الأحد، 1 أبريل 2018

◄المبحث الرابع: أهم عقائد القاديانية وأفكارها


المبحث الرابع: أهم عقائد القاديانية وأفكارها

المطلب الأول: التناسخ والحلول

نجد جذور فكرة الحلول لدى النصارى الذين يقولون بأن الله تعالى حل في المسيح الإنسان ليتكون المسيح الإله من طبيعتين، وهي فكرة اتحاد اللاهوت والناسوت، أو حلول اللاهوت في الناسوت.
وقد تأثر بهذه الفكرة بعض غلاة الشيعة مثل الدروز الذين يقولون بحلول الله تعالى في شخص الحاكم بأمر الله، والنصيرية الذين يدعون حلول الله تعالى في علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وغلاء الشيعة الذين يزعمون حلول الله تعالى في جعفر الصادق، رضي الله عنه، ومن غلاة الصوفية الحلاج صاحب المقولة الشهيرة عنه: "أنا الحق".
ومفهوم الحلول عند هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى حل في بعض خلقه وامتزج به بحيث تلاشت الذات الإنسانية في الذات الإلهية، فصارتا متحدتين غير منفصلتين.
أما التناسخ: فهو انتقال الروح بعد الموت من جسد إلى آخر، وقد يكون التناسخ من جسم إنساني إلى جسم آخر إنساني أو حيواني أو نباتي من إنسان إلى جماد.
وقد يُعرف التناسخ بأنه تجوال للروح أو تكرار للمولد، والهدف من تكرار المولد في زعم القائلين بالتناسخ تطهير روح الإنسان من أرجاسها وأدرانها، وقد ترتب على القول بالتناسخ القول بعدم انقطاع النبوة لأنه بموت الرسول لا تنقطع الرسالة، لحلول روح الرسول في بدن شخص آخر يحمل رسالة الرسول الذي مات.
ولعلنا نستطيع أن نفهم الآن العلاقة القوية بين الحلول والتناسخ، فالقول بالتناسخ يؤدي إلى القول بالحلول. والحقيقة أننا نجد في كتابات المرزا غلام أحمد نصوص واضحة تؤكد القول بالحلول والتناسخ وزعم أن الله حلَّ روح عيسى في روحه، ثم مضى مئات الأفراد تحققت فيهم الحقيقة المحمدية.  
(18)
وعلى هذا الاعتقاد الفاسد قرر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد ولد بعادته وفكرته ومشابهته القلبية بعد وفاته بنحو ألفي سنة وخمسين، في بيت عبد لله بن عبد المطلب وسمي بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومثل هذه الولادة حصلت لعيسى عليه السلام حينما ظهر بمظهر القادياني أيضاً. وأن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم بعث مرتين -  كما صرح القاديانيون بذلك -  بعثته الأولى وبعثته الأخرى حينما حلت روحانيته في القادياني نفسه.
وفي هذا يقول القادياني:  (إن مراتب الوجود دائرة، وقد ولد إبراهيم بعادته وفطرته ومشابهته القلبية بعد وفاته بنحو ألفي سنة وخمسين، في بيت عبد الله بن عبد المطلب وسمي بمحمد صلى الله عليه وسلم )  
(1) .
وقال أيضاً:  (وتحل الحقيقة المحمدية وتتجلى في متبع كامل)  
(2) .
وقد مضى مئات الأفراد تحققت فيهم الحقيقة المحمدية وكانوا يسمون عند الله عن طريق الظل محمداً وأحمد)  
(3)   . ويقصد بطريق الظل أنهم أشباح للرسول محمد صلى الله عليه وسلم على طريقة التأويلات الباطنية.
ويجاب عن هذا بقول الله تعالى:  
أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [ مريم:78]  فمن الذي أخبره بأن هؤلاء الأظلة هم عند الله محمد وأحمد.
ويقول عن حلول شخصية المسيح ابن مريم في شخصه، هو حين أرسله الله:  (إن الله أرسل رجلاً كان أنموذجاً لروحانية عيسى، وقد ظهر في مظهره وسمي المسيح الموعود؛ لأن الحقيقة العيسوية قد حلت فيه. ومعنى ذلك أن الحقيقة العيسوية قد اتحدت به)  
(4)   .
ثم يقول: وقد مضى مئات من الأفراد تحققت فيهم الحقيقة المحمدية، وكانوا يسمون عند الله عن طريق الظل محمد وأحمد"  
(5) .
وفي نفس الكتاب يزعم غلام أحمد أنه قد أعطي نصيباً من الصفات التي كانت للأنبياء، وأن الله تعالى أراد أن يتمثل جميع الأنبياء في شخصه فيقول: "لقد أُعطيتُ نصيباً من جميع الحوادث والصفات التي كانت لجميع الأنبياء.. .. ولقد أراد الله أن يتمثل جميع الأنبياء والمرسلين في شخص رجل واحد، وإنني ذلك الرجل"  
(6) .
ويزعم أنه يوحى إليه من السماء، وأن لسانه ينطلق بكلمات عي من صنع الله تعالى فيقول في الخطبة الإلهامية: "أوحى الرب صباح عيد الأضحى إبريل 1900م أن أخطب اليوم بالعربية، وقد وهبتم القوة على ذلك، وأيضاً أوحى إلي بكلام عربي، كلام أفصح عن لدن رب كريم، فعندئذ قمت لصلاة العيد للخطاب بالعربية، والله يعلم أنني أعطيت قوة من الغيب وكان لساني ينطلق بخطاب عربي فصيح يفوق كل ما أملك من قوة.. .. وسبحان الله إن عينا نضاحة من الغيب كانت تتدفق عندئذٍ ولم أكن أشعر عندئذٍ أنني أنا أتكلم أم ملك من الملائك يصرن أعنة لساني، لأنني أعرف أن قوة غيبية تسيطر على مداركي، ولم ينطلق لساني إلا بكلمات هي من صنع الله عز وجل، وكانت كل جملة آية بينة من بينات الله، وهذه معجزة تجلى فيها الله تعالى وليس لأحد أن يأتي لها مثيل"  
(7) . (19)
وهذه العقيدة المجوسية - أي عقيدة التناسخ -  إنما تأثر بها لأمور:
منها: بعده عن الدين وعن الحقائق التي ذكرت فيه لمصير الروح بعد الموت.
ومنها: مجاورته للهندوس وميله إليهم في هذا المبدأ خصوصاً وأنه يحقق لهم مكاسب، في أولها هذه العقيدة التي تسبغ عليه شخصية المسيح وشخصية محمد عليهما الصلاة والسلام.
فلا عجب بعد ذلك في تأكيده لعقيدة الحلول والتناسخ  
(8) بين البشر، بل الأدهى والأمرُّ من ذلك أنه ادعى حلول الله عز وجل فيه؛ حيث قال:  (إن الله أُنْزِل فيَّ وأنا واسطة بينه وبين المخلوقات كلها)  (9) .  (20)
المبحث الثاني: التشبيه:
ولقد زاد على جهله بحق الأنبياء الجهل بحق الله عز وجل؛ فها هو يثبت أن الله قال له: (أنت مني بمنزلة أولادي).
تعالى الله عن هذا المعتقد الجاهلي فإن الله تعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فهو منزه عن الصاحبة والولد:  
إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا   وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [ مريم:93-95] .
بل هو قول عظيم جداً:  
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [مريم:90]
ولقد أخبر الله أن كل من نسب إلى الرحمن ولداً فإنه كاذب، كما قال تعالى: 
أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الصافات:151 -  152].
ومن حكم الله عليه بأنه كاذب فقد استحق المقت وعدم الالتفات إلى قوله؛ فإن المؤمن لا يكون كذاباً، لا يستحله ولا يستمر عليه إلا من مقته الله. ولهذا فإن خطاب الله له بقوله:  (اسمع يا ولدي) ونسبة هذا الفجور إلى وحي الله - جريمة كبرى وكلام لم يقله نبي من الأنبياء ولا ذُكِرَ في كتاب من الكتب المنزلة، ولم يقل به إلا الجهال الذين يقولون المنكر والزور.
وقول القادياني: إن الله خاطبه بقوله: يا شمس يا قمر؛ فمعاذ الله أن يصدر هذا من الله عز وجل، وإنما هذا قول الفارغين العاطلين عن المعرفة، وليس هناك ما يدعو إلى هذا الغزل، فإنه لم يؤت جمال يوسف ولا بهاءه، ومع ذلك لم يوصف يوسف بمثل هذا الوصف فأين القادياني وأين الشمس والقمر؟!.
ثم ذكر القادياني تعبيراً مجوسياً وثنياً جل الله عنه؛ حيث زعم أن الله ألهمه: أنت من مائنا وهم من فشل!! كبرت كلمة تخرج من فمه كذباً وزوراً وتنزه الله عن كل نقص: 
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [ الأنعام:18]،  يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]،  إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [ مريم:93] .  (21)
 كما أن للقادياني أقوالاً كفرية في وصف الله تعالى؛ فهو يزعم أن الله قال عن نفسه جل وعلا: بأنه يصلي ويصوم ويصحو وينام، وأنه يخطئ ويصيب.
قال القادياني:  (قال لي الله: إني أصلي وأصوم وأصحو وأنام)    
(10) . وقال أيضاً:  (قال الله: إني مع الرسول أجيب؛ أخطئ وأصيب، إني مع الرسول محيط)    (11).
ويبلغ منتهى التشبيه والتجسيم حين زعم أنه رأى في الكشف أنه قدم أوراقاً كثيرة إلى الله تعالى ليوقع عليها ويصدق على طلباته التي اقترحها؛ فوقع الله عليها بحبر أحمر، وكان عنده -  كما يزعم -  في وقت الكشف رجل من مريديه اسمه عبد الله، ثم نفض الرب القلم فسقطت منه قطرات الحبر على أثوابه وأثواب مريده، وحينما انتهى الكشف رأى -  كما يكذب -  بالفعل أن أثوابه وأثواب عبد الله لطخت بتلك الحمرة  
(12) .
وقد وصف الله تعالى بأنه مثل الأخطبوط على طريقته البدائية؛ حيث قال: نستطيع أن نفرض لتصوير وجود الله تعالى بأنه له أياد وأرجل كثيرة، وأعضاءه بكثرة لا تعد ولا تحصى، وفي ضخامة لا نهاية لطولها وعرضها، مثل الأخطبوط له عروق كثيرة امتدت إلى أنحاء العالم وأطرافه  
(13) . بل يصف القادياني إله العالمين بصفات في غاية القبح والشناعة، ننزه عن ذكرها أسماع وأبصار طلاب العلم؛ كلها تدور حول الجنس والولادة على طريقة الباطنية وغلاة التشبيه والتجسيم، بل وعلى طريقة النصارى الذين ادعوا أن لله ولدا  (14) ً .
وفي صراحة تامة يصرح الغلام بأن الله له فم -  تعالى الله عن قوله -  ينفخ به الصور تأييداً لدعوته المشئومة، حيث قال:
 (ستؤسس جماعة وينفخ الله الصور بفمه لتأييدها، وينجذب إلى هذا الصوت كل سعيد ولا يبقى إلا الأشقياء الذين حقت عليهم الضلالة وخلقوا ليملئوا جهنم)    
(15) .
لقد وصل في تشبيه رب العالمين إلى مثل ما وصل عتاة التجسيم والتشبيه؛ مثله مثل هشام بن الحكم الرافضي وغيره، ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يظن أنه يحسن صنعاً.
وأغلب الظن أن الغلام كان متأكداً من حركته، بأنه لم يحسن فيها صنعاً، ولكن غلبته شهوته وحبه الزعامة.
ولقد شبه الله بإنسان له قصر، فيه باب يمنع الداخلين إلا بإذنه. قال في ضميمة الوحي:  (ولا يوصل إلى قصر الله وبابه إلا هذا الدين الأجلى)    
(16) .
ومما لا ريب فيه أن من تصور أن الله تعالى يصلي ويصوم، أو يفعل غيرهما من العبادة أنه لا حظَّ له من العقل فضلاً عن الدين، فلمن يصلي ويصوم الرب عز وجل؟‍ ومن الذي كلفه بهذه التكليفات؟‍ تعالى الله عن هذا المعتقد الجاهلي البدائي.
وأما كونه عز وجل يلحقه النوم والصحو، والخطأ والصواب، وغير ذلك من صفات النقص التي تحل بالبشر لنقصهم وافتقارهم إلى ذلك، فإن الله تعالى هو الخلاق العظيم، والقوي العزيز، يعلم ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
وورد في الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال:  
((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام))    (17) .
وهو حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يكون إلا ما أراد، تنزه سبحانه عن الخطأ لأنه محال عليه عز وجل لنفاذ علمه بكل شيء.
ووصْفُه تعالى بالتوقيع والكتابة، أو أنه مثل الأخطبوط، أو أن له ولداً كل هذه الأوصاف إنما يطلقها على الله تعالى من خرج عن الحق واتبع هواه وأفسد عقله قرناء السوء من الجن والإنس، وصار أضل من الأنعام واتخذ دينه لهواً ولعباً وفضل العقائد الوثنية والخرافية على دين الإسلام، فانسلخ منه وأضله الله على علم. نعوذ بالله من الزيغ والضلال.  
المطلب الثاني: التأويل

يعرف الجرجاني التأويل بأنه صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً بالكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: 
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الميت [الأنعام:95] إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيراً، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلاً  (1) .
وهذا يعني أن التأويل يقصد به صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى يحتمله .
وأصل التأويل في اللغة بمعنى التفسير ، وقد دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لابن عباس، رضي الله عنه، فقال: 
((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل))  (2) .
ولا خلاف بين علماء أهل السنة والجماعة في قبول التأويل الصحيح وهو تأويل الأمر بعمل المأمور به، وتأويل النهي بترك المنهي عنه، أما التأويل الذي يخالف الكتاب والسنة ويؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه فهذا هو التأويل المذموم المنهي عنه.
وأيضاً من التأويلات الفاسدة المرفوضة عند علماء أهل السنة والجماعة ما يسمى بالتأويل الرمزي وفيه يؤول الباطنية والفلاسفة وغلاة الصوفية وغلاة الشيعة النصوص تأويلات باطنية غير صحيحة على الإطلاق.
من نماذج تأويل زعماء القاديانية للقرآن الكريم
يعد محمد على صاحب ترجمة القرآن للغة الإنجليزية من أبرز زعماء القاديانية وهو زعيم الفرع اللاهوري الذي يقول بأن المرزا غلام أحمد لم يدعِ النبوة، وإنما هو في زعمه مجدد القرن الرابع عشر الهجري، وهو مسيح هذه الأمة، وفي كتابه (بيان القرآن) يقدم تفسيراً وتأويلاً منحرفاً لمعاني القرآن الكريم.
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: "يغلب على محمد على اتجاه تفسير المعجزات والأمور الغيبية التي تتعلق بقدرة الله الواسعة بالأمور الطبيعية والحوادث العادية التي تتفق مع النواميس الطبيعية والتجارب اليومية وهو يبالغ في ذلك ويغرق في التأويل، ولو أبت ذلك اللغة الصريحة، واللفظ الصريح ، وهو أسلوب لبق من أساليب إنكار المعجزات والأمور الغيبية والفرار من الإيمان بالغيب والاعتماد على قدرة الله وصفاته وأفعاله، والخضوع الزائد للمقررات الطبيعية التي لا تزال في دور التحول والتطور، وهذا تفكير خطير على الإسلام، ومعارضته للدين الذي يطلب الإيمان بالغيب"  
(3) .
ويقدم الأستاذ أبو الحسن الندوي نماذج لتأويلات محمد على زعيم الفرع اللاهوري من الطائفة القاديانية من خلال كتاب محمد على (بيان القرآن) فينقل عنه تفسيره لبعض الآيات الذي يظهر من خلالها تأويلاته المنحرفة لآيات الله تعالى، فمثلاً إنه يفسر قوله تعالى في مسألة طائفة من بني إسرائيل عبدت العجل وعاقبها الله بأن يقتل بعضها بعضا، يقول الله تعالى:
َ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  [البقرة:54] ، يقول: "إن المراد بالقتل عنا إماتة الشهوات وهذا الذي أرجحه بناءً على السياق السابق"  (4) .
ومن هذا يتضح لنا مدى التعسف في تأويل آيات كتاب الله تعالى تأويلاً يخرجه عن معناه الحقيقي وهذا منهج باطني واضح في تأويل القرآن الكريم، وصدق الأستاذ أبو الحسن الندوي حين قال عن تفسير محمد على: "ما هذه التفسيرات المتطرفة إلا نسخة صادقة لتفسيرات الباطنية والإسماعيلية في العصور الماضية"  
(5).
ومن أبرز تأويلات مرزا غلام أحمد الفاسدة أنه لما اعترض عليه العلماء في زعمه أنه المسيح الموعود وقالوا له: إن أحاديث نزول المسيح التي يرددها ويحتج بها تنص على أن المسيح ينزل وعليه رداءان أصفران.
فأوّل الحديث تأويلاً باطلاً عجيباً حين قال: "المراد بالرداء الأصفر: العلة، وقد جاء في الحديث أن المسيح ينزل وعليه رداءان أصفران وهذا شأني، فإنني أعاني من علتين: إحداهما: في مقدم جسمي وهو الدوار الشديد، الذي قد أخرُّ به إلى الأرض، وأخاف به على نفسي. والعلة الثانية: في أسفل الجسم وهي كثرة البول"  
(6) .
وبالطبع فهذا تأويل ظاهر البطلان والفساد ولا يقول بهذا التأويل إلا من انتابته الأمراض النفسية والقلبية والجسمية، وهو يعترف بذلك فيقول عن نفسه: "إنني أعاني علتين من مدة طويلة، إحداهما الصداع الشديد الذي أعالج منه الشدة والكرب والأهوال الشديدة ، وقد زال وبقي الدوار الذي ينتابني بعض الأحيان ، والعلة الثانية مرض السكر الذي أعانيه منذ عشرين سنة".
ومن التأويلات الباطلة التي يحاول من خلالها تأويل النص القرآني لصالح دعواه النبوة، تأويله لقول الله تعالى: 
 وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6] . فقال: "إن الآية مبشراً برسول ومصداقها السيد المسيح الموعود المرزا، وهو المقصود باسم أحمد في هذه الآية"  (7) .
وقال في تأويله لقوله تعالى:   
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التوبة:33] .
"وردت هذه الآية في شأن المسيح الموعود، وقد نص بها منذ الأزل إعلاء حجة الإسلام الأرفع التي تنخفض لديها سائر الأصوات، وقدر منذ قديم الأيام أن يكون قدم المسيح الموعود على المنارة العليا التي لا تعلوها بناية أخرى"  
(8) .
ومن أعجب التأويلات تأويل القاديانية لمكة والمدينة بأنهما قاديان!!.
يقول محمود أحمد بن غلام أحمد وخليفته الثاني في جريدة الفضل في 5 يناير، سنة 1933م: ".. .. أما إلهام حضرة المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بأننا نموت في مكة أو في المدينة فنقول: إن هذين الاسمين لقاديان"  
(9) .
ويقول في تأويل قوله تعالى:   
وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [ آل عمران:97] ، إن هذه الآية تنعت المسجد الذي أسس في قاديان. ويقول: "إن المراد بالمسجد الأقصى في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ُ [ الإسراء:1]  هو مسجد قاديان"  (10) .  (11)
المطلب الثالث:  إلغاء الجهاد

لعل أبرز مبادئ القاديانية الدعوة إلى إلغاء الجهاد، بل إن المرزا غلام أحمد كان يفتخر بدعوته إلى عدم الجهاد فيقول: "إن الفرقة الإسلامية التي قلدني الله إمامتها وسيادتها تمتاز بأنها لا ترى الجهاد بالسيف ولا تنتظره بل إن الفرقة المباركة لا تستحل سراً كان أو علانية وتحرمه تحريماً باتاً"  
(1) .
ويعتقد القاديانيون بنسخ الجهاد اتباعاً لأوامر نبيهم المزعوم مرزا غلام القادياني الذي يقول: "إن مبادئي وعقائدي وتعليماتي لا تحل أي طابه من المحاربة والعدوان، وأنا متأكد من أن أتباعي كلما زاد عددهم قل عدد القائلين بالجهاد المزعوم، لأن الإيمان بي كمسيح ومهدي معناه رفض ذلك الجهاد"  
(2) .  (3)
ولم يدع القادياني أسلوباً إلاّ اتبعه للدفاع عن فكرة تحريم الجهاد التي خدمت الاستعمار أيما خدمة إذ يقول مرزا غلام أحمد في هامش كتابه (الأربعين) : إن الله تعالى لم يزل يخفف شدة الجهاد ـ أي الحروب الدينية ـ وقد بلغت شدته في عهد موسى عليه السلام إلى أن الإيمان كان لا ينجلي عن القتل حتى كان الرضع يقتلون أيضاً. ثم حرم قتل الأطفال والشيوخ والنساء في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم  ، ثم تقرر قبول الجزية بدل الإيمان للتخلص من القتل، ثم نسخ الجهاد قطعاً في عهد المسيح الموعود  (أي في عهد المرزا حسب زعمه).
ووصلت دعوتهم إلى بلاد إسلامية أخرى، مثل أفغانستان التي انبرى فيه اثنان من القاديانية هما نعمة الله خان وعبد اللطيف للدعاية ضد الجهاد حتى يمهدا الطريق لسيطرة الإنجليز على أفغانستان، وقد أفتى علماء أفغانستان قاطبة بردة هذين القاديانيين فقتلا، وكان ذلك في عهد الأمير أمان الله خان.
وليت الأمر اقتصر على هذا الحد من عدم الدعوة إلى الجهاد، بل لقد قال ميان محمود أحمد في خطبة الجمعة التي نشرتها صحيفة الفضل القاديانية  (27/5/1919) "إن إعلان كابول ـ أي أفغانستان ـ الحرب ضد الإنجليز -  وفي عهد الشاه أمان الله خان -  جهالة، وعلى الأحمديين أن يخدموا الحكومة البريطانية، لأن طاعتها فريضة علينا، وحرب أفغانستان لها حيثية جديدة بالنسبة للأحمديين، لأن أرض كابول قتل فيها نفوسنا الغالية ظلماً، وقد قتلوا بلا ذنب. وكابول بلد يمنع فيه تبليغ الأحمدية، وقد أغلقت عليه أبواب الصدق. ولإقامة الصدق يجب على الأحمديين أن يزيلوا هذه الحواجز الظالمة، وذلك عن طريق تجندهم في الجيش الإنجليزي ونصرة بريطاينا، فاسعوا لكي تنبت تلك الفروع بأيديكم التي أخبر عنها المسيح الموعود".
العراق وبغداد:
عندما عزم الإنجليز الاستيلاء على العراق وقام بزيارتها  (لارد هاردنك) لهذا الغرض، علقت على زيارته الصحيفة القادياينة الشهيرة  (الفضل) قائلةً :  (لا شك أن زيارة هذا الضابط الطيب القلب سوف يسفر عن نتائج طيبة، ونحن راضون بهذه النتائج، لأن الله يهب الملك وزمام الدنيا لمن يريد خيراً لخلقه، ويفوض حكم الأرض إلى من يكون له أهلاً، ونقول مرةً ثانية بأننا فرحون، لأن كلمة ربنا سوف تتحقق، ونرجو أن يتسع لنا مجال الدعوة بتوسع الدولة البريطانية، فندخل المسلم في الإسلام مرةً ثانيةً كما ندخل غير المسلم في الإسلام).
وبعد ثماني سنوات من هذا الحادث استولى الإنجليز على بغداد بعد هزيمة أهلها، فكتبت صحيفة الفضل القاديانية :  (قال حضرة المسيح الموعود ـ المرزا ـ لهؤلاء العلماء أن لا يقاوموا هذا السيف فلماذا لا نـفرح معشر الأحمديين بهذا النصر؟
[أول حاكم قادياني على العراق : ]
وكان لموالاة القاديانيين للإنجليز نصيب وافر في سقوط بغداد حيث إنه لما احتل الإنجليز  (العراق) عينوا أول حاكم على  (العراق) ميجر حبيب الله شاه -  شقيق زوجة مرزا بشير الدين محمود ـ وكان ميجر حبيب الله شاه قد تجند في الحرب العالمية الأولى، وذهب إلى  (العراق) وكان يشتغل طبيباً في  الجيش.
ومن خدمات المرزا للاستعمار انه عندما أفتى أهل الحق من العلماء بأن الهند دار حرب استغلَّ المرزا هذه الفتوى لخدمة مولاه الاستعمار، فأرسل إلى الحكام البريطانيين نشرةً أرشدهم فيها إلى أنه يمكن التمييز بين المسلمين " أصحاب النيات الفاسدة " الذين يرون الهند دار حرب وبين المخلصين للحكومة بحضور صلاة الجمعة، هكذا جعل بشطارته الجمعة المقدسة وسيلةً للتمييز بين من يدين للحكومة الاستعمارية وبين من لا يدين لها.
ثم قام المرزا بجمع أسماء الذين اعتبروا الهند دار حرب ، وقدمها إلى الحكومة، وقد ذكر هذه العملية الجاسوسية بكل فخر واعتزاز قائلاً: لما كان من المصلحة أن تنشر أسماء أولئك المسلمين الذين لا يفهمون، ويعتبرون الهند دار حرب في أنفسهم، ونصحاً للحكومة الإنجليزية اخترنا هذه القائمة حتى تبقى فيها أسماء من لا يعرف الحق محفوظةً عندنا كسياسة سرية. ثم استطرد قائلاً: نحن سجلنا أسماء هؤلاء الأشرار لأجل النصح السياسي لهذه الدولة المحسنة، وهذه الخرائط محفوظة عندنا كالسياسة السرية . ثم ذكر أعداد الخرائط مع أسماء هؤلاء وعناوينهم وعلاماتهم وأرسلها إلى الجهات المختصة.  
(4)
المطلب الرابع: استمرار الوحي والنبوة وتأويل معنى ختم النبوة

أول القاديانيون معنى قول الله تعالى:  
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [ الأحزاب:40] . معنى خاتم النبيين عندهم أي طابعهم، فيزعمون أن كل نبي يظهر الآن بعده، فإن نبوته تكون مطبوعة بخاتمه، صلى الله عليه وسلم,
يقول محمد منظور إلهي القادياني في كتابه (ملفوظات أحمدية)  (ص290): "المراد بخاتم النبيين أنه لا يمكن أن تصدق الآن نبوة أي نبي من الأنبياء إلا بخاتمه صلى الله عليه وسلم، وكما أن كل قرطاس لا يكون مصدقاً مؤكداً إلا حين يطبع عليه بالخاتم، فكذلك كل نبوة لا تكون مطبوعاً عليها بخاتمه وتصديقه، صلى الله عليه وسلم، تكون غير صحيحة"  (1) .
وجاء في جريدة الفضل القاديانية في عددها الصادر في 22 مايو 1922م: "الخاتم هو الطابع، فإذا كان النبي، صلى الله عليه وسلم، طابعاً، فكيف يكون طابعاً إذا لم يكن في أمته نبي"  
(2) .
ويفسر القاضي القادياني آية "خاتم النبيين" بأنه أفضل الأنبياء وأكبرهم درجة ومرتبة، والآية في زعم القاديانية لا تدل أبداً على انقطاع النبوة، يقول في القول الصريح: "إن الآية المذكورة لا تدل مطلقاً على انقطاع النبوة، بل تدل على بقائها لأن كمال النبي لا يتحقق إلا بكمال الأمة وفضيلة الأستاذ لا تظهر إلا بفضل التلميذ.. وإن أصر أحد على أنه بمعنى آخر زمانا فيمكننا أن نجعله مطابقاً للمعاني الأخرى بكل سهولة ونقول: إن المراد من النبيين هم المشرعون والمستقلون، والنبي، صلى الله عليه وسلم، ختم النبوة التشريعية والمستقلة، لأنها موجودة قبله، وأما النبوة الغير مستقلة فما كانت موجودة قبله "  
(3) .
ويقول مرزا غلام أحمد: "نعني بالنبوة ختم كمالاتها على نبينا الذي هو أفضل رسل وأنبيائه، ونعتقد أنه لا نبي بعده إلا الذي من أمته ومن أكمل أتباعه الذي وجد الفيض كله من روحانيته وأضاء بضيائه"  (4) .
ويقول أيضاً في تفسير "وخاتم النبيين" : "إن الله جعل رسول الله خاتم النبيين بمعنى أنه أعطاه خاتم الإفاضة الكمال مما لم يعطه أحداً سواه، فلأجل ذلك سمي بخاتم النبيين، أي أن اتباعه يورث كمالات النبوة، وأن القدسية التي تصنع بالأنبياء لم يعطها نبي سواه"  (5) .
ونقل الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه: (ماهي القاديانية) نصوصاً عديدة ذكرها المرزا غلام أحمد وجماعته توضح تأويلاتهم المختلفة لختم النبوة منها  
(6) :
التأويل الأول: "فإن كان الله كرم أحداً من هذه الأمة وسماه بالنبي إذا نال درجة الوحي والإلهام والنبوة بمجرد اتباع محمد، صلى الله عليه وسلم، فإن خاتم النبوة أي طابعها لا ينقض بذلك، لأنه لا يزال من أفراد الأمة الإسلامية، ولكن مما ينافي ختم النبوة ان يأتي نبي من غير الأمة الإسلامية".
ويقول المرزا أحمد: "إن محمداً، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء بمفهوم أنه قد تمت عليه كمالات النبوة، وأنه لا يأتي بعده رسول ذو شريعة جديدة، ولا نبي من غير أمته".
التاويل الثاني: قال غلام أحمد في حقيقة الوحي: "قد جعل الله جل شأنه محمداً، صلى الله عليه وسلم، الخاتم أي أعطاه الخاتم فاضة الكمال، وذلك لم يؤته أحداً غيره، ولذلك سمي بخاتم النبيين، أي أن إطاعته تمنح كمالات النبوة، وأن التقاءه الروحي يصنع الأنبياء".
التأويل الثالث: قال غلام أحمد في إرشاده المندرج في عدد جريدة الحكم الصادر في 17 أبريل من عام 1903م: "ومن حكمة الله ولطفه بالأمة المحمدية أن رفع عنها هذه الكلمة –النبوة -  ثلاثة عشر قرناً بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لتتم عظمة نبوته، ثم لما كانت عظمة الإسلام تقتضي أن يكون في الأمة أفارد تطلق عليهم كلمة النبي بعده، صلى الله عليه وسلم، لتتم المشابهة بالسلسلة القديمة –أي سلسلة الأنبياء الموسويين –أجريت على لسانه، صلى الله عليه وسلم، كلمة "النبي" للمسيح الموعود في آخر الزمان" .
التأويل الرابع: يقول غلام أحمد في إزالة الخطأ: "أنا محمد، صلى الله عليه وسلم، بصفة ظلية، فلأجل هذا ما انفض هذا الخاتم - خاتم النبيين -  لأن نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، بقيت على حالها منحصرة في محمد وحده، أي أن محمداً وحده هو النبي إلى الآن، وإذا كنت أنا محمداً بصفة تجسدية فأي رجل غيره يكون قد ادعى النبوة بصفة مستقلة؟".
وهذه تأويلات باطلة فاسدة لختم النبوة، وقد وضع القاديانيون أدلة من القرآن والسنة على أن الوحي والنبوة، مستمران لا ينقطعان ابداً، وأوّلوا النصوص حسب هواهم.  
(37)
أدلتهم من القرآن الكريم :
يقول تعالى: 
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [ الشورى:51] .
يقول القاضي القادياني في كتابه (القول الصريح) : "إن الله سبحانه وتعالى يوحي إلى غير الأنبياء بالطرق التي يوحي بها إلى الأنبياء لأن الله لم يقل : وكان لنبي بل قال: ما كان لبشر سواء كان نبياً أو غير نبي"  
(7) .
والحقيقة أنه ليس في هذه الآية أي دليل على وحي أو نبوة بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنما قال ابن كثير في تفسيره: "هذه الآية في ذكر مقامات الوحي بالنسبة إلى جانب الله عز وجل"  
(8) فلا وحي ولا نبوة بعد محمد، صلى الله عليه وسلم.
وهكذا يزعم القاضي القادياني أن باب النبوة لا زال مفتوحاً أمام البشر ويذكر أن الله تعالى يقول:   
وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [ النساء:69]  .
ويفسر الآية  -  كما أشرنا من قبل  -  بأن معناها "أن الذي يطيع الله ومحمداً، صلى الله عليه وسلم، فعلى قدر إطاعته يكون من الصالحين أو الشهداء أو الصديقين أو النبيين، فهي تصريح جليٌّ أن النبوة باقية في الأمة المحمدية"  
(9) .
وطبيعي أنه ليس في الآية دليل قط على استمرار النبوة بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنما مقصود الآية كما ذكر ابن كثير: "إن مَنْ عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته ويجعله مرافقاً لمن ذكر في الآية"  
(10) .
فالآية لا تدل أبداً على أن النبوة مستمرة كما ادعى القاديانيون.
ويقول أيضاً: "إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز:  
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [ غافر:15]
يقول: المراد من الروح في الآية الوحي أو روح القدس، والآية تصرح بأن النبوة باقية، لأن صيغة يلقى تدل على الاستمرار، فكما أن الله تعالى أخبر بنزول الملائكة في المستقبل كذلك بالإنذار، والإنذار من صفة الرسل"  
(11) .
وهذا فهم خاطئ وتأويل باطل للآية، فالآية تبين لنا بوضوح تام أن الله تعالى يختص من يشاء ليكونوا أنبياء ورسلاً يبلغون رسالة الله في الأرض، وقد ختم الله تعالى الرسالات، بمحمد، صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله تعالى: 
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجمعة:2 - 3] .
يقول القاضي القادياني في كتابه (القول الصريح) : "إن قوله تعالى: 
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ [الجمعة:3] يدل على أن البعثة الثانية للنبي، صلى الله عليه وسلم، في الآخرين الذين يأتون بعد من الصحابة تكون منهم لا من غيرهم، ومعلوم أن النبي لا يبعث بذاته مرة ثانية، فليس المراد إذاً إلا المسيح الموعود بكونه نبياً في الآخرين باسم النبي، صلى الله عليه وسلم"  (12) .
وهذا تفسير باطل للآية، لأن ظاهر الآية واضح لكل ذي عينين، فالآية تشير بجلاء تام إلى أن الله تعالى بعث محمداً، صلى الله عليه وسلم، إلى الناس كافة 
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]  فليس في الآية دليل على بعثة المسيح الموعود كما يزعم القاديانيون.
ويقول في قوله تعالى: 
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ٌ [المائدة:3]
يقول: "معلوم أن النبوة هي أعظم نعمة من نعم الله، فلو كانت منقطعة لما كانت النعمة تامة، بل كانت ناقصة"  
(13) .
والحقيقة إن هذه الآية أكبر دليل على ختم النبوة، فالله سبحانه وتعالى أكمل برسالة الإسلام الدين ، فلا دين بعده، ولا نبي بعده، لاكتمال الرسالة وختمها برسول الله، صلى الله عليه وسلم.
الأدلة من السنة على استمرار النبوة  في زعم القاديانيين:
عن ابن عباس، رضي الله عنه: 
((لما توفي إبراهيم ابن الرسول قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لو عاش لكان صديقاً نبياً))  (14) .
يقول القاديانيون: إن هذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، ليس خاتم الأنبياء.
والمسألة أن القاديانيين ليسوا بعلماء في الحديث النبوي، ولذا فهم لا يعرفون المطلق والمقيد والعام والخاص، فحديث: 
((لو عاش  - أي إبراهيم -  لكان صديقاً نبياً))  (15) روي بروايات متعددة وحديث أنس عند ابن منده يحل الإشكال تماماً وهو: ((ولو بقي أي إبراهيم ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لكان نبياً ولكن لم يكن ليبقى، لأن نبيكم آخر الأنبياء))  (16) .
"ثم إن كل الأحاديث التي رويت بهذا المعنى علقت بصيغة شرطية، ولم يتحقق الشرط وهو عدم وفاة إبراهيم، فلم يتحقق الجواب، وهو أن يكون نبياً"  
(17) .
والأمر الآخر إن حديث ابن ماجة لا يصح لأن في سلسلة رجاله من لا يحتج به وهو إبراهيم بن عثمان الواسطي، قال البخاري: سكتوا عنه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة. وضعفه أحمد.
إذن هذا الحديث لا يعتد به، بالإضافة إلى أن المسألة مشروطة بشرط لو عاش إبراهيم، ومن الجلي أنه مات في حياة أبيه، فهو شرط لم يتحقق.
وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: 
((أبو بكر أفضل هذه الأمة إلا أن يكون نبي))  (18) رواه الطبراني. وهذا الحديث ضعيف، لأن من رواته إسماعيل بن أبي زياد، وهو لا يحتج به، قال عنه ابن حجر: "متروك كذبوه". وقال الذهبي: قال يحيى: كذاب. وقال أبو حاتم: مجهول.
إن مأساة القاديانيين أنهم أخذوا الأحاديث الضعيفة والموضوعات وأولوها حسب هواهم ورغبتهم.  
(38)
ومن الأدلة التي ساقها بشير محمود على عدم انقطاع النبوة: قول الله تعالى:  
اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [ الفاتحة:6 - 7]    إلى آخر الأدلة، ثم قال:  (يتبين لنا مما ذكرنا آنفاً من الآيات أن صراط الذين أنعمت عليهم هو الانضمام إلى طائفة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، إلى أن قال:  (فلو كان عز وجل حرم علينا نعمة النبوة، لما علمنا بأن نلح في طلبها، ولما بشرنا بأن اتباع هذا النبي صلى الله عليه وسلم يشرف الإنسان بالنبوة)    (19) .
ومعنى هذا الكلام؛ أنه يصح لكل مسلم أن يطلب النبوة، بل كل مسلم نبي؛ لأن بشير يقول في معنى الآية:  (وهل من الممكن أنه عز وجل من ناحية يؤكدنا بطلب الصراط المستقيم صراط الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن ناحية أخرى يقول لنا والعياذ بالله: إنني حرمت عليكم هذه النعمة إلى الأبد؟ كلا)    
(20)   إلخ كلامه.
6 -  أن القول بانقطاع النبوة وختمها بمحمد صلى الله عليه وسلم ينافي حاجة الناس إلى الرسل والأنبياء التي هي دائمة الوجود  بين الناس، وشهادة الله بإكمال الدين الإسلامي يجب التغاضي عنها لتصدق مزاعم القادياني.
7 -  كما أن القول بختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيه اتهام لله بأنه نفذت خزائنه، وأنه لم يعد قادراً على إرسال الرسل - كما يزعم بشير محمود - ولكي لا نصف الله بالعجز يجب أن نثبت أن والده نبي ورسول!!
حقا لقد كفر القاديانيون - وبكل جرأة -  بما جاء عن الله في كتابه الكريم، وفيما قررته السنة النبوية من ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم وهي نصوص صريحة واضحة، تسلطت عليها الباطنية، من قاديانية وصوفية وبهائية، وغيرهم من فرق الضلال؛ فأولوها على حسب أهوائهم، بتأويلات في غاية الجهل والتكلف الشنيع، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
فإن الله تعالى يقول: 
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [ الأحزاب:40] .
فالآية صريحة وواضحة في معناها وفي دلالتها على انقطاع النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم .
فجاء الدجاجلة كالقادياني وغيره وتسلطوا على معناها فأولوها تأويلات أجمع المسلمون على أنها باطلة، مثل تأويلاتهم السابقة لمعنى خاتم النبيين من أنه أفضلهم لا غير، أو تأويلهم لها بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم مثل الخاتم الذي يختم به على المعاملات الرسمية - المهر - من كونه زينة لهم وغير ذلك من المعاني الباطلة، أو زعمهم - حين رأوا ضعف ذلك التأويل السابق - أن معنى الآية هو إثبات أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين أصحاب الشرائع المستقلة، لا الأنبياء الذين لم يأتوا بشرائع مستقلة عن التي قبلها؛ بل جاءوا متممين ومكملين للشرائع مثل حال القادياني بالنسبة للشريعة الإسلامية، التي هي في حاجة إلى من يكملها كالقادياني وغيره.وهي أفكار لا تجد لها رواجاً إلا بين الجهال ومن قل خوفهم من ربهم، فآثروا الدنيا على الآخرة، أو من كان له هدف يريد تحقيقه من وراء هذه الحركات الهدامة، وفي شرح الآية هذه يقول بشير الدين محمود بن الغلام أحمد:  (إن الخاتَم بفتح التاء معناه الآلة التي يختم بها وليس الانتهاء -  الخاتم يتخذ للتصديق -  ومعنى الآية إذاً أنه صلى الله عليه وسلم آلة الختم التي ختم بها جميع النبيين). إلى أن يقول:  (والخلاصة أن هذه الآية لا تحظر النبوة التي ذكرناها آنفاً، ولكنها تنفي النبوة التشريعية أو النبوة المباشرة)  
(21) .
وفي قوله تعالى:  
يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [ الأعراف:35]   استنتج من هذه الآية عدم انقطاع النبوة؛ قال: ويتبين من هذه الآية أن الأنبياء سيبعثون في هذه الأمة أيضاً؛ لأن الله تعالى يذكر هنا الأمة المسلمة بأن الأنبياء إن بعثوا إليكم فعليكم أن تؤمنوا بهم، إلى أن يقول أيضاً: إن سلمنا أن  (إما) للشرط فإنها مع ذلك تدل على أن النبوة غير منقطعة)    (22) .
وبعد هذا الكذب على الله في معنى الآية يضيف كذباً آخر على النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات عدم انقطاع النبوة بعده صلى الله عليه وسلم؛ حيث أثبت أن المسيح نبي، قال:  (وعلاوة على شواهد القرآن الحكيم يتبين من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً أن باب النبوة ليس بمسدود على الإطلاق، لأنه صلى الله عليه وسلم وصف المسيح الموعود بصفة النبي مراراً، ولو لم يمكن وجود النبوة مطلقاً لما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بصفة النبي)    
(23) .
وغريب جداً هذا الفهم القاصر لخليفة القادياني في زعامة القاديانيين؛ أن يستدل بإثبات النبوة لعيسى على استمرار تجدد الأنبياء، وأن يستدل من أمر الله لبني آدم -  بعد إهباطه لأبيهم إلى الأرض -  بالإيمان بالأنبياء الذين سَيُرْسِلُهُمْ، على استمرار النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، هذا فَهْمٌ يدعو إلى العجب حقاً، وهذه حجة من لا حجة له، وكم تناقض القاديانيون هنا! فمرة يزعمون أن الغلام نبي مشرع، ومرة يزعمون أنه نبي تابع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن هذا التفريق لا دليل عليه، فإن الله تعالى لم يخبرنا بأن فيه  (فرقاً) بين النبي المشرع والآخر غير المشرع، بل أمر بالإيمان بجميع الأنبياء بدون تفريقهم بينهم، وحتى ما يقوله بعض العلماء من أن النبي هو الشخص الذي يسير على الشرع السابق للرسول قبله ويجدده، لا ينطبق على الغلام؛ لأنه جاء بتشريعات كثيرة تخالف الشريعة الإسلامية تمام المخالفة ومستقلة تمام الاستقلال  (24) .
وكل تلك التأويلات -  التي لفقها القادياني وأتباعه بعدم انقطاع النبوة - لا يقبلها إلا غافل فارغ عن العلم، وجاهل باللغة العربية، وجاهل بالدين الإسلامي؛ ذلك أن الختم معناه آخر الشيء ونهايته، كما يذكر علماء اللغة  
(25) ؛ لا أن معناه أفضل الشيء وأجوده.
وقد وردت النصوص من الكتاب والسنة على المعنى الأول، وأنه لا نبي بعده محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه آخر الأنبياء، به أكمل الله الدين وأتم به النعمة على العباد، ومن لم يعتقد هذا فلا حظ له من الإسلام، وقد قدمنا ذكر بعض الأدلة على ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم وهي واضحة صريحة، لولا بُعْدُ هؤلاء عن الدين واستحواذ الشياطين عليهم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة غير خافية على طلاب العلم.
ومن غريب أمر القادياني أن يترك الأدلة الصريحة من القرآن والسنة على أن خاتم الشيء هو آخره، وأن الرسول خاتم الأنبياء أي آخرهم، ثم يستدل بأقوال الشعراء - الذين يتبعهم الغاوون - على أن خاتم الشيء أفضله واستدل بقول الشاعر:
فُجع القريض بخاتم الشعراء
 وغدير روضتها حبيب الطائي

وخاتم الشعراء هنا يعني أفضلهم وزينتهم كما فسره القاديانيون، ولكن معناه في الحقيقة أن الشاعر - وهو حسن بن وهب - يظن أن أبا تمام الذي قيل في رثائه هذا البيت -  أفضل الشعراء المتقدمين ذوي الحكمة والعقل، وأنه على حسب ما يعتقد فيه الشاعر أنه خاتم الشعراء، أي فلا يمكن أن يأتي بعده مثله  
(26)   ، هكذا ظن والظن أكذب الحديث -  وعلى أي تفسير فإن القرآن والسنة لا يعارضان بأقوال الشعراء. ولكن الغريق بكل حبل يمسك، فإن تأويلات الباطنية من القاديانية أو البهائية أو غيرهم بأن خاتم النبيين أي أفضلهم أو زينة لهم، كل تلك التأويلات لا يلتفت إليها أي مسلم شرح الله صدره للإسلام، ولا شك أن نسبة هؤلاء للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كالمهر في الورقة، هذه إهانة للرسول صلى الله عليه وسلم، فالذي يحب الرسول صلى الله عليه وسلم ويحترمه لا يستجيز لنفسه أن يمثله بخاتم في أسفل الورقة، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجلُّ من أن يمثل بهذا.  (39)
وأخذوا يتفننون في بيان مفهوم ختم النبوة على معان مختلفة وتأويلات ملفقة، منها:
أن الله تعالى حين يكرم أحداً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويوصله إلى درجة الوحي والإلهام والنبوة فإنه - ومع تسميته نبياً -  لا يتعارض هذا المفهوم - مع مفهوم ختم النبوة -  إذ إن الشخص لا يزال من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومن أتباعه، ولكن ينتقض هذا المفهوم إذا ادعاه شخص من غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فحينئذ يتعارض قوله تماماً مع ختم النبوة  
(27) . ويقول بشير محمود:  (إننا نرفض النبوة المباشرة عن غير توسط الرسول صلى الله عليه وسلم رفضاً باتاً؛ ولذلك نرفض ظهور المسيح الناصري بعينه، لكننا لا ننكر النبوة التي تضاعف كرامة النبي صلى الله عليه وسلم وتزيدها سمواً وعلواً)    (28) . وقد أخذ بشير هذا المفهوم عن والده، حيث قال الغلام في ضميمة الوحي:  (وإن قال قائل: كيف يكون نبي من هذه الأمة وقد ختم الله على النبوة؟) وهذا سؤال مهم جداً، ولكن كيف كان جواب الغلام عنه؟ لقد أجاب بما لا مقنع فيه لأحد، وحاد عن الحق وألحد فيه، فقال:  (فالجواب أنه عز وجل ما سمى هذا الرجل نبياً إلا لإثبات كمال نبوة سيدنا خير البرية، فإن ثبوت كمال النبي لا يتحقق إلا بثبوت كمال الأمة  (29) ، ومن دون ذاك ادعاء محض لا دليل عليه عند أهل الفطنة، ولا معنى لختم النبوة على فرد من غير أن تختتم كمالات النبوة على ذلك الفرد، ومن الكمالات العظمى كمال النبي في الإفاضة وهو لا يثبت من غير نموذج يوجد في الأمة"  (30) .
والمغالطة في هذا الكلام:
أن النبوة لا تأتي من فيض أحد؛ بل هي تَفَضُّلٌ من الله تعالى على من يشاء من خلقه.
لماذا لا يكون النموذج الذي يدعيه الغلام عاماً؛ بحيث يحق لكل شخص أن يتصف به، فكيف احتكره القادياني بدون أن يذكر أي مبرر له.
2 -  أن معنى القول بختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم:  (أنه قد تمت عليه كمالات النبوة وأنه لا يأتي بعده رسول ذو شريعة جديدة، ولا نبي من غير أمته)    
(31) ؛ أي أن الانبياء الذين يأتون بعده صلى الله عليه وسلم كلهم يعتبرون من أمته، وهذا ليس فيه خروج -  حسب مفهوم القادياني - عن القول بختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو ما أكده بشير محمود في كتابه (دعوة الأمير)    (32) . ولكن الغلام في آخر أمره اخترع له ولأتباعه شريعة جديدة.
3 - أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم هو صاحب الفيوضات الكمالية التي لم يعطها أحد غيره؛ ولذلك سمي بخاتم النبيين  (أي أن إطاعته تمنح كمالات النبوة، وأن التفاته الروحي يصنع الأنبياء)    
(33)   .
أي فإذا وجد أن أحداً يدعي النبوة ولم تكن نبوته مصدقة من خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فإنها لا تكون نبوة صحيحة، مثل الورقة التي تكون رسمية وليس عليها الختم الرسمي، وإذا كانت طاعته صلى الله عليه وسلم تمنح الكمالات والنبوة فإنه يحق لكل شخص متبع للرسول صلى الله عليه وسلم أن يتصف بصفة النبوة، بل كان الصحابة في أول هؤلاء. فهل يستطيع الغلام أن يثبت أن أحداً منهم ادعاها؟
4 -  أن معنى الختم هنا هو تأخير النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر قرناً لتظهر عظمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي بعد ذلك ما يقتضي إظهار عظمة الإسلام بظهور من تطلق عليه كلمة النبي، لتبقى سلسلة النبوة متصلة الحلقات، ومن هنا أجريت على لسانه صلى الله عليه وسلم كلمة النبي للمسيح الموعود في آخر الزمان   
(34) ، ويقول بشير محمود:
  (إن الشريعة لا تُنسخ إلا بالنبوة التشريعية الجديدة المباشرة، لكن النبوة التي تستمد من اتباع النبي الأول وتهدف إلى نشر الشريعة السابقة هي مظهر رائع للنبوة السابقة..وهي في متناول هذه الأمة)    
(35) .
5 -  أن الغلام هو ظل للرسول صلى الله عليه وسلم لبقاء النبوة في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الآن، وانعكاس ظلية الكمالات المحمدية في الغلام، ومن هنا فلا تأثير في نبوة الغلام على القول بختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم  
(36)   ، وعلى الناس أن يتركوا عقولهم ويصدقوا هذا الهراء.  
المطلب الخامس: مجمل عقيدة القاديانية

نذكر مجمل العقائد الفاسدة التي يعتقدونها على وجه الإيجاز والتلخيص لما سبق:
   -  يعتقد القاديانيون أن الله يصوم ويصلي وينام ويصحو ويكتب ويخطئ ويجامع ـ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً.
- يعتقد القادياني بأن إلهه إنجليزي لأنه يخاطبه بالإنجليزية !!!.
-  تعتقد القاديانية بأن النبوة لم تختم بمحمد صلى الله عليه وسلم بل هي جارية، والله يرسل الرسول حسب الضرورة، وأن غلام أحمد هو أفضل الأنبياء جميعاً.
- يعتقدون أن جبريل عليه السلام كان ينزل على غلام أحمد وأنه كان يوحى إليه، وأن إلهاماته كالقرآن.
- يقولون لا قرآن إلا الذي قدمه المسيح الموعود  (الغلام)، ولا حديث إلا ما يكون في ضوء تعليماته، ولا نبي إلا تحت سيادة غلام أحمد.
- يعتقدون أن كتابهم منزل واسمه الكتاب المبين وهو غير القرآن الكريم.
- يعتقدون أنهم أصحاب دين جديد مستقل وشريعة مستقلة وأن رفاق الغلام كالصحابة.
- يعتقدون أن قاديان كالمدينة المنورة ومكة المكرمة بل وأفضل منهما وأرضها حرم وهي قبلتهم وإليها حجهم.
- نادوا بإلغاء عقيدة الجهاد كما طالبوا بالطاعة العمياء للحكومة الإنجليزية لأنها حسب زعمهم ولي الأمر بنص القرآن !!!.
- كل مسلم عندهم كافر حتى يدخل القاديانية: كما أن من تزوج أو زوج من غير القاديانيين فهو كافر.
- يبيحون الخمر والأفيون والمخدرات والمسكرات.  
(1)
  -   يؤمنون بأن الحج المفروض هو الحضور في المؤتمر السنوي في القاديان ،
- يعتقدون بأنهم أمة مستقلة ودين مستقل وأنهم ينفصلون عن المسلمين في كل شيء في العقيدة والعبادة وغيرها فهم يقولون ليس شيء يجمع بيننا وبين المسلمين فربنا غير رب المسلمين وإسلامنا غير إسلامهم وقرآننا غير قرآنهم وصلاتنا غير صلاتهم وحجنا غير حجهم ولهذا يكفرون المسلمين ويمنعون التزاوج معهم والصلاة عليهم ولكنهم مع ذلك كله يدعون الإسلام وينشرون كفرهم باسم الإسلام  
(2) 

المطلب السادس: علاقتهم بالإسلام  والمسلمين وغير المسلمين

لقد ابتعد القادياني عن الإسلام وعن المسلمين، وزاحمت القاديانية الإسلام، وأرادت أن تحل محله في العقيدة والفكر والعاطفة، وقطعت أقوى صلة للقاديانية بالإسلام، وجعلت كل من يدخل هذه الديانة الجديدة أو الإسلام الجديد –كما يزعم القاديانيون -  بعيداً عن الإسلام الذي ارتضاه رب العالمين لخلقه. ومن هنا نرى القاديانيين يقارنون بين أصحاب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم  وبين أتباع الغلام، دون أن يجدوا في ذلك أي حرج، فقد جاء في صحيفة الفضل القاديانية: (لم يكن فرق بين أصحاب  النبي صلى الله عليه وسلم وتلاميذ الميرزا غلام أحمد؛ إلا أن أولئك رجال البعثة الأولى وهؤلاء رجال البعثة الثانية)  
(1)   .
ثم جعلوا الحج الأكبر هو زيارة قاديان، وقبر القادياني، مضاهاة لزيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة، ونصوا على أن الأماكن المقدسة في الإسلام ثلاثة: مكة والمدينة وقاديان، وأوَّلوا المراد بالمسجد الأقصى بأنه مسجد قاديان، فقد جاء في تلك الصحيفة أيضاً:
 (إن الذي يزور قبر المسيح الموعود عند المنارة البيضاء، يساهم في البركات التي تخص قبة النبي الخضراء في المدينة، فما أشقى الرجل الذي يحرم نفسه هذا التمتع في الحج الأكبر إلى قاديان)  
(2) .
وفيها أيضاً:  (أن الحج إلى مكة بغير الحج إلى قاديان حج جاف خشيب؛ لأن الحج إلى مكة اليوم لا يؤدي رسالته ولا يفي بغرضه)  
(3) .
واخترعوا لهم أشهراً غير الأشهر الإسلامية، وهي:
الصلح، التبليغ، الأمان، الشهادة، الهجرة، الإحسان، الوفاء، الظهور، تبوك، الإخاء، النبوءة، الفتح  
(4) .
وهو نفس المسلك الذي سار عليه البهاء المازندراني حين اخترع له أشهراً غير الأشهر الإسلامية، ليقطعوا صلتهم بالأشهر الإسلامية وبما جاء فيها من مناسبات مفضلة، ومن هنا يتضح أن علاقة القاديانيين بالمسلمين أتباع محمد صلى الله عليه وسلم علاقة مبتورة، فقد قطعوا كل صلة بهم وعاملوهم على الأسس الآتية:
أن المسلمين كفار ما لم يدخلوا في القاديانية؛ لأنهم يفرقون بين الرسل، والله تعالى يقول:  
لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ  [ البقرة:285] ، فالمؤمن بالإسلام ونبيه إذا لم يؤمن بالقاديانية ونبيها فإنه يكون كافراً.
وعلى هذا فإنه لو مات مسلم، فإنه لا يجوز للقادياني الصلاة عليه ولا دفنه في مقابرهم؛ لأنه كافر لعدم إيمانه بنبوة الغلام، فلا تجوز الصلاة عليه ولو كان طفلاً أيضاً، ويذكر أن ظفر الله خان وزير خارجية باكستان لم يُصَلِّ على القائد الشهير محمد علي جناح حين مات، لأنه في نظر ظفر الله كافر لعدم إيمانه بنبوة الغلام.  
(16)
يقول غلام أحمد فيما نقله عنه مظاهري: "أطلعني الله على أن كل من وصلته رسالتي، ولم يؤمن بي فهو ليس بمسلم"  
(5) .
ويقول: "إن كل من لا يتبعك ولا يبايعك ويظل يخالفك فهو يعصي الله ورسوله وهو من أهل النار"  
(6) .
ويقول: "إن كل من لا يؤمن بي فإنه لا يؤمن بالله ولا برسوله، لأن الله ورسوله بشرا بي، فكل من لا يؤمن بأحكام الله ورسوله ويكذب القرآن ويرفض آيات الله، ويقول: إني مفترٍ وكذاب على الرغم من وجود مئات الآيات المؤيدة لي لا يكون مؤمناً، وإذا كان مؤمناً يكفر بالافتراء علي"  
(7) .
ونشرت جريدة الفضل القاديانية في عدد 21 حزيران (يونيو) 1923م مقالا لطالب في جامعة ملية اسمه عبد القادر جاء فيه: سألت ذات يوم بعد صلاة العصر حضرة الخليفة لماذا يكفر غير الأحمديين، فكانت خلاصة الحديث ما يلي:
السائل:        أصحيح أنكم تكفرون غير الأحمديين
الخليفة: نعم هذا صحيح
السائل:        على ما تعتمدون في هذا التكفير أفلا يلفظون كلمة الشهادة؟
الخليفة: إنهم ولا شك يلفظون كلمة الشهادة، ولكن الاختلاف بيننا وبينهم ليس فرعياً، بل اختلاف رئيسي، فالمسلمون يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإن من ينكر نبياً من أنبياء الله فهو كافر، ومثال ذلك المسيحيون، فهم يؤمنون بكل الأنبياء الذين جاءوا قبل عيسى عليه السلام، ولكنهم بكفرهم بمحمد فقد كفروا، وهكذا فإن من ينكر نبوة غلام أحمد فهو كافر بنص القرآن، فالله قد بعث رسولاً آمنا به ولم يؤمنوا به"  
(8) .
ولم يكتفِ القاديانيون بتكفير المسلمين، بل سلكوا في ذلك مسلكاً عمليًّا، فلآن أهل الإسلام في معتقدهم الكاذب كفاراً، فلا يجوز عندهم الصلاة وراء المسلمين، وكذلك لا يجوز الزواج منهم.
وقد جاء في جريدة الحكم القاديانية بتاريخ 10 أغسطس 1901 قول غلام أحمد: "اصبروا ولا تصلوا خلف أحد من غير جماعتكم، ففي ذلك الخير والصلاح وفيه نصركم العظيم". وقال في العدد 3 من أربعين، صفحة 34: "اذكروا بأن الله قد أطلعني بأنه حرام عليكم وحرام بات أن تصلوا خلف منكر أو مكذب أو متردد".
والقاديانيون لا يصلون صلاة الجنازة على المسلمين، لأنهم يعتقدون عدم جواز الصلاة على من لم يؤمن بغلام أحمد، وقالت جريدة الفضل المؤرخة في 15 كانون الأول 1931م: إن غلام أحمد لم يصل على ابنه فضل أحمد، لأنه لم يكن مؤمناً به"  
(9) .
ويقول في صفحة 7 من فتاوى أحمدية: "لا تزوجوا بناتكم ممن لم يؤمن بي"  
(10) .
وينقل العلامة إلهي ظهير عن محمود أحمد ابن الغلام في كتابه (بركات خلافات) ص75 حكم القاديانية بأنه لا يجوز لأي قادياني أن ينكح ابنته من غير القادياني ، لأن هذا أمر من المسيح الموعود  - يقصد والده غلام أحمد- أمر مؤكد، وقال: "عن من ينكح ابنته من غير القادياني فهو خارج من جماعتنا معما يدعي القاديانية، وأيضاً لا ينبغي لأحد من أتباعنا أن يشترك في مثل هذه الحفلات الزواجية  (الفضل 23 مايو 1931) . وأكثر من ذلك فقد نشرت جريدة الحكم القاديانية بأنه ينبغي أن يراعي في الزواج من المسلمين أن لا تعطى لهم البنات، ويجوز الزواج ببناتهم لأنهم كأهل كتاب، فنحن لا نعطي بناتنا ونأخذ بناتهم كما يعامل أهل الكتاب، فلو أعطيناهم بناتنا لا يجوز ، ولو أخذنا منهم بناتهم يجوز، وفيه فائدة بأننا قد زدنا واحداً في صفنا"  
(11) .  (17)
بل و أبعد من هذا أنهم لا يجوزون الصلاة على من يصلي من القاديانيين خلف المسلمين أو يتعامل معهم أو يوادهم.  
(18)
علاقتهم بغير المسلمين:
وأما علاقتهم بغير المسلمين فنوجزها فيما يلي:
لقد قامت بين القاديانيين وبين كثير من الملل المخالفة للإسلام علاقات قوية، خصوصاً بينهم وبين الدول المعادية للمسلمين، مثل بريطانيا وإسرائيل اليهودية الحاقدة، فهي تتمتع معهم بصداقات حميمة واتصالات وثيقة، وقد أعطتهم إسرائيل أمكنة لفتح المراكز والمدارس، وأغدقت عليهم الأموال سراً وجهراً، وقد جاء في خطاب للقاديانيين باسم  (مراكزنا في الخارج) هذا النص:
 (ويمكن للقارئين أن يعرفوا مكانتنا في إسرائيل بأمر بسيط، بأن مبلغنا جوهدري محمد شريف حينما أراد الرجوع من إسرائيل إلى باكستان سنة 1956م، أرسل إليه رئيس دولة إسرائيل بأن يزوره قبل مغادرته البلاد، فاغتنم المبشر هذه الفرصة وقدم إليه القرآن المترجم إلى الألمانية الذي قبله الرئيس بكل سرور  
(12)!!!وقد نشر تفاصيل اللقاء في الصحف الإسرائيلية، كما أذيع أيضاً في الإذاعة، بل وقد سمحت لهم إسرائيل بإنشاء مدرسة بقرب جبل الكبابير.  (19)
وجاء في الخطاب السابق أيضا:
إن المركز القادياني في حيفا، ونحن نملك هناك مسجداً وبيتاً للمركز، ومكتبة عامة للمطالعة، ومكتبة خاصة لبيع الكتب، ومدرسة، ويصدر المركز مجلة شهرية باسم "البشرى" التي ترسل إلى ثلاثين بلداً عربياً مختلفاً  
(13) وقد ترجم أكثر مؤلفات المسيح الموعود  (الغلام) إلى العربية بطريق هذا المركز، وإن مركز القاديانية تأثر من تقسيم فلسطين من عدة وجوه، وإن المسلمين الذين بقوا في إسرائيل قد أخذوا من المركز الفوائد الجمة .. ..  (20)
ومن المعروف بداهة أن إسرائيل ما كانت لتحتضن هذه الدعوة القاديانية ولا أن تقوم بتمويلها بل والدعاية لها لو أنها تعرف فيها مثقال ذرة من الإسلام، الذي تعتبره إسرائيل الخطر الحقيقي عليها، كما أن إسرائيل تمول جميع الحركات الهدامة من قاديانية وبهائية وغير ذلك لتحقيق أهدافها في السيطرة والعلو، فالمؤامرات واضحة لا تحتاج إلى سياسي بارع ولا ذكي في تحليل الأحداث.
 رحب القوميون الهنود بالقاديانية وفرحوا بها وتحمسوا لها كثيراً، لأن هؤلاء الهنادك يحقدون على الإسلام حقداً لا يقل عن حقد اليهود والنصارى، وضايقهم جداً توجه المسلمين الهنود بقلوبهم إلى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وكتاب ربهم، بل وإلى الجزيرة العربية إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولهذا فقد اعتبروا توجه الناس إلى قاديان انتصاراً للوطنية الهندية على الإسلام الأجنبي عن بلادهم، وفرصة سانحة للتحول العظيم في تفكير المسلمين الهنود وغيرهم من الإسلام إلى القوميات والتعصب لها بدلاً عن الإسلام. وفي هذا يقول الكاتب الهندوكي د/شنكرداس مهرا:
 (إن المسلمين الهنود يعتبرون أنفسهم أمة منفصلة متميزة ولا يزالون يتغنون ببلاد العرب ويحنون إليها، ولو استطاعوا لأطلقوا على الهند اسم العرب، وفي هذا الظلام الحالك وفي هذا اليأس الشامل يظهر شعاع من النور يبعث الأمل في صدور الوطنيين وهي حركة الأحمديين  (القاديانيين).
وكلما أقبل المسلمون إلى الأحمدية نظروا إلى قاديان كمكة هذه البلاد والمركز الروحي العالمي وأصبحوا مخلصين للهند وقوميين بمعنى الكلمة.
إن تقدم الحركة الأحمدية ضربة قاضية على الحضارة العربية والوحدة الإسلامية. وكل من اعتنق الأحمدية تغيرت وجهة نظره وضعفت صلته الروحية بمحمد صلى الله عليه وسلم بذلك، وتنتقل الخلافة من الجزيرة العربية وتركيا إلى قاديان في الهند، ولا يتبقى لمكة والمدينة إلا حرمة تقليدية.
إن كل أحمدي سواء كان في البلاد العربية أو تركيا أو إيران أو في أي ناحية من نواحي العالم يستمد من قاديان القوة الروحية وتصبح قاديان أرض نجاة له، وفي ذلك سر فضل الهند، وهذا هو سر عدم ارتياح المسلمين إلى حركة الأحمدية وقلقهم منها؛ لأنهم يعتقدون أن حركة الأحمدية هي المنافسة للحضارة العربية والإسلام.
ولذلك اعتزل الأحمديون عن حركة الخلافة لأنهم يحرصون على تأسيس الخلافة في قاديان مكان تركيا والجزيرة العربية، وإن كان هذا الواقع مقلقاً للمسلمين الذين لا يزالون يحلمون بالاتحاد الإسلامي وبالاتحاد العربي، ولكنه مصدر سرور وارتياح للوطنيين الهنديين)  
(14) .
والكلام ظاهر المعنى ينفث خبثاً وحقداً على المسلمين وعلى الإسلام، ويريد قائله أن تشن الحرب التي لا هوادة فيها على كل مسلم غير القاديانيين، الذين يرى فيهم تحقيق أحلامه الكفرية ومحو الإسلام من أذهان المسلمين والاهتداء بعميل الإنجليز وبالوطنيين الهنود، كما يريد فوضويو المجوسية ودعاتها الحاقدون.
ومما يوضح موقف القاديانيين من الإسلام أيضاً ذلك الدفاع الذي بذله عدو الإسلام والمسلمين في الهند جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند حينذاك عن هذه الطائفة المسلمين -  يقصد القاديانيين -  على حد زعمه، وغريب منه أن يتعاطف مع المسلمين، فقد قال متسائلاً ومستنكراً: لماذا يلح المسلمون على فصل القاديانية عن الإسلام، وهي طائفة من طوائف المسلمين الكثيرة؟ فأجابه الدكتور محمد إقبال –رحمه الله -  فقال:  (القاديانية تريد أن تنحت من أمة النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم أمة جديدة تؤمن بالنبي الهندي...وقال: إنها أشد خطراً على الحياة الاجتماعية الإسلامية في الهند عن عقائد  (أسفنورا) الفيلسوف الثائر على نظام اليهود)   
(15) .
وحينما تظاهر القاديانيون في خبث ودهاء ومكر بالإسلام، إنما أرادوا أن يموهوا على المسلمين ويدخلوا على عوامهم من طرق لا يفطنون لها ليسلخوهم عن دينهم شيئاً فشيئاً إن استطاعوا، ولن يتم لهم ذلك إن شاء الله تعالى.  
(21)
في أعقاب ضعف قبضة بريطانيا على الهند، نشأ حلف قادياني هندوسي وكان ذلك في عهد مرزا محمود ـ خليفة مرزا غلام أحمد ـ وأحس الهندوس بأهمية هذه الفرقة لهم، وقام جواهر لال نهرو ـ مع انه اشتراكي ملحد ـ بتأييدها.
وكان القاديانيون يرفضون فكرة قيام دولة إسلامية في باكستان، ويؤيدون الهند الموحدة وجعلوا ذلك هي إرادة الله، إذ يقول مرزا محمود: "إن مشيئة الله تقتضي وحدة الهند، وهي عين ما تقتضيه بعثة مرزا غلام أحمد".
وكان القادياينون يرون ضرورة الهند المتحدة، لأنهم يعتبرون أنفسهم أمة واحدة دون المسلمين، ويرون الدول الكافرة أنفع لهم من الدولة الإسلامية، وهم يفضلون فكرة الهند المتحدة على دولة باكستان المسلمة.
أسباب معارضة القاديانيين لاستقلال باكستان
لعب القاديانيون دوراً كبيراً ضد استقلال باكستان، وكان أكبر همهم هو أن يظل الاستعمار على الهند الذي كانوا يرونه رحمةً إلهيةً، وعندما بدأت شمس الاستعمار تأفل عن الهند أيد القاديانيون بشكل كامل فكرة الهند المتحدة دون فكرة إقامة دولة إسلامية، لأن الحركة القاديانية لا يمكنها أن تعمل بين المسلمين إلا في ظل دولة غير إسلامية بحتة، أو أن لا تكون إسلامية على الأقل، حتى يصبح المسلمون فريسة لهم مغلوبين على أمرهم تحت قبضة الحكومة الكافرة، ويقتنصهم القاديانيون تحت رعاية الحكومة اللادينية، وأما الدولة الإسلامية فيعتبرونها أرضاً وعرةً لا تثمر فيها جهودهم المضللة، وإلى هذا أشار المرزا في كتاباته قائلاً: ولو خرجنا من هنا  (أي المستعمرة البريطانية) فلا ملجأ لنا لا في مكة ولا في المدينة ولا الروم ولا الشام ولا إيران ولا كابول  إلا في هذه المملكة  (البريطانية) التي أدعو لها بالعزة. ثم يخاطب أتباعه قائلاً: فكروا، لو خرجتم من ظل هذه الحكومة فأين يكون مقركم؟ فكل دولة إسلامية عازمة على قتلكم لأنها تعتبركم كفاراً مرتدين.
خيانة القاديانيين عند وضع حدود باكستان
كانت الجماعة القاديانية تعارض تقسيم الهند كما ذكرنا وعندما أعلن بالتقسيم ـ رغم معارضتها ـ قام القاديانيون بمحاولة أخرى للإضرار بباكستان، وذلك بفصل محافظة غورداسفور. التي تقع فيها  (قاديان) عن باكستان وضمها إلى الهند . وتفصيل هذا الإجمال هو أن لجنة تحديد الحدود عندما كانت تضع تخطيطاً لحدود الهند وباكستان وكان الممثلون عن حزب الشيوخ ورابطة المسلمين يقدمون إليها دعاويهم وأدلتهم، قدمت إليها الجماعة القاديانية مذكرةً خاصةً، واختارت فيها موقفاً خاصًّا مخالفاً لحزب الشيوخ والرابطة وطالبت باعتبار  (قاديان) ولايةً مثل الفاتيكان وذكروا في المذكرة عددهم وديانتهم وكيفيات موظفيهم المدنيين والجنود وغيرها من التفصيلات، وكانت النتيجة أن لجنة التحديد لم تستجب طلب اعتبار  (قاديان) ولايةً مثل الفاتيكان غير أنها استغلت المذكرة القاديانية فأخرجت القاديانيين عن عداد المسلمين واعتبرت محافظة غورداسفور بها أقلية مسلمة بعد فصل القاديانيين، فضَّم أهم مناطقها إلى الهند، وهكذا فقدت باكستان محافظة غورداسفور بل وجدت بها الهند طريقاً للاستيلاء على كشمير وانفصلت كشمير عن باكستان .  
(22)
 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق