الجمعة، 13 أبريل 2018

◄عيسى علية السلام ابن الله

عيسى علية السلام ابن الله
استشهاد الكنيسة بآيات من القرآن الكريم بأن عيسى عليه السلام ابن الله، ودليلهم على ذلك قالوا‏:‏ لما كان الله وحده قال تعالى‏:‏ سورة طه الآية 14 ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا‏}‏ بصفة المفرد، ولما خلق عيسى عليه السلام تغير أسلوب بعض الآيات إلى صيغة الجمع وضربوا مثلا بالآية الشريفة سورة الحجر الآية 9 ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ‏}‏ و‏:‏ سورة ق الآية 43 ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ‏}‏‏.‏
وقالوا الله تعالى تكلم بصفة الجمع، أي بمعنى ‏(‏الله وعيسى عليه السلام والروح القدس‏)‏
ونحن نقول لهم :
ليس في تنوع الأسلوب القرآني وإخبار الله تعالى عن نفسه مرة بصيغة الإفراد، وأخرى بصيغة قد تستعمل في الجمع أحيانا وفي المفرد أحيانا على وجه التعظيم ليس في ذلك دليل على بنوة عيسى عليه السلام لله، ولا على إلهيته، وذلك لوجوه‏:‏
*الوجه الأول
أن تنوع الأسلوب في القرآن بالجمع والإفراد كان قبل أن يخلق الله تعالى عبده عيسى عليه السلام وأمه مريم بآلاف السنين وحين خلقهما وبعد أن خلقهما، فلا أثر لوجودهما في تنوع الأسلوب، بل ذلك لأمر آخر يتبين مما يأتي‏:‏ قال الله تعالى سورة الحجر الآية 26 ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏}‏ سورة الحجر الآية 27 ‏{‏وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ‏}‏ وقال سورة الكهف الآية 50 ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ‏}‏‏.‏
فجاء الأسلوب متنوعا قبل أن يكون عيسى وأمه عليهما السلام، وقال تعالى‏:‏ سورة المائدة الآية 44 ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور‏}‏ إلى أن قال سورة المائدة الآية 44 ‏{‏فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ‏}‏ سورة المائدة الآية 45 ‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ‏}‏ إلى أن قال سورة المائدة الآية 46 ‏{‏وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ‏}‏ إلى أن قال‏:‏ سورة المائدة الآية 48 ‏{‏وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ‏}‏ وقال سورة نوح الآية 1 ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ‏}‏ وقال في خليله إبراهيم عليه السلام‏:‏ سورة مريم الآية 49 ‏{‏فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا‏}‏ سورة مريم الآية 50 ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا‏}‏ وقال في كليمه موسى عليه السلام‏:‏ سورة مريم الآية 52 ‏{‏وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا‏}‏ سورة مريم الآية 53 ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا‏}‏ وقال‏:‏ سورة النساء الآية 163 ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ‏}‏ الآية، وقال سورة الأنبياء الآية 91 ‏{‏وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏‏.‏
وقال‏:‏ سورة المائدة الآية 110 ‏{‏إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ‏}‏ الآيات، وأمثالها من الآيات تنوع في الأسلوب إفرادا وجمعا في خلق عيسى ومخاطبته وقبل خلقه، ومن هذا يتبين أن الأسلوب ما تغير بعد خلق عيسى عليه السلام ليكون دليلا على بنوته لله أو إلهيته معه، بل لأمر أخر يعرف من الوجه الثاني‏.‏
*الوجه الثاني
أن كل من عرف لغة العرب وأسلوبهم في التعبير يعلم أن ضمير التكلم مثل كلمة ‏(‏أنا‏)‏، وتاء المتكلم يستعملها الفرد في الحديث عن نفسه، أما ضمير التكلم لفظ، ‏(‏نحن‏)‏، و ‏(‏نا‏)‏، فيستعملها الاثنان فأكثر، وقد يستعملها الفرد العظيم أو المتعاظم إشعارا بعظمته، وسياق الكلام ومقتضى الحال وما احتف بالحديث من القرائن هو الذي يرشد القارئ والسامع إلى المراد ويعين المقصود، ومن خالف في ذلك فهو إما جاهل عميت عليه الأنباء، وإما معاند يريد التلبيس وتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعا للهوى، ويأبى الله إلا أن يحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، ويكشف ذلك الوجه الثالث‏.‏
*الوجه الثالث
أن القرآن كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، يفسر بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وقد قال تعالى فيه سورة مريم الآية 88 ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا‏}‏ سورة مريم الآية 89 ‏{‏لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا‏}‏ سورة مريم الآية 90 ‏{‏تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا‏}‏ سورة مريم الآية 91 ‏{‏أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا‏}‏ سورة مريم الآية 92 ‏{‏وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا‏}‏ سورة مريم الآية 93 ‏{‏إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏ وقال سورة الإخلاص الآية 1 ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ سورة الإخلاص الآية 2 ‏{‏اللَّهُ الصَّمَدُ‏}‏ سورة الإخلاص الآية 3 ‏{‏لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ‏}‏ سورة الإخلاص الآية 4 ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ وقال سورة آل عمران الآية 59 ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ فوجب على من آمن به أن يجمع بين آياته، ولزم من استدل بنصوصه أن ينصفه من نفسه، فلا يستدل ببعضه ويعرض عن بعض، وألا يلبس الحق بالباطل ليضرب بعضه ببعض بغيا وعدوانا ترويجا للباطل، كما فعل أسلافهم اليهود بالتوراة، فأنكر الله عليهم ذلك بقوله‏:‏ سورة البقرة الآية 85 ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ الآيات‏.‏
وعلى هذا لزم من نحا نحو القرآن ليستدل به أن ينفي بنوة عيسى عليه السلام لله وإلهيته مع الله، ويثبت وحدانية الله تعالى، لما ذكر من الآيات، ولقوله تعالى سورة المائدة الآية 72 ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ‏}‏ سورة المائدة الآية 73 ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ‏}‏ الآيات وأمثال ذلك في القرآن كثير، وإلا فليكفوا عن هذا التلاعب حتى لا يلزمهم العار، ويضحكوا العقلاء من نفسهم، ويحق فيهم المثل القائل ‏(‏ليس هذا بعشك فادرجي‏)‏‏.‏
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق