كيف تكون عبداً
شكوراً؟...3
معـاشـر
المسلمـين،
وإن من أعظم
العبادات وأرفعها قدرًا عند الله التعبد لله تعالى بشكره؛ فشكر العبد لربه بصدق
وإخلاص يفتح على العبد أبواب الخير ويغلق عنه أبواب الشر، ذلكم لأن نتيجة الشكر
تتضمن خيري الدين والدنيا والبرزخ والآخرة، ومن عظيم أمر الشكر أن الله تعالى أمر
العباد به بل وحضَّهم عليه، كما في قوله تعالى:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ} لقمان: 12،
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} البقرة: 152،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} البقرة: 172،
{فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} العنكبوت: 17.
ولما كان أنبياء الله ورسله عليهم السلام أعلم الناس بالله وأسبقهم بالخيرات أُمِرُوا بالشكر لعظيم أَمْرِهِ وجَليل قدره:
{قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ} الأعراف: 144،
ومن أمر ربنا تعالى لنبينا
: {بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ
الشَّاكِرِينَ} الزمر:
66.
معاشر المسلمين، ومن عظيم أمر الشكر أن الله مدح بذلك أنبياءه ورسله،
فقال تعالى عن نوح عليه السلام: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} الإسراء: 3،
وقال عن إبراهيم الخليل عليه السلام: {شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} النحل: 121،
وعن سليمان عليه السلام: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} النمل: 19،
وعن آل داود: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} سبأ: 13.
أما ما كان من شأن نبينا
فكان شيئًا
عجبًا؛ فقد كان
مع شريف مكانه
ورفيع منزلته أشكر الناس لربه تعالى، فعن المغيرة بن شعبة
قال: إن كان
النبي
ليقوم أو ليصلي
حتى ترم قدماه أو ساقاه، فيقال له؛ فيقول:
((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)) أخرجه البخاري.
معاشر المسلمين، إنَّما كان الأنبياء والرسل عليهم السلام أكثر شكرًا لله تعالى لأنهم أعلم الناس بالله وأرجاهم لله وأخوفهم منه، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله تعالى عليهم وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم".
ومع أن أنبياء الله ورسله عليهم السلام كانوا أشكر الناس لله تعالى، مع ذلك كله كانوا يسألون الله تعالى الإعانة على القيام بشكره؛ فقد أخبر الله تعالى عن سليمان عليه السلام بقوله:
{قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} النمل: 19.
قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: "إن النعمة على الوالدين نعمة على الولد، ثم قال: فسأل سليمان ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه".
وأما ما كان من شأن نبينا
في سؤال ربه
الإعانة على القيام بشكره فقد كان
كثير السؤال،
فقد كان يقول دبر كل صلاة: ((اللَّهُمَّ
أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))، وأوصى بذلك أصحابه كما
أخرجه أبو داود في سننه عن معاذ بن جبل
. وكان
يضمن أدعيته
تخصيص طلب الشكر كما في قوله
: ((ربِّ اجعلْني لك شَكَّارًا)) أخرجه الترمذي،
وقوله
: ((شكَّارًا)) صيغة مبالغة
يعني كثير الشكر ودائمه. وكان
يشكر ربه بفعله
كما يشكره بقوله؛ فعن أبي بكرة
قال: كان النبي
إذا جاءه خبر
يَسُرُّهُ خرَّ ساجدًا لله. أخرجه الخمسة إلا النسائي.
وعن عبد الرحمن بن عوف
قال: سجد النبي
فأطال السجود ثم
رفع رأسه فقال: ((إِنَّ
جِبْرِيلَ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي....، فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْرًا)) رواه أحمد وأبو
داود.
ولما كانت منزلة الشكر بهذه المثابة خُصَّت بمزيد من الذكر والأجر، وإن كانت جميع العبادات يؤجر عليها صاحبها إلا أن من المقرر عند أهل العلم أن العبادات تتفاضل فيما بينها وأن تخصيص عبادة بكثير ذكر ومدح لأهلها يدل على تمييزها عن غيرها، ولذا خصَّ الشكر بالجزاء والثناء على أهله:
{وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} آل عمران: 144،
{وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} آل عمران: 145،
{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} القمر: 35،
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} الأنعام: 53.
معاشر المسلمين، ولما كان شكر الله تعالى سبيلًا إلى مرضاته كما قال تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} الزمر: 6
هيأ الله عز وجل لعباده من الأسباب والنعم ما يجعلهم شاكرين له إن هم رعوها حق رعايتها؛ فجعل التقوى موصلة إلى الشكر: {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} آل عمران: 123،
وأتم النعمة ليشكروه: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة: 6،
وبين لهم الآيات ليشكروه: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة: 89،
وأنعم عليهم بالرزق ليشكروه: {وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الأنفال: 26،
وتجاوز عنهم بعفوه ليشكروه: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: 52،
وسخر لهم جوارحهم ليشكروه: {وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} النحل: 78،
وسخر لهم من الآيات ما يعينهم على شكره: {وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الروم: 46،
{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ} لقمان: 12،
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} البقرة: 152،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} البقرة: 172،
{فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} العنكبوت: 17.
ولما كان أنبياء الله ورسله عليهم السلام أعلم الناس بالله وأسبقهم بالخيرات أُمِرُوا بالشكر لعظيم أَمْرِهِ وجَليل قدره:
{قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ} الأعراف: 144،
ومن أمر ربنا تعالى لنبينا
معاشر المسلمين، ومن عظيم أمر الشكر أن الله مدح بذلك أنبياءه ورسله،
فقال تعالى عن نوح عليه السلام: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} الإسراء: 3،
وقال عن إبراهيم الخليل عليه السلام: {شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} النحل: 121،
وعن سليمان عليه السلام: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} النمل: 19،
وعن آل داود: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} سبأ: 13.
أما ما كان من شأن نبينا
معاشر المسلمين، إنَّما كان الأنبياء والرسل عليهم السلام أكثر شكرًا لله تعالى لأنهم أعلم الناس بالله وأرجاهم لله وأخوفهم منه، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله تعالى عليهم وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم".
ومع أن أنبياء الله ورسله عليهم السلام كانوا أشكر الناس لله تعالى، مع ذلك كله كانوا يسألون الله تعالى الإعانة على القيام بشكره؛ فقد أخبر الله تعالى عن سليمان عليه السلام بقوله:
{قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} النمل: 19.
قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: "إن النعمة على الوالدين نعمة على الولد، ثم قال: فسأل سليمان ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه".
وأما ما كان من شأن نبينا
وعن عبد الرحمن بن عوف
ولما كانت منزلة الشكر بهذه المثابة خُصَّت بمزيد من الذكر والأجر، وإن كانت جميع العبادات يؤجر عليها صاحبها إلا أن من المقرر عند أهل العلم أن العبادات تتفاضل فيما بينها وأن تخصيص عبادة بكثير ذكر ومدح لأهلها يدل على تمييزها عن غيرها، ولذا خصَّ الشكر بالجزاء والثناء على أهله:
{وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} آل عمران: 144،
{وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} آل عمران: 145،
{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} القمر: 35،
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} الأنعام: 53.
معاشر المسلمين، ولما كان شكر الله تعالى سبيلًا إلى مرضاته كما قال تعالى: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} الزمر: 6
هيأ الله عز وجل لعباده من الأسباب والنعم ما يجعلهم شاكرين له إن هم رعوها حق رعايتها؛ فجعل التقوى موصلة إلى الشكر: {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} آل عمران: 123،
وأتم النعمة ليشكروه: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة: 6،
وبين لهم الآيات ليشكروه: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة: 89،
وأنعم عليهم بالرزق ليشكروه: {وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الأنفال: 26،
وتجاوز عنهم بعفوه ليشكروه: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة: 52،
وسخر لهم جوارحهم ليشكروه: {وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} النحل: 78،
وسخر لهم من الآيات ما يعينهم على شكره: {وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الروم: 46،
{وَهُوَ
الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} الفرقان:
62.
ومع كثرة ورود شأن الشكر وتزكية أهله فقد جنح أقوام عن شكر الله تعالى واجتالهم الشياطين، فلم يشكروا ربهم مع إنعامه عليهم وكثرة آياته الموجبة لشكره:
{إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} غافر: 61،
{لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} يس: 35،
{وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ} يس: 73،
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} غافر: 61.
معاشر المسلمين، ومن عظيم أمر الشكر وجليل ثمراته أن الشكر سبيل إلى مرضاة الله عن عبده: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} الزمر: 7،
ومن ثمرات الشكر أيضًا أنه سبب في زيادة النعم ودوامها: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم: 7.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: (قيدوا نعم الله بشكر الله) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر.
ومن ثمراته أيضًا:
كون أهله من السباقين إلى الخيرات والمقامات العلية لسيرهم في ركب أنبياء الله ورسله حيث كانت أولئك الصفوة عليهم السلام أكثر الناس شكرًا لله واعترافًا بفضله ونعمه.
ومن ثمرات الشكر أيضًا: أن الشاكرين أكثر الناس اتعاظًا واعتبارًا بآيات الله تعالى مما يكون عونًا لهم على الثبات والبصيرة:
{لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} لقمان: 31،
{وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} سبإ: 19،
{إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} الشورى: 33.
ومن ثمرات الشكر أيضًا أن خيرية النعم ونزول بركتها معلق بشكر الله تعالى، قال
الحديث أخرجه مسلم عن صهيب
معاشر المسلمين، وشكر الله تعالى يكون بالقلب واللسان والجوارح وبالنعمة نفسها؛
فأما شكر الله تعالى بالقلب فأن يعتقد العبد اعتقادًا جازمًا لا شك فيه ولا ريب أنه لولا الله تعالى لما تيسرت نعمة من تلك النعم، وأن من لازم ذلك أنه المستحق للعبادة لا معبود بحق سواه،
وأما شكر الله تعالى باللسان فذلك بأن يلهج لسان العبد بشكر ربه وحمده دائمًا،
وأما شكر الله تعالى بالجوارح فبكفها عما حرم الله تعالى وبتسخيرها في طاعة الله ومرضاته،
وأما شكر الله تعالى بتلك النعم المادية التي أنعم الله بها على عبده فبمراعاتها حق رعايتها وبالاستعانة بها على طاعة الله تعالى.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
"ومن لطائف التعبد بالنعم أن يستكثر قليلها ويستقل كثير شكره عليها ويعلم أنها وصلت إليه من سيده من غير ثمن بذله فيها ولا وسيلة منه توسل بها إليه ولا استحقاق منه لها وأنها لله في الحقيقة لا للعبد، فلا تزيده النعم إلا انكسارًا وذلًا وخضوعًا ومحبة للمنعم" [الفوائد (ص112)].
اللهم اجعلنا لك
شكارين لك ذاكرين.
كيف تكون عبداً
شكوراً؟
__________________________________________________
حيث قال:
حيث قال:
إن الاهتمام بالقلوب أمر مطلوب، كيف لا والقلب هو الملك الذي يملك الأعضاء، فبه تسير وبه تأتمر، والقلب له أعمال كثيرة، وتقوم به عبادات عظيمة، والمؤمن الذي يريد أن يسير إلى الله ينبغي أن يعتني بقلبه لكي يكون سيره حسناً. والله يوفق عباده للخير، ويثني عليهم في الملأ الأعلى، ويجازي الكافر في الدنيا على فعله الخير ويخرج من أدخله النار بأدنى مثقال ذرة من إيمان، وهذا من شكر الله لعباده...
أولاً: معاني شكر العبد لربه
_____________________________________________
أما الشكر فإنه في اللغة بأفصح تعريف:
هو الثناء على المحسن بما أعطاك وأولاك، فتقول: شكرته وشكرت له، وقال الله سبحانه وتعالى:
{ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً } الإنسان:9
والشكران ضد الكفران، والشكور من الدواب: ما يكفيه العلف القليل، ويقال: اشتكرت السماء إذا اشتد مطرها، واشتكر الضرع إذا امتلأ لبناً، فهذه معاني الشكر، وهي تدل على النماء والزيادة. وشكر العبد لربه له عدة من المعاني:
فعرفه بعض الناس: بأنه الاعتراف للمنعم بالنعمة على وجه الخضوع. وقال بعضهم: هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه. وقال بعضهم: الشكر استفراغ الطاقة في الطاعة.
وقيل: الشاكر: الذي يشكر على الموجود، والشكور: الذي يشكر على المفقود. وقيل: الشاكر: الذي يشكر على النفع، والشكور: الذي يشكر على المنع.
وقيل في الفرق بين الشاكر والشكور: أن الشاكر: الذي يشكر على العطاء، والشكور: الذي يشكر على البلاء.
والشُـكْــر من العبـد لـربـه يــدور على ثـلاثـة أشيــاء:
أولاً: اعتـراف العبـد بنعمــة الله عليـه.
ثانياً: الثنـاء عليه سبحـانه وتعالى بهذه النعم.
ثالثاً: الاستعانة بهذه النعم على مرضــاة الله،
فمدار شكر العبد لربه على هذه الثلاثة: الاعتراف، والثناء، والعمل بها في طاعته سبحانه وتعالى.
والشكر أيضاً: خشوع الشاكر للمشكور مع حبه له، واعترافه بنعمته، والثناء عليه بها، وألا يستعمل هذه النعم فيما يسخط الله، وإنما يستعملها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى.
والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، ومن الأدلة على تعلق الشكر بالقلب الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
( لِيَتَّخِذْ أحدُكم قلبًا شاكرًا ، ولسانًا ذاكِرًا ، وزوجةً مؤمنةً ، تُعِينُهُ علَى أمرِ الآخرَةِ) صححه الإمام الألباني.
فالشكر إذاً: هو الاعتراف بإنعام الله سبحانه عليك على وجه الخضوع له والذل والمحبة.
فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلاً بها لم يشكرها، وكثير من الناس لا يعرفون نعم الله عليهم،
ومن عرف النعمة ولم يـعــرف المنـعـــم فكـيــف يـشـكــــره؟!!
ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه فقد كفرها،
ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها لكن ما خضع قلبه، ولا أحب المنعم،
ولا رضي بالله المنعم فلا يعتبر شاكراً للنعمة،
وَمَنْ عَرَفَ النِّعْمَةَ وَعَرَفَ الْمُنْعِمَ وَخَضَعَ لِلْمُنْعِمِ، وَأَحَبَّهُ وَرَضِيَ بِهِ، وَاسْتَعْمَلَ النِّعْمَةَ فِي مَحَابِّهِ وَطَاعَتِهِ
فَهَذَا هُوَ الشَّاكِرُ حَقَّاً، وَهَذَاَ هُوَ التَّعْرِيِفُ لِشُكْرِ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وللحديث بقية بأمر الله رب البرية
فتابعونا...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق