الأحد، 20 يناير 2019

♥ مواجهة اعداء الاسلام من منكرى السنة(10)


  مواجهة اعداء الاسلام من منكرى السنة(10)
وجوب العمل بالسُّنَّة:
لقد بان مما تقدَّم أن السنة أصل من أصول الدين، وأنها المصدر الثاني للأحكام الشرعية، وأن العمل بها واجب؛ لأنه طاعة لله ولرسوله، وأن تركها ومخالفتها ترك لكتاب الله، ورفض لما أمر به، وذلك ما يقضي به كتاب الله فيما ذكرنا وأشرنا إليه من آيات، وهو ما اتفق عليه المسلمون وأجمعوا عليه، وجرى عليه العمل في عهده صلى الله عليه وسلم وفيما تلاه من عهود، وذلك ما لا ريب فيه بالنسبة إلى السنة جملة، وبالنسبة إلى ما تواتر منها إفرادًا وتفصيلاً، للقطع بصحة النسبة عندئذٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أما عند النظر إلى السنة إفرادًا وتفصيلاً، فإننا لا نقطع بصحة نسبة حديث معين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا كان متواترًا، فإذا لم يكن متواترًا لم نقطع بصحة نسبته، وأمكن حينئذ أن يصل الظن إلى ما يترجح معه وروده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى ما لا يترجح معه ذلك، وذلك ما يكون نتيجة للبحث والنظر في حال السند والمتن، بمراعاة القواعد والضوابط التي أرشد إليها علماء الحديث، وثبتتها القواعد العلمية المتعلقة بنقل الأخبار وصحتها.
فإذا ما انتهى باحث من بحثه في حال حديث إلى ترجيح وروده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلب ذلك على ظنه، وسلم مع ذلك من النسخ في ظنه، فقد وجب عليه العمل به، إذ إن وجوب العمل شرعًا منوط بالظن لا بالقطع، فذلك ما قام عليه الدليل القطعي، كما هو مبين في موضعه، وإذا ما انتهى بحثه إلى خلاف ذلك لم يجب عليه العمل به، وإن وجب على غيره ممن نظر وبحث فانتهى إلى غير ما انتهى إليه هذا الباحث من ترجيح صدوره عن الرَّسول - صلَّى الله علَيه وسلّم - وعدم ورود المعارض له، وكثيرًا ما رأَيْنا أنَّ منَ الأئمة مَن لم يعمل ببعض ما رواه منَ الحديث، إمَّا لظن نسخه وإمَّا للشَّك في صِحَّة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما نرى غيرهم منَ الأئمة قد عمل به، ولقد وجد أبو بكر الأبهري أنَّ في موطأ مالك نيفًا وسبعين حديثًا، ترك مالك نفسه العمل بها مع روايته لها.
وبناءً على ذلك فإنَّا نريد في بحثنا هذا أن نعمد إلى ما وجه من شبه ومطاعن إلى السنة جملة من حيث روايتها، وما وجه من طعون إلى حجيتها، لا بالنظر إلى حديث معين فنبين زيف ذلك وبطلانه، أما ما وجه من ذلك إلى حديث معين أو إلى سند معين، أو راوٍ معين، فذلك من الموضوعات الجزئية التي تتعدد بتعدد متعلَّقها، ولا يعد ما تحويه من شبه ومطاعن موجهًا إلى السنة من حيث إنها أصل من أصول الأحكام الشرعية واجب التطبيق، وما كان من ذلك فقد وضعت فيه كتب ورسائل مستقلة منها المطول ذو الإطناب، ومنها المختصر ذو الإيجاز، وليس مما يتسع له بحث كبحثنا هذا، وذلك لما قصد منه من درء ما يوجه الآن إلى السنة من شبه من حيث إنها أصل وحجة في الدين، ولا يجوز خلافها، وما وجه إلى روايتها من حيث إنها طريق سليم لنقلها إلينا كما صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وفيما يأتي لما وجه إلى السنة من شبهات وشكوك في العصر الحاضر، وسنرى أنَّ منه ما يتعلق برواية السنة، ومنه ما يتعلق بوجوب العمل بها على وضع دائم لا يتغير بتغير الزمن، ولا يختلف باختلاف الأمم.
ما وجه إلى روايتها:
ذكرنا أن وجوب العمل بالحديث منوط بصحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقينًا أو ظنًّا فما صحت نسبته إليه صلى الله عليه وسلم على سبيل القطع، كالحديث المتواتر، أو ظنًّا كالحديث الصحيح من الآحاد، وجب العمل بمقتضاه، وحرمت مخالفته، وما لم يتحقق فيه ذلك لم يجب العمل به.
وقد كانت عناية رجال الحديث بالسند ورجاله في سبيل توثيقهما والحكم على الحديث بصحة نسبته أو بعدم صحتها - عناية فائقة، لم يجد معها المغرضون ولا الناقدون أية ثغرة ينفذون منها إلى توجيه أي نقد ينال من الأسس والقواعد التي وضعت لوزن الأسانيد ورجالها، وما بني على ذلك من أحكام كان لها آثارها في الحكم على الحديث قوة وضعفًا وقبولاً وردًّا، كما كان لها الأثر البالغ في التعرف على كثير من الأحاديث الموضوعة؛ وتمييزها من الأحاديث الصحيحة، وقد كانت هذه القواعد والأسس نتيجة بحث دائب في بيان حال الرواة وسيرتهم، وعمن أخذوا عنه، وعمن أخذ عنهم، ومن عاصرهم ومن لم يعاصرهم، وفي بيان من عرف منهم بالضبط، والحفظ، والاتفاق، والصدق، ومن كان منهم على خلاف ذلك من الكذب والوضع أو السهو، أو سوء الحفظ، أو التدليس، أو عدم الضبط، وفي بيان طرائق سماعهم وتحملهم، وذلك بحسب ما وصل إليه جهدهم، وانتهى إليه تحريهم وبحثهم.
ولم تصل أمة من الأمم إلى ما وصلت إليه الأمة الإسلامية في ذلك من الدقة والتحقيق، وفي وضع الأسس والقواعد التي يبنى عليها الحكم على الأخبار وروايتها، ولهذا كان ما وجه من النقد إلى السنَّة من بعض المستشرقين أو الناقدين المغرضين أو غير المغرضين، ومن لف لفهم وخدع بأفكارهم موجهًا أكثره إلى ناحية المتن، فقد زعموا أن رجال الحديث لم يعنوا بالمتن عنايتهم بالسند، وأن ما وضعوه في سبيل الحكم على المتن من القواعد لم يكن كافيًا لتمييز الصحيح من غيره، مما كان سببًا في عدم التعرف على كثير من الأحاديث الموضوعة، واختلاطها بالأحاديث الصحيحة، وكان ذلك بناءً على ما وصل إليه تحريهم وبحثهم في سلامة أسانيدها، وتوافر الثقة في رجالها، وهي ثقة كما نعلم قامت على التحري، والسماع، والتقدير، وذلك أمر يتعرض للخطأ، وتختلف فيه الأنظار باختلاف الناس وتفاوتهم في أفكارهم وأنظارهم وبحوثهم، ويؤيد أصحاب هذا الرأي رأيهم هذا بذكر بعض أحاديث وردت في الصحاح، يرونها من ناحية ما دلت عليه غير مقبولة في عقولهم، أو معارضة لما هو معروف مسلم لديهم من الوقائع والقضايا، وذلك مثل ما أخرجه البخاري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من اصطبح كل يوم تمرات عجوة، لم يضره سم، ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل))، وفي رواية: ((سبع تمرات عجوة))، وفي رواية أخرى: ((من تصبح كل يوم بسبع تمرات))، ومثله لمسلم عن سعيد بن أبي العاص، وروى مسلم أيضًا عن أنس بن مالك: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((متى تقوم الساعة؟))، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال: ((إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة))، قال أنس: ذاك الغلام من أترابي يومئذ، وقد مات أنس سنة 93 هـ وهو ترب الغلام والواقع أن هذا النقد لا يخلو من حيف وجور في الحكم على الجهود التي بذلها علماء السنة للحكم على الحديث من ناحية متنه، وإذا كانت جهودهم في هذا المجال من حيث التفصيل والمادة دون جهودهم في سبيل الحكم على السند ورجاله، فإن ذلك التفاوت لا يرجع إلى نقص أو تقصير بالنسبة لما يتطلبه النظر في المتن وحاله والحكم على الحديث بناء على ذلك، وإنما يرجع إلى أنَّ أحوال المتن ليس لها ما لأحوال السند من تنوع وتعدد واختلاف، مما أدى إلى كثرة البحوث والعلوم المتعلقة بالسند، ولم يغفل علماء الحديث النظر في المتن، وما يجب أن يتوافر فيه من الصفات الدالة على صحته، وما يجب أن يبرأ منه المتن من العلامات والشواهد التي إذا وجدت فيه دلت على وضعه مما هي كفيلة بالتعرف على أي حديث موضوع، وتمييزه عند مراعاتها.
وهذا بيان أهمها في إجمال:
(1) ركاكة معناه وضعفه: قال الحافظ ابن حجر ما خلاصته: ركاكة معنى الحديث يدل على وضعه، وإن لم ينضم إلى ذلك ركاكة في لفظه، لأن الدين كله محاسن والرداءة والضعف مما ينأى عنه الدين.
(2) فساد معناه: وذلك بأن يخالف ما تقضي به العقول السليمة دون إمكان تأويله، كأن يخالف البدهيات، أو ما هو معروف مسلم به من القواعد العامة في الحكم والأخلاق، أو داعيًا إلى الاستجابة إلى الشهوة والمفسدة أو مخالفًا للحس والمشاهدة، أو لقطعيات التاريخ، وللسنن الكونية أو لبدهيات الطب، أو المعقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسله، أو مشتملاً على سخافات لا تصدر عن عاقل، وفي ذلك يقول ابن الجوزي: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع.

وقال في "المحصول": كل خبر أوهم باطلاً، ولم يقبل التأويل فمكذوب، أو قد نقص منه ما يزيل الوهم.
(3) مخالفته للكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي: قال ابن قيم الجوزية: ومن الأمور التي يعرف بها أن الحديث موضوع مخالفته صريح الكتاب، كحديث مقدار مدة الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة؛ لمخالفته قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ﴾ [الأعراف: 187]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ [لقمان: 34]، ومن ذلك أيضًا مخالفته صريح السنة المسلم بها شهرتها أو لتواترها.
(4) مخالفته الوقائع التاريخية المقطوع بصحتها: وذلك مثل ما رواه مسلم بسنده عن أبي وائل قال: خرج علينا ابن مسعود بصِفِّين، فقال أبو نعيم: أتراه بعث بعد الموت؟ إذ قد توفي قبل ذلك، ومثل ما رُوِيَ من أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وضع الجزية عن أهل خيبر ورفع عنهم الكلة والسخرة بشهادة سعد بن معاذ، وكتابة معاوية بن أبي سفيان، مع أن الثابت أن الجزية لم تكن مشروعة عام فتح خيبر، وإنَّما نزلتْ آيةُ الجزية بعد تبوك، وأنَّ سعدًا توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، وأنَّ معاوية إنَّما أسلم عام الفتح.
(5) صدور الحديث من راوٍ تأييدًا لمذهبه وهو متعصب مغالٍ فيه: وذلك كالأحاديث التي صدرت من أتباع المذاهب الفقهية والكلامية، تأييدًا لمذاهبهم أو مذهب إمامهم مثل: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له"، ومثل: "المضمضة والاستنشاق للميت ثلاثًا فريضة"، ومثل "من قال القرآن مخلوق فقد كفر".
(6) اشتمال الحديث على إفراط في الثواب العظيم جزاء عمل صغير، أو اشتماله على مبالغة في الوعيد الشديد على الأمر الحقير: وذلك كالأحاديث التي وضعها القصاص في ثواب بعض الأعمال، وفي جزاء بعض الجرائم والمخالفات.
(7) أن يتضمن الحديث أمرًا من شأنه أن تتوفر الدواعي إلى نقله؛ لأنَّه وقع بمشهد عظيم، ثم لا يشتهر ولا يرويه إلاَّ واحد: وبِهذا حَكَمَ أهل السنة على حديث غيرهم بالوضع، وهو الحديث المتضمن النص على خلافة علي ووصايته[42].
ولا شكَّ أن هذه أسس سليمة رصينة محكمة كفيلة بتمييز الأحاديث الموضوعة من الأحاديث الصحيحة، لا يسع المنصف أن ينازع في قوتها وإحكامها وكفايتها، ومع هذا لم يكتفِ رجال الحديث بها في سبيل نقد المتن، بل نقدوه مع ذلك من ناحية اضطرابه أو شذوذه أو إعلاله، كما بحثوا فيما وقع فيه من قلب أو غلط أو إدراج، إلى غير ذلك من العلل التي عني العلماء ببيانها وشرحها فيما وضع في ذلك من الكتب.
وقد رأيت فيما سبق أنَّ ما وضع من موازين وضوابط للتعرف على ما في الأحاديث من قوة وضعف لم يكن الهدف منه الوصول إلى القطع بصحة نسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان الغرض منه الوصول إلى غلبة الظن بصحة تلك النسبة، ولذا قالوا: إن ما حكم بصِحَّته من أحاديث الآحاد قد يكون في واقع الأمر غَيْرَ صحيح؛ ولكن هذا احتمال ضعيف لا يحول دون وجوب العمل كما قدمنا، ولقد ذكر أصحاب هذا النقد أنه كان من الواجب أن يؤسس نقد المتن أيضًا على أُسُسٍ أُخْرى لم تنل من علماء الحديث عناية وهي:
(1) اتِّفاق ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول مع الظروف التي قيل فيها، وعدم معارضته للحوادث التاريخية الثابتة.
(2) خلو الحديث من التفسير الفلسفي الذي يخالف المألوف من بيانه صلى الله عليه وسلم وخلوه من الأساليب الفقهية التي تتعرض لذكر الشروط والأركان، وما إلى ذلك مما لم يكن معروفًا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم.
(3) انطباق الحديث على الواقع، وعدم وجود باعث سياسي أو نفسي دعا إلى وضعه.
ذلك ما ضمنه الناقد نقده، ولو تهيأ له أن يكون واسع الاطلاع دقيق النظر؛ لتبين له أن كل ما ذكره من ذلك تتضمنه تلك القواعد السابقة، ولم يفت رجال الحديث مراعاته في نقد المتن، فقد ردوا حديث دخول النبي صلى الله عليه وسلم الحمام بناء على أن النبي - صلوات الله عليه - لم يدخل حمَّامًا قط، وأن الحمامات لم تكن معروفة في الحجاز على عهده صلى الله عليه وسلم وكذلك ردوا حديث وضع الجزية عن أهل خيبر؛ بناءً على أنه مخالف لما علم تاريخيًّا من أن شرعيَّة الجزية لم تشرع إلاَّ بعد فتح خيبر، وردوا بعض الأحاديث لمخالفتها للواقع، وذلك كحديث: ((لا يولد بعد المائة مولود لله فيه حاجة))، وحديث ((الباذنجان شفاء من كل داء)) وردوا ما رواه غلاة الشيعة من أحاديث في فضل علي، وما رواه غلاة البكرية من أحاديث في فضل أبي بكر، لوجود الباعث السياسي على وضعها، وردوا كذلك حديث ((رمدتُ فشكوتُ إلى جبريل فقال: أدِم النَّظر في المُصحف))، لأنَّه لا يتَّفق مع البيئة التي قيل فيها، إذ لم يكن على عهْدِه - صلَّى الله عليه وسلم - مصاحف، وكذلك ردوا أحاديث أخرى لوجود الباعث النَّفسي على وضعها؛ كحديث: ((الهريسة تشد الظَّهر))، ذلك لأنَّ رَاوِيه كان ممن يصنَعُ الهريسة.
وردُّوا كذلك كثيرًا منَ الأحاديث؛ لما فيها مِن عبارات واصطلاحات فِقْهيَّة لم تكن معروفة على عهده - صلَّى الله عليه وسلم - والأمثلة من ذلك كثيرة أشِير إليها في "نصب الرَّاية في تخريج أحاديث الهداية" للزَّيلَعِيّ، وهكذا يرى أنَّ كل ما زعم النَّاقدون استدراكه على علماء الحديث لم يغفلوه؛ بل راعَوْه وذهبوا إلى أبعد منه، غير أنَّه قد يُلاحظ في هذه الضَّوابط وفي تطبيقها الأمور الآتية:
أولها: أنَّ كثيرًا منها يقوم على تقدير الباحث وفهمه ونظره، وأنظار النَّاس متفاوتة، ومواهبهم مختلفة، وأحكامهم متباينة، وما لا يعقله فلان يعقله فلان آخر، ولهذا كانت أحكامهم على الأمور مختلفة، أو على ذلك كان تطبيق هذه الضَّوابط على الأحاديث مختلف النَّتائج باختلاف أنظار من يقوم بتطبيقها، فركاكة المعنى في كثير من أحوالها مما يختلف فيه أنظار الباحثين يراها هذا في معنى من المعاني؛ بينما لا يراها الآخر فيه، وكذلك الحال في مخالفة الحديث لما تقضي به قواعد العلم أو تجارب الطِّب، بينما يراها شخص في حديث لا يراها الآخر فيه، أو مخالفته لما يقضي به العقل، فإن عقول الناس تختلف اختلافًا بيِّنا يستسيغ بعضها ما لا يستسيغه بعضها الآخر، ويجوز بعضها ما لا يجوزه بعضها الآخر، ويستبعد بعضها ما لا يستبعده بعضها الآخر، فبأي عقل يوزن الحديث؟ وأنَّى لعقل أن تكون له قوة وحكم عند صحَّة السَّند، والظَّن بصحَّة نسبته، وكذلك صدور الحديث مِن راوٍ تأييدًا لرأيه المتعصب له المُغَالِي فيه مما تختلف فيه الأنظار، وهذا ما يكشف عمَّا في تطبيق هذه القواعد والضوابط من عيب ونقص، يؤديان في كثير منَ الأحوال إلى خلاف واضطراب.
ثانيها: أنَّ استعمال هذه المقاييس والضَّوابط مشروط بألاَّ يكون في تأويل الحديث تأويل سليم سائغ يحتمله، أو لا يكون في حمله على المجاز مخرج مِن تطبيقها، وبناءً على ذلك إذا احتمل الحديث تأويلاً يخرجه عن محيط ما تتناوله هذه القواعد لم يجز أن تطبق عليه، وكذلك إذا كان حمله على الاستعمال المجازي يبتعد به عن هذه الضوابط لم يجز أن تتناوله، وتأويل الحديث وقبوله للتأويل وجواز إرادة معنى مجازي منه مما يختلف فيه الناس، فيكون مقبولاً سائغًا عند شخص، وغير مقبول عند آخر، وعلى ذلك يختلف الحكم على الحديث باختلاف الناس واختلاف أنظارهم.
ثالثها:ً أن تطبيق هذه القواعد يقوم على فهم الحديث فهمًا معيَّنًا يجعله من متناولها، وهذا مِمَّا يختلف فيه الناس أيضًا، وتتفاوتُ فيه أنظارُهم فقد يفهمه شخص فهمًا سليمًا غير مناقض للمعقول ولا للأصول المُسلَّم بِها، ويفهمه آخر على غير هذا الوضع فيراه مخالفًا للمعقول أو لما تقضي به الأصول.
رابعها: أن الحديث إذا كان سليمَ السَّنَدِ يرويه الثقة عن الثقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم يكون أمرًا راجحًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كسائر النَّاس في علمه، وحكمته، وصلته بربه، ومعارفه، وذلك مما يستوجب ألا تكون مقاييس النقد فيما يصدر عنه مماثلة لمقاييس النَّقد في أحاديث غيره من النَّاس، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي عن ربه، وقد أطلعه الله - سبحانه وتعالى - على كثير من أسرار الغيب، مما لم يطَّلع عليه سواه، وأحاط بما لم يحط به إنسان من المعارف والأسرار، وذلك ما يقضي بأن يكون تفكيره فوق تفكير غيره من الناس، وبأن يعلو حكمه أحكام غيره من النَّاس، فيصدر منه من الأقوال والأحكام ما قد يعلو على أفهام الناس، وما لا تصل إلى معرفة كنهه وحقيقته عقولهم في عصر من الأعصر، وما قد ينكشف سره بعد ذلك، وعلى ذلك فلا ينبغي أن يكون لهم مع قصور عقولهم سلطة الحكم على أقواله من ناحية سلامتها وصحتها، مما قد تعجز عقولهم عن فهمه ولا يصح أن يكون عدم فهمهم لقصر عقولهم، أو لضعف معارفهم دليلاً على وضع الحديث، وبناءً على ذلك إذا جاء الحديث متضمنًا خواص بعض النبات مما لم يكشفه العلم، أو خبرًا عن غيب سيقع في مستقبل الزَّمن، وما إلى ذلك مما لم يصل إليه علم النَّاس، فلا يجوز أن يتخذ ذلك دليلاً على وضع الحديث.
لهذه الأسباب كان تطبيق علماء الحديث لهذه القواعد في نطاق ضيِّق، حيث تكون الضرورة قاضية بتطبيقها، وذلك عند تعذر التأويل الذي يمكن اتخاذه مخرجًا، وعدم الوصول فيه إلى مخرج آخر يستساغ معه عدم التَّطبيق، وقد كان صنيعهم في هذا خاضعًا كذلك لتقديرهم وأحكامهم، ومراعى فيه كذلك الاعتماد على صحَّة السَّند وسلامته، وما لذلك من أثر في اطمئنانهم إلى نسبة الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومع هذا الاطمئنان يجب التسليم وانتفاء كل شك، وهذا لشعورهم حينئذٍ بقصور عقولهم، وقلة معرفتهم وعلومهم، لهذا كله كان تطبيقهم لهذه القواعد في حدود ضيِّقَة كما قلنا، وكان مع ذلك محل خلاف بينهم تبعًا لاختلاف أنظارهم، فاختلفت أحكامهم على بعض الأحاديث فكان ما يراه بعض العلماء صحيحًا يراه آخرون غير صحيح، وكان من نتيجة ذلك وجود بعض أحاديث كان وجودها في الصِّحاح مبعث النَّقد الذي أشرنا إليه.
ومِمَّا يَجِبُ مُلاحظته أنَّ هذا النقد لا يعدو أن يكون طعنًا في أحاديث معينة معدودة أثبت الاستقراء أنها ليست في أصول الدين، ولا في قواعده وأحكامه الأساسيَّة، ولا يعد عدم الاعتماد عليها أو تركها ما يتنافى مع وجوب العمل بالسنَّة الآحادية، لأنَّ وجوب العمل بها كما بينا إنما يكون عند غلبة الظن بصحَّة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عند الشك في نسبتها، وما وَضَعَهُ عُلماء الحديث من قواعد وضوابط لنقد السند والمتن كفيل عند تطبيقه تطبيقًا سليمًا بتمييز صحيح السنَّة من غيره، وتمحيص السنَّة من جميع الأحاديث الموضوعة بالقدر الممكن، وعند ذلك يتميز ما ترجح الظن بصحة نسبته مما شك في صحة نسبته، وإذا ما تبين ذلك وجب العمل للقطع بوجوب العمل عند الظَّن، وعلى ذلك فلا يعد هذا النقد طعنًا في السنة ولا في وجوب العمل بها عند سلامة السند والمتن، إذ عند ذلك يكون الظن بصحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنًّا راجحًا يوجب العمل بها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق