الأحد، 20 يناير 2019

♥مواجهة اعداء الاسلام من منكرى السنة(11)


مواجهة اعداء الاسلام من منكرى السنة(11)
ما وجه إلى حجيتها من شُبُهَات:
أشرنا فيما سبق إلى ما جاء في الكِتاب العزيز منَ الآيات الدَّالة على أنَّ طاعة الرَّسول واجبة في كل ما أمر به، وفي كل ما نهى عنه، وإلى أنَّ دلالة هذه الآيات باجتماعها وأساليبها دلالة قاطعة، لا تقوم معها أيَّة شُبْهة في وجوب هذه الطَّاعة، ولا في حجيَّة هذه السنَّة فيما جاءت به من أحكام، وأن إنكار ذلك إنكار وتكذيب لما جاء به القرآن الكريم وأكَّده ووثَّقه، ولكن بعض الناس ممن خدعهم زيف المستشرقين والمبشرين قامت في أنفسهم آراء منحرفة بسبب ما تلقوه من هؤلاء من شبهات صدَّتهم عن الحق، وأعمتهم عن النور، فمنهم من ذهب إلى أن الله - سبحانه وتعالى - لم يتعبد الناس إلاَّ بما شرعه القرآن، فهو وحده واجب الطَّاعة، وليست السنَّة إلا بيانًا له وتطبيقًا مؤقتًا في أحكام المعاملات، روعي فيه ما كان لزمن صدورها من عادات وأعراف ومعاملات، وما كان لأهله من علم ومعرفة وإمكانيَّات وتقاليد، ولذلك لم يكن للطاعة الواجبة صفة الدوام والاستمرار في هذا النطاق، وإنما كانت موقوتة بعصرها، حتى إذا تغير العصر بعاداته وأعرافه تغيَّر التَّطبيق، لما جاء من عموم في الكتاب خاصًّا بالمعاملات، ولم يكن ما ورد من السنة في ذلك واجب الطاعة.
وعلى هذا الأساس وجدت جماعة في الهند تَسَمَّت بجماعة القرآن، أو بأهل القرآن، لا تعمل إلا به على النَّحو الذي يهديها فهمها إيَّاه، وكذلك وجد في الناس من طعن في حجية السنَّة، ومثلهم وجد قديمًا فماتت مزاعمهم بانقضاء زمنهم؛ ولكن من يوجد الآن يتمسك في عدم الاحتجاج بالسنة بمزاعم ليس لها أساس ولا حقيقة، ولا قيام لها على واقع إلاَّ ما زوروه من خيال، فطعنوا في روايتها وطريقة نقلها، وكان ذلك على غير هدى، قالوا: كيف تكون السنة حجة على الناس تلزمهم أن يعملوا بها، مع ما نراه فيه من خلاف، واضطراب، وتناقض في مروياتها، وما نشاهده فيها من زيادات في بعضها، ونقص في بعضها الآخر، وما هو معلوم مما أضيف إليها، وأدخل عليها من موضوعات كثيرة تفوقها عددًا، اختلطت بها ولم يتيسر تخليصها من كثير منها، وهذا مع ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النَّهي عن كتابتها، ومحو ما كتب منها في عهده، ثم عدم الميل إلى كتابتها بعد وفاته، وتأخير كتابتها وتدوينها إلى نهاية القرن الأول الهجري، وميل الكثرة من جلَّة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى روايتها ونشرها، وذلك كله مع ما كان الرواة معرضين له من السهو والنسيان وسوء الحفظ، وقلَّة الضَّبط، وسوء الفهم، مما يعرض عادة للناس على اختلاف بينهم في ذلك، وكل ذلك مما لا تطمئن معه نفس إلى صحة نقلها، ووصولها إلينا؛ كما صدرت منه صلى الله عليه وسلم ومع اجتماع هذه الشكوك والريب تنتفي الطمأنينة إلى سلامتها؛ كما ينتفي الظن بصحة نسبتها، وبذلك تزول حجيتها، أو لا يجب العمل بها.
هذه مقالتهم، وهي تستند كما يرى على أوهامٍ وشُكُوك، منها ما يتعلَّق بروايتها، ومنها ما يتعلق بحجيتها، وهي كما نرى دعاوى تتسم بالإجمال والعموم، وعدم التَّفصيل والتَّركيز، يلقى القول فيها على عواهنه دون استناد إلى واقع معين مُفَصَّل، أو مثل محدودة مبينة، فادعاء التناقض والخلاف والاضطراب والزيادة والنقص بهذا الإجمال وعلى هذا الوضع من العموم، ادعاء باطل، فليس يوجد شيء من ذلك إلا في القليل النادر الضئيل العدد، ثم هو لا يوجد مع ملاحظة هذا إلا في الأحاديث الضعيفة المنكرة التي فقدت حجيتها، وإذا وجد في الصحيح شيء من ذلك فبحسب الظاهر، ولم يكن وجوده فيها إلا بالنسبة إلى النظرة الأولى الخاطفة، أمَّا عِنْدَ استِيعاب النَّظَرِ، وعُمْقِ الفَهْمِ فلا يرى لذلك من أثر، وقد ألفت في ذلك كتب عديدة مستقلَّة تكفَّلَتْ بِبَيان ذلك، فارتفع ببيانِها ما زعموه من الخلاف والإشكال، وتبين عدم وجود شيء من ذلك، على أنَّ وجود ذلك في فئة قلية العدد من الأحاديث قلَّ أن يكون منها حديث صحيح لا يطعن في السنة جملة، ولا يضعف من قوتها وحجيتها التي قامت عليها الأدلة القاطعة، فكيف إذا تبين أن ليس لمثل هذا وجود في باطن الأمر وحقيقته؟
أمَّا الموضوعات فقد كان لعلماء الحديث مجهودهم الدائب الذي لا ينكر في تعرفها وتمييزها وتخليص السنة منها، وذلك بواسطة ما وضعوه من قواعد وأمارات وضوابط، وبما عرفوه عن الرواة، وتاريخهم وسيرهم، ومنِ انْدَسَّ بينهم من الكذبة، والوضاعين، والمنافقين، وقد كانت معرفتهم لذلك معرفة واعية مستوعبة، متعددة الطرق والمناهج، وبذلك خلصوا السنة مما خالطها من الموضوعات، وألفوا في ذلك الكتب العديدة المستقلة، التي تكفلت بحصر الموضوعات وبيانها، وبذلك سلمت السنة - بحمد الله ووفائه بوعده الذي أنزله في كتابه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[43].
أمَّا ما أشاروا إليه من تَعَرُّض رُواتِها للسهو، والنسيان، والغلط، وسوء الحفظ، والضبط، فقد كان لعلماء الحديث كما قدَّمْنَا في تجنُّب هذا، وبراءة الرواة الذين أخذ الحديث عنهم الجهد الذي لا ينكر، وذلك أنهم قد احتاطوا في قبول الحديث، وتثبتوا وتأكدوا من الأخبار ورواتها، وكان هذا منهجهم، ومنهج الصحابة والتابعين من قبلهم؛ بل ومنهج من جاء بعدهم، فحاولوا جميعًا التثبت بكل وسيلة ممكنة، تضمن لهم معرفة صحة المروي وضبط راويه وعدالته والوثوق به، وكان من طرائقهم في ذلك أيضًا طلب الحديث من راوٍ، أو من سند آخر، وجمع طرقه كلها، والرجوع إلى أئمة هذا الشأن، حتَّى استطاعوا بذلك وبغيره من الطرق التثبت من صحة الرواية، وتعرف الرواة وأحوالهم، ومن كان به عاهة من غفلة، أو نسيان ومن أصابه خطأ في روايته، حتى وصلوا بذلك إلى الطمأنينة والثقة بالرواة ومروياتهم، وحتى كانوا لا يقبلون إلا ما روي عمن عرف بالصدق، والأمانة، والحفظ، والإتقان، والضبط، وكانوا يرددون ما كان يتردد على ألسنة العلماء: "إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"، لذلك كانوا يتجنبون الرواية ممن كان يعرف بينهم بضرب من الغفلة، وإن اشتهر بالصلاح والتقوى، ولقد نقل عن الإمام مالك رضي الله عنه أنه قال: "أدركت بالمدينة مشيخة لهم فضل، وصلاح، وعبادة يحدثون، فما كتبت عن أحدهم حديثًا قط"، فقيل له: "لم؟"، قال: "لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يُحَدِّثُون"، قال: "وكنا نزدحم على باب ابن شهاب"، وهكذا يرى أنَّ ما لاكته ألسنة هؤلاء المارقين من طعون وشبهات - وجهوها إلى الرواة ورواياتهم - لا أساس لها، ولا تستند إلى واقع، ولا يمس صحة السنة، ولا ترتفع إلى مستوى النظر إليها والاعتداد بها، بعد الذي صينت به رواية السنة، وحوفظ به على متنها، وكان ذلك يلاحظ أن ما وجهوه من ذلك إلى بعض رواة الحديث من مطاعن، أو إلى أحاديث معينة من شبهات، لا يقدح في السنة جميعها، ولا ينال من الرواة أجمعين، وفي بحثه وتمحيصه والرد عليه وضعت كتب مستقلة، ومقالات مفردة، وليس لأجله وضع هذا البحث[44].
أمَّا ما أشاروا إليه من النَّهي عن كتابتها، وعدم تدوينها ونشرها وروايتها بالمعنى، فذلك ما نعرض له فيما يلي، داحضين ما استندوا إليه من ذلك.
لقد أقام هؤلاء ضلالهم وانحرافهم على الشبهات الآتية:
أولاً: قال الله تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾ [45]، وقال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾[46]، قالوا: وهذا يدل على أن القرآن الكريم قد تضمن كل أمر من أمور الدنيا، وكل حكم من أحكامها، كما يدل أيضًا على أن بيانه في ذلك بيان كاف لا تفريط فيه، ولذلك تكفل الله بحفظه فقال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [47]، وقالوا: لو كان الدين في حاجة إلى السنة لتكفل بحفظها؛ كما حفظ القرآن، فلم يخالطها ما خالطها، ولم يمسَّها ما مسَّها من إهْمالٍ، وعدم تدوين، وكتابة إلى آخر ما ذكروا.
ثانيًا: لو كانت السنة أصلاً واجبة الاتباع دائمًا لأمر النبي بكتابتها، ولم ينه عن ذلك، ولم يأمر بمحو ما كتب منها، ولعمل الصحابة على جمعها وتدوينها، كما جمعوا القرآن ودونوه في المصاحف، ولعمل الخلفاء والأمراء على نشرها في الأقطار، إذ إن في ذلك صيانتها، ووصولها إلى المسلمين في مختلف بلادهم، وفي مستقبل أيامهم سليمة متواترة مقطوعًا بصحتها، حتى لا يكون العمل بها اتباعًا للظن، وقفوًا لما لا يعلم، وقد قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً ﴾ [48]، وقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [49].

ثالثًا: أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم رواية الحديث بالمعنى، فشاعت وانتشرت، ومع الرواية بالمعنى لا يؤمَنُ أن يقع من الرَّاوي من غير قصد تغيير فيما سمع، بالزيادة أو بالنقص، أو بالغلط في الفهم أو بالتبديل؛ كما لا يؤمن أن يكون الراوي مصيبًا في فهمه، واعيًا لكل ما صاحب الحديث من ظروف وأحوال روعيت في شرع ما دلَّ عليه من حكم، دون أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، اكتفاءً بدلالة الحال، فيروي الرواة الحديث مُطْلقًا، في حين أنه صدر مقيدًا بما دل عليه الحال، أو مقيدًا في حين أنه قد صدر مطلقًا لم يراع فيه الراوي ما صحبه من أمارات تدل على إطلاقه، وكثيرًا ما تكون دلالة الحال عنصرًا هامًّا في الدلالة والبيان، فإذا حدث شيء من ذلك - وهو أمر قريب الاحتمال - لم يكن العمل بما دلَّ عليه الحديث برواية راويه شرعًا لله يجب اتباعه،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق