المبحث الثاني:
التعريف بمؤسس القاديانية
تمهيد.
المطلب الأول: التعريف
بالقادياني
أولا: اسمه وأسرته
أما اسمه: فيقول عن نفسه: "إني أنا المسمى بغلام أحمد بن مرزا غلام مرتضى بن مرزا غلام مرتضى بن مرزا عطا محمد، بن مرزا كل محمد بن مرزا فيض محمد بن مرزا محمد قائم بن مرزا محمد أسلم بن مرزا دلاور بك بن مرزا الله دين بن مرزا جعفر بك بن مرزا محمد بك بن مرزا محمد عبد الباقي بن مرزا محمد سلطان بن مرزا هادي بك" (1) (13)
واسم أمه جراج بي بي (2) وفي نسبة أسرته يتضارب قوله؛ فهو يزعم أنه ينتمي إلى أسرة أصلها من المغول من فرع برلاس، ومرة قال: إن أسرته فارسية (3) ، ومرة زعم أن أسرته صينية الأصل، ومرة أنه من بني فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخرى قال بأنها جاءت من سمرقند، وزعم مرة أنه يرجع إلى بني إسحاق (4) (14)
يقول: "كتبتُ مراراً عن عائلتي أنها من أسرة حاكمة أتت الهند من سمرقند، وكانت الأسرة خليطاً مركباً من بني فارس وبني فاطمة أو بعبارة أخرى من الأسرة المغولية والأسرة الشريفة من بني فاطمة بنت سيد الرسل" (5) . (15)
ويقول أيضا: أخبرني ربي بأن بعض أمهاتي كن من بني فاطمة، ومن أهل بيت النبوة، والله جمع فيهم نسل إسحاق وإسماعيل من كمال الحكمة والمصلحة (6) . (16)
ويقول أيضا محيي الدين بن عربي تنبأ عني في كتابه (فصوص الحكم) حيث يقول: يولد في آخر الزمان ولد يدعو إلى الله يكون مولد بالصين ولغته لغة بلده. فأنا هو المقصود لأني صيني الأصل (7) (17)
وبعد كل هذا الخلط والاضطراب زعم أن الله أوحى إليه أن نسبه يرجع إلى فارس فقال: (والظاهر أن أسرتي من المغول، ولكن الآن ظهر علي من كلام الله تعالى أن أسرتي حقيقة أسرة فارسية، وأنا أؤمن بهذا؛ لأنه لا يعرف أحد حقائق الأسر مثل ما يعرفها الله تعالى) (8) وفي تقرير هذا الخلط قال في ضميمة الوحي: (وسمعت من أبي أن آبائي كانوا من الجرثومة المغلية، و لكن الله أوحى إلي أنهم كانوا من بني فارس لا من الأقوام التركية، ومع ذلك أخبرني ربي بأن بعض أمهاتي كن من بني الفاطمة، ومن أهل بيت النبوة، والله جمع فيهم نسل إسحاق وإسماعيل من كمال الحكمة والمصلحة) (9) . وكل من سأله عن هذه التقلبات في نسبه يقول: هكذا أخبرني الله تعالى، أو هكذا أُلهِمَ من الله أو كُلمَ على التعبير الذي يحبه (10) . أي: أخبره الله بكل هذه التناقضات التي لا مبرر لها إلا الجهل والنفاق و الله يتنزه عن هذا التناقض.
ومهما قال عن أسرته، فإنها أسرة عميلة اشتهرت بعمالتها وتفانيها في خدمة الإنجليز المستعمرين لهم. وكان الغلام كثيراً ما يتباهى بأنه هو وأجداده كانوا من المخلصين لخدمة الإنجليز، كما سيأتي ذكر النصوص التي تبجح بها القادياني وأتباعه.
أما ولادته: فقد ولد غلام أحمد في عام 1256هـ على أحد الأقوال في قرية قاديان إحدى قرى البنجاب بالهند. يقول المودودي: (ولد الميرزا غلام أحمد - كما أشرنا في البداية - حوالي سنة 1839م، أو سنة 1840م حسبما كتبه الميرزا في تأليفه (كتاب البرية)، إلا أن أحد مؤرخيه كتب أنه ولد سنة 1835م (11) ، وقد وصف القادياني قريته التي ولد فيها بقوله:
(كانت قريتي أبعد من قصد السيارة، وأحقر من عيون النظارة، درست طلولها، وكره حلولها، وقلت بركاتها، وكثرت مضراتها ومعراتها، والذين يسكنون فيها كانوا كبهائم، وبذلتهم الظاهرة يدعون اللائم، لا يعلمون ما الإسلام وما القرآن وما الأحكام، فهذا من عجائب قضاء الله وغرائب القدرة أنه بعثني من مثل هذه الخربة) (12) .
وأغلب الظن أنه كان صادقاً في وصفه لقريته بأنها خربة، ولأهلها بأنهم مثل البهائم لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً؛ إذ لولا أنهم كذلك لما جرؤ على دعوى النبوة بينهم. (18)
ثانيا: ثقافته وحياته
الاجتماعية
درس في صغره عدة علوم منها الصرف والنحو، وبعض الكتب العربية، والفارسية، والطب، والعرافة، ولكنه لم يفلح في دراسة علوم الشريعة ك والفقه وغيرهما.
وكان بعض أساتذته حشاشين وأفيونيين كما ذكر ابنه وخليفته أحمد في خطابه المنشور في جريدة قاديانية (الفضل) 5 فبراير 1929م. (12)
وقرأ مبادئ العلوم وقرأ في المنطق والعلوم الدينية والأدبية في داره على بعض الأساتذة، مثل فضل إلهي، وفضل أحمد، وكل علي شاه، كما قرأ الطب القديم على والده الذي كان طبيباً ماهراً (1) وعرافاً حاذقاً (2) ، وقد كان يكثر القراءة والطلب وأجهد نفسه في ذلك (3)
وقال : وكذلك لم يتفق لي التوغل في علم الحديث والأصول والفقه إلا كطل الوبل (13)
ودرس الكتب البدائية في الإنجليزية في سيالكوت، كما ذكر ابنه بشير أحمد.
وفي أثناء قيامه في سيالكوت فتحت مدرسة ليلية إنجليزية لموظفي الحكومة، وعين الطبيب أمير شاه مدرساً في هذه المدرسة، وبدأ يدرس الإنجليزية في هذه المدرسة وقرأ كتاباً أو كتابين.
ويعلق الشيخ إحسان إلهي ظهير على تعليم القادياني بعد أن استعرضه قائلاً: فهذا كل تعليمه ودراسته ويظهر أثراته (4) في كتاباته ومقالاته؛ فهو لا يخطئ فقط في المسائل العلمية الدقيقة، بل يغلط أغلاطاً فاحشة في الأمور المعروفة البسيطة التاريخية (14)
وقد بدأ حياته العملية بأن توظف في محكمة حاكم المديرية في مدينة سيالكوث إحدى المدن في باكستان، بمرتب يساوي خمس عشرة روبية في ذلك الوقت، وبقي على ذلك أربع سنوات من عام 1864 إلى عام 1868م، وقد استغل في هذه الفترة وقته فأقبل على تعلم الإنجليزية، كما التحق بدراسة الحقوق وأخفق في الامتحان، ثم استقال من وظيفته هذه عام 1868م وشارك والده في المحاكمات والقضايا التي كان مشغولاً بها (5) .
وهكذا بدأ حياته في تقشف وحاجة شديدة عبر عنها في كتابه: (ضميمة الوحي) بعدة أساليب نأخذ منها على سبيل المثال في الاستفتاء الأول الذي بدأ بقوله: (يا علماء الإسلام وفقهاء ملة خير الأنام؛ أفتوني في رجل ادعى أنه من الله الكريم - يقصد نفسه - إلى أن قال: (وكان في أول زمنه مستوراً في زاوية الخمول، لا يعرف ولا يذكر، ولا يرجى منه ولا يحذر، وينكر عليه ولا يوقر، ولا يعد في أشياء يحدث بها بين العوام والكبراء، بل يظن أنه ليس بشيء ويعرض عن ذكره في مجالس العقلاء) (6) .
وقال أيضاً: (وما كنت من المعروفين فأوحى إلي ربِّي، وقال: اخترتك) (7) .
إلى أن يقول: (وكنت أعيش كرجل اتخذه الناس مهجوراً).
ونصوص أخرى كثيرة ذكرها حول إثبات هذه الحقيقة.
إلا أنه حينما تبوأ الزعامة الدينية أقبلت عليه الدنيا والهدايا الكثيرة التي تمدح بها في كتابه (ضميمة الوحي) في سبعة مواضع، بتعبيرات مختلفة زاعماً أنها فضل من الله، ودليل أيضاً على نبوته، منها:
(ثم بعد ذلك أيَّد الله هذا العبد كما كان وعده بأنواع الآلاء وألوان النعماء، فرجع إليه فوج من الطلباء بأموال وتحايف وما يسرُّ من الأشياء، حتى ضاق عليها المكان) (8) .
وقال أيضاً:
(وانهالت علي الهدايا كأنها بحر تهيَّج في كل آن أمواجاً، هذه آيات الله) (9) .
وقال: (يأتوني من كل فج عميق بالهدايا وبكل ما يليق، هذا وحي من السماء من حضرة الكبرياء، ما كان حديثاً يفترى) (10) .
ومن هنا وحين أقبلت عليه الدنيا بالزعامة الدينية رتع فيها كيفما حلى له على حساب المغفلين من أتباعه، وصار ينفق في المسكن والمأكل والمشرب بما في ذلك شرب أقوى المسكرات من الخمر والمعجونات المقوية الثمينة، وصارت حياته أشبه ما تكون بحياة الزعماء السياسيين حتى شكى كثير من أتباعه هذه الحياة المملوءة بالإسراف بالنسبة للغلام ولزوجاته، من لبسهن الحرير والحلي والحلل الفاخرة، بينما أتباعه يعيشون في فقر مدقع.
وكان الغلام يغضب كثيراً حينما يُسأل عن كيفية إنفاق تلك الأموال التي تأتي بكثرة، لكنها لا ترى بعد ذلك ولا يلمس لها أثر (11) . (15)
كان زواجه الأول حوالي عام 1853 م لامرأة من عائلته، واستمر الزواج طويلاً قرابة أربعين عاماً، لكنه في عام 1891م ، طلق زوجته هذه، وتزوج بامرأة ثانية سماها القاديانيون أم المؤمنين.
ورزق من زوجته الأولى ولدين أولهما: المرزا سلطان أحمد، والثاني: المرزا فضل أحمد.
أما زوجته الثانية فقد أتت له بسائر أولاده الباقين، وكان أبرزهم خليفته المرزا بشير الدين محمود، والمرزا بشير أحمد، والمرزا شريف أحمد. (16)
ثالثا: صفاته وأخلاقه
لم تكن شخصية القادياني تؤهله لقيادة أقل الجماعات الدينية، بل ولا رعاية نفسه؛ لما كان عليه من بذاءة اللسان وسوء الأخلاق، إلى جانب البلادة والجبن اللذين كان يتصف بهما .
يقول الشيخ إحسان إلهي ظهير عنه: =وأما الأشياء التي امتاز بها في طفولته فكما يلي: أولاً بجبنه، وثانياً بسفاهته، وثالثاً باختلاس الأموال، ورابعاً بكثرة أمراضه ||hamish||4491||/hamish||.
فمن جبنه أنه لم يدخل المنازلات والمصارعات، كعادة أبناء الشرفاء آنذاك، ولم يتعلم الفنون العسكرية، مع أن الناس كانوا يعدون هذه الأشياء من لوازم الشرف والشجاعة.
ومن ذلك أنه أراد أن يذبح فروجا ًفقطع أصبعه، وسال منها الدم، فقام مستغفراً تائباً؛ لأنه طوال حياته ما ذبح حيواناً قط.
أما سفاهته وغباؤه فيظهر في أمور عديدة منها جهله بأبسط الأمور الحياتية التي يعرفها الأطفال بالتعود والمران، كالتمييز بين يمين الحذاء من شمالها، وكاستخدام الساعة، ونحو ذلك من الأمور التي لا تحتاج إلى جهد عقلي لمعرفتها أو استخدامها.
ولكن القادياني كان لفرط بلادته وغبائه لم يكن يحسن ذلك، فقد لا يميز الحذاء اليمين والشمال، مما اضطره لوضع علامة بإحداهما؛ ليتمكن من معرفتها.
وكان الناس يسخرون منه لذلك فقال فيهم: = ويذكرون النعلين عند المقال كأنهم يتمنون ضرب النعال (1) .
ومن سفاهته ما ذكره أيضاً ابن الغلام: أخبرتني أمي أن حضرته حدثها مرة أنه حين طفولته قال له بعض الأطفال هات لنا السُّكَّر من البيت، فجئت إلى البيت، وبدون أن أسأل أي واحد أخذت ما ظننته سكراً، وفي الطريق بدأت آكله فلما وصل هذا الشيء إلى الحلقوم اختنقت، وأوذيت إيذاءً شديداً، وعرفت أن ما كنت أفهمه سكراً كان ملحاً. (2) (23)
وفي رأيي أنه كان يتظاهر بهذه الغفلة والسذاجة لأشياء في نفسه تمهيداً للإيحاء إلى الناس بأنه في تلك القوة من الاحتجاج والمناظرة والخطابة وكثرة تأليف الكتب التي بثَّها في العالم - إنما كانت بقوة ربانية وإلهام منه؛ أي ولولا ذلك لما استطاع أن يحفظ اسمه أو يكتب كلمة.
وهذا من دهائه ومكره، فإن الذي كتب عن مدح الإنجليز ما يملأ 50 خزانة كيف لا يعرف أرقام الساعة وحذاءه الأيمن عن الأيسر وأحجار الاستنجاء وأقراص القند؛ بل وبين السكر والملح كما يذكر عنه، هذا بعيد جداً خصوصاً وأن هذه الأوصاف إنما ينقلها علماء المسلمين من كتب القاديانية وعن القادياني،
ومن مصادره أنه كان كثير الأمراض (3) .
وقد ذكر هو عن نفسه وذكر عنه العلماء من المسلمين ومن كتَّاب القاديانيين من الأمراض ما لو جمعت على حجر لفلقته، فقد ذكر المودودي جملة من أمراض الغلام من مصادر القاديانيين أن الغلام كان فيه من الأمراض: - الهستيريا - القطرب - الماليخوليا - السل - أمراض الصدر - دوار الرأس - سلس البول - الأرق - التشنج القلبي - الذيابيطس - أي السكر - يبول في الليلة الواحدة أكثر من مائة مرة - الضعف العصبي - سوء الذاكرة...إلخ ذلك. (24)
ومنها أن يده اليمنى كانت مكسورة إلى آخر عمره، وكانت ضعيفة لا يستطيع أن يرفع بها إناء الماء (25)
وأمراض أخرى ذكرها المودودي والندوي وغيرهما في ترجمتهم له، مستندين إلى كتب الغلام وغيره من كبار أصحابه (4) (26)
وفيما أتصور أن هذه المبالغات في ذكر أمراض الغلام المتنبي - من قبل القاديانيين - إنما يراد من ورائها مكسب هام لإثبات النبوة؛ لأن أقل هذه الأمراض تمنع الشخص أن يملأ الخزائن بمؤلفاته، ولا تسمح له بالتفكير السليم فتكون النتيجة أن كل ما قاله الغلام وكتبه إنما كان إلهاماً جاهزاً من الله لا دور للغلام فيه إلا مجرد التبليغ، خصوصاً إذا عرفنا أن الغلام وأسرته كانوا يحبون أن تشيع هذه الأمراض عنه، وقد ذكر الشيخ إحسان إلهي –رحمه الله - أمراضاً أخرى كثيرة للغلام من مصادر القاديانيين (5) ، فأي جسم يحتمل ذلك!؟ (27)
يقول الأستاذ جلرزار أحمد مظاهري في كتاب (القاديانية، تاريخها وغايتها): "ذكر ابن غلام أحمد وهو بشير أحمد في صفحة 13 من الجزء الأول من كتابه (سيرة المهدي) قوله: لقد ذكرتْ لي الوالدة بأن حضرة المسيح الموعود )أي والده غلام أحمد( أصيب بالصداع والهيستريا بعد بضعة أيام من وفاة ابنه بشير الأول، ولكن العارض كان خفيفاً.
وكان مصاباً بالسرسام، وجاء في الصفحة 10 من مجلة قاديان الإنجليزية، عدد أغسطس 1946م "إن السرسام لم يكن مرضاً وراثياً يعانيه حضرة المرزا، بل كان ناتجاً عن أسباب خارجية مثل تعب الفكر والتفكير والهم وسوء الهضم، مما نتج عنه ضعف عقلي ممثل في السرسام وغيره من علامات الضعف مثل الدوخة" (6) .
ومما يدل على اختلال عقله ما حوته مؤلفاته من كلمات عجيبة وآراء غريبة، يذكر بعضها الأستاذ جلرزار مظاهري، منها قوله:
"أنا أبو الله" (حقيقة الوحي) صفحة 86 .
"وقال في كتابه (أربعين) المجلد 4، صفحة 19: "لقد ألهمت بشأن إلهي بخشى كان عالماً كبيراً قاوم افتراءات غلام أحمد ما يلي: "إن إلهي بخشى يريد أن يرى حيضط، أو أن يعثر على قذارة ونجاسة فيك، ولكن الله سيريك نعمه، وستتوالى عليك هذه النعم، ولن يكون لك حيض بل ولد سيكون بمنزلة أولاد الله".
قال في كتابه (تتمة حقيقة الوحي) صفحة 143، ما يلي: "إن الله نفخ روح عيسى كما فعل بمريم، وعلى سبيل الاستعارة حملت ثم إني بعد شهور لا تزيد على عشرة ألهمني الله أنه قلبني من مريم إلى عيسى".
وقال في الجزء الثاني من كتابه (أربعين) صفحة 36: "قال الله: أنا أيضاً سوف أصوم وسوف أفطر".
وقال في صفحة 31 من كتابه (تذكرة) وفيه مجموعة الإيحاءات والإلهامات والمكاشفات، خاطبني الله قائلاً: "إن (بلاش) هو اسم الله..
وأضاف غلام أحمد قائلاً: "إن هذا لفظ إلهامي جديد، وإني حتى الآن لم أره لا في القرآن ولا في الحديث، ولم أجده في أي معجم".
وقد جاء في بيان رقم 34 بعنوان "إسلامي قرباني" تأليف قاضي يار محمد قادياني نقلاً عن غلام أحمد قوله: "أنا أنثى وأحيض" (7) .
إن أي عاقل يستطيع أن يكتشف بسهولة حين قراءة هذه الآراء العجيبة أن قائلها غير سليم العقل على الإطلاق، وأنه صاحب فكر مشوش مضطرب، ومن الغريب أن هناك آلاف مؤلفة آمنت بمعتقدات هذا الرجل، وصدقت أنه المسيح الموعود، وأنه نبي يوحى إليه. (28)
أما أخلاقه:
فقد وصف الغلام بالبذاءة وسوء الأخلاق وطول اللسان هجاء مقذعاً للمخالفين والعلماء المعاصرين وعباد الله الصالحين، وكان مصداق صفة المنافقين التي جاءت في الأحاديث الصحاح: (وإذا خاصم فجر) (8) ، وكان يكثر من سَبِّ مخالفيه مثل هذه الألفاظ: فلان الغوي الجاهل الخليع الكلب الأحمق الضال الكذاب اللعين ابن الزنا والبغي الشيطان الغوي، وأمثال هذه الكلمات والسباب البذيء الذي لا يصدر إلا عن السفهاء والسوقة (9) . (29)
منها قوله :
"إن الذي لا يؤمن بنصرنا فلسوف يعلم أنه كان يرغب في أن يكون ابن حرام لا ابن حلال" (أنوار الإسلام: (ص 30)
"إنهم كذابون ويأكلون الجيف كالكلاب" )ضميمة أنجام أشهم، صفحة 25(.
"لقد أصبح أعداؤنا خنازير الفلوات، ونساؤهم أذل من الكلاب". )نجم الهدى: صفحة 10(.
"إن كل المسلمين ينظرون إلى هذه الكتب (كتب غلام أحمد) بكل شوق ويفيدون من معارفها، ولكن أولاد العواهر لا يؤمنون" )أثينة كمالات الإسلام (10) . (30)
ومن ذلك أيضاً قوله: بل تكلموا كالنساء متسترين، ويقول: أنتم رجال أم مخنثون أيها الجاهلون (11) . (31)
ومن ذلك أنه تنبأ بموت رجل في زمن محدد، ولكن هذا الرجل لم يمت حسب تنبؤه في هذه المدة، فقال له بعض العلماء: أنت تظن أنك نبي ولا تتكلم إلا بوحي الله، فكيف يمكن أن يتخلف وعد الله؟ فبدل أن يجيبهم بدليل يرد به دعواهم ويثبت دعواه، بدلاً عن ذلك بدأ يَسُبُّهُم هم وجميع علماء المسلمين فقال: (لا يوجد في الدنيا شيء أنجس من الخنزير، ولكن العلماء الذين يخالفونني هم أنجس من الخنزير، أيها العلماء يا آكلي الجيفة و أيتها الأرواح النجسة) (12) .
وقد وصف جميع من يخالفونه بقوله: (بعضهم كالكلاب، وبعضهم كالذئاب وبعضهم كالخنازير) (13) ، ويخاطب الشيخ ثناء الله الأمر تسري قائلاً:
(يا كلب يا آكل الجيفة) (14) ويقول عن العالم الكبير مهر علي الكولري الجشتي:
|
فقلت لك
الويلات يا أرض جولر
|
لعنت بملعون فأنت تدمر (15)
|
وقال في سبه لجميع مخالفيه:
|
إن
العـدا صاروا خنازير الفـلا
|
نسائهم من دونهن الأكلب (16)
|
وإذا كان هذا السباب لعلماء عصره لأغراض شخصية إن صرفنا النظر عن الأساس الديني فيها - وهو الأصل - فلماذا لم يقتصر في سبه على المخالفين له حين تطاول فسب أنبياء الله الأطهار دون أن يكون له أي مبرر - إلا تغطية ضعف جانبه وبطلان أفكاره وسقوطها - .
ومن ذلك السباب سبه لنبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ فقد قال عنه: (إن عيسى ما استطاع أن يقول لنفسه إنه صالح؛ لأن الناس كانوا يعرفون أن عيسى رجل خمار، وسيئ السيرة) (17) .
وقد كذب وافترى وحاشا أن يوصف نبي الله عيسى بهذا الوصف أو الأوصاف الأخرى التي قالها عنه،
مما يلزم تنزيه القارئ عن ذكرها هنا ، وربما تصور
الغلام أن نقضه لبناء الآخرين يشيِّد بنيانه، وأن ترفُّعه على الأنبياء يجعل منه
نبياً أعلى منهم.
كما أنه له أشعارا ركيكة ومعاني تافهة مملوءة بالسباب والشتائم على كل من يخالفه، ينطبق عليه المثل القائل: (رمتني بدائها وانسلت).
وحين تمادى في شتم الناس وإيذائهم بلسانه وبكتاباته عنهم أوصلوا أمره إلى القضاء، فأخُذَ عليه تعهد في المحكمة الجنائية أن لا يستعمل مرة أخرى تلك الألفاظ القبيحة والسب والشتم والقذف ضد مخالفيه، وقال الغلام نفسه:
كما أنه له أشعارا ركيكة ومعاني تافهة مملوءة بالسباب والشتائم على كل من يخالفه، ينطبق عليه المثل القائل: (رمتني بدائها وانسلت).
وحين تمادى في شتم الناس وإيذائهم بلسانه وبكتاباته عنهم أوصلوا أمره إلى القضاء، فأخُذَ عليه تعهد في المحكمة الجنائية أن لا يستعمل مرة أخرى تلك الألفاظ القبيحة والسب والشتم والقذف ضد مخالفيه، وقال الغلام نفسه:
(أنا عاهدت أمام نائب الحاكم بأني لا أستعمل بعد ذلك ألفاظاً
سيئة) (19) .
ولكنه لم يَفِ؛ فهذا هو يقول في ضميمة الوحي في معرض تعداده للنعم الوافرة عليه - يقول: (ويطرد –أي الله - أعداءه المؤذين كالكلاب ويؤتيه ما لم يؤت أحداً من المعاصرين) (20) .
وتجد تفاصيل كثيرة فيما كتبه عنه العلامة الندوي و المودودي وإحسان إلهي رحمهم الله؛ حيث يظهر القادياني فيما ينقله عنه هؤلاء الأعلام أنه كان سباباً فاحشاً لا يدانيه أحد في هذه الصفة.
كما عرف عنه التناقض في القضية الواحدة؛ حيث يذكر شيئاً ثم يذكر آخر يدل على كذبه، وحبل الكذب قصير كما قيل، ومن الكذب الذي اشتهر به الكذب على الله؛ حيث يأتي بكلام من تلفيقه ثم يزعم أن الله قاله له، ثم يكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم بوضع أحاديث من تلقاء نفسه.
كما عرف عنه الاحتيال لأخذ أموال الناس وعدم الوفاء بالتزاماته لهم، وتعليل ذلك بما لا مقنع فيه لأحد، كما في قصة الخمسين المجلد التي تزعم أنه سيؤلفها وأخذ ثمنها مقدماً، ثم كتب خمسة كتب فقط وامتنع من الباقي، ومن إرجاع الأموال أيضاً بحجة أنه لا فرق بين الخمسة والخمسين غير الصفر، ويظهر التناقض واضحاً في أفكاره حين تقارن بين قوليه الآتيين:
(أنا أعتقد كل ما يعتقده أهل السنة، كما أنا أعتقد أن محمداً خاتم النبيين ومن يدعي النبوة بعده هو كافر كاذب؛ لأني أومن أن الرسالة بدأت من آدم وانتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) (21) وقوله: (والله الذي في قبضته روحي هو الذي أرسلني، وسماني نبياً، وأظهر لصدق دعواي آيات بينات بلغ عددها ثلاثمائة ألف بينة) (22) .
ولكنه لم يَفِ؛ فهذا هو يقول في ضميمة الوحي في معرض تعداده للنعم الوافرة عليه - يقول: (ويطرد –أي الله - أعداءه المؤذين كالكلاب ويؤتيه ما لم يؤت أحداً من المعاصرين) (20) .
وتجد تفاصيل كثيرة فيما كتبه عنه العلامة الندوي و المودودي وإحسان إلهي رحمهم الله؛ حيث يظهر القادياني فيما ينقله عنه هؤلاء الأعلام أنه كان سباباً فاحشاً لا يدانيه أحد في هذه الصفة.
كما عرف عنه التناقض في القضية الواحدة؛ حيث يذكر شيئاً ثم يذكر آخر يدل على كذبه، وحبل الكذب قصير كما قيل، ومن الكذب الذي اشتهر به الكذب على الله؛ حيث يأتي بكلام من تلفيقه ثم يزعم أن الله قاله له، ثم يكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم بوضع أحاديث من تلقاء نفسه.
كما عرف عنه الاحتيال لأخذ أموال الناس وعدم الوفاء بالتزاماته لهم، وتعليل ذلك بما لا مقنع فيه لأحد، كما في قصة الخمسين المجلد التي تزعم أنه سيؤلفها وأخذ ثمنها مقدماً، ثم كتب خمسة كتب فقط وامتنع من الباقي، ومن إرجاع الأموال أيضاً بحجة أنه لا فرق بين الخمسة والخمسين غير الصفر، ويظهر التناقض واضحاً في أفكاره حين تقارن بين قوليه الآتيين:
(أنا أعتقد كل ما يعتقده أهل السنة، كما أنا أعتقد أن محمداً خاتم النبيين ومن يدعي النبوة بعده هو كافر كاذب؛ لأني أومن أن الرسالة بدأت من آدم وانتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) (21) وقوله: (والله الذي في قبضته روحي هو الذي أرسلني، وسماني نبياً، وأظهر لصدق دعواي آيات بينات بلغ عددها ثلاثمائة ألف بينة) (22) .
رابعا: عمالة القادياني وأسرته
للإنجليز
شعر الإنجليز أن عقيدة الجهاد عند المسلمين هي سبب القلاقل والثورات ضد الاستعمار، فبدأت بدراسة الأحوال دراسة علمية دقيقة، وأرسلت الحكومة الإنجليزية بعثات لتقصي المعلومات لمعرفة الأسباب الحقيقية المحركة للثورة ضد الإنجليز : "وفي مقتبل عام 1869م جاءت بعثة إنجليزية مكونة من المحررين الإنجليز والزعماء المسيحيين لدراسة الوسائل التي تخلق في قلوب سكان القارة الهندية عاطفة ولاءٍ للإنجليز، وتخضعهم لهم بعد انتزاع عاطفة الجهاد من قلوبهم، وبعد أن عادت البعثة إلى إنجلترا عام 1870 م، رفعت إلى الحكومة تقريرين كتبت في أحدهما وهو تقرير عنوانه (وصول السلطنة الريطانية إلى الهند): "إن أغلبية مسلمي الهند تتبع زعمائها الدينيين اتباعاً أعمى، وإذا وجدنا الآن أحداً يستعد لأن يزعم أنه نبي أمكن لنا تحقيق مطامع بريطانيا بتنشيط دعواه تحت رعاية الحكومة" (1) .
وظل الإنجليز يبحثون عن الرجل الذي يمكن أن يساعدهم ويساعدوه في دعوى النبوة حتى يستطيعوا أن يضربوا عقائد الإسلام من داخل المسلمين أنفسهم.. ولم يستمر بحثهم طويلاً، فقد وجدوا الشخصية التي يبحثون عنها بسهولة، إنه رجلهم سليل أسرة يفتخرون بولائهم للاستعمار، فصنعوا منه مهدياً، ثم نبياً، وعرفوا متى يقدموه للناس مهدياً، ومتى يعرضوه نبياً، أو نبياً ظلياً كما زعم القادياني.
يقول أغاشورش كشميري في كتابه (خونة الإسلام) : "وقع الاختيار )أي اختيار الإنجليز( على المرزا غلام أحمد القادياني لتحقيق هذا الهدف، وقد ظهر في بداية الأمر في مظهر المتكلم الذي كان يجادل الآباء اليسوعيين الذين كانوا يواجهون الإسلام.. ثم كون جماعة من أتباعه في عام 1880 م وادعى أنه محدث (ملهم من الله) .. ثم أعلم دعواه عن كونه مجدداً، وفي عام 1888م أعلن أن الله أمره بأخذ البيعة من المسلمين، وادعى في عام 1891م، أنه هو المسيح الموعود، كما اخترع لنفسه مصطلحاً جديداً، وهو أنه نبي ظلى" (2) .
إذن القاديانية حركة من صنع الإنجليز، فهم الذين أوجدوها لمحاربة الإسلام الذي يدعو أتباعه إلى الجهاد في سبيل الله، ومقاومة الاستعمار والمحتلين "فدبرت الحكومة بعث المرزا غلام أحمد المتنبي، لكي يميت بهذه الوسيلة روح الجهاد في قلوب المسلمين ويمكنوا نفوذهم في إقليم البتجاب، وكان الإنجليز يستيقنون – على حد زعمهم – أن منطقة بنجاب لا تخضع لهم إلا من خلال المتنبي، وإذا لم يوفقوا في إخضاعهم بواسطته فلا أقل من أن يشغلوا العلماء به، ويصرفوهم عن الجهاد إلى المسائل الأخرى" (3) ، أي يشغلوهم بالقضايا الخلافية والكلامية حتى يختلفوا ويتفرقوا ويبتعدوا بفكرهم عن جهاد المستعمر الإنجليزي. (23)
فأما عمالة أسرته فقد كان والده المرزا غلام مرتضى مؤيداً ومسانداً للمستعمر الإنجليزي لبلاده لدرجة أنه: "قدم فرقة مؤلفة من خمسين فارساً لمساعدة الحكومة الإنجليزية في ثورة عام 1857م، وتلقى على ذلك رسائل شكر وتقدير من رجال الحكومة وكان بجوار الإنجليز على جبهة من جبهات حرب الثورة" (4) .
يقول أغاشورش كشميري في كتابه (خونة الإسلام) : "إن أسرة المرزا غلام أحمد القادياني هي أكثر أسر مدينة القاديان وفاء للإنجليز، كما أن المرزا غلام أحمد نفسه أقرَّ بولائه الصادق للإنجليز في عدد لا يحصى من كتبه ورسائله، بل أبدى اعتزازه بهذا الولاء" (5) .
لقد كانت أسرة غلام أحمد معروفة بشدة ولائها للمستعمر الإنجليزي، لدرجة أنه يؤكد على هذه الحقيقة دون أدنى خجل فيقول: "لم نقصر في إراقة دمائنا والتضحية بأنفسنا في سبيل الحكم الإنجليزي" (6) .
ويقول في كتاب (البرية) : لقد أقرت الحكومة بأن أسرتي في مقدمة الأسر التي عرفت في الهند بالنصح والإخلاص للحكومة الإنجليزية، ودلت الوثائق التاريخية على أن والدي وأسرتي كانوا من كبار المخلصين لهذه الحكومة من أول عهدها " (7) . (24)
ومن الأمثلة - وهي كثيرة - على خدمة هذا المتنبئ لبريطانيا قوله في منع الجهاد: (لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر - الإنجليز - من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة!! وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وتركيا، وكان هدفي دائماً أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة، وتمحى من قلوبهم قصص المهدي السفاك والمسيح السفاح، والأحكام التي تبعث فيهم عاطفة الجهاد وتفسد قلوب الحمقى) (8) .
وقال أيضاً في رسالة قدمها إلى نائب حاكم المقاطعة: (لقد ظللت منذ حداثة سني - وقد ناهزت اليوم الستين - أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية والنصح لها والعطف عليها وألغي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم، والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة، وأرى أن كتاباتي قد أثرت في قلوب المسلمين، وأحدثت تحولاً في مئات الآلاف منهم) (9) .
ولاشك أن هذا الكلام من الخزي المفضوح لنبوته حتى لكأنه بُعث لتأييد بريطانيا والدفاع عن مصالحها وإضفاء الشرعية على استعمارها لبلاد المسلمين.
ويقول كذلك في تملقه للإنجليز وتذكيرهم بجهوده وجهود أتباعه لهم:
(والمأمول من الحكومة أن تعامل هذه الأسرة التي هي من غرس الإنجليز أنفسهم ومن صنائعهم بكل حزم واحتياط وتحقيق ورعاية، وتوصي رجال حكومتها أن تعاملني وجماعتي بعطف خاص ورعاية فائقة) (10) .
وهنالك نصوص كثيرة بعضها بالأردية وبعضها بالفارسية وأخرى بالعربية يتناقلها العلماء عنه؛ للتأكيد على عمالته لأعداء الإسلام، وعلى رأسهم عدوهم اللدود بريطانيا وجد فيهم القادياني ضالته المنشودة ووجدوا هم أيضاً ضالتهم وما تحمله في شخص القادياني ففاضت قريحة القادياني، فأشاد بفضلهم ومنتهم المزعومة على العالم الإسلامي قاطبة والهند خاصة.
وبقدر ما ارتبط هو وزمرته بأعداء الإسلام بقدر ما ازداد بعده عن الإسلام والمسلمين ونفرت عنه القلوب واستحوذت عليه الشياطين، وكان موقفه هو وأتباعه في غاية المقت بالنسبة لأهل السنة وعامة المسلمين فإنه ناصبهم العداء، ورأى أن الثورات التي يقومون بها على المستعمرين - أنها من فعل العقول الجامدة والحماقة، وكان يثبطهم بكل ما لديه من قوة وحيلة لمنعهم من جهاد هؤلاء الغزاة للبلاد وللدين، ويصيح فيهم أن الجهاد حرام.
وقد انتهى وقته قبل مجيء القادياني، وأما بعده فالجهاد منكر يجب - على حد زعمه - تركه والتسليم للحكومة التي أمر الله بطاعتها؛ أي حكومة بريطانيا الكافرة.
وقد تمثل في وضوح تام ولاء القاديانية للإنجليز أنهم دائماً يظهرون سرورهم وابتهاجهم بسقوط أي دولة إسلامية في يد الاستعمار، ويحتفلون بذلك ويعتبرونه من أسعد أعيادهم، لأنهم يعتبرون المكان الذي تصل إليه بريطانيا هو المكان الذي تصل إليه القاديانية.
وعلى هذا فإن عز القاديانية وانتشارها مرهون بعز الإنجليز وانتشارهم، فكيف لا يفرح القاديانيون بانتصار بريطانيا وانكسار المسلمين بعد ذلك؟ ولقد صرح بهذا كبار القاديانية ابتداء بالغلام وخلفائه، مثلهم في هذا مثل سائر الباطنية حين يفرحون بمصائب المسلمين ويحزنون من أفراحهم.
وهنا أدلة كثيرة من أقاويل القاديانيين في هذا المسلك، منها ما قاله ابن الغلام –محمود أحمد - حين استولت بريطانيا على العراق؛ حيث ألقى خطاباً قال فيه: (إن علماء المسلمين يتهموننا بتعاوننا مع الإنكليز ويطعنوننا على ابتهاجنا على فتوحاته، فنحن نسأل: لماذا لا نفرح ولماذا لا نُسرُّ؟ وقد قال إمامنا بأني أن المهدي وحكومة بريطانيا سيفي، فنحن نبتهج بهذا الفتح ونريد أن نرى لمعان هذا السيف وبرقه في العراق وفي الشام وفي كل مكان) (11) .
ولعله قال هذا الكلام - أنه مهدي - قبل أن يُرقَّي نفسه إلى (نبي).
وقال أيضاً عندما احتلت بريطانيا القدس - وهي المدينة التي لا يعترف بها بعد أن حولها إلى قاديان - : (نحن نشكر الله ألف وألف مرة على فتوحات بريطانيا، وأن سبب الابتهاج والسرور لأن إمامنا (الغلام القادياني) كان يدعو لفتوحاتها وكان يوصي جماعته بالدعاء لها، وأيضاً فتحت لنا أبواب الدعوة إلى القاديانية التي كانت مسدودة قبل الآن، وهذا كله لامتداد دولة بريطانيا إلى بلدان أخرى) (12) .
كما ينقل إحسان إلهي - رحمه الله - عن جريدة الفضل القاديانية الرسمية مقالاً جاء فيه: (أن حكومة بريطانيا هي ترس لنا نتقدم إلى الأمام تحت وقاية هذا الترس، الذي لو أبعد لمزقنا من الرماية فاتحدنا وصار رقيتها (13) وعلوها رقيتنا وعلونا، ودمارها دمارنا) (14) .
وقال الغلام نفسه عن ربوة وظل بريطانيا عليهم: (قد قال الله عز وجل في القرآن: وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [ المؤمنون ]50 ولما جعلني الله عز وجل مثيل عيسى جعل لي السلطنة البريطانية ربوة أمن وراحة ومستقراً حسناً؛ فالحمد لله مأوى المظلومين، ولله الحكم والمصالح، ما كان لأحد أن يؤذي من عَصَمَهُ الله، والله خير العاصمين) (15) .
وقال كذلك: (ولولا سيف الحكومة لأرى منكم ما رأى عيسى من الكفرة، ولذلك نشكر هذه الحكومة لا بسبيل المداهنة بل على طريق شكر المنة، ووالله إنا رأينا تحت ظلها أمناً لا يرجى من حكومة الإسلام في هذه الأيام، ولذلك لا يجوز عندنا أن يرفع عليهم السيف بالجهاد، وحرام على جميع المسلمين أن يحاربوهم ويقوموا للبغاوات والفساد، ذلك بأنهم أحسنوا إلينا بأنواع الامتنان) (16) ..إلخ الثناء عليهم. (25)
وأيضا يقول غلام أحمد في "ضرورة الإمام ص23: "أنا أشكر الله عز وجل أنه أظلني تحت ظل رحمة بريطانية التي أستطيع تحت ظلها أن أعمل وأعظ، فواجب على رعية هذه الحكومة المحسنة أن تشكر لها وخصوصاً عليَّ أن أبدي لها الشكر الجزيل، لأني ما كنت أستطيع أن أنجح في مقاصدي العليا تحت ظل أي حكومة حضرة قيصر الهند" . وقال: لعنة الله على من يريد أن يكون تحت أمر الأمير مع أن الله قال: أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر، فالمراد من أولي الأمر ها هنا "الملك المعظم، ولذا أنا أنصح مريدي وأشياعي بأن يدخلوا الإنجليز في أولي الأمر ويطيعوه من صميم قلوبهم" (17) . (26)
ويفتخر القاديانيون بأنهم قدموا للاستعمار الإتجليزي أفضل الجواسيس الذين بذلوا دماءهم وأرواحهم رخيصة في سبيل خدمة الاستعمار الإنجليزي، ويؤكدون هذه الحقيقة التاريخية في مجلتهم "الفضل" ويذكرون ذلك بتبجح تام كأنهم ليسوا عملاء ولا خونة، بل صناديد أبطالاً وشهادا عظاماً، فقد جاء في مجلة القاديانيين "الفضل" ما نصه: "ولقد أمدت الحركة (القاديانية) وهذه الفئة الحكومة الإنجليزية بخير جواسيس لمصالحها، وأصدقاء أوفياء ومتطوعين متحمسين كانوا موضع ثقة الحكومة الإنجليزية، ومن خيار رجالها، خدموا الحكومة الإنجليزية في الهند وخارج الهند، وبذلوا نفوسهم ودماءهم في سبيلها بسخاء" (18) .
ويشرح المرزا غلام أحمد عقيدته بوضوح تام فيقول: "إن عقيدتي التي أذكرها أن للإسلام جزئين، الجزء الأول إطاعة الله، والجزء الثاني إطاعة الحكومة التي بسطت الأمن وآوتنا في ظلها من الظالمين، وهي الحكومة البريطانية" (19) .
ويعلن المرزا خدمته للمستعمر الإنجليزي بلا مواربة، بل يقول إنه أحد خُدام الإنجليز كما كان والده كذلك فيقول: "ولا يخفى على هذه الدولة المباركة أنّا من خدامها ونصَّاحها ودواعي خيرها من قديم، وجئناها في كل وقت بقلب حميم، وكان لأبي عندها زلفى وخطاب التحسين، ولنا لدى هذه الدولة أيدي الخدمة ، ولا تظن أن ننساها" (20) . (27)
والذي أحوجنا إلى ذكر هذه النصوص من أقوالهم إنما هو بيان خطر هذه الطائفة، وانخداع بعض المسلمين بما يبدي هؤلاء من الدعوة إلى الإسلام، وأنه لا فرق بين القاديانيين وسائر المسلمين، ليعرف المسلم في أي مكان وطأته أقدام القاديانيين أنهم أداة تخذيل وإضرار بالإسلام والمسلمين، وأنهم جواسيس الإنجليز ومعاول هدم للإسلام باسم الإسلام.
وبعدما قدمنا من النصوص حول عمالة القادياني وأسرته للإنجليز أليس من المغالطة المكشوفة أن يتصدى بشير محمود للقول بأن القادياني والقاديانيين لا يلغون فكرة الجهاد، ثم يرد على هذا القول بشدة ويهاجم كل من يقول به أو ينسبه إلى القاديانيين؟
نعم إنها مغالطة حين قرر بشير ذلك ثم زعم أن الجهاد الذي ينادون بإلغائه ليس هو جهاد الكفار، وإنما المقصود به ذلك الجهاد الذي يوحي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جباراً يقتل الناس، لأن الإسلام كما هو تعبيره يلعن اعتناق الدين خوفاً وطمعاً، بل إن الإسلام هو أول دين يقر بحرية العقيدة.
وبعد هذه الأقوال ينتهي إلى النتيجة الآتية في فهم الجهاد: الحروب الدينية لا تجوز إلا ضد من يتدخل في الدين ويمنع المسلمين من قولهم: (ربنا الله) وأن مثل هذه الحروب (21) لا تهدف إلى هدم المعابد والكنائس، ولا إلى إكراه غير المسلمين على ترك دينهم، أو إلى قتلهم؛ بل إنما ترمي إلى الدفاع عن سائر الملل والأديان والحفاظ على معابدها. إلى أن يقول:
(وقصارى القول أن الجهاد الذي أجازه الإسلام هو محاربة من يُرغم المسلمين على الارتداد عن الإسلام، أو يستعمل القوة لصد الناس عنه، أو يقتل الناس لمجرد اعتناقهم للإسلام، فمحاربة أحد لغير هذه الجرائم لا تجوز مطلقاً (22) . ثم زعم أن الجهاد الذي قام به المسلمون إنما هو تقليد للنصارى.
وهذا الكلام مملوء بالدس والمغالطة، فيقال له: إذا انتظر المسلمون الكفار إلى الوقت الذي يمنعونهم فيه من قول: (ربنا الله) فمن أين يقومون للجهاد بعد ذلك، مع أن معظم الكفار لا يمنعون أحداً من قولها ما دام قد ترك الجهاد وصار عبداً لهم. وزعمه أن المسلمين إنما يقومون بالجهاد تقليداً للكفار النصارى، إنما هو تعبير مفضوح لجهله بفريضة الجهاد في كتاب الله عز وجل وقيام أهل التوحيد بامتثالها. (28)
المطلب الثاني: المراحل
الفكرية للقادياني
تمهيد.
تمهيد
بدأت هذه الحركة في نهاية القرن التاسع عشر، وبلغت أوج قوتها مع بدايات القرن العشرين.
وكان ظهور القاديانية في شبه القارة الهندية حينما وقعت الهند الكبرى في أيدي الاستعمار الإنجليزي حيث ظهرت على يد أحد عملاء الإنجليز بإقليم البنجاب الميرزا غلام أحمد، وكان موطن هذه الحركة الغالية قرية قاديان إحدى إحدى قرى مقاطعة البنجاب، وفي هذه القرية ولد غلام أحمد كما أشرنا من قبل.
ولقد كانت القاديانية حركة ضد الإسلام وثورة على النبوة المحمدية فكانت حركة مشبوهة أرادت هد تعاليم الإسلام، يقول الأستاذ الندوي: "هي حركة ثورة على النبوة المحمدية ومؤامرة دينية وسياسية إن وجد لها نظير في الخطر والضرر على الإسلام ففي الحركة الإسماعيلية الباطنية التي تولى كبرها عبيد الله بن ميمون القداح في القرن الثالث الهجري، وأشك أنها بلغت مبلغ الأولى في حالة الفساد ودقة المؤامرة، ومعاداة الإسلام" (1) . (2)
كحال كل داع إلى ضلالة أو بدعة ظهر القادياني أول ما ظهر بصورة المدافع عن الإسلام؛ لأنه حينما ترك الوظيفة في سيالكوت، صار معطلاً لا شغل له، فبدأ يدرس كتب الهندوس، والنصرانية؛ لأن المعارك الكلامية والمناظرات المذهبية كانت دائرة آنذاك بين علماء المسلمين ورجال الدين النصراني، والهندوس في الهند، وكان عامة المسلمين يحترمون علماءهم ومناظريهم، ويخدمونهم قدر استطاعتهم بكل ما كانوا يملكون من الأموال والأنفس، شأن المسلمين قبل نصف قرن في كل أنحاء العالم، فوجد غلام أحمد أن هذا العمل عمل سهل ومُجدٍ بالنسبة له، ويستطيع أن يكسب به من المال ما لم يستطع كسبه في الوظيفة، ففعل أول ما فعل أنه نشر إعلاناً ضد الهندوس ثم كتب بعض المقالات ضدهم، وبعد ذلك تابع الإعلانات والنشرات ضد الهندوس والنصارى؛ فتوجه إليه المسلمون. وكان هذا في سنة 1877 و 1878م. (3)
أولا: اتجاهه للتأليف
لقد كان الميرزا في بدء حياته خامل الذكر، لا يُعبأ به ولا يُذكر بخير أو شر.
ثم اتجه إلى التأليف والمناظرات التي كانت ملتهبة في القارة الهندية بين شتى الأفكار والفرق، وقد بدأ مناظراً جلداً عن الإسلام والمسلمين، مع ما كان يظهر منه بين الفينة والأخرى من غلو في نفسه وتمجيدها، وكان علماء المسلمين تجاهه بين الاستبشار والقلق من أن يجمح به فرسه إلى ما لا تحمد عقباه.
ومن هنا بدأت الأنظار تلتفت نحوه وذاع صيته وأعجبته نفسه ومواهبه، فبدأ يحتطب في حبله وطلب من الناس أن يبايعوه، ولم يبخل على نفسه بلقب مجدد العصر (المأمور من الله شبيه المسيح في دعوته إلى الله وأحواله الشخصية).
وقد اقتضت سياسة بريطانيا أن يزيدوا من النار اشتعالاً؛ فشجعوا قيام المناظرات وافتعال الخصام والعنف بين الطوائف، ليشعر الجميع بالحاجة إلى دولة قوية تحميهم وتكون الملجأ لجميعهم وهي سياسة بارعة منهم.
وحين شمر القادياني في بدء أمره للدعوة إلى الإسلام ودحض حجج خصومه من الهندوس والنصارى، وحينما توجه إليه المسلمون أعلن أنه بدأ في تأليف كتاب كبير في إثبات فضل الإسلام وإعجاز القرآن وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، والرد على الديانات السائدة في الهند كالمسيحية والآرية (1) والبرهمية والبرهموسماجية (2) ، وسمى هذا الكتاب (براهين أحمدية) وتكفل المؤلف القادياني في أن يجمع في هذا الكتاب ثلاثمائة دليل على صدق الإسلام في خمسين مجلداً، يدفع فيه كل الاعتراضات والإيرادات التي يعترض بها الكفار عامة على الإسلام، وطلب من المفكرين أن يراسلوه بأفكارهم ليستعين بها، وطلب كذلك التبرع السخي بالمال لطبع الكتاب؛ فانخدع بذلك كثير من العلماء وعامة المسلمين، وفرحوا بهذا الإنجاز المرتقب، وبدأ القادياني يكتب، فكيف تم ذلك؟
الواقع أن الكتاب كان بمثابة صدمة عنيفة للمسلمين وخيبة أمل مريرة، فقد أصدر الجزء الأول منه وسماه براهين أحمدية سنة 1880م، وملأه بمدح نفسه وكراماته وكشوفاته وإعلانات أخرى زكّى بها نفسه، ثم أصدر الجزء الثاني وكان لا يختلف عن الأول من حيث المضمون، ثم أصدر الجزء الثالث سنة 1882م، ثم أصدر الجزء الرابع سنة 1884م.
وقد ضمن الجزء الثالث والرابع حث العلماء والجمعيات الإسلامية على إقناع الحكومة الإنجليزية بأن المسلمين أمة هادئة سلمية مخلصة للإنجليز، وأن جهاد الإنجليز حرام، وأن حكومتهم نعمة جسيمة من الله ورحمة، وأنها هي الدولة الوحيدة التي تحقق أهداف المسلمين، وأعاد ذلك وكرره مرة بعد مرة ففطن العلماء له وعرفوا أنه لا يريد إلا الشهرة وكسب المال لا الدفاع عن الإسلام.فرق معاصرة لعواجي 2/774- 776
وأيضا ادعى في هذا الكتاب بأنه مأمور من الله تعالى لإقامة حجة الإسلام، ومكلف من الله عز وجل بإصلاح الخلق، فيقول في الجزء الأول من هذا الكتاب أنه مأمور من الله لإقامة حجة الإسلام، ومستعد لإقناع الجميع: ".. لقد كلفني الله إصلاح الخلق بمسكنة وتواضع وفقر وتذلل على طريقة النبي الناصري الإسرائيلي المسيح، وقد ألفت لهذا الغرض كتاب (براهين أحمدية)" (3) . (6)
وحينما وقف على كتابة خمسة أجزاء بدل الخمسين طالبه المشتركون في قيمة الخمسين جزءاً فذكر أنه كان عازماً على إصدار خمسين جزءاً من هذا الكتاب، ولكنه سيقتصر على خمسة أجزاء، ولما كان الفرق بين الخمسين والخمسة هو صفر واحد فقد أنجز وعده بإتمام خمسة أجزاء، وأنه لا حق لهم في المطالبة بعد ذلك حسب مزاعمه لهم.
ولقد مج الناس سماع هذا الكتاب؛ لأنه أتخمه بالإلهامات والمنامات والخوارق والكشوف والتكليمات الإلهية والنبوات والتحديات، ومدح الإنجليز مما يطول نقله وتثقل قراءته، ثم أعلن بعد ذلك أنه هو نفسه المسيح الموعود؛ لأنه تواتر - حسب قوله - عليه الإلهام (إنك أنت المسيح الموعود) (4) .
ثم جاءت سنة 1900م وبدأ الخواص من أتباعه يلقبونه بالنبي صراحة، وكان موقف الغلام إزاء هذه النقلة الخطيرة متسماً بالحذر والمراوغة، فكان يعجبه هذا اللقب ويبدي بين خاصته التأييد له، ويظهر لمن يخالفه كلمات يمتص بها غضبه بما كان يبديه من تأويل نبوته بما يشعر بالتواضع، مثل (النبي الناقص) أو (النبي الجزئي) أو (النبي المحدث)، علها تخفف حرارة امتعاض المخالف له ولم تدم هذه الفترة طويلا، فبعد سنة 1901م أسفر عن وجهه الحقيقي بأنه نبي كامل، وأن كل ما قاله أو كتبه من أنه نبي غير كامل صار منسوخاً بثبوت نبوته.
ثم أدركه بعد ذلك عرق السوء في سنة 1904م، فاحتقر النبوة ورآها غير كافية في شخصه فادعى أنه (كرشن)، وهو معبود من معبودي الهنادك، ولعله طمع في ميل الهنادك (5) إليه، وهو في هذه الدعوى الخطيرة لم يأت بجديد؛ فهو خلف لأسلافه من الطغاة الذين ادعوا الألوهية على مر العصور. (7)
الخلاصة: أن غلام أحمد بدأ تنفيذ خطة الدعوة إلى نبوته بخطوات موضوعة تماماً جاهزة للتنفيذ، فبدأ الخطة بالدعوة إلى مواجهة النصارى ورجال الدين المسيحيين الذين كانوا يهاجمون الإسلام ويحاولون نشر النصرانية بين مسلمي الهند، بل أخذ يرد أيضاً على الديانات والمذاهب التي كانت معروفة في الهند كالبرهمية والهندوسية، فكانت البداية ظهوره كمدافع عن الإسلام، وظهر ذلك واضحاً في الجزء الأول من كتابه براهين أحمدية.
وقد بلغت كتبه ورسائله أكثر من ثمانين كتاباً ورسالة من أهمها:
(تبليغ الرسالة)، (حقيقة الوحي)، (توبات أحمدية)، (البرية)، (إزالة أوهام)، (مواهب الرحمن)، (فتح إسلام) ، (الأربعين)، وغيرها. (8)
ثانيا: ادعاء الإلهام
والكشف
دعوى أي شخص أن الله ألهمه كذا وكذا، من الأمور اليسيرة التي هي بإمكان كل إنسان أن يدعيها، إلا أن الخطر يكمن في ظهور النتائج - على حد قول أحد الشعراء:
|
من تحلى
بما ليس فيه
|
فضحته
نتائج الامتحان
|
على أن ما يحصل للنفس من إلهام ليس له مورد واحد، بل عدة موارد، فقد يرد عليها الإلهام من الله تعالى، وهنا لابد من أهلية صاحبها وتقواه وصدق إخلاصه لربه وصفاء توحيده.
وقد يرد عليها الإلهام من وساوس الشياطين إذا كان صاحبها لائقاً بذلك بعيداً عن الله.
وإلهامات الغلام كلها من هذا النوع، وقد ظهر الكذب فيها والتكلف الممقوت رغم أنه يصوغها على غرار الآيات القرآنية، يريد أن يوحى به إلى الناس على أنه إلهام من الله له ووحي مباشر إليه، يتبين ذلك من خلال صيغته وإنشائه. (23)
في الجزء الثالث من براهين أحمدية، بدأ غلام أحمد يتحدث عن نفسه كملهم من الله تعالى، وخطط قبل ادعائه النبوة لدعوة الإلهام حتى لا يثور عليه أهل الإسلام فقال في براهين أحمدية: "إن الذي يتم اتباعه للرسول، صلى الله عليه وسلم، يكرم بالعلم الظاهر والباطن الذي أكرم به الرسول أصالة" (1) . وقال: "إن الإلهام لم ينقطع، ولن ينقطع" (2) . وقال أيضاً: "لا يجوز حصر كلمة الإلهام بمعناها اللغوي لأن جمهور العلماء متفقون على اعتبار الإلهام مرادفاً للوحي" (3) .
وهذا يؤكد أن دعوته دعوة باطنية، وزعمه أنه من أصحاب الإلهام يثبت الصلة القوية بين الفكر الباطني وبين الدعوة القاديانيةِ، فإن صاحب هذه الدعوة كان يرى أنه من أصحاب العلم الباطني حيث قال في براهين أحمدية: "إذا كان العلماء لم يُعطوا العلم الباطني فكيف، ولم يرثون النبوة؟ ألم يقل النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه يكون في هذه الأمة محدثون" (4) (5) .
وقد زعم المرزا غلام أحمد أن النزاع بينه وبين من يعارضونه في مسألة الوحي بأنه مجرد خلاف لفظي فقط، فقال في براهين أحمدية: "النزاع بيننا وبين جماعة المسلمين الآخرين نزاع لفظي فالإعلامات الربانية التي نسميها وحياً يسميها علماء الإسلام في كلامهم إلهاماً أيضاً" (6) .
وطبيعي أن هذا كذب واضح وسوء فهم متعمد لمعنى الإلهام والوحي، وهدفه هو التمهيد لدعواه إلى أنه المهدي المنتظر، ثم التمهيد بعد ذلك لدعوته إلى النبوة. (24)
لقد كثرت إلهامات الغلام التي جعلها بمثابة وحي من الله تعالى، وهي أفكار زخرفها، وتقوَّلَ فيها على الله تعالى وتنطع، وخرج عن الإيمان بالإسلام وبختم النبوة المحمدية.
ثم تحول القادياني من شخص مسلم غيور على الدين في أول أمره إلى عدو لدود للمسلمين والإسلام، حينما رأى إقبال الناس عليه ودفع الحكومة الإنجليزية له إلى الأمام في غيه، كما هو عادة الإنجليز وخداعهم للناس.
ولهذا فقد وصل به التعلق بالإنجليز إلى حد أن الذي يأتيه بالوحي هو رجل في صورة شاب إنجليزي.
بل والوحي نفسه اختلط عليه الأمر فيه فمرة يوحى إليه بالعربية، ومرة بالفارسية وأخرى بالأردية، بل وأحياناً بالإنجليزية إتماماً للنعمة.
ويمكن أن أجعل عذر الندوي في عدم الإتيان بتلك الإلهامات التي نزلت على الغلام كلها - أجعله عذراً لي، وذلك في قوله عن الغلام:
(ثم ذكر الشيء الكثير من إلهاماته مما يطول نقله وتثقل قراءته على القارئ الأديب، إلا أننا نقتصر على مثالين من هذه الإلهامات الطريفة) (7) .
ثم ذكر مثالين منها يكفيان القارئ الحُكم على الغلام، ومدى ما وصل إليه من استهتار بكتاب الله وسنة نبيه، بل وبعقول الناس، بل وبعقله أيضاً هو؛ حيث جاء بكلام لا يفهمه حتى هو فضلاً عن غيره، فمما أورد الغلام في كتابه (براهين أحمدية) قوله: (لقد أُلهِمْتُ آنفا وأنا أعلق هذه الحاشية، وذلك في شهر مارس عام 1882م ما نصه حرفياً: (يا أحمد، بارك الله فيك، ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى. الرحمن علم القرآن، لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم، ولتستبين سبيل المجرمين، قل إني أمرت وأنا أول المؤمنين، قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، كل بركة من محمد صلى الله عليه وسلم فتبارك من علم وتعلم...) إلى أن يقول: (يقولون أنى لك هذا، أنَّى لك هذا، إن هذا إلا قول البشر، وأعانه عليه قوم آخرون (8) ...) إلى أن يقول: (إني رافعك إلي وألقيت عليك محبة مني، لا إليه إلا الله، فاكتب وليطبع (كذا) وليرسل في الأرض، خذوا التوحيد التوحيد يا أبناء الفارس (كذا) ...أصحاب الصفة، وما أدراك ما أصحاب الصفة...) إلى أن يقول:
(قيل ارجعوا إلى الله فلا ترجعون. وقيل استحوذوا فلا تستحوذون، ولا يخفى على الله خافية، ولا يصلح شيء قبل إصلاحه ومن رد من مطبعه، (كذا) فلا مرد له) (9) .
وأكتفي بذكر هذه النصوص عن الوحي الذي يزعمه، ولكن من الأنفع للقارئ أن يقف على جملة الإلهام أو الوحي الذي نزل على الغلام في آخر كتابه (ضميمة الوحي)؛ ليقف عليه القارئ وليرى مقدار ما وصل إليه هذا الشخص في إقدامه على التلاعب بكتاب الله عز وجل، وليرى الوقاحة التامة التي اتصف بها هذا الرجل وعدم خوفه عاقبة أكاذيبه.
وليرى كذلك جملة من الكلام الركيك والهذيان الفاحش والفكر الناقص المضطرب الذي تحدى به البشر.
وكتاب الغلام أو رسالته التي جعلها بعد ذلك ملحقة بكتابه (براهين أحمدية) وضميمة له، صاغها على طريقة القرآن الكريم في قصر الآيات وطريقة الوقوف على رأس كل آية. ثم خلط بين آيات متباعدة دون رابط مع تبديل كلمات القرآن بكلمات من عنده أحياناً، وتحريف لألفاظ القرآن أحياناً أخرى، مع الجسارة التامة على التلاعب بترتيب الآيات ونطقها وتبديل ما شاء وترك ما يشاء.
وليقف كذلك على جهل الغلام بخالق السموات والأرض وبدائيته في ذلك؛ حيث لفق 97 صفحة ليضاهي بها القرآن الكريم (10) .
وقد تحدى الغلامُ البشر أن يأتوا بصفحات من مثل كلامه الذي هو كالقرآن فقال يرد على الذين يقولون إن كلامه مسروق وليس بإلهام من الله:
(ووالله إنه ظل القرآن ليكون آية لقوم يتدبرون. أتقولون سارق فأتوا بصفحات مسروقة كمثلها في التزام الحق والحكمة إن كنتم تصدقون) (11) .
هذا وهو القائل:
(ألا لعنة الله على من افترى على الله أو كذّب الصادقين، وكل من كذّب الصادق أو افترى جمعهم الله في نار أعدت لهم وليسوا منها بخارجين، قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين) (12) .
وبعد أن تحدى الغلام البشر أن يأتوا بصفحات من مثل الوحي الذي جاءه، عاد وتحدى البشر أن يأتوا بآية من تلك الآيات التي تلقاها عن الله تعالى قائلاً ومقسماً: (ووالله لو اجتمع أولهم وآخرهم وخواصهم وعوامهم ورجالهم ونساؤهم ما استطاعوا أن يأتوا بآية كما نعطى من ربنا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) (13)، ومن أقوى ما أوحي إليه هذا الكلام: (فروا من مائدة الله ورغفانها وانتشروا، وبقيت الخِوَانُ على مكانها، وآثروا عصيدة الدنيا وتحلبت لها أفواههم وتلمظت لها شفاههم...) (14) إلخ. فمن يستطيع أن يأتي بمثل هذا غيره؟!.
وقد ذكر أن من الأدلة على نبوته أنه كان قد نقش في خاتمه: (أليس الله بكاف عبده يا أهل الآراء) (15) قبل أن يخبره الله بأنه نبي فاعجب لهذا الدليل أيها العاقل! وذكر أن الخاتم مضى عليه أكثر من ثلاثين سنة ولا يزال محفوظاً لديه، فضلاً من الله ورحمة، ومع هذا الفضل من الله عليه فقد سجل على نفسه أنه كان يكتم بعض الوحي؛ خوفاً من الحكومة، فقد نبأه الله أن رجلاً من أعدائه اسمه سعد الله سيموت، فأراد أن ينشر هذا الإلهام فثناه عنه وكيله فقال:
(فأردت أن أفصله في كلامي وأشيع ما صنع الله بذلك الفتان..فمنعني من ذلك وكيل كان من جماعتي، وخوفني من إرادة إشاعتي وقال: لو أشعتها لا تأمن مقت الحكام ويجرك القانون إلى الآثام...وليست الحكومة تارك المجرمين) (16) .
فكيف بكتم الوحي لئلا يكون مجرماً أمام الحكومة، وصدق الله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [ النساء:82].
ومن إلهاماته الأخرى هذه العبارات:
إني ألهِمْتُ إن شاء الله (17) .
إني ألهِمْتٌ رجل معقول (18) .
إني ألهِمْتُ الأسف كل الأسف (19) .
إني ألهِمتُ جوهدري رستم علي (20) .
فراش العيش (21) .
أنت مني بمنزلة أولادي (22) .
بهذه الوثنية زعم أن الله خاطبه، تعالى الله عن افترائه.
وهناك إلهامات كثيرة مملة، كما ذكر الندوي بعضها، وذكر المودودي بعضاً، وذكر إحسان إلهي بعضاً منها||hamish||4564||/hamish||أيضاً، ويكفي مجرد قراءتها دليلاً واضحاً على شخصية القادياني وشعوذته
ثالثا: مرحلة المهدي
المنتظر والمسيح الموعود
إن غلام أحمد هذا قد ابتدأ ببث نفوذه في المسلمين من الهنود عندما اكتشف قبرا بسرنجار قرب كشمير لولي من الأولياء يدعى يوسف أساف وقد قال أنه قبر عيسى بن مريم وأن عيسى قد فر من اليهود عندما شبه لهم ونجا من الصلب وقد ألقى عصى التسيار في هذا المكان حيث أدركه الموت ودفن في هذا القبر وقد حاول أن يثبت مدعاه بالتاريخ .... ولذلك نقول إن أول رأي ابتدأ به غلام أحمد القادياني وهو قوله إن عيسى لم يرفع ببدنه إلى السماء بل رفع بروحه وأن جسده مدفون في الأرض ويعين المكان الذي دفن فيه وأنه بعد هذا الكشف الذي زعمه اتجه يدعو إلى نحلة جديدة وقد ادعى أنه مجدد الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه الإمام أحمد :" إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يجدد لها أمر دينها " (1)
فزعم انه هو رجل هذه المائة الأخيرة وقد اعتقد في نفسه ما يأتي :
أنه اكتشف قبر المسيح وأنه باكتشافه لهذا القبر قد حلت فيه روح المسيح وقوته وأنه المهدي المنتظر فهو بروح المسيح وبوصفه المهدي يجدد أمر الدين ويكون ما يقوله هو الحق وليس لأحد أن ينكره إذ إنه يتكلم عن الله (21)
في كتابه (فتح إسلام) بدأ غلام أحمد يخطط لمرحلة جديدة، وزعم أن عصر ظهور المسيح جاء، بل أعلن بلا مواربة بأنه المهدي المنتظر الذي أرسله الله لإصلاح العالم، وإقامة الدين فقال في "فتح إسلام": "يا أيها الناس إذا كنتم أصحاب إيمان ودين، فاحمدوا الله واسجدوا لله شكراً، إن العصر الذي قضى آباؤكم حياتهم في انتظاره ولم يدركوه، وتشوقت إليه أرواح ولم تسعد به قد حل وأدركتموه وإليكم وحدكم أن تقدروا هذه النعمة وتنتهزوا هذه الفرصة، سأكرر ذلك ولا أفتأ أذكرم أنني ذلك الرجل الذي أرسل للإصلاح الحق، ليقيم هذا الدين في القلوب من جديد" (2) . (22)
ولكنه لا يكتفي بأن يكون المهدي بل يدعي أن اللاهوت قد حل في جسده ولعل ذلك هو الذي يتسق مع قوله إنه قد حلت فيه قوة المسيح وهو في هذا يقتبس من النصرانية الحاضرة لأن النصارى الآن هم الذين يعتقدون أن المسيح عليه السلام قد التقى فيه الناموس باللاهوت (23)
قال في ضميمة الوحي: (وأتى المسيح الموعود مهجراً بأمر الله العلام؛ ليظهر الله ضياءه التام على الأنام بعد الظلام) (3) . (24)
وما زال يكرر افتياءه وكذبه وزعمه أنه المهدي المنتظر والمسيح الموعود بل ازداد غلواً وكفراً حين قال أنه أفضل من النبي الكليم، يقول في جرأةٍ متناهية: "لقد أرسلت كما أرسل الرجل المسيح بعد كليم الله موسى الذي رفعت روحه بعد تعذيب وإيذاء شديدين في عهد هيرودوس، فكما جاء الكليم الثاني محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي هو أول كليم وسيد الأنبياء لقمع الفراعنة الآخرين الذي قال الله عنهم: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا[ المزمل:15] ،
فكان لابد أن يكون بعد هذا النبي، الذي هو في تصرفاته مثل الكليم، ولكنه أفضل منه" (4) .
وهذا كذب واضح وافتراء مبين وجرأة شديدة على نبي الله، صلى الله عليه وسلم. (25)
العلماء يذكرون أن الفضل في هذا التوجه يعود إلى صديقه الحكيم نور الدين، ويتضح ذلك في رسالة بعثها القادياني رداً على رسالة لصديقه الحكيم، الذي كتب إليه اقتراحه المشهور للغلام في أن يدعي أنه المسيح، فكتب له الغلام مبدياً تواضعه في أول الأمر وعدم طموحه إلى ذلك، جاء فيها قوله:
(لقد تساءل الأستاذ الكريم ما المانع من أن يدعي هذا العاجز (5) أنه مثيل للمسيح؟، وينحي في جانب مصداق الحديث الذي جاء فيه أن المسيح ينزل في دمشق، وأي ضرر في ذلك، فليعلم الأستاذ الكريم أن العاجز ليست له حاجة إلى أن يكون مثيلاً للمسيح، إن همه الوحيد أن يدخله الله في عباده المتواضعين المطيعين) (6) .
وما ألطفه من تواضع لو بقي عليه إن كان صادقاً في هذا الكلام، إلا أنه قد يتبادر إلى الذهن أن ما أظهره هنا من التحرج والتواضع يحتمل أنه:
كان يخاف مغبة هذه الدعوى.
أو أنه قالها قبل أن تختمر الفكرة في ذهنه.
أو أنه كان ماكراً يريد أن يستثبت من رغبات الناس ويسبر غورهم وبالأخص صديقه المذكور.
ومهما كان فقد وجهه الحكيم إلى دعوى أنه مثيل للمسيح، وبين له الخطة في ذلك بتأويل الأحاديث على وفق دعوى الغلام، وربما لم يكن الحكيم نور الدين وحده مصدر هذه الفكرة، بل الإنجليز أيضاً بطبيعة الحال كان لهم دور بارز في إضرامها ليوجهوها بعد ذلك الوجهة المطلوبة لهم، والتي أول أهدافهم منها محو فكرة الجهاد من أذهان المسلمين، وعلى أي حال كان، فقد قَبِلَ الميرزا مشورة صديقه في أن يصبح نبياً، وتأكد لديه أن الفرصة قد واتته، ومن هنا بدأ الميرزا غلام أحمد في تنفيذ تلك الفكرة وأخذ يدعو إلى ذلك بكل ما يستطيعه من إمكانيات.
قال الندوي: (وهنا تتميز الفكرة القاديانية عن الديانات السماوية والدعوات النبوية تميزاً واضحاً، فإن الأنبياء والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - ينزل عليهم الوحي من السماء ويمتلئون إيماناً وثقة برسالتهم، ولا تنبثق عقيدتهم أو دعوتهم من اقتراح أو توجيه) (7) . كما حصل للغلام المذكور، وقد أخذ القادياني بعد ذلك يدلل على أنه هو المثيل للمسيح الموعود الذي بشرت به الأحاديث، وأنه ينبغي على كل مسلم أن يشكر الله على نزول المثيل الموعود وهو القادياني في عصره الجديد، أما المسيح ابن مريم حسب زعمه فإنه لا يعود إلى الأرض، ولكن الذي سيعود هو المثيل للمسيح والشبيه له لا المسيح نفسه؛ ولذلك فإن شبه المسيح تماماً هو القادياني وعلى الناس أن يصدقوا هذا التفسير منه ويتركوا ما جاء من النصوص في ثبوت عودة المسيح ابن مريم الذي أرسل في عصره إلى بني إسرائيل؛ لأن عودته إنما هي مثال للمسيح الهندي الغلام أحمد.
ولقد ألف عدة كتب في إثبات هذا المفهوم الجديد، وله نصوص كثيرة فيه، يمكن أن نقتصر منها على هذا المثال من كلامه الذي جاء في كتابه (توضيح مرام) (8) ترجمة الأستاذ الندوي (9) ؛ حيث قال:
(إن المسلمين والنصارى يعتقدون باختلاف يسير أن المسيح ابن مريم قد رُفع إلى السماء بجسده العنصري، وأنه سينزل من السماء في عصر من العصور، وقد أثبت في كتابي - يعني (فتح إسلام) - أنها عقيدة خاطئة، وقد شرحت أنه ليس المراد من النزول هو نزول المسيح؛ بل هو إعلام على طريق الاستعارة بقدوم مثيل المسيح، وأن هذا العاجز هو مصداق هذا الخبر حسب الإعلام والإلهام، ومن هنا فإنه لا مناص من تقمص شخصية المسيح والعراك المرير لانتزاعها وتسليم المخالفين له بها).
وقد أكثر من الكلام حول وفاة المسيح وتحقيق أنه كان له أب وأن المقصود بكونه لا أب له أي أنه جاءه العلم من غير تعلم (10) .
دور صديقه الحكيم نور الدين في دفعه إلى الأمام:
لقد كان لنور الدين اليد العليا على الغلام؛ حيث كان يمهد له الصعاب ويشاركه في إبراز القضايا الخطيرة وطريقة حلها وتوجيهها، ومن ذلك تفسير دمشق الواردة في صحيح مسلم أن المسيح ينزل في دمشق. فكيف ذلك ونزول القادياني كان في قاديان وبين البلدتين من البعد وعدم العلاقة بينهما ما لا يخفى على أحد.
وهذه القضية أثارها نور الدين، وهي قضية خطيرة إن لم يوجد لها حل وتوجيه مقبول عند الناس، وبعد تفكير اهتدى الغلام إلى الحل الذي أطلعه الله عليه - حسب قوله - وهو أن دمشق التي ينزل فيها المسيح ليست هي دمشق المعروفة بالشام، ولكن المراد بدمشق أنها قرية يسكنها رجال طبيعتهم يزيدية - أي قاديان - فاتفقت في الوصف مع دمشق الشام من حيث إن طبيعة أهل هاتين المدينتين يزيدية. فقال:
(وإنه لما كانت قرية قاديان شبيهة بدمشق أنزلني فيها لأمر عظيم - أي قاديان - بطرف شرقي عند المنارة البيضاء من المسجد الذي من دخله كان آمناً) (11) يعني المسجد الذي بناه بقاديان ليحج إليه اتباعه المرتدون عن الإسلام مضاهاة للمسجد الحرام، وجعل عنده منارة بيضاء ليضلل الناس في صدق الحديث عليه لنزوله أو ظهوره عند هذه المنارة التي بناها.
تأويل الرداءين الأصفرين:
كما أول نصوصاً كثيرة تأويلات باطنية ضالة؛ مثل تأويل ما جاء في أحاديث نزول المسيح أنه ينزل وعليه رداءان أصفران أولهما القادياني على نفسه بأنهما المرضان اللذان كانا يلازمانه وهو الصداع الشديد والدوار الذي في مقدم رأسه، وكثرة البول الناتج عن السكر الذي أصابه (12) ، وأن الله ابتلاه بهذا لئلا يقع الخلل في نبوءة الرداءين الأصفرين زيادة في تثبيت الناس فيه، وسخر من الأحاديث التي تدل على نزول المسيح ابن مريم من السماء، وزعم أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ألقى الله عليه علماً إجمالياً عن المسيح ليكمل تفصيله - على النحو المذكور - القادياني حين بعثته الجديدة من الهند، وقرر أن قبر المسيح ابن مريم موجود في كشمير وتعسف في ذلك، وجاء بالعجائب والغرائب من التأويلات التي لا تستند إلا على الهوى وعدم المبالاة، وهكذا أثبت لنفسه أنه هو المثيل للمسيح ابن مريم لوجود التشابه التام بينهما في المسكنة والتواضع والثقة في الله والتوكل عليه، وتجديد كل منهما للدين كما كان يذكر الغلام.
إلا أنه يرد سؤال مهم؛ وهو أنه من الضروري أن يكون مثيل المسيح أيضاً نبيٌّ؛ لأن المسيح كان نبياً؟ وهذا سؤال يبدو أنه قد يُشّكِّلُ عقبة أمام القادياني، وهو نفسه صاحب هذا السؤال، ولكن أجاب عنه بقوله بعد إيراد السؤال:
(فالجواب الأول عن هذا، أن سيدنا ومولانا ما اشترط للمسيح القادم بالنبوة، وكتب بكل وضوح أنه سيكون رجلاً مسلماً متبعاً للشريعة الفرقانية شأن عامة المسلمين ولا يُظْهر شيئاً أكثر من هذا) (13) .
وعلى هذا فهو ليس المسيح وليس نبياً، قال: (وإني ما ادعيت قط أني المسيح ابن مريم، والذي يتهمني بهذا فإنه المفتري الكذاب، بل الذي قد نشر من جانبي منذ سبعة أو ثمانية أعوام هو أني مثيل المسيح) (14) .
لكنه لم يقف عند هذا الحد فيما بعد، وهذا الكلام إنما جاء في مرحلة من مراحل التخطيط للنبوة، ومن هنا فإنه قد ارتفع بعد أن أثبت مِثْلِيَّتَهُ للمسيح إلى أنه هو نفسه المسيح وأمه، فقال: (وهذا هو عيسى المرتقب، وليس المراد بمريم وعيسى في العبارات الإلهامية إلا أنا). وقال: (وهو قد سماني بمريم في الجزء الثالث من البراهين الأحمدية، ثم نشأتُ في الصفة المريمية إلى سنتين كما هو الظاهر من البراهين الأحمدية ومازلت أنمو وأتربى وراء الحجاب ثم ...نفخ فيّ روح عيسى كمريم وحملتُ بعيسى على وجه الاستعارة، ثم بعد عدة أشهر جعلت عيسى - بعد أن كنت مريم - بإلهام جاءني في آخر الجزء الرابع من البراهين الأحمدية، فهكذا أصبحت ابن مريم) (15) .
وقد حاول الميرزا بشير محمود تأسيس هذه الفكرة؛ حيث زعم أن كلمة (مريم) تعني حالة ووضعاً خاصاً من أوضاع المؤمنين في مرحلة من مراحل حياتهم، ثم ينتقلون إلى (العيسوية) الهداية التامة (16) .
وبهذا البهتان العظيم والخيال السقيم والعقوق أيضاً لأمه، لأنه صار ابناً لمريم وليس لأمه (جراغ بي بي) أراد أن يثبت نبوته، والذي يظهر لي أن هذه التلفيقات في أفكاره ترجع إلى أنه كان متأثراً بالقول بالتناسخ إلا أنه لم يجرؤ على التصريح به في تلك الفترة، فحاول تغطيته بمثل تلك العبارات المملوءة بالغموض عن عمد.
وقد أطال كثير ممن كتب عن القادياني الرد على هذه الأفكار، والواقع أنه لا ينبغي مجرد الاهتمام بها ولا الردود عليها؛ فهي أحط من أن تثبت أمام المناقشة والجدال، ومن الجدير بالتنبيه إليه أن بشير محمود أحمد في كتابه: (دعوة الأمير) قد ذكر كلاماً كثيراً حول إثبات وفاة المسيح عيسى ابن مريم، وزعم أن الذين يقولون بحياته إلى يومنا الحاضر لا يعرفون الله حق معرفته؛ حيث جعلوا المسيح مثيلاً له في عدم الفناء، وزعم أن اعتقاد حياة المسيح إلى اليوم فيه تأييد للنصارى في زعمهم ألوهية عيسى، أو أنه ابن الله! وهي مغالطة واضحة؛ فإن المسلمين حين يقولون: إن المسيح حي الآن في السماء، لا يقولون: إن حياته مثل حياة الله، بل يثبتون أنه سيرجع إلى الدنيا ثم يموت بعد ذلك كغيره من البشر.
وقد اعتبر الميرزا بشير محمود القول بأنه عيسى رفع إلى السماء ومحمداً مدفون في الأرض من أشد الإهانات التي توجه للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلته عند الله، ويقول: كيف أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله تركه للهموم والمصائب ولم يرفعه إلى السماء، وعيسى بمجرد أن تعرض لأدنى خطر رفعه الله إليه وجاء بشخص مثيل له ليصلب!؟ إلخ ما أورده من مغالطات شريرة، فإنه من المعلوم لدى أفهام العقلاء أن كون عيسى رفع ومحمد صلى الله عليه وسلم مدفوناً في الأرض، هذا ليس إهانة للرسول صلى الله عليه وسلم لا من قريب ولا من بعيد، فالأرض والسماء كلها لله، وقد اختار الله أن يكون الأمر على ما ذكر ولا يسأل الله عز وجل عما يفعل، ولا يعترض إلا جاهل، ونحن مع النصوص؛ ما أثبتته نثبته، وما نفته ننفيه، وقد نفت النصوص أن عيسى صلب بل إنه رفع، فيجب اعتقاد ذلك، والقول بأن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم مدفون في الأرض إهانة (17) له، هذه الإهانة لا وجود لها إلا في أذهان المغالطين.
كما أنه أورد شبهاً تدل على وفاة المسيح بزعمه، هي في واقعها تحريفات وتخريفات خاطئة، زخرف فيها القول، وزعم أنها حق تمويهاً على من لم يعرف مغالطاتهم.
ومن الأمور التي قررها بشير محمود هو أن والده الميرزا هو المثل للمسيح المتوفى، وأن القول بنزول المسيح عيسى ابن مريم مرة ثانية إلى الدنيا يعتبر احتقاراً للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهضماً للقول بقدرة الله في إرسال الأنبياء والمصلحين؛ إذ كيف يضطر الله إلى إرسال ميت - حسب زعمه - من بني إسرائيل وأمة محمد صلى الله عليه وسلم موجودون، وهذا المفهوم مأخوذ عن ضميمة الوحي، حيث قال الغلام القادياني: (ويدفنون خير الرسل في التراب ويُصْعِدون عيسى إلى السموات العلى فتلك إذا قسمة ضيزى يبصرون ثم لا يبصرون يرون الحق ثم يتعامون) (18) . (26)
فبعد دعوى القادياني أنه المسيح الموعود دعا الناس إلى مبايعته على ذلك . يقول وكيل التبشير القادياني مبارك أحمد ماك :استهل مؤسس الحركة الأحمدية كفاحه بكتابه التاريخي العظيم ( براهين أحمدية) في أربعة مجلدات أعلن فيه أن الله عز وجل قد بعثه مسيحا موعودا طبق أنباء التوراة والقرآن الكريم وفي عام 1889م اختار لأتباعه طريق المبايعة للانضمام للحركة الأحمدية . فمن شروط المبايعة للانضمام للجماعة القاديانية ما قاله غلام أحمد أن يعقد مع هذا العبد المسيح الموعود عليه السلام عهد الأخوة خالصا لوجه الله تعالى على أن يطيعني في كل ما آمره به من المعروف ثم لا يحيد عنه ولا ينكثه حتى الممات ويكون في هذا العقد بصورة لا تعدلها العلائق الدنيوية سواء كانت علائق قرابة أو صداقة أو عمل (27)
وبعد أن كون القادياني أتباعا له في داخل الهند وباكستان نشر دعوته إلى الخارج فوجهها أولا إلى العرب حيث يقول : "إن ربي قد بشرني في العرب وألهمني أن أمونهم وأريهم طريقهم وأصلح لهم شئونهم وستجدوني في هذا الأمر إن شاء الله من الفائزين أيها الأعزاء إن الرب تبارك وتعالى قد تجلى علي لتأييد الإسلام وتجديده بأخص التجليات ومنح علي وابل البركات وأنعم علي بأنواع الإنعامات وبشرني في وقت عبوس للإسلام وعيش بؤس الأمة خير الأنام بالتفضلات والفتوحات والتأييدات فصبوت إلى إشراككم يا معشر العرب في هذه النعم وكنت لهذا اليوم من المتشوقين فهل ترغبون أن تلحقوا بي لله رب العالمين" (19) ثم وجه القادياني بعد ذلك دعوته إلى جميع أرجاء العالم الإسلامي بما في ذلك الأقليات الإسلامية (20) .
رابعا: ادعاؤه الوحي
والنبوة
وحينما وصل إلى الدرجة النهائية لتدرجه إلى مقام النبوة صرح بآخر تفاصيل الخطة، وأزاح الضباب الذي جعله سابقاً غطاء للوصول إلى هذه الدرجة التي أعلن فيها نبوته، وصال وجال وتحدى الناس وراهن على صدق نبوته وصدق نفسه أنه نبي، ومن هنا انطلق آخذاً في اعتباره أن يغطي الإسلام برداء نبوته الجديدة، وأن يتحول المسلمون على مر الزمن من الإسلام الذي ارتضاه الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه إلى يوم القيامة - أن يتحولوا إلى القاديانية فتصبح قاديان بدلاً من مكة والمدينة وبيت المقدس أيضاً، وتنتقل مهوى الأفئدة إلى قاديان، ويصبح زيارة مسجد القادياني والسلام على القادياني بدلاً عن زيارة المسجد النبوي والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصبح تعاليم القادياني بديلة لتعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية إلى آخر ما كان يهدف إليه، وفي ظني أن المنية عاجلته قبل أن يكمل المخطط تماماً، ولربما لو امتدت به الحياة بعد تلك الفترة التي قضاها لكان له شأن آخر.
وعلى كل حال، فقد ادعى الغلام النبوة وبيَّن المهام التي أسندها الله إليه حسب زعمه، فقال: (أنا على بصيرة من رب وهَّاب، بعثني الله على رأس المائة؛ لأجدد الدين وأنوِّر وجه الملة وأكسر الصليب وأطفئ نار النصرانية، وأقيم سنة خير البرية، ولأصلح ما فَسَدَ وأروِّج ما كسد، وأنا المسيح الموعود والمهدي المعهود، منَّ الله عليّ بالوحي والإلهام، وكلمني كما كلم رسله الكرام) (1) (38)
يقول في تكملة البراهين الأحمدية، جـ 5، ص 183: "من العقيدة الباطلة الواهية أن يظن أحدٌ أن باب الوحي قد انغلق إلى أبد الآباد بعد محمد، صلى الله عليه وسلم، ولا رجاء فيه –أي في افتاحه - في المستقبل إلى يوم القيامة، كأنكم أمرتم ألا تعبدوا إلا القصص والأساطير، فهل من الممكن أن يكون الدين الذي لا يعرف الله فيه معرفة مباشرة ديناً" (2) .
وقال أيضاً في الدر الثمين، ص 282: "ونزول المسيح " ص282: "والذي أنا أسمع من وحي الله، والله منزه عن الخطأ، وأنا أعرفُ أنه منزه عن الخطأ كالقرآن. والله هذا هو إيماني. والله إن هذا لهو كلام الله، وهو من لسان الله الوحيد الطاهر" (3) (39)
إلا أنه تميز عن الرسل بخاصية لا توجد فيهم وهي:
أن الرسل كانوا يفرحون بأخذ النبوة ويتقبلونها بلهفة، بينما هو تقبلها رغم كراهيته لها وإيثاره الخمول على الشهرة، وهذا في قوله:
(كنت أحب أن أعيش مكتوماً كأهل القبور، فأخرجني ربي على كراهيتي من الخروج، وأضاء اسمي في العالم مع هربي من الشهرة والعروج، ولبثت عمراً كالسر المستور أو القنفذ المذعور...ثم أعطاني ربي ما يحفظ العدا) (4) .
وقوله:
(فأخرجني الله من حجرتي، وعرفني في الناس وأنا كاره من شهرتي، وجعلني خليفة آخر الزمان وإمام هذا الأوان) (5) .
لقد كان القادياني لبقاً في إبداء فكرته، يمشي خطوة خطوة وينتقل من مرحلة إلى مرحلة، فبدأ يتكلم عن الإلهام والعلم الباطني والعلم اليقيني كمنزلة طبيعية يصل إليها الإنسان بلزوم متابعة النبي صلى الله عليه وسلم والاضمحلال فيه على طريقة الصوفية، ويتكلم عن صفات النبوة والنبي الذي يجمع هذه الخصائص وإمكان ذلك.
ولعله كان يدرس الأحوال ويتأكد من جود المحيط المناسب لهذه الدعوى الكبيرة التي ستحدث الضجة العظيمة التي كان يترقبها في المجتمع الإسلامي حين إعلانها. وقد حدث الحادث المرتقب عام 1900م حينما ألقى إمام مسجده - ويسمى عبد الكريم - خطبة الجمعة معلناً فيها أن الغلام صار نبياً رسولاً؛ لا يؤمن بالله من لا يؤمن به. وحصلت المفاجأة واندهش المصلون لهذا الحدث الغريب، وحصل الجدال والنقاش بين هذا الخطيب وبين المسلمين الذين ما كانوا يعرفون عنه إلا أنه عالم ومجدد وداعية إلى الإسلام ومناظراً لخصومه.
فعاد عبد الكريم وألقى خطبة أخرى في هذا المعنى في الجمعة الثانية، والتفت إلى الغلام أحمد وقال له: (أنا أعتقد أنك نبي ورسول فإن كنت مخطئاً نبهني على ذلك، ولما قضيت الصلاة وهمّ الميرزا بالانصراف أمسك الخطيب عبد الكريم بذيله وطلب منه توضيح هذا الأمر، فأقبل إليه الميرزا قال: (هذا الذي أدين به وأدعيه)، فارتفعت الأصوات بالنقاش فخرج الميرزا من بيته وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) (6) . ومن هنا شمر عن ساعد الجد في دعوى النبوة بل وتحدى على ذلك، وأنه نبي مرسل من الله صاحب شريعة، وكفّر جميع من لا يؤمن به وأثبت لنفسه أنه رسول من الله (7) ، وأنه نبي سماه الله بذلك حسب قوله: (سماني الله نبياً تحت فيض النبوة المحمدية، وأوحى إليّ ما أوحى) (8) .
قال أيضاً:
(وإني والله من الرحمن يكلمني ربي ويوحي إليّ بالفضل والإحسان).
(وخاطبني ربي إنك بأعيننا فأوفى وعده) (9) .
يقول في كتابه (الهدى والتبصرة لمن يرى) : وقالوا: لست مرسلا بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فسوف يعلمون ...وما كنت متفردا في هذا بل ما أتى الناس من رسول إلا كانوا به يستهزئون وهلم جرا إلى ما تشاهدون (10) ويقول في تذكرة وحي المقدس: إنا أرسلنا أحمد إلى قومه فأعرضوا وقالوا كذاب أشر (11) . ويقول : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وتهذيب الأخلاق (12) . وأما ما جاء في شعره من ذلك فنحو قوله :
|
أخاطب
جهرا لا أقول كخافت
|
فإني من الرحمن أوحي وأخبر (13)
|
وقوله:
|
تخيرني
الرحمن من بي خلقه
|
له الحكم يقضي ما يشاء ويأمر (14)
|
ويقول :
|
يا معشر
الأعداء توبوا واتقوا
|
والله إني مرسل ومقرب (15)
|
ويقول :
|
هل هذه
من قسم عمل منجم
|
أو آية عظمى عظيم الشأن
|
|
|
هذا حديث من نبي مصطفى
|
|
كهف الأنام وسيد الشجعان (16)
|
هذا جزء من كلامه الذي ادعى فيه النبوة والرسالة (40)
وبعد أن صرح بالنبوة أخذ يتدرج أيضاً في تلطفه مع المخالفين إلى أن جاء الحكم الأخير عليهم بالكفر والنار فبدأ بالقضية هكذا: كل من لا يؤمن بنبوة الغلام ويكفر به يستوجب العقاب إلى حد ما (17) ، ولا يكون الإنسان كافراً أو دجالاً لأجل إنكاره لدعواه، إلا أنه يكون ضالاً منحرفاً عن جادة الصواب، ويكون فاسقاً وجاهلاً جهلاً محضاً ... إلى آخر ما وصف به مخالفيه في هذه الفترة.
ثم جاءت الفترة النهائية وفيها الشدة والغلظة على المخالفين، وإخراجهم من الملة إن لم يدخلوا في دينه بخلاف من مات قبل مجيئه، ومن هنا قال: (إن الذين خلوا من قبلي لا إثم عليهم وهم مبرءون، والذين بلغتهم دعوتي ورأوا آياتي وعرفوني وعرفتهم بنفسي وتمت عليهم حجتي ثم كفروا بآيات الله وآذوني أولئك قوم حق عليهم عقاب الله، خصوصاً بعد أن صار مهدياً متجسداً بمحمد صلى الله عليه وسلم كما زعم (18) .
ولأن الله أنزل عليه بالإلهام (كل رجل لا يتبعك ولا يدخل في بيعتك ويبقى مخالفاً لك هو عاص لله والرسول وهو من أصحاب النار) (19) . (41)
ويقول مرزا غلام أحمد: "كل مسلم قد بلغته دعوتي، وإن كان مسلماً ولكنه لا يحكمني ولا يؤمن بي مسيحاً موعوداً، ولا يعتقد أن وحيي هو من عند الله فهو يستوجب المؤاخذة في السماء" (20) . (42)
وهناك نصوص كثيرة في دعوى تجسد محمد صلى الله عليه وسلم بالغلام في قاديان وظهوره مرة أخرى داعياً إلى الإسلام ونشره من جديد، منها:
(أن الله قد أنزل محمداً صلى الله عليه وسلم مرة أخرى في قاديان لينجز وعده) (21) ، ومنها: (فالمسيح الموعود هو محمد رسول الله، وقد جاء إلى الدنيا مرة أخرى لنشر الإسلام) (22) .
ومنها: (فإن المسيح الموعود ليس بشخص غير النبي الكريم، بل إنه هو نفسه) (23).
وعلى أساس هذا المفهوم، فكل من أنكر أو كذب بنبوة الغلام فهو نفسه تكذيب وإنكار لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكل جزاء يلحق بمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم هو نفسه الجزاء الذي يحل بمن يكذب بالقادياني.
وانتقلت نفس الصفات التي اختارها الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فصارت للقادياني:
فهو مفضل، ومسجده مفضل وقبره مفضل، وقاديان نفسها مفضلة أيضاً، ويجب على المسلم ألا يرى فارقاً بين قبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقبر الغلام؛ لأن القبرين في منزلة واحدة، ولأن الغلام اسمه أيضاً محمد.
ولهذا فكل آية فيها ذكر محمد فإنها تنطبق أيضاً على الغلام المسيح الموعود لاتحادهما في الاسم وشمول الرسالة والتجسد، ومن هنا فلا غرابة في عدم تغيير القادياني لفظة الشهادة في الإسلام، بل أبقاها على صيغتها الشرعية: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)؛ لأن القاديانية يزعمون - كما زعم لهم الغلام لنفسه - أن من أسمائه (محمداً)؛ فلهذا يكفي ذلك اللفظ عن الإتيان بصيغة جديدة. وفي هذا يقول بشير أحمد ابن الغلام القادياني: (نحن لا نحتاج لديننا إلى كلمة جديدة للشهادة بنبوة غلام أحمد؛ لأنه ليس بين النبي وبين غلام أحمد أي فارق) (24) .
هذا تعليلهم، ولعل الصحيح أنهم لم يغيروا الشهادة خبثاً وتقية؛ ليكملوا تحت شعار الإسلام ما يهدم الإسلام، ويحقق أهدافهم، وتنتشر تعاليمهم بين العامة من المسلمين على طرف من الحذر وعمق في التمويه، والسير إلى النهاية ببطء ودقة. (43)
ومن مزاعم وحيه الكاذب: زعم المرزا غلام أحمد أنه يوحي إليه، وما أوحي إليه إلا الكذب المحض، إنه يأخذ بعض آيات القرآن الكريم، أو جزء منها فيخلطها بكلام يثير السخرية، من أمثلة ذلك: قوله في تذكرة (وحي مقدس): "يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، ويا مريم اسكني أنت وزوجك الجنة، ويا أحمد اسكن أنت وزوجك الجنة، نصرت وقالوا حين مناص، إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، رد عليهم رجل من فارس – شكر الله سعيه أم يقولون نحن جميع منتصر" (25) .
وقد وضع غلام أحمد بذرة الإشارة إلى النبوة في كتابه (براهين أحمدية) حين زعم أنه ألهم إلهامات كثيرة من قبل الله تعالى فقال: "لقد ألهمت آنفاً وأنا أعلق هذه الحاشية وذلك في شهر مارس عام 1882 م ما نصه حرفياً: يا أحمد بارك الله فيك ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، الرحمن علم القرآن، لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم، ولتستبين سبيل المجرمين، قل إني أمرت وأنا أول المؤمنين، قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" (26) .
وابنه المرزا الخليفة الثاني للقاديانية المرزا بشير الدين محمود ، يرى هذا الأمر ويعلنه بكل وضوح ويقول أن والده ليس مسيحاً موعوداً مجازاً فقط بل هو نبي أيضاً، ويؤكد هذا المعنى فيقول: "فالمعنى الذي تفهمنا إياه الشريعة الإسلامية عن النبي لا يسمح أن يكون المسيح الموعود نبياً مجازاً فقط بل لابد أن يكون نبياً حقاً، إنا نؤمن بنبوة ميرزا عليه السلام" .
هكذا خطط مرزا غلام أحمد لدعوى النبوة، فبعد ادعائه المهدية، وأنه المسيح الموعود، بدأ يجهز نفسه لمرحلة جديدة وهي ادعاؤه النبوة،
فزعم أن باب النبوة لم يغلق كلياً لأنه لم يغلق باب نزول جبريل على شكل وحي، وقال: إن الدين الذي ينقطع فيه سلسلة النبوة ليس بدين على الإطلاق، وزعم أن هذا هو الفارق الكبير بين الإسلام والديانات الأخرى، فالإسلام هو الدين الوحيد في افتراءاته الذي لم ينقطع من خلاله سلسلة النبوة، وكان يذكر دائماً: "مذهبنا أن الدين الذي انقطعت فيه سلسلة النبوة ليس بدين حي. ونقول للأديان الأخرى إنها ليست حية لأجل أنه لم تبق فيها سلسلة النبوة، مثل اليهودية والمسيحية والهندوكية، فإذا كان حال الإسلام كذلك لا يكن هناك أي فرق بين الإسلام والديانات الأخرى" (27) .
ويعتبر غلام أحمد أن النبوة آخر درجات الترقي الإنساني، فالإنسان المحب لله ولرسوله يمكنه أن يصل إلى درجة الصالحين، ثم يرتقي بعد ذلك إلى درجة الشهداء، ومنها إلى درجة الصالحين، ثم يرتقي بعد ذلك إلى درجة الشهداء، ومنها إلى درجة الصالحين، ثم يرتقي بعد ذلك إلى درجة الشهداء، ومنها إلى درجة الصديقين، فإذا تجاوز هذه الدرجة يمكنه أن يصل – في زعمه – إلى درجة النبي، ويسميها النبوة الظلية، أي أن صاحبها ظل للنبي، صلى الله عليه وسلم.
يقول محمود ابن نبي القاديانية غلام أحمد في كتاب (حقيقة النبوة): "إن النبوة ليست شيئاً مستقلاً بذاته، بل الواقع هو أنها شيئاُ آخر درجة من درجات ترقي الإنسان، فالإنسان يتدرج في محبة الله من درجة إلى أخرى من درجة الصالحين إلى درجة الشهداء، ومن درجة الشهداء، ومن درجة الشهداء إلى درجة الصديقين، وعندما يتجاوز هذه الدرجة الأخيرة يصبح حامل الأسرار الإلهية أي يكون نبياً" (28) .
وينفي غلام أحمد ختم النبوة فيقول: "إذا قال أحدٌ أن النبوة انتهت فكيف يمكن أن يكون نبي من أتباع محمد، صلى الله عليه وسلم، فالجواب علي ذلك هو أن الله، عز وجل، إنما سمي هذا العبد (المرزا غلام أحمد) نبياً، لأن كمال نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يثبت دون كمال أمته، ودون ذلك ليس إلا دعوى بغير دليل" (29) .
ويزداد غلو غلام أحمد في مسألة عدم ختم النبوة ويقول: "إن الزعم القائم أن النبوة انتهت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زعم باطل، ولا يعدو كونه لغواً، إن القرآن والأحاديث النبوية تعلن بطلان هذا الزعم، والحقيقة أن فضل وشأن الأمة المحمدية يكمن في أن يكون فيها أنبياء ورجال يخاطبون الله، ويتكلمون معه، كما يمكن أن يكون فيها الأولياء والشهداء والعلماء، لكي تكون هذه الأمة في الواقع خير أمة" (30) .
ويزعم هذا المفتري على الله تعالى أن الله عز وجل يكلمه وأنه سبحانه وتعالى يكشف له كثيراً من أمور الغيب، ولهذا فهو في افترائه يدعي أنه نبي، لأن الله يتكلم معه ويرد عليه فيقول: "إنني أزعم النبوة على أساس أنني أشرف بمكالمة الله تعالى، إن الله يتكلم معي بكثرة ويرد على كلامي، ويكشف علي كثيراً من أمور الغيب، ويفتح علي أبواب المستقبل، وما لم يكن المرء مقرباً منه قرباً خاصاُ لا يكشف عليه الأسرار، ولكثرة هذه الأمور فقد سماني نبياً، من هنا إنني نبي بأمر الله وبحكمه، وإذا أنكرت ذلك أكون مذنباً ومخطئاً وعندما سماني نبياً كيف يمكن أن أنكر ذلك، إنني قائم على ذلك إلى أن أترك هذه الدنيا" (31) .
وخشي مرزا غلام أحمد من ثورة المسلمين عليه بدعواه النبوة، فزعم أن نبوته نبوة ظلية أي أن نبوته ظلاً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنما يريد منكم الله سبحانه من حيث العقيدة أن تؤمنوا بأن الله واحد وأن محمداً رسوله ، وأنه خاتم النبيين وهو أفضل الناس أجمعين لا نبي بعده إلا الذي ألبس رداء المحمدية على سبيل التمثيل أو البروز، فإن الخادم ليس بمنفصل عن مخدومه، ولا الفرع بمنصرمٍ عن جزعه، لذلك كان بكليته فانياً في سيده، وينال من الله لقب نبي فما هو مخلو بختم النبوة مثلما تكون أنت اثنين إذا نظرت في المرآة، بل إنما تكون واحداً، وإن يتراءى لك اثنان بادئ الرؤيا، وليس الفرق ثمة إلا بين الظل والأصل، فهكذا تمت وقضت مشيئة الله في المسيح الموعود" (32) .
ويقول في (براهين أحمدية): "ولا ينبغي أن نقول هنا كيف يكون شخص أدنى من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، شريكاً في أسمائه أو أوصافه أو كمالاته، ومما لاشك فيه أنه لا يقدر أحد ولو كان نبياً أن يكون شريكه في كمالاته القدسية، ولا الملائكة كلهم يستطيعون ذلك. فكيف يستطيع ذلك غيرهم؟ ولكن اسمه يا طالب العلم منتبهاً إن الله تعالى قضى بكمال حكمته ورحمته أن يبعث رجالاً من الأمة المحمدية يتبعونه في غاية العجز والتذلل، يظهر بوجودهم الخفي بركات نبيه، صلى الله عليه وسلم، حتى تدوم بركاته وتظل أنوار أشعته الكاملة تبهر الخصوم وتبهتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم، هو المصدر الكامل والمرجع التام لما تصدر منهم من بركات وآيات ومعارف، وهو وحده المستحق للثناء الكامل والحقيقي، ولكن حيث أن منبع سنن النبي، صلى الله عليه وسلم بسبب اتباعه الكامل يصير الظل للشخص النوراني الفياض لحضرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وجميع الأنوار الربانية التي ظهرت في ذلك الوجود المقدس تظهر وتبدو في ظله أيضاً، وظهور هيئة الأصل وكيفيته الكاملتين في ظله أمر معلوم لا يخفى على أحد" (33) .
وما أن هدأت الثورة بعض الشيء حتى وجد الفرصة لينتقل من دعواه النبوة الظلية إلى دعوى النبوة المستقلة فيقول: "إذا حصل أحد أتباع النبي بفضل أتباعه على درجة الوحي والإلهام والنبوة ويطلق عليه اسم النبي، فلا يعني ذلك كسر ختم النبوة، لأنه نفسه ليس بشيء، بل ما حصل عليه من كمال يعود إلى نبيه الذي يتبعه، وهو ليس نبي فقط، بل نبي وفي نفس الوقت من أمتي، وختم النبوة يمنع مجيء نبي لا يكون من أمتي" (34) .
وبلغت جرأته على القرآن الكريم وعلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبلغت جرأته على القرآن الكريم وعلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شهد له بالنبوة، بل إن السماء والأرض وما من نبي إلا شهد له بالنبوة، ويأمر المسلمين باتباعه فيقول: "إنني صادق كموسى وعيسى وداود ومحمد، صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل الله لتصديقي آيات سماوية تربو على عشرة آلاف، وقد شهد لي القرآن الكريم، وشهد لي الرسول، وقد عين الأنبياء زمن بعثتي وذلك هو عصرنا هذا، والقرآن يعين عصري، ولقد شهدت لي السماء والأرض، وما من نبي إلا وقد شهد لي" (35) .
ولقد كان جريئاً في الكذب حين ادعى النبوة وقال: "يؤيد الله كوني مرسلاً من قبله، فقد ’ظهر على يدي من الآيات ما لو قسم على ألف نبي لكفتْ لإثبات نبوتهم، ولكن شياطين الإنس لا يؤمنون" (36) .
وقال: "أنا نبي بأمر الله، وإذا أنكرت ذلك أرتكب إثماً، وكيف أستطيع أن أرفض ذلك، والله سماني نبياً، فأنا على ذلك ما دمت حياً" (37) . (44)
خامسا: غلوه وتفضيله نفسه على
الأنبياء وغيرهم
لم يقتصر الميرزا على التنبؤ، بل حمله غروره على أن فضّل نفسه على أكثر الأنبياء والمرسلين، وأنه جُمع فيه ما تفرق في أنبياء كثيرين؛ فما من نبي إلا وقد أخذ منه قسطاً حسب قوله الآتي: (لقد أراد الله أن يتمثل جميع الأنبياء والمرسلين في شخص رجل واحد، وإنني ذلك الرجل) (1) . وقوله: (وآتاني ما لم يؤت أحداً من العالمين) (2) ، كما فضل نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال متطاولاً:
|
له خسف
القمر المنير وإن لي
|
غسا القمران المشرقان أتنكر (3)
|
فقد حدث كسوف للشمس وخسوف للقمر في رمضان سنة 1312 هـ الموافق سنة 1894م وقد ادعى أنه حدث ذلك الكسوف على يديه ولأجله وأنه معجزة تثبت دعوته أو رسالته فقد جاء في كتاب له :
له خسف القمر المنير وأن لي خسف القمران النيران. وقد فسره بعض أتباعه بقوله : والمعنى واضح وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان خسف القمر دليلا عن صدقه فكيف تنكر صدقي وقد خسف لي القمران (4) (32)
وله نصوص كثيرة في تفضيله نفسه على سائر البشر، مع أنه كان في أول أمره يصف نفسه بالمسكين والضعيف، ثم جاء الميرزا بشير الدين محمود خليفته الثاني ليعلن غلوه فيه بقوله: (إن غلام أحمد أفضل من بعض أولي العزم من الرسل) (5) . (33)
وينقل لنا العلامة إحسان إلهي ظهير عن ابنه محمود أحمد قوله في مجلة "الفضل القاديانية"، في 18 يوليو 1931: "قال أبي إنه أفضل من آدم ونوح وعيسى، لأن آدم أخرجه الشيطان من الجنة، وإنه يُدخل بني آدم في الجنة، وعيسى صلبه اليهود، وهو يكسر الصليب، وهو أفضل من نوح، لأن ابنه الكبير حُرم من الهداية، وأما ابنه فدخل في الهداية" (6) .
ونرى أن الطين يزداد بلة حين يتطاول غلام أحمد على سيد الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، فيزعم أن معجزاته أكثر من معجزات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيفتري الغلام أحمد على الله كذباً حين يقول: "إن النبي، صلى الله عليه وسلم، له ثلاث آلاف معجزة، ولكن معجزاتي زادت على مليون معجزة" (7) (34)
وقال عنه أيضاً (بشير الدين محمود): إنه كان أفضل من كثير من الأنبياء، ويجوز أن يكون أفضل من جميع الأنبياء (8) ! وقال أيضاً مقارناً حال الناس في عهد والده وحالهم في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والفيوضات الربانية في حياة كل منهما: ولم يحرم - أي الرسول صلى الله عليه وسلم - الدنيا من الفيوض الروحانية بل زادها غزارة وتدفقاً، وإن كانت تجري من قبل كترعة صغيرة فالآن أصبحت كنهر زاخر؛ لأن العلم لم يبلغ عندئذ دوره الكامل، لكن الآن قد بلغ أوجه (9) .
ثم ادعى الغلام أنه عين محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (من فرق بيني وبين المصطفى فما عرفني وما رأى) (10) . كما ادعى كذلك أنه مظهر (لكرشن) وأنه برز فيه وتجلى (11) . ثم ادعى أنه ابن الله – تعالى الله عن أقواله الكفرية علواً كبيراً - فقال: إن الله ألهمه: أنت مني بمنزلة أولادي (12) . وخاطبه الله مرة بقوله: (اسمع يا ولدي (13) يا شمس يا قمر (14) أنت من مائنا وهم من فشل) (15).
ومن هنا رأى بأن مدحه لنفسه من الأمور الجيدة، فقال يصف شخصه ويقارن بينه وبين الأماكن المقدسة:
(وإني والله في هذا الأمر كعبة المحتاج، كما أن في مكة كعبة الحجاج، وإني أنا الحجر الأسود الذي وضع له القبول في الأرض والناس بمسه يتبركون، لعن الله قوماً يقولون: إنه يريد الدنيا. وإنا من الدنيا مبعدون).
قال في الهامش: (هذه خلاصة ما أوحى الله إلي) (16) .
ثم زعم أن كل المصائب التي حلت بالقارة الهندية إنما كانت توطئة لبعثته حيث قال: (فاعلموا رحمكم الله أن هذه المصائب من الأقدار التي ما رأيتم قبل هذا الزمان ولا آباؤكم في حين من الأحيان، إنما هي آيات الرجل الذي بعث فيكم من الله المنان) (17)
وإذا كانت تلك الكوارث كلها بسببه فلا عيب بعد ذلك على من تشاءم به ورأى أنه مصدر الكوارث والعقاب الشديد على حد قول الله تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً [الأنفال:25].
وهذه الإلهامات والكشوف والوحي الذي ادعاه في أقواله السابقة إنما تدل على جهله المطبق وجهل أتباعه، وعدم معرفة الغلام قدر الأنبياء العظيم الذي لا يصل إليه أحد غيرهم، وتدل كذلك على عدم معرفته بنفسه أيضاً؛ حيث ظن أنه بمجرد التفضيل الفارغ لشخصه ينقله إلى رتبتهم، فقوله: إن الله جمع فيه كل صفات الأنبياء، وأنه آتاه ما لم يؤت أحداً من العالمين - كذب ظاهر؛ فإن للأنبياء صفات لم يجرؤ القادياني على ادعائها؛ فلم يؤت ملك سليمان ولا صبر أيوب، ولا سفينة نوح، ولا بركات محمد صلى الله عليه وسلم وانتشار دينه في أقطار الأرض بسرعة مذهلة دون اللجوء إلى أي دولة من الدول، ولا الحب الذي كان يكنه المسلمون له، بخلاف القادياني الذي مات وهو يحاول جاهداً أن يزوجوه ببنت ابن خاله فرفضوه رغم إذلال نفسه لهم، وتوسل بشتى الوسائل دون جدوى.
فكيف بعد ذلك يتجاسر ويفضل نفسه على جميع البشر؛ بل وعلى أولي العزم من الرسل الذين اجتباهم الله، وجعل لهم الود والاحترام في نفس كل شخص عاقل!! بل وأغرب من هذا أن يقال: ومن أي طريق أقدم على دعوى أنه عين محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان لمحمد صلى الله عليه وسلم –حسب مزاعم القادياني وأتباعه - بعثتين: الأولى وكانت بمكة، والثانية وكانت بالقاديان بالهند، وأن محمداً في بعثته الثانية كان أكمل منه في بعثته الأولى.
إذا كان يزعم أن ذلك تم عن طريق التناسخ، فإن التناسخ لم يقل به أحد من العقلاء غير عباد البقر والفروج من الهندوس والبوذيين، ثم كيف تناقض بعد ذلك في مسألة واحدة هامة وخطيرة جداً؛ فزعم أولا أنه مظهر لكرشن معبود الهنادك، ثم زعم ذلك أنه محمد صلى الله عليه وسلم . كيف ساغ له أن يجمع بين الشرق والغرب؛ الليل والنهار في مكان واحد، هذا هو عين التخبط والجهل الشنيع.
وإذا كان القادياني قد غلا في نفسه وفضَّلها على جميع الأنبياء والمرسلين - فمن الطبيعي أن يفضلها على جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ابتداء بالصحابة الكرام فمن بعدهم. وهذا هو الذي وقع بالفعل.
فقد فضل القادياني نفسه على جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما فيهم الصحابة كلهم لم يستثن أحداً منهم،فقد أداه الغرور إلى أن يقول:
(لا شك أنه ولد في أمة محمد صلى الله عليه وسلم آلاف من الأولياء والأصفياء ولكن ما كان أحد مثلي (18) . وقد يبدو هذا التفضيل برغم بشاعته صغيراً بالنسبة لتفضيل نفسه على جميع الأنبياء حيث قال:
(جاء أنبياء كثيرون، ولكن لم يتقدم أحد عليّ في معرفة الله، وكل ما أعطي لجميع الأنبياء أعطيته أنا وحدي بأكمله) (19) .
وجاء في تمجيد أتباعه له على نفس المعنى:
(نحن نعتقد بأن الله أنزل لصداقة غلام أحمد آيات وبينات لو توزع على ألف نبي لثبتت بها نبوتهم. وكان يجمع في ذاته جميع الصفات القدسية التي وجدت في جميع الأنبياء (20) .
وقد فضل نفسه على أنبياء خصهم بأسمائهم وقبلهم فضل نفسه على آدم عليه السلام فقال: (إن الله خلق آدم وجعله سيداً مطاعاً وأميراً حاكماً على كل ذي نسمة، كما يظهر من قوله: اسْجُدُوا لِآدَمَ [طـه:116] ، ثم أغواه الشيطان وأخرجه من الجنة ورجع الحكم إلى الشيطان، وصار آدم مصغراً ثم خلقني الله لكي أهزم الشيطان وهذا ما وعده في القرآن).
وتوجد نصوص كثيرة من كلامه في تفضيل نفسه على نوح وعيسى ويوسف، وإذا كان هذا هو موقفه من الأنبياء فما الحال بغيرهم؛ خصوصاً أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم هدف حربه، وحرب كل الطوائف المعادية للإسلام، ولهذا نرى القادياني وقد فضل نفسه على كثير من مشاهير الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعليّ والحسن والحسين وأبي هريرة دون أن يجد رادعاً من حياء أو ضمير، وهو حينما يسب ويشتم هؤلاء الأخيار ويترفع عليهم نسي قوله: (الذي يسب أو يشتم الأخيار المقدسين فليس إلا خبيث ملعون لئيم) (21) .
وقد تطاول أحد أقرباء الغلام وقال في جرأة شريرة: (أين أبو بكر وعمر من غلام أحمد، إنهما لا يستحقان أن يحملا نعليه) (22) .
ونصوص أخرى كلها تدور على تفضيل القادياني على من لا يساوي شراك نعل أحدهم، نتركها لتفاهتها ولما فيها أيضاً من الظلم الصريح بسبب تنقص القاديانيين بالأنبياء وبأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
ومن الغريب حقاً أن القاديانيين حينما يزعمون أو يزعم الغلام لنفسه أن له هذا الفضل الذي لا حد له يأبى الله إلا أن يظهره على حقيقته، فإذا به يوصف بأنه كان سكيراً عربيداً يحب الأفيون حباً شديداً حتى جعله في شريعته نصف الطب، يقول عنه ابنه محمود أحمد: (إن الأفيون يستعمل في الأدوية كثيراً حتى كان أبي يقول: إن الأفيون نصف الطب)، ثم يقول محمود عن تحليله: (ولذا استعماله للتداوي يجوز، ولا بأس به).
ويذكر كذلك أن والده صنع من الأفيون دواءً إلهياً بإلهام منه عز وجل، فقال بعد كلامه السابق: (وأنه (23) صنع دواء باسم ترياق إلهي بهدى الله وأعينه، وكان الجزء الأكبر في هذا الدواء الأفيون، وكان يعطي هذا الدواء لخليفته الأول نور الدين، كما كان يستعمله هو أيضاً حيناً بعد حين لمختلف الأمراض) (24) .
وكان الغلام يشتري خمراً خاصاً يأتي من بريطانيا يسمى وائن؛ هو أقوى المسكرات (25) . فكيف ساغ لهذا الحشَّاش - كما سماه إحسان إلهي رحمه الله - أن يفضل نفسه على آدم والأنبياء والمرسلين وجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم !؟
وقد تبع هذا التفضيل دعوى المعجزات التي فاقت معجزات الأنبياء؛ لأن الغلام تمدح بمعجزات كثيرة وزعم أنها فاقت معجزات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى بن مريم وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ حيث قارن الغلام بين معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم فبلغت ثلاثة آلاف معجزة، وبين معجزاته فبلغت أكثر من مليون معجزة (26) .
وهي معجزات خرافية وفضائح شنيعة ظنها ماءً فإذا بها سراب.
ومن تلك المعجزات الهامة أنه تزوج بزوجته الثانية وهي شابة وكان عمره هو الخمسين، وكان مصاباً بعدة أمراض فتاكة قال عنها:
(والمعجزة الثانية بأنه لما نزل الوحي المقدس في شأن الزواج كنت مصاباً بضعف القلب والدماغ والجسم ومرض البول ودوران الرأس والدق، وفي هذه الأمراض المضنية لما تزوجت تأسف بعض الناس؛ لأن حالتي وقوتي الرجولية كانت كالمعدوم وكنت كشيخ فان) (27) .
كما أنه أيضاً ما كانت به قوة رجولية للزواج ومع ذلك أنجب أولاداً فقال: (حينما تزوجت لا زلت متيقنا بأني لست برجل مدة طويلة) (28) ثم قال: (ولكن مع هذه الأمراض والضعف أعطيت الصحة وأربعة بنون) (29) .
ومن هنا حُق للشيخ إحسان إلهي - رحمه الله - أن يعلق على هذه المعجزة العظيمة بقوله: (وليت شعري ماذا يريد من معجزاته؟ إن كان المراد من المعجزات بأنه ولد له الأولاد مع أنه كان محروماً من القوة الرجولية، فهذه معجزة زوجته لا معجزته هو) (30) . إنه تمدح بهذه المعجزة في غفلة عن عقله فجاءت فضيحة مضحكة. (35)
وأخيراً ظهر برؤيا رأى نفسه فيها كأنه الله - عز وجل - فأعاد خلق السماء والأرض، ثم خلق آدم. (36)
يقول في تذكرة " وحي المقدس ": ورأيتني في المنام عين الله وتيقنت أنني هو ولم يبق لي إرادة ولا خطرة .... ونظرت إلى جسدي فإذا جوارحي جوارحه وعيني عينه وأذني أذنه ولساني لسانه أخذني ربي واستوفاني وأكد الاستيفاء حتى كنت من الفانين ...وبينما أنا في هذه الحالة كنت أقول نريد نظاما جديدا سماء جديدة وأرضا جديدة فخلقت السموات والأرض أولا بصورة إجمالية لا تفريق فيها .... وبعد الانتهاء من خلق الكون قال: ثم قلت : الآن نخلق الإنسان من سلالة من طين. (31)
المطلب الثالث: هلاك
القادياني
عندما ادعى القادياني تلك الدعاوى العريضة التي ليس لها مستند من عقل أو نقل قام عليه الغيورون من العلماء، وعلى رأسهم شيخ العلماء ثناء الله الأمْرِتْسَرِي مناظر الإسلام ومحامي المسلمين في القارة الهندية، فقد جرى بينه وبين الغلام القادياني عدة مناظرات ومناقشات تحريرية وتقريرية (1) .
وكان الانتصار دائماً للشيخ ثناء الله، فحصل أن غضب القادياني، وطلب أن يكون بينهما مباهلة.
وكتب المتنبئ الدجال في 5 إبريل1907م يستفتح ويدعو الله أن يقبض الكاذب في حياة صاحبه، ويسلط عليه مثل داء الطاعون يكون فيه حتفه (2) .
وفعلاً قُبلت دعوته هذه، وقُضي بينه وبين ثناء الله بالحق، وبعد ثلاثة عشر شهراً وعشرة أيام بالضبط جاءه قضاء الله وقدره بصورة بشعة، كان يتمناها للشيخ الجليل ثناء الله، نعم بنفس الصورة وبنفس المرض الذي نص عليه هو بالكوليرا (3) .
وقد بين ابنه بشير أحمد ذلك بقوله: أخبرتني أمي أن حضرته أي الغلام احتاج إلى بيت الخلاء بعد الطعام مباشرة، ثم نام قليلاً، وبعد ذلك احتاج إلى بيت الخلاء، فذهب مرة أو مرتين بدون أن يشعرني، ثم أيقظني فرأيت أنه ضعف جداً، وما استطاع الذهاب إلى سريره؛ فلذا جلس على سريري أنا فبدأت أمسِّجُهُ وأمسِّحُه، وبعد قليل أحس بالحاجة مرة أخرى، ولكن الآن ما استطاع الذهاب إلى بيت الخلاء، فلذا قضاها عند السرير، واضطجع قليلاً بعد القضاء، ولكن الضعف بلغ منتهاه فجاءته الحاجة مرة أخرى، فقضاها ثم جاءه القيء، وبعدما فرغ من القيء خر على ظهره، واصطدم رأسه بخشب السرير، وتغيرت حالته (4) .
هذا وقد نشرت الجرائد الهندية آنذاك أن غلام أحمد المتنبي القادياني لما ابتلي بالكوليرا كانت النجاسة تخرج من فمه قبل الموت، ومات وكان جالساً في بيت الخلاء لقضاء الحاجة||hamish||4657||/hamish||.
وهكذا وافاه أجله، وتوفي على هذه الصورة البشعة وذلك في العاشرة والنصف صباحاً بتاريخ 26 مايو1908م فمات، وبقي الشيخ ثناء الله حياً بعد موت القادياني قريباً من أربعين سنة يهدم بنيان القاديانية، ويقمع جذورهم.
وهكذا كذَّب الله الكذَّاب، وذلك بعد أن لاقى ألواناً من العذاب (5) . (9)
ونقلت جثته إلى قاديان حيث دفن في المقبرة التي سماها بمقبرة الجنة بهشتي مقبرة (6) ، وعاش ثناء الله بعده أربعين سنة في نضال القاديانيين والرد عليهم، وانطبق على القادياني قوله: (إن كنت كذاباً ومفترياً كما تزعم في كل مقالة لك فإنني سأهلك في حياتك؛ لأنني أعلم أن المفسد الكذاب لا يعيش طويلاً، في عاقبة الأمر يموت ذلاً وحسرة في حياة ألد أعدائه، حتى لا يتمكن من إفساد عباده) (7) .
وبعد هلاك الميرزا خلفه في زعامة القاديانية صديقه الحميم وشريكه في قيام نبوته الحكيم نور الدين البهيروي.
والملاحظ أن القادياني أثبت أنه كان كذاباً في دعواه النبوة حتى في موته، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)) (8) كما رواه الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. (10)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق