والرد على ما أثير من شبهات حول حجيتها أو روايتها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين،
وصلوات الله وسلامه على محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فبالله أستعين:
معنى السنة:
تطلق السنة لغة على
السيرة: حسنة كانت أم قبيحة[1]،
وعن هذا الإطلاق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم في صحيحه: ((من
سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم
شيء[2]، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه
وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)).
كما تطلق على الطبيعة،
وعلى حكم الله سبحانه وتعالى وتدبيره، ومنه قوله تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي
الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾[3]،
وهي في لسان علماء الشريعة الإسلامية تطلق على ما يأتي:
ففي اصطلاح رجال الحديث -
وبخاصة من كتب في السير والمغازي - تطلق على كل ما أثر عن الرسول صلوات الله عليه
من قول، أو فعل، أو تقرير، أو سيرة، أو خلق، أو شمائل، أو أخبار، أو صفات خلقية،
دون نظر إلى ما قد يثبت به حكم شرعي، أو ما لا يثبت به حكم، وسواء في ذلك ما كان
بعد البعثة، وما كان قبلها.
وفي اصطلاح الأصوليين:
تطلق على أقواله صلى الله عليه وسلم وعلى أفعاله وتقريراته، مما يدل على حكم شرعي.
وكثيرًا ما يستعملها
الفقهاء بهذا المعنى، كما يستعملونها في كل ما ثبت فعله عن النبي صلى الله عليه
وسلم مما لم يكن فرضًا ولا واجبًا، فتطلق على ما ندب فعله، مما فعله رسول الله صلى
الله عليه وسلم ولم يداوم عليه، وهي بهذا المعنى تقابل الفرض والواجب وغيرهما من
الأحكام الخمسة، وبهذا الإطلاق قيل: صلاة ركعتين قبل صلاة الصبح سنة، وصلاة ركعتين
بعد صلاة الظهر سنة.
وقد تطلق في لسانهم أيضًا
على ما يقابل البدعة، مثل قولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا[4].
ونريد بالسنة في موضوعنا
ما عناه علماء الأصول؛ لأنها بهذا المعنى من وسائل بيان الأحكام، وعن مكانتها
وبيان الأحكام وضع هذا البحث.
هذا وقد يستعمل اسم
الحديث أو الأثر أو الخبر، حيث يستعمل اسم السنة - وهو استعمال يقتضي بيان
معانيها، وما قد يكون بينها من اختلاف - فالحديث والأثر كلاهما يرادف السنة
بالمعنى العام الذي يستعملها فيه المحدثون، وهذا عند الجمهور، ومن المحدثين من يرى
أن الحديث أعم من السنة، إذ الحديث عنده ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء
أكان عليه العمل أم لا، أما السنة فلا تطلق إلا على ما كان عليه العمل المأثور في
الصدر الأول، ولذا قد يرد من الأحاديث ما يوصف بأنه يخالف السنة المعمول بها،
فيدعو ذلك إلى التوفيق أو الترجيح بينهما، ويظهر هذا الاختلاف بين الاسمين في قول
عبدالرحمن بن مهدي عندما سئل عن سفيان الثوري، والأوزاعي، ومالك: سفيان الثوري
إمام في الحديث وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة وليس بإمام في
الحديث، ومالك إمام فيهما[5]،
أما الخبر فيستعمله المحدثون فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن
الصحابة والتابعين من الأحاديث المرفوعة، أو الموقوفة، أو المقطوعة، ويراه الجمهور
مرادفًا للأثر، إذ يستعملون كلاًّ منهما فيما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم
أو أضيف إلى الصحابة والتابعين مما سبق بيانه؛ ولكن فقهاء خراسان يسمون الموقوف
أثرًا، والمرفوع خبرًا[6]،
وكثيرًا ما يقصر الأثر على ما يروى عن الصحابي مضافًا إليه دون رفعه إلى النبي صلى
الله عليه وسلم كأن يروى عن الصحابي أنه كان يقول: كنا نفعل كذا - من غير أن يضيف
ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وفي نخبة شيخ الإسلام يطلق الأثر على الموقوف
والمقطوع، والفقهاء يستعملون اسم الأثر أحيانًا فيما يروى من السنة عن النبي صلى
الله عليه وسلم مرفوعًا أو موقوفًا أو غير ذلك، وأحيانًا يستعملونه مضافًا إلى
سببه كقولهم أثر العقد، وأثر الفسخ، وأثر الإقرار، وهذا استعمال لغوي.
وجملة القول: إن استعمال
هذه الأسماء على العموم لم يكن على وضع تتحدد به معانيها، وتتميز به بعضها من بعض،
وإنما كان استعمالها في لسان المحدثين والفقهاء أحيانًا قائمًا على أساس اشتراكها
في المعنى والدلالة، إما نتيجة لترادفها فيما يرى بعضهم، وإما نتيجة لما بينها من
عموم وخصوص.
ولسنا نريد بالسنة في
موضوعنا هذا - حين نتكلم عن مكانتها في بيان الأحكام، وحين نرد ما أثير حولها وحول
أسانيدها من شكوك وشبهات - إلا ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في محيط التشريع
من قول، أو فعل، أو تقرير لأمر رآه، وبلغه عمن يكون مطيعًا منقادًا في ظاهر حاله
لما جاء به - صلى الله عليه وسلم.
وهي على هذا المعنى إنما
تكون فيما تناولته سيرته وطريقته في حياته صلى الله عليه وسلم مما كان له فيه
اختيار بين أمرين أو أكثر، فاختار ما رآه أنه الأفضل، ولا تكون فيما كان يأتيه صلى
الله عليه وسلم بطبيعته وإنسانيته، مما لا اختيار له فيه، ولا يختص به دون سائر
الناس؛ بل يشاركه فيه جميع الناس؛ لأنه من مقومات الحياة وضروريات الوجود ولا
اختيار فيه للبشر، كالأكل، والشرب، والنوم، واللبس، ونحو ذلك، أما ما يتعلق بتلك
الأعمال ويتصل بها من كيفيات وأوضاع ووسائل ونحو ذلك، فإنه يعد من سنته صلى الله
عليه وسلم ويتناوله اسم السنة بالمعنى الذي نريد؛ لأن له فيه اختيارًا، كان من
آثاره تفضيل وضع على وضع، وإقدام على ما هو الأفضل والأنفع، فجاز أن يكون في ذلك
إرشاد وهداية وتشريع، وعند ذلك يكون سنة تشريعية، كما يحتمل أن يكون ذلك قد حدث
بحكم العادة الجارية والإلف المرغوب، والميل الوقتي، انقيادًا للظروف والملابسات،
مما يبعده عن أن يكون من قبيل الإرشاد والهداية والسنة التشريعية، وإنما يعرف ذلك
بالنظر والاجتهاد؛ ولذا فإنا نريد بالسنة هنا ما صدرت عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم هداية للناس وشريعة لهم، فلا تتناول إلا ما أوحي به إليه، مما ليس بقرآن، أو
وصل إليه بنظره وعرفه باستنباطه، فأقره الله عليه، وجماع ذلك ما جاء به صلى الله
عليه وسلم بيانًا لعقيدة، أو تعليمًا لعبادة، أو إرشاد إلى قربة، أو تهذيبًا لخلق،
أو إصلاحًا لمعاملة، أو أمرًا بِمَعروف، أو نهيًا عن منكر، أو إبعادًا عن فساد، أو
تحذيرًا من سوء، فكل ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم في هذه النواحي يعد سنة وشريعة
يطلب إلى الناس اتباعها، أما ما لا يتصل بذلك مما أشرنا إليه آنفًا، فلا يعد شريعة
يطلب إلى الناس اتباعها، وإن عدَّ من السنة بمعناها العام؛ ذلك لأنه إنما صدر منه
صلى الله عليه وسلم على أنه من الأقوال أو الأعمال العادية المتكررة المباحة التي
تدعو إليها حاجة البشر، وطبيعة الإنسان الحيوانية، وعاداته المعيشية، وعلى ذلك
فإذا ما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لزراعة الأرض، وطرق استثمارها لبيان ما
أحله الله من ذلك، وما يترتب عليه من حقوق وآثار، كان ذلك شريعة واجبة الاتباع،
وإن عرض لذلك مبينا كيفية الزراعة وطريقة الغرس، والقيام على إصلاح الزرع والشجر
وطرائق ريه ومواعيده، مما يعرف بطريق التجربة والخبرة، كان بيانه هذا إرشادًا
تجريبيًّا، ورأيًا استنبطه من وسطه، يصيب فيه ويخطئ كغيره من الناس، ولا يعد شيء
من ذلك شريعة تتبع، وإذا أخطأ فيه لم ينبهه الوحي إلى خطئه، يدل على ذلك ما أخرجه
مسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة، وهم يأبرون النخل، فقال ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، فقال: ((لعلكم لو
لم تفعلوا كان خيرًا))، فتركوه فنفضت[7] فذكروا
له ذلك، فقال: ((إنما أنا بشر: إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم
بشيء من رأيي فإنما أنا بشر))، وما أخرجه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: ((لو لم تفعلوا لصلح)) قال: فخرج شيصا، فمر بهم
فقال: ((ما لنخلكم؟))، قالوا: قلت كذا وكذا، قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم))، وفي
رواية عن طلحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الذي أشار به صلى الله عليه
وسلم في أمر إلقاح النخل: ((إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن؛ ولكن إذا حدثتكم
عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله))[8].
ومدلول هذه الروايات
الثلاث أن ما يحدث به صلى الله عليه وسلم عن ربه فذلك هو الدين الذي يجب اتباعه
طاعةً لله، أما ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بأمور الدنيا فرأي
يَرْتَئيه، وظن دفعه إليه حدسه، وملاحظته واستنتاجه، فهو كسائر البشر يصيب ويخطئ،
وقد يكون غيره فيه أكثر تجربة، وأقوى اتصالاً وأعظم خبرة، فيكون في رأيه أقر
إصابة.
ومن ذلك أن يشير بخطَّة
حربيَّة أو ينزل بِجَيْشِه منزلاً يرى في النزول به المكيدة والحرب، فإن رأيه هذا
لا يكون له من وجوب الطاعة؛ إلا ما لرأي غيره من الأمراء والقادة المحاربين الذي
يصدرون في ذلك عن نظر وموازنة، فيصيبون مرة ويخطئون أخرى، ولا يكون دينًا أوحي به
إليه، ويدل على ذلك متابعته صلى الله عليه وسلم لما رآه الحباب بن المنذر حين أشار
عليه بأن ينزل على أدنى ماء من بدر، بدلاً عن نزوله حيث نزل في غزوة بدر، فقال له
يا رسول الله: أهذا منزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّم عنه أو نتأخر؟ أم هو
الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: ((بل هو الرَّأْيُ والحرب
والمكيدة))، فقال الحباب: ليس هذا لك بمنزل، فانْهَضْ بالناس حتَّى نأتي أدنى ماء
من القوم، فإني أعرف غزارته وصفاءه، فننزل ونغور ما عداه من الآبار ثم نبني حوضًا،
فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لقد أشرت بالرأي))[9].
ومن ذلك مساومته في البيع
والشراء إذا باع أو اشترى، فإن ما يطلبه من صاحبه في ذلك أو يعرضه عليه لا يعد
دينًا يطلب اتباعه، يدل على ذلك ما كان بينه وبين جابر بن عبدالله رضي الله عنه
حين طلب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبيع له بعيره فأبى، إذ لم يكن له غيره
ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم إباءه هذا معصية تستوجب لومًا، أخرج مسلم في
صحيحه عن جابر رضي الله عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيبه،
قال: فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لي، وضربه فسار سيرًا حسنًا لم يسر
مثله، فقال: ((بعنيه بوقية))، قلت: لا، ثم قال: ((بعنيه بوقية))، فبعته بوقية،
واستثنيت حمْلانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل فنقد في ثمنه، ثم رجعت فأرسل
في إثري فقال: ((تراني قد ماكسْتُك لآخذ جَملك؛ خذ جملك ودراهِمَك فهو لك))[10]، ويدل هذا على أن أمره صلى الله عليه وسلم
جابرًا أن يبيعه الجمل لم يكن تشريعًا صادرًا عن وحي، وإنما كان مجرد رغبة عرضها
على وجه المساومة، كما يفعل غيره من النَّاس حين يساوم فيما يرغب في شرائه.
ومثل ذلك ما كان منه صلى
الله عليه وسلم مع سلمة بن الأكوع، حين أصاب امرأة من سبي فزارة في غزوة غزاها مع
أبي بكر رضي الله عنه وكان بنو فزارة أحلافًا لقريش، فاتَّهبها منه رسول الله صلى
الله عليه وسلم حين عاد بها إلى المدنية، فأبى، ثم استجاب بعد أن أعاد عليه الطلب،
أخرج الإمام مسلم بسنده عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر رضي
الله عنه أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فلما كان بيننا وبين الماء
ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن المغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه وسبي -
وانظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فرميت السهم
بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني
فزارة عليها قشع من أدم معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا
بكر، فنفلني أبو بكر بنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا، فلَقِيَنِي رسول
الله صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال: ((يا سلمة هب لي المرأة))، فقلت: والله
لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا، ثم لقيني رسول الله من الغد في السوق، فقال لي:
((يا سلمة هب لي المرأة - لله أبوك))، فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت
لها ثوبًا، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، ففدا بها ناسًا من
المسلمين كانوا أسارى بِمكة[11].
ومن هذا القبيل أمره صلى
الله عليه وسلم بريرة حين شفع إليها لترجع إلى زوجها مغيث، حين اختارت نفسها عندما
عتقت وهي تحته، فأبت معتذرة بكراهتها إياه - أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة: ((لو راجعته))، فقالت يا رسول الله:
أتأمرني؟ فقال: ((أنا أشفع))، فقالت: لا حاجة لي فيه[12].
ومثله ما كان يشير به صلى
الله عليه وسلم في معالجة بعض الأمراض، فإنه قد لا يصدر في ذلك عن وحي، ولكن عن
تجربة ومعرفة اكتسبها من بيئته، وقد يصدر عن إرشاد من الله يجب اتباعه، يدل على
الأول ما أخرجه أبو داود بسنده عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا
وههنا، فقالوا: "يا رسول الله، أنتداوى؟" فقال: ((تداوَوا؛ فإن الله -
عز وجل - لم يضع داءً إلا وضع له دواء غيرَ داء واحد: السام))، وما أخرجه مسلم
وأبو داود عن جابر رضي الله عنه: بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب
طبيبًا فقطع منه عرقًا، وكذلك روى عمرو بن دينار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
عاد مريضًا فقال لأهله: ((أرسِلُوا إلى الطبيب)) فقال قائل: "أنتَ تقولُ ذلك،
يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم؛ فإن الله - عز وجل - لم
ينزل داء إلا أنزل له دواء))، ولو كان الطب من أمر أو شريعة يوحى بها إليه ما أرسل
الطبيب إلى أبي، ولم يأمر باستدعاء الطبيب، ولأشار على الأعراب بالرجوع إليه في
علاج أمراضهم[13].
وإذا ما صدر في شيء من
ذلك عن وحي - كما في رواية البخاري عن أبي سعيد قال جاء رجل إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أسقه
عسلاً))، ثم أتاه الثانية، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أسقه عسلاً))، ثم أتاه
فقال: فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم: ((صدق الله وكذب بطن أخيك، أسقه عسلاً))،
فسقاه فبرأ، فإنه يكون إرشادًا إلى ما فيه الشفاء دون تخلف عنه؛ ولكنه مع ذلك لا
يقتضي قصر الشفاء عليه، وأن لا شفاء في غيره كما لا يستوجب وجوب المعالجة به دون
غيره.
وكذلك الحال في لباسه صلى
الله عليه وسلم هيئة ووضعًا وشكلاً، وفي طعامه نوعًا ولونًا وتناولاً، فمرد ذلك
إلى عادات قومه، ومقتضيات وطنه، وجوه التي صارت له عادة، ولو عاش رسول الله صلى
الله عليه وسلم في جو آخر أو كان من غير العرب لتغير لباسه وطعامه تبعًا لذلك؛ ألا
ترى أنه صلى الله عليه وسلم حين قدم إليه لحم الضب عافه، ولم يأكل منه، فقيل له:
أهو حرام؟ قال: ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه))، أخرج البخاري عن خالد
بن الوليد أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتى بضب محنوذ
فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله
بما يريد أن يأكل، فقالوا: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده، فقلت: أهو حرام يا رسول
الله؟ فقال: ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجِدُنِي أعافه))، قال خالد: فاجتررته
فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فلم ينهني.
فمثل هذه الأمور ما
يشبهها، من هيئات جلوسه ونومه ومشيه، وكيفيات سيره وطريقة تناوله لطعامه، ونحو ذلك
مما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته، وجبلته، وكونه بشرًا يحيا حياة
الناس، ويعيش عيشتهم، ويتقلب متقلبهم في أمور الدنيا، ومتطلبات الطبيعة الإنسانية:
لم يكن فيها شارعًا، ولا تعد أعماله ولا أقواله فيها شريعة يؤخذ الناس باتباعها
ويلامون على تركها، وإن دلَّ ذلك على إباحتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا
يقدم على معصية، وإذا روي عنه فيها صلى الله عليه وسلم ما يتضمن صيغة الأمر فهو في
هذه الحال مجرد إرشاد، في الاحتفاظ بالتقاليد القومية، والعادات المرعيَّة، التي
يكون لها حسنها وجمالها في بيئتها، بينما يكون لها عكس ذلك في بيئة أخرى، تختلف
فيها العادات والتقاليد إلى أضدادها، مما يكون طرحه والخروج عليه أمرًا مذمومًا
وفعلاً سيئًا في بيئته، كما هو الحال فيما ورد عن الرسول من ذلك، مراعاة في
الاحتفاظ به وعدم الخروج عليه، من تلك العادات التي كانت للعرب حال حياته صلى الله
عليه وسلم.
ولكن إذا ما تبيَّن أنَّ
أمرَهُ بِشَيْءٍ من ذلك إنَّما صدر للحافظ على خلق أو مروءة، أو لتجنب ضرر أو
فساد، فإنه يكون حينئذٍ شريعة واجبة الطاعة، قد صدر في الأمر بها عن وحي لا عن
عادة مرعية.
وبِهَذا البيان تحدد ما
يعد من السنة شريعة واجبة الطاعة، وما نحن بصدد التعريف بمكانته في بيان الأحكام
الشرعية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق