالى قد أوحى إليه بهذا البيان، وأمره بتبليغه.
وإنه ليرى أن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في العبادات مما قام عليه الدين من أركان؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، جاء كذلك في بيان ما حواه القرآن من الأصول العامة، والقواعد الكلية، التي أسست عليها الأحكام الشَّرعيَّة الفرعيَّة، سواء منها ما تعلَّق بالمال؛ كالبيع، والربا، والتجارة، وما تعلق باقتراف المحرمات؛ كالسرقة، والزنا، وقتل النفس، والاعتداء على المال، وما إلى ذلك، وبيانها في الحالين، وأمرها فيهما ونهيها سواء، فإذا كان واجب الطاعة والاتباع وجوبًا مطلقًا غير مقيد بوقت في الحال الأولى، فهو كذلك في الحال الثانية، لتساويهما في المصدر، وتساويهما في الدلالة، وتساويهما في بيان ما أمر به الله في كتابه، وتساويهما في الحكمة والغاية، وإذا لم يكن ما أمر به الله في كتابه مؤقتًا، فكذلك بيانه يجب ألا يكون مؤقتًا، لأن البيان ملحق بالمبين، تابع له، ولازم لا ينفك عنه، وبهذا يظهر زيف ما يهرف به المخالفون المنحرفون من أن بيان السنَّة للقرآن إذا كان متعلقًا بالعبادات وأصول الدين كان بيانًا مطلقًا واجب الاتباع دائمًا ما دام للمبين قيام، أما إذا كان في شؤون المال والمعاملات فهو بيان تطبيقي روعيت فيه ظروف صدوره، وأعراف عصره، وحال أهله، فكان موقوتًا بزمنه وعصره، ينتهي بانتهائه، ويستدل على ذلك بتغيير الظروف والعادات والأعراف، إذ إن بيانه صلى الله عليه وسلم لا يراد منه إلاَّ تحقيق المصلحة العامة، وتوفير الخير والسلام للناس، فإذا ما تغيَّر وجه المصلحة وأصبح العمل بالبيان، وبما دل عليه من حكم مؤديًا إلى حرج الناس، وعنتهم فقد انتهَى وقتُ العمل بذلك الحكم، ووجب على النَّاس أن يجتهدوا في تحقيق وتحرير ما أراده الشارع وهدف إليه، من ملاحظة قيود أو خصوص أو عموم، فكثيرًا ما يجيء العام ويراد به خاص، وما يرد الخاص ويُقاس عليه غيره، أو يكون من الملحوظ تقييده، وهكذا مما يكون للاجتهاد فيه مجال.
وهذا كما يرى لا يصلح دليلاً على ترك العمل بالسنَّة، إذ مؤداه أن العمل بالسنة إنما يترك إذا ما تغير وجه المصلحة وانتفت علة الحكم، وأصبح في بقائه ضرر وعنت بالناس، وفي هذه الحال ينتهي الحكم ولا يكون له بقاء، وفرق بين انتهاء زمن العمل بالحكم، وبين ترك العمل به مع بقائه، وعلى الجملة فليس هذا من قبيل ترك العمل بالسنة؛ وإنما يعد من قبيل بيانها.
وهذا القول مع ملاحظة ما فيه من تقييد بعض ما جاء من الأحكام مطلقًا، ومن تخصيص بعض ما جاء من النصوص عامًّا، قد يرى فيه الجنوح إلى تحكيم الرأي، واعتباره قاضيًا على النص بتخصيصه أو بتقييده أو نحو ذلك، بناءً على اجتهاد أساسه ادعاء المصلحة التي يجب أن تكون مصلحة كلية قطعيَّة ضروريَّة أو حاجيَّة، حسب اختلاف الظروف والأحوال، ولا شك أن ذلك من مزالق الأفهام التي ترجى عندها العصمة، وتطلب فيها من الحكيم الرحمن الهداية، والشطط فيها والركون إليها مهلكة، ويجب أن يكون الرَّأي فيه عن إجماع من ذوي الضَّلاعة في الدين العالمين بأصول الشريعة وأسرارها.
رد الشبهة الثانية:
اختلفتِ الروايات في كتابة السنة على عهده صلى الله عليه وسلم فقد روي ما دل على كراهتها، وروي ما دل على إباحتها، وأشهر ما روي دالاًّ على كراهتها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ - قال همام: أحسبه قال: متعمِّدًا - فليتبوَّأْ مقعده من النار))، وما روي أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: جهدنا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لنا في الكتاب فأبى؛ وفي رواية: استأذنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فلم يأذن[56]، وما روي عن أبي هريرة أنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نكتب الأحاديث فقال: ((ما هذا الذي تكتبون؟))، قلنا: "أحاديث نسمعها منك"، قال: ((كتاب غير كتاب الله؟، أتدرون ما ضل الأمم قبلكم إلاَّ بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى))[57].
وأمَّا أشهر ما رُوِيَ عن إباحتها فما رواه عبدالله بن عمرو: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتْنِي قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بَشَر يتكلَّم في الغضب وفي الرضا؟! فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه، وقال: ((اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق))؛ سنن الدارمي، وما روي عن أبي هريرة أنه قال: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر مني حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب"؛ فتح الباري، وأن رجلاً من الأنصار كان يشهد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحفظه، فيسأل أبا هريرة فيحدثه، ثم شكا قلَّة حفظه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: ((استعن على حفظك بيمينك))؛ "تقييد العلم"، وما رواه رافع ابن خديج أنه قال: قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: ((اكتبوا ولا حرج))، وما رواه أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قيدوا العلم بالكتاب))؛ "تقييد العلم"، وما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس بعد فتح مكة فخاطبهم، فقام رجل من أهل اليمن، يقال له أبو شاه، فقال: يا رسول الله اكتبوا لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اكتبوا له))، مسند أحمد، وما روي عن ابن عباس قال: لما اشتد المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ائتوني بكتابٍ أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده))، قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قوموا عني ولا يبقى عندي التنازع))؛ صحيح مسلم.
وقد اختلفت الآراء في التوفيق بين ما ورد من السنة دالاًّ على كراهة كتابتها، وما ورد منها دالاًّ على إباحتها، إذ الظاهر من أحاديث الأمر بكتابتها أن الأمر فيها يراد به الإباحة والإرشاد لا الوجوب، بدليل عدم شيوع كتابتها، وعدم انتشارها في عهده صلى الله عليه وسلم إذ لم يقم بكتابتها إلا القليل الذي لم يكتب مع ذلك إلا جزءًا قليلاً منها، كما روي ذلك.
فذهب بعض العلماء إلى أن النهي عن كتابتها إنما كان في بداية الإسلام خشية اختلاط السنة بالقرآن، فإن العهد كان عهد بداوة، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة من المسلمين يومئذ إلا القليل، ولم يَكُنْ من الميسور له الحصول على ما يكتب فيه إلا أن يكون شيئًا من العسب، واللخاف، ورقيق الحجارة، ونحو ذلك مما لا يتسع لكثير من الكتابة، ولا يتيسر الحصول عليه بكثرة، فكان من المحتمل القريب الوقوع أن تكتب السنة والقرآن في مكتوب واحد، ولا يكون من وراء ذلك إلا الاختلاط، كالذي حدث لبعض الناس من الخلط بين القرآن، وما ألحقه به بعض القراء من كتابة كلمات أريد بها تفسير بعض كلماته، فظن بعض من شاهد ذلك أنها من القرآن، ولما شاع القرآن بينهم وانتشر حفظه، وعمت معرفته زال هذا الخوف، فنسخ النهي عن كتابة السنة، وأصبحت كتابتها جائزة، وإلى هذا ذهب كثير؛ منهم: الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل"، وابْنُ قتيبة في كتابه "تأويل مختلف الحديث"، ورجحه بعض العلماء استنادًا إلى أن حديث أبي شاه كان في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم وإلى أن أكثر ما روي عن أبي هريرة كان في إباحتها، إذ إنَّ إسلام أبي هريرة كان متأخرًا لم يدرك النهي عنها إلا مدة قصيرة، وإلى ما رواه ابن عباس من طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤتى بكتاب في مرضه؛ ليكتب فيه ما لا يضل الناس بعده، ثم إقدام أبي بكر على كتابة بعض الأحاديث، ومحوها خوفًا من أن تكون كتابته ذريعة إلى ترك بعض الأحاديث التي لم يكتبها بحجة أنها لو صحت لكتبت كما روي ذلك عنه، وهذا إلى تفكير عمر رضي الله عنه في خلافته في جمعها، ثم عدوله عن ذلك - كما روي - خشية إكباب الناس عليها وتركهم كتاب الله، وإلى انتشار كتابتها وشيوعها بعد ذلك، فكل هذا يرجح أن النهي عن كتابتها قد كان ثم نسخ، وذهب بعض العلماء إلى أنَّ النَّهي عن كتابتها إنَّما كان بالنسبة لمن يوثق بحفظه، ممن لا يخشى عليه الغلط، خوف اكتفائه بالكتابة، وعندئذ لا يؤمن معها التحريف، ولا عدم الضياع، أما الإذن فقد كان في حق من لا يوثق بحفظه كأبي شاه، لأن ذلك هو الميسور له - على أن من علماء الحديث من قال: إن حديث أبي سعيد حديث موقوف، فلا يصلح معارضًا لما ورد من آثار دلت على إباحتها، ودونه جميع ما روي عن كراهتها، وهذا رأي ذهب إليه البخاري وغيره[58].
ذلك ما روي في النهي عن كتابة السنة والأمر بمحو ما كتب منها، وما روي في معارضته، ومنه يتبين أن الوضع في ذلك لم يكن وضعًا مستقرًّا، وأنه على الأقل كان محل خلاف بين الصحابة، خلافًا مرده إلى التقدير واختلاف الظروف والزمن.

ومع هذا الوضع يكون من التَّجاوز في الرأي والقول أن يقال: لو كانت السنة أصلاً في الدين لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابتها؛ لأنَّ النهي عن كتابتها يعد نهيًا عن نشرها، أو يؤدي إلى ذلك فعلاً، كما يؤدي إلى نسيانها، وعدم العناية بحفظها، وذلك ما لا يتَّسق مع وجوب العمل بها، واتخاذها شريعة تقوم عليها معاملات الناس في مختلف أوطانهم، يكون هذا تجاوزًا في الرَّأي إذ لم يثبت أنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن كتابتها بصفة قاطعة، وعلى وضع مستمر دائم، حتى ترتب عليه آثاره ومعقباته.
ثم إذا لاحظنا أنَّ السنة ليست إلا بيانًا لكتاب الله وتطبيقًا له قام بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بأقواله وأفعاله، رأينا أن كتابتها في زمنه صلى الله عليه وسلم لم تكن بالأمر الذي يتوقف عليه العمل أو العلم بها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم في أصحابه، يستطيعون أن يرجعوا إليه في كل ما يعرض لهم فيبين لهم حكمه، مراعيًا في ذلك ظروف الواقعة وملابساتها التي لا تستقر ولا تدوم، فيكون بيانه هذا عندئذٍ أوفى بيانٍ، ولم تكن كتابة السنة يومئذ بالأمر الميسور المستطاع حتى يأمر بكتابتها، فقد كان رسول الله مبينًا وشارعًا، بقوله وفعله، في حله وترحاله، وفي حضره وفي سفره، وفي ذهابه وإيَابه، وفي بيته وفي خارج بيته، وفي زيارته وفي سوقه، وفي مسجده، وفي معاملته، فلم يكن لبيانه وقت محدود، ولا مكان معين، وذلك ما لا يمكن جمعه ولا يستطاع تتبعه وحصره، وما فيه إرهاق وعنت شديد في محاولته مع الاستغناء عنه بالأمر الميسور المُسْتَطاع، وهو الرجوع إليه صلى الله عليه وسلم حين تعرض الحاجة، فإن عرضت في مكان بعيد فقد رخص لمن عرضت له أن يجتهد وأن ينظر ما أمكنه ذلك، وأن يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده إلى أن يتيسر له عرض الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك كان منهج أصحابه في حياته صلى الله عليه وسلم وهو منهج يرى أن كتابة السنة معه وجمعها أمر غير ميسور، وغير محتاج إليه بالنسبة إليهم، وأن في التَّرخيص لهم بالاجتهاد إذا ما تعذر عليهم اللقاء والعرض غناء عن محاولة أمر متعذر هو حفظ كل ما نطق به الرسول في مختلف أحواله أو كتابته، وذلك ما كانوا يفزعون إليه دائمًا إذا ما خفي عليهم حكم ما عرض لهم من الكتاب والسنة، بعد البحث والسؤال عنه، دون حرج يجدونه في ذلك.
ذلك ما كان عليه الأمر حال حياته صلى الله عليه وسلم أما بعد وفاته فقد كان من الصحابة من أحجم عن كتابتها متابعة منهم لما حدث من بعضهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصًا منهم على سلامة الكتاب، وعدم الاشتغال عنه بالسنة المكتوبة؛ بل حرصًا منهم أيضًا على السنة نفسها إذ كان من المتعذر استيعابها، ولو اكتفى بكتابة ما عرف منها لم يؤمن أن يترك منها ما لم يعرفه الكاتبون بحجة أنَّه لو كان صحيحًا ما تركت كتابته، وكان منهم من أقدم على كتابتها وكتبها تلاميذهم بين أيديهم بل وأمروا بكتابتها، كما ثبت ذلك، مما روي عن علي، وعن ابن عباس، والحسن، وأنس، وغيرهم؛ بل كان منهم من كتبها بعد أن كان كارهًا لذلك أول الأمر، لما قام عنده حينئذٍ من أسباب المنع، فلما رأى أنها قد زالت كتبها وأمر بكتابتها، ونرى ذلك فيما روي عن ابن مسعود، وأبي سعيد، إذ كانوا يكرهون كتابتها، ثم كتبوا بعد ذلك؛ فقد روي أنهم كتبوا التَّشهد والاستخارة، وليس ذلك إلا من السنة[59]، ثم هم جميعًا مع هذا كانوا شديدي الحرص على العمل بها، لا يرون لأنفسهم مندوحة في إغفالها وتركها، فكانوا إذا عرض لهم من الأمور ما ليس في كتاب الله حكمه رجعوا إلى السنة، فبحثوا فيها وسألوا عنها، لا يألون في ذلك، حتى إذا عجزوا أن يجدوا فيه سنة اجتهدوا واسترشدوا بكتاب الله وسنة رسول الله، عملاً بقوله تعالى: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [60].
وإنا لنرى أن في كتب الخلفاء إلى أمرائهم وولاتهم فيما سئلوا عنه منهم مما أشكل عليهم حكمه مما لم يعلموا فيه سنة، وما كانت تحويه هذه الكتب من سنة في حكم ما سئلوا عنه - دليلاً على عناية الخلفاء بنشر السنة وإبلاغها، وأن ذلك إنما كان منهم عند الحاجة حيث كان الظن بالأمراء والولاة أنهم من المختارين الذين هم على عِلم بكتاب الله وسنة رسوله وطريق اجتهاده صلى الله عليه وسلم وأنهم قل أن يعرض عليهم ما يجهلون حكمه أو يجهله من معهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا لم تكن هناك حاجة داعية إلى نشر السنة على الأمراء والولاة في قراطيس ترسل إليهم، لما كان عندهم من علم، وعلى ذلك كان من التجاوز في الرأي أيضًا قول هؤلاء المنحرفين: لو كانت السنة أصلاً في الدين لعمل الخلفاء على نشرها، ولم يكن منهم شيء من ذلك.

أما ما روي من عدم إقبال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على روايتها والتحديث بها عند الحاجة إلى ذلك؛ لأنهم أحرص الناس على ألا يحق عليهم قول الله تعالى في كتابه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ﴾ [61].
وإنما كانوا زاهدين في ذلك عند عدم الحاجة إليه؛ خوفًا من أن يحمله عنهم من لا يضبطه، فيزيد فيه أو ينقص، أو من يرويه بمعناه فيخطئ في فهمه، ويرويه على غير وجهه، وفي المرويات الكثيرة المتواترة المعنى ما يدل على مبلغ حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على العمل بالسنَّة وعدم مخالفتها، وأن ما كان من خلاف بينهم في أمر جاءت به إنما كان مرده إلى الخلاف في الفَهْم دون جنوح من أحدهم إلى إرادة الخروج عليها وعدم العمل بها، وعلى الجملة فوجوب العمل بالسنة والعمل بها كان أمرًا مجمعًا عليه عقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأمصار والولايات، ولم يظهر خروج عن ذلك إلا بعد ظهور الفتن وظهور الفرق، كالمعتزلة، والفلاسفة، والجهمية، وغيرهم، ممن لا وزن لخلافهم بعد هذا الإجماع الذي استمر نحو قرن من الزمان.

أما القول بأن السنة قد تأخر تدوينها إلى زمن أوهن الثقة بضبطها، فهو قول أملاه الهوى والغرض على صاحبه؛ لأنه أغفل ما كان لعلماء السنة من جهود كبيرة شاقة في مكافحة التحريف والتغيير والوضع، مما أمن معه عند تدوينها في النصف الثاني من القرن الأول أن يكون فيما دون منها شيء من ذلك، وذلك بقدر ما وصلت إليه جهودهم، وبخاصة إذا لوحظ ما أتاحه الله لها من طرق حفظها، وصيانتها التي ظلت متصلة عبر تلك المدة التي سبقت تدوينها، حتى تم تدوينها على خير ما أدت إليه الرغبة الشديدة الملحة والقدرة الدائمة المتمكنة، مما لا يرتفع إليه شك ولا تصاحبه ريبه، وكان الأمر فيها رجحان الظَّن بصحة نسبتها، وبراءتها من التغيير والتَّحريف، مما أوجب على جميع المسلمين العمل بها.
رد الشبهة الثالثة - رواية الحديث بالمعنى:
ليس لهذه الشبهة قيام إلا إذا كان من أثرها الشك في صحة الحديث، وفقدان الظن بصحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنة كما نعلم منها المقطوع به، ومنها المظنون، والمقطوع به لا يصلح محلاًّ لهذه الشبهة، إذ في القطع به إزالة ونفي لكل شك ولكل ريبة، أما المظنون فهو الذي يصلح أن يكون محلاًّ لبحث هذه الشبهة والنظر فيها، والمظنون كما تعلم إذا كان الظن بصحة نسبته راجحًا وجب العمل به، وإلا لم يجب به العمل، وبناء على ذلك لا يكون لهذه الشبهة أثر إلا فيما عمل به، إذا كان من أثرها الشك فيه وعدم الظن بصحة نسبته، أما مع وجود هذا الظن بصحة نسبته فالعمل به واجب، ولا أثر لاحتمال الخطأ بروايته بالمعنى، لأنه احتمال يبعده الدليل.

لقد كان الصحابة والتابعون وأتباعهم يتثبتون في قبول الأخبار وروايتها، شديدي الورع والخشية عند روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد أن يعلمهم إياه، من بيان في دين الله، أو حديث في إفتاء أجاب به في سؤال رفع إليه، أو قضاء في نزاع فصل فيه، وذلك إذا ما دعا إلى روايتهم ذلك حادثة عرضت لهم، يود الراوي منهم لو كفي مؤونة ذلك، مخافة ألا تكون روايته على وفق ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما دلت عليه آثار عديدة، رويت حول تثبت الصحابة في الرواية، وميل بعضهم إلى الإقلال منها مخافة الوقوع في الخطأ[62].
ولقد كان كثير منهم شديد الحرص على نقل الحديث بألفاظه؛ كما سمعوه من الرسول، كما يدل على ذلك كثير من تلك الآثار المروية، وكما كان منهم من ترخص عند الحاجة في الرواية بالمعنى، فكان لا يجد حريجة في روايته حديثًا بمعناه إذا ما أعوزه اللفظ لنسيان، مع الإشارة إلى أن ما يرويه ليس بما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من لفظ، وذلك بأن يضيف إلى الحديث ما يدل على ذلك من نحو: هكذا، نحوًا من هذا - قريبًا من هذا - كما قال[63]، وذلك لوثوقه من فهمه، ومن معرفته باللغة العربية، ودلالتها، وأساليبها، وطرائق استعمالها، والإحاطة بمعاني ألفاظها.
وخلاصة القول في ذلك أن رواية الحديث بالمعنى كانت محل خلاف بينهم، منهم من منعها وأبى ألا يروي حديثًا إلا بلفظه الذي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نقل عنه، ومنهم من أجاز ذلك بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرع للناس في جميع أحواله وأزمانه، وفي كل مكان يحل فيه، وليس من المتيسر أن يوجد معه في كل أوقاته وأماكنه الحافظ الضابط الذي يستطيع حفظ لفظ كما سمعه، والمحافظة عليه دون نسيان أو تغيير، وللناس جميعًا حاجة فيما شرع، ولا تندفع إلا بإبلاغهم، وليس يتيسر إبلاغهم دائمًا بما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبارة، لذلك وجب الاكتفاء بإبلاغ المعنى مع المحافظة عليه، وذلك أمر ميسور، ولا مشقة فيه.
وإلى هذا كان من شرعه ما هو تقرير لما حدث أمامه من قول أو فعل، وليس يروى ذلك إلا بما يدل عليه من ألفاظ لم تصدر عن الرسول، وإذا كان ذلك سبيلاً معتبرًا لرواية السنن الفعلية كان سبيلاً كذلك لرواية السنن القوليَّة.

ويؤيد هذا الرأي ما رواه عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة - رضي الله عنها -: يا بني يبلغني أنك تكتب الحديث عني ثم تعود فتكتبه، قلت لها: أسمعه منكِ على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره، فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قلت: لا، قالت: لا بأس - وعن محمد بن سيرين ربما سمعت الحديث عن عشرة كلهم يختلف في اللفظ، والمعنى واحد[64].
وكذلك خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع خطبته وهي خطبة لم يكررها، ومع ذلك رويت بروايات عديدة، تختلف في ألفاظها وعباراتها، كما تختلف بالزيادة والنَّقص، مما يقطع أنها قد رويت بالمعنى دون أن يكون في ذلك حرج.
ويؤيد هذا أن الله - سبحانه وتعالى - قد قص علينا من أنباء الرسل ما قد سبق أن قصَّه، فكررها بألفاظ مختلفة في مواضع متعددة، ونقلها من ألسنة أصحابها إلى اللسان العربي مع مخالفة بعضها بعضًا في التَّقديم والتَّأخير، والزيادة والنقصان؛ ولكن مع اتحاد المعنى، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل سُفراءه ورسله فينقلون رسائله ويترجمونها إلى غير اللُّغة العربية، مع المحافظة على معناها، وذلك ما يقطع بجواز الرواية بالمعنى عند المُحَافظة عليه، ولذلك مال كثير من التابعين إلى هذا الرأي، فأجازوا لأنفسهم الرواية بالمعنى عند حاجتهم إلى ذلك حتى لا يكون امتناعهم عن الرواية في هذه الحال كتمانًا لما أنزل الله من حكم، وذلك ما توعد عليه سبحانه وتعالى إذ قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ ﴾ [65].
وقد اشترط لجواز الرواية بالمعنى شروط يؤمن معها التَّغيير في الحديث بالزيادة أو بالنقص أو الاختلاف في المعنى، فأَوْجَبُوا أن يكون الراوي ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث، ويغيرها من الألفاظ، وذلك لا يتوفر إلاَّ إذا كان عالمًا بلغات العرب ووجوه أساليبها، بصيرًا بالمعاني والفِقه، فمن لم يكن بهذه الصفة كان أداء اللفظ له لازمًا، ولم تجز له الرواية بالمعنى[66]، وإذا توفرت هذه الشروط في الراوي كان احتمال الخطأ بالنسبة إليه أشبه بالأمر الموهوم الذي لا يؤبه له، ولا يصح الالتفات إليه، ولا اتخاذه أساسًا لرد القول أو تركه، وبخاصة إذا لاحظت ما كان عليه السلف من أمانة، وثقة، وورع، وصدق دين، ويقين، ولاحظت مع ذلك أن لكثير من الأحاديث على كثرتها وتعددها طرقًا متعددة لا ترى خلافًا بينها في المعنى، وفي تعددها أمان من وقوع الخطأ فيها من ناحية المعنى، وعلى هذا الأساس يكون الظَّن بصحة الرواية بالمعنى قائمًا راجحًا، ومعه يجب العمل، لما قدَّمنا من قيام الدَّليل القاطع على وجوب العمل بالظَّن، فيما لا يتعلَّق بأصول الدين التي يكفر جاحدها، وهو ما علم من الدين بالضَّرورة، والقول في ذلك مفصل في كتب الأصول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق