المبحث الخامس: الرد على
دعاوى طائفة القاديانية
أولاً: ختم النبوة في القرآن
الكريم
ثانياً: خصائص القرآن
دليل على ختم نبوته
ثالثاً: خصائص الرسول
والرسالة
رابعاً: ختم النبوة في
السنة المطهرة
خامساً: إجماع الصحابة
سادساً: كذب القادياني
في نبوءاته
المطلب الأول: الرد الإجمالي
هذه هي القاديانية.. رئيسها المتنبئ لها..أخلاقه ..تعاليمه.. تنبؤاته .. عقيدته.. مهمته.. والمتأمل لهذه الحركة لا يرى تحتها شيئا قدمته للبشرية وهي بجملتها من أولها إلى آخرها لا تحتوي إلا على جانبين فقط..
الأول: هو ادعاء القادياني للنبوة والاتصال بالوحي والإساءة إلى كل من لم يؤمن به وأن الله سينصره وسيخذل أعداءه ..إلى آخر تلك الأمور التي لا تخلو صفحة من صفحات كتبه .. بل لا يكاد يخلو سطر واحد منها إلا وهو يتحدث عن هذا الموضوع.
الثاني: فلو تنازلنا لهذا المتنبئ وسلمنا له بالنبوة فأي شيء سيقدمه لنا؟ هل سيقدم دينا جديدا يشتمل على عقيدة واضحة شاملة وشرع كامل شامل بحيث يغنينا عما سواه – معاذ الله – لا إنه سيقدم أمرا واحدا فقط ذلك الأمر هو لب عمله وأس دعوته وهو إلغاء الجهاد ودعوة المسلمين للخضوع لأعدائهم والذلة للإنجليز بالذات لأنهم هم الذين أرسلوه – كما يبدو – وهذا هو الجانب الثاني من دعوته دعوى كبيرة عريضة يترتب عليها كفر وإيمان نتيجتها إلغاء الجهاد وذلة المسلمين لأعداء الإسلام إنها ضلالة حمقاء أقدم عليها ذلك المخذول المأجور نعوذ بالله من خذلانه.
ولا بد من وقفة قصيرة مع تلك الدعوة أو الديانة المحدثة لنرى ما فيها من اضطراب وتناقض وتهافت لئلا يبقى عذر للمخدوعين بها.
أولا: إن أول ما يسترعي الانتباه في حياة القادياني هو حيرته في نسبه واضطرابه في أصله كما تقدم.
فآباؤه يدعون أنهم (مغوليون) وهو يتهم آباءه في ذلك وأنهم لم يصدقوا ويدعي أن أصله فارسي فيقول: ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله رد عليهم رجل من فارس شكر الله سعيه) فلماذا يدعي ذلك.
إنه يريد أن يوجد لنفسه سندا أولا حتى يقيم دعواه على أساس يستطيع به خداع المسلمين على أنها دعوى صحيحة ويتضح ذلك القصد من خلال كلامه:
فهو يقول: (خذوا التوحيد يا أبناء الفارس – إنا أنزلنا قريبا من القاديان..) (1). فهو هنا يشير إلى الحديث الصحيح الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وهو (( لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس أو من أبناء فارس حتى يتناوله)) (2) (3) ولقد أشار إليه القادياني كذلك في قوله (لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله).
فهذا السند الأول الذي لمح به ويحاول ادعاء الفارسية لأجله فهل فيه سند له؟ إن الحديث لم يقل ( لو كان الوحي عند الثريا لذهب به رجل من فارس) إنه قال: (( لو كان الدين...)) (4) . الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من غير إحداث نبوة إذ في دينه أنه لا نبي بعده ولهذا نراه يشير إلى الحديث من غير تصريح لأنه يعلم أن ذلك لا يمكنه من دعواه تلك ولكن يبدو أن هذه المحاولة قد فشلت فانتقل إلى غيرها وترك النسبة الفارسية وادعى أنه من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأن إحدى جداته كانت من آل البيت.. أراد بذلك أن يمهد لدعوى (المهدية) والتي قد بشرت بها السنة – كما تقدم – وقد فعل وادعى أنه المهدي ولكن المهدي لا يكون مبتدعا ولا ناسخا لشيء من دين الإسلام ولا يدعي الوحي ولا النبوة إذ هو أحد أفراد الأمة يكرمه الله بوظيفة الإصلاح في آخر الزمان.
وهذه الدعاوى الثلاث لم تف له بالغرض وهو ممن تربى على كتب التصوف الضالة وخاصة كتب ( ابن عربي) الذي رأينا طرفا من أفكاره من قبل فزعم القادياني أن مما قرأه في كتب ابن عربي أنه بشر بمجيء ولد صيني يدعو إلى الله فادعى أنه هو وقال ( إن محي الدين بن العربي في كتابه (فصوص الحكم) حيث قال ( يولد في آخر الزمان ولد يدعو إلى الله ويكون مولده بالصين ولغته لغة بلده فأنا هو المقصود لأني صيني الأصل) (5) . وهذه دعوى رابعة في نسبه كما ترى.
ويبدوا أن الرجل أراد أن يخدع المسلمين بدعوى المهدية التي بشر بها نبيهم صلى الله عليه وسلم ويخدع أهل التصوف بدعوى أن شيخهم تنبأ له وأخبر به قبل مجيئه.
فما هو نسبه يا ترى؟ هل هو مغولي كما ذكر آباؤه؟ أم هو فارسي كما زعم أنه أوحي إليه بذلك ثم كذب نفسه بعد ذلك وادعى أنه صيني أم أنه عربي من آل البيت إنه اضطراب عجيب وحيرة عاشها ذلك المتنبئ.
وهذه أولى صور الاضطراب والحيرة في حياته
ثانيا: دعاوى القادياني:
أما دعاواه الكاذبة فقد رأينا أنها تزيد على عشر دعاوى وهو مظهر حيرته واضطرابه فقد ظهر مدافعا عن الإسلام ثم انتهى أخيرا إلى دعوى النبوة ونزول الوحي عليه بل بلغ به الهوس حتى وصل إلى تلك الرؤيا المنحطة التي رأى نفسه فيها أنه هو (الله) وأراد تغيير خلق الكون بأسره يا لها من سخافة حمقاء وصل إليها ذلك الفكر الضال.
وإن هذا الاضطراب يكشف لنا عن مدى ما يعانيه في نفسه من تمزقات وتناقضات ولعل ذلك ناتج عن حرصه الشديد على إقناع جميع الطوائف الإسلامية بصدق ادعائه فأراد أن يقنع أهل السنة بدعوى التجديد والمهدي وأراد أن يقنع أهل التشيع كذلك بأنه من أهل البيت والمهدي المنتظر وأراد أن يخدع أهل التصوف بتلك النبوءة الكاذبة التي زعم أنها من كلام ابن عربي ولابن عربي في نفوس الصوفية المكانة التي لا تلحق.
والدعاوى الأخرى التي يدعي فيها أنه ظل محمد صلى الله عليه وسلم أو أنه آدم أو إبراهيم أو غير ذلك هذه ثمرة الفكر الصوفي المتمثل في فكر ابن عربي الذي يزعم أن الله يبعث على قدم كل نبي وليا من الأولياء تتمثل فيه صفاته (6) . والقادياني رغم تعدد الدعاوى يركز على ظليته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أثناء خطاباته للصوفية فقد جاء في رسالته التي بعث بها إلى مشايخ الهند ومتصوفة أفغانستان ما يلي ( إن الله وتر يحب الوتر ولأجل ذلك قد استمرت سنته أنه يرسل بعض الأولياء على قدم بعض الأنبياء فمن بعث على قدم نبي يسمى في الملائكة باسم ذلك النبي الأمين وينزل الله عليه سر روحه وحقيقة جوهره وصفاء سيرته وشأن شمائله ..إلخ، فهو يزعم أنه بعث على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقادياني في هذه النزعة يتابع شيخه ابن عربي إذ قد تحدث عن هذه الموضوعات بشكل أوسع في كتابه (الفتوحات المكية).
ولا ندري كيف عرف القادياني هذه السنة الإلهية مع الأنبياء وهي أن الله يرسل أولياء على قدم الأنبياء؟ فهو شيء لم يرد في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه ولا غيره إلا ما زعمه ابن عربي الذي لا يقل عنه في هذا الموضوع ضلالا وبهتانا على الله ورسوله.
ولو سلمنا له هذه الدعوى فمن يا ترى الذي أرسل على قدم محمد صلى الله عليه وسلم أهو شيخه ابن عربي أم هو؟
وإذا كان حسبما يقول القادياني ( أن الأنبياء لهم ساعات ينزلون فيها إلى الأرض فيريهم الله الفساد فيغار كل نبي على أمته فينزعج ويدعو الله أن ينزله على الأرض ليهيئ لهم من وعظ رشدا فيخلق له نائبا يشابهه في جوهره وينزل روحه بتنزيل انعكاس على وجود ذلك النائب ويرث النائب اسمه وعلمه فيعمل على وفق إرادته عملا - فهذا هو المراد من نزول إيليا في كتب الأولين ونزول عيسى عليه السلام وظهور محمد نبينا صلى الله عليه وسلم في المهدي خلقا وسيرة وما من محدث إلا له نصيب من تدليات الأنبياء قليلا كان أو كثيرا (7) .
إذا كان هذا الزعم صحيحا فلماذا لم يخلق أحد شبيها به صلى الله عليه وسلم من قديم الزمن إذ قد تعرضت الأمة لفتن كثيرة ومصائب عظيمة وقد كانت الأمة وحدها هي التي تغالب تلك الأحداث ولم نسمع أن أحدا ادعى قبل القادياني أنه أرسل شبيها برسول الله صلى الله عليه وسلم لينقذ الأمة لأن الرسول نزل إلى الأرض فانزعج وأرسله!
ثم ما هو الإصلاح الذي جاء به هذا المهدي المزعوم والمسيح الموهوم؟ لقد رأينا من قبل أن كل ادعاءاته وكتاباته وأقواله وأفكاره لا تخرج عن أمرين دعوى النبوة والرسالة ثم إلغاء الجهاد الإسلامي فهل هذا هو الإصلاح الذي أرسل القادياني لأدائه اللهم إنه نعم إذا اعتبرنا المرسل هم الإنجليز فقد قدم لهم خدمة عظيمة ودعا المسلمين لطاعتهم والذلة لهم وأما ما عدا هذا فقد فرق المسلمين وشغلهم ببعضهم وأساء إلى غير المسلمين الذين اعتنقوا دينه بأن أضلهم وقادهم إلى سخط الله وعقابه.
ثم إن هذه الدعاوى ما الذي يمنع أن يدعيها أي شخص آخر منحرف ثم يتقدم بها إلى الناس ما دامت الدعاوى تقبل بغير برهان كما هي حال المتنبئ القادياني وإلا فأي برهان على صدق دعواه أو دعاواه تلك لا شيء إلا الشتم والسب والتكفير والخداع الكثير.
بل إن الأدلة الشرعية والعقلية كلها تنادي ببطلانها وضلالها يزيد في ضلالها تلك الطامة الكبرى التي تردى فيها ذلك المسكين أخيرا حيث تخيل نفسه أنه هو البارئ سبحانه وتعالى وأنه أخذ يعيد النظر في المخلوقات ويريد أن يستبدلها بمخلوقات جديدة كما يزعم فخلق سماوات جديدة وأراضين جديدة وخلق آدم من جديد يا لها من عقلية قد عبثت بها الشياطين وأردتها إلى ذلك المستوى المخجل الذي يأنف من نزوله كل من لديه مسكة من عقل أو رائحة من دين.
هذه العقلية هي التي زعمت أنها تتلقى الوحي من السماء وأن الله عز وجل قد اتصل بها لإصلاح العالم وتجديد أمر الدين.
ثالثا: أما أخلاقه بعد أن تعرض لاستنكار العلماء لدعواه تلك فقد كانت في درجة هابطة لا ينزلق إليها أقل الناس شأنا فما بالك بأدعياء الوحي واستمع إلى تلك الشتائم والاتهامات التي يقذف بها هذا النبي المزعوم من يدعي الاتصال بوحي السماء والتي لم نر واحدة منها في قصة الأنبياء كما يحدثنا عنها القرآن الكريم – وحاشاهم عن ذلك.
هذه هي الألفاظ التي استعملها مع خصومه:
خنزير .. حمر تشهق .. كرقص بغية . .كلب .. حمار ينهق .. ما نقَّ إلا كدجاجة .. رجال مخنثون.. فضلة النوكى...
يا لهذا الأدب النبوي القادياني لو عرضت هذه الألفاظ على محكمة شرعية لناله حد القذف.. ولكنه كان آمنا من حد الله لعدم وجود الخلافة الإسلامية التي تؤدب السفهاء وتقيم بينهم حدود الله. بل قد عرضت إحدى القضايا المتعلقة بذلك على إحدى المحاكم وأدين فيها بسوء الخلق لأنه استعمل فيها ألفاظا سيئة فأخذ عليه التعهد كما حدث عن ذلك بنفسه حيث قال: ( أنا عاهدت أمام نائب الحاكم بأني لا أستعمل بعد ذلك ألفاظا سيئة) (8) .
ومما ينضم إلى قاموس تلك الألفاظ القاديانية أنه كتب كلمة ( لعنة الله) ألف مرة في أربع صفحات في آخر (نور الحق) ثم جعلها على مخالفيه وأنها لمهزلة تزري بعقل صاحبها وبعقول أتباعه.
وإن هذا كله يهون مع موقفه من نبي الله عيسى عليه السلام واتهامه في نسبه وخلقه بأن أمهاته زانيات – أستغفر الله عز وجل وحاشاه من ذلك – وأنه هو كان كذلك وأنه خمار – وسيئ السيرة كذلك.
يقول في ذلك ( إن عيسى كان يميل إلى المومسات لأن جداته كن من المومسات) (9) .
ويقول كذلك ( إن عيسى ما استطاع أن يقول لنفسه أنه صالح لأن الناس كانوا يعرفون أن عيسى رجل خمار وسيئ السيرة) (10) .
أي خلق هذا الذي يتحلى به القادياني وأي عقل هذا الذي يسف في هذه الحماقات والسفاهات التي لا تليق بآحاد الناس بله أن يتقمصها رجل يدعي الاتصال بخبر السماء.
رابعا: إذا نظرنا إلى وحيه المزعوم فإننا نراه قد وصل إليه بعدة لغات العربية .. والإنجليزية.. والأردية .. والفارسية.. ولغة أخرى غير معروفة وقد جمع هذا كله في كتاب سماه أتباعه ( تذكرة) وفسروه بقولهم ( يعني وحي مقدس) تحت العنوان.
وقد خلط بين هذه اللغات المختلفة فترى الصفحة الواحدة مملوءة بعدة لغات..
أسطر منها بالأردو ثم جملة واحدة بالعربي ثم يعقبها لغة أخرى عدة أسطر .. وهكذا كل صفحة ولنأخذ صفحة من صفحات ذلك الكتاب مثلا : ص 32
سطران بغير العربي ثم جملة عربية هي ( أشكر نعمتي رأيت خديجتي) ثم ستة أسطر غير عربية ثم جملة فيها ( الحمد لله الذي جعل لكم الصهر والنسب) ثم بقية الأسطر غير عربية .. وهكذا بقية الصفحات.
ونحن هنا سنناقش ما ورد فيه من العبارات العربية: وهي مزيج من:
القرآن الكريم
والأحاديث النبوية
والشعر العربي
وكلام لا يدري ما هو.
فأما الآيات التي أخذها من القرآن فهي أكثر ما في ذلك الوحي المزعوم بعضها نقله كما هو نحو قوله هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا[ الإنسان: 1] (11) . وقوله فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا .[ مريم: 23] (12) وقوله أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ وقوله وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ , وقوله وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ (13) . ، إلى غير ذلك من الآيات.
أما تحريفه للآيات فكثيرة منها الآية المتقدمة التي في أم عيسى مريم عليها السلام طبقها على نفسه فقال (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) وقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس وافتخارا للمؤمنين) (14) . ، ويقول (إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بشفاء من مثله
وأما الأحاديث:
فمنها ما جاء به كما هو نحو قوله (( الله أكبر خربت خيبر)) فهذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر حيث قال (( الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) (15) .
ومنها ما حرفه وغير فيه نحو قوله ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكن من الصالحين الصديقين)
فهو حديث جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عدا الزيادة الأخيرة من قوله (وكن .. إلخ) (16) .
وأما الشعر:
فقوله ( طلع البدر علينا من ثنية الوداع) (17) فهو من مطلع قصيدة قالها الأنصار رضي الله عنهم عند مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وهي:
|
طلع
البدر علينا
|
من ثنيات
الوداع
|
|
|
وجب
الشكر علينا
|
ما دعا
لله داع (18)
|
وأما قوله ( عفت الديار محلها ومقامها ) وقوله ( إن المنايا لا تطيش سهامها) فهما بيتان من قصيدة لبيد بن ربيعة المشهورة وهي من المعلقات ومطلعها:
عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها (19) .
فقوله الأول هو شطر البيت من هذه القصيدة – الجاهلية – مع تغييره في اللفظ .. إذ في قوله (ومقامها وفي القصيدة (فمقامها ) وقوله الثاني هو شطر البيت التاسع والثلاثين من القصيدة الذي هو:
صادفن منها غرة فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها (20) .
والقادياني يروي هذا البيت مرة أخرى مع التحريف فيه فيقول (إن المنايا قد تطيش سهامها) (21) وهذا في غاية الحمق وسوء المعتقد إذ المنية وهي الموت لا تطيش عن أحد وهي بقدر الله عز وجل وقد كان لبيد في قصيدته الجاهلية خيرا منه إذ عرف أن المنية لا تطيش ولا تخطئ.
وأما الكلام الذي لا يدرى ما هو فما تقدم وهو ( إيلي إيلي لما سبقتني إيلي أوس ) فأي شيء هذا يا ترى؟ الله أعلم.
هذه هي مجموع ما أوحى به إلى القادياني خليط من كل شيء ويبدو أنه كان يتكلم بكل ما يأتي على لسانه ويدعي أنه وحي فما دام أن في عالم البشر من لا يفرق بين الرشد والغي والعقل والجنون فليقل ما شاء وليفعل ما أراد.
خامسا: أما عن تنبؤاته فالواقع أن علم الغيب لا يعلمه أحد من البشر ولا يخاطر بالتحدث عنه عاقل إلا من قبيل الحدس والظن أما الأنبياء الذين يتصلون بالله سبحانه وتعالى فإنهم يتحدثون عن ذلك وهم واثقون من تحقق ما يخبرون به ويقع موافقا لما أخبروا به لأنهم يتلقون ذلك من الله عز وجل الذي يعلم السر وأخفى.
ولكن القادياني الذي يزعم الاتصال بالله عز وجل وأنه يتلقى منه الوحي فقد اقتحم ذلك الميدان وخاطر بنفسه فيه وأخبر بوقوع تلك التي لم يتحقق منها شيء.
فقد تنبأ بموت ذلك الرجل النصراني فلم يمت فحاول أن يخدع الناس بأنه شرط الموت بعدم عودة النصراني إلى الحق ولكن النصراني تاب فلم تتحقق النبوءة فرد عليه النصراني بما فضحه وأظهر كذبه.
ثم تنبأ بزواجه من تلك المرأة وأن الذي يتزوجها غيره يموت فلم يتزوجها هو ولم يمت زوجها.
ثم تنبأ بأنه سيولد له ولد ذكر فولدت زوجته بنتا ولم تأت بولد.
ثم تنبأ كذلك بعدها بأنه يولد له ولد فكان خلاف ما ذكر.
ثم تنبأ أنه يتزوج نسوة أخريات ويولد أولاد فلم يتزوج بعد هذه النبوءة ولم يولد له.
وتنبأ أن ولده مبارك أحمد يكبر ويكون مصلحا وصاحب العظمة ولكن الله أخزاه فمات بعد ثمان سنوات (22) .
وهكذا.. وهكذا.. كلما تنبأ بنبوءة واحدة أكذبه الله فيها خلاف ما ذكر فأي نبوة هذه التي تتحدث باسم الله؟ إنها نبوءات شيطانية أوقعه فهيا غباؤه وبلادته وإلا لو كان عاقلا لما عرض نفسه إلى تلك المجازفات ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يفضحه للناس حتى لا يبقى لهم على الله عز وجل حجة إلا الذين ظلموا منهم.
وهذه التنبؤات التي وقعت له في حياته فلم تصدق لا يزال التاريخ القادياني يحفظها ويحاول تأويل بعضها خروجا من ذلك الحرج فهي شهادة واضحة بكذب صاحبهم ولكن الضلال إذا تمكن من إنسان أورده المهالك وأخفى عليه الحقائق واستمع إلى أحدهم وهو يبرر عدم وقوع أول نبوءة له ظنا منه أنه سيأتي من النبوءات الأخرى ما يمسح عن صاحبه عار تلك الحادثة يقول محمد على اللاهوري – أمير الفرع القادياني بلاهور – عن تلك النبوءة (هذا صحيح بأن إمامنا قال إن محمدي بيجوم تزوج له وصحيح أنها ما زوجت له ولكنه مع ذلك لا ينبغي أن يكذب الرجل لنبوءة واحدة وتترك النبوءات الأخرى التي تحققت ..) (23) . إنها مهزلة من ذلك الزعيم القادياني يبرر بها كذب نبوءة صاحبه .. إذا النبي الذي يخبر عن الله بأمور الغيب لا يمكن أن يكذب منها ولا مثقال ذرة لأنه لا يتكلم من عند نفسه فلا تكون المسألة كهانة إذا صدق أكثرها قبل منه ويعفى عن البعض الآخر لا .. لا .. إنها نبوة يتوقف عليها إيمان وكفر ووجود الشك في جزء منها يعرضها للطعن في الله عز وجل أو الطعن في ادعاء صاحبها وبهذا يكون القادياني إنسانا مفتريا يعتمد على المصادفات التي يقول أصحابها أكذب مائة كذبة لعله تصدق كذبة واحدة وهذا الجانب يكفي أن يكون دليلا على كذبه ودجله.
سادسا: لم تكن هذه العقيدة – أي اعتقاد نزول الوحي عليه هي عقيدة الغلام القادياني في أول أمره إذ كان يقول قبل ادعائه النبوة ( ولا يجوِّز القرآن أن يأتي نبي جديد أو قديم بعد خاتم النبيين فإن الرسول لا يتلقى علم الدين إلا بواسطة جبريل وأن باب نزول جبريل بسلسلة وحي الرسالة مقفل ومن الممتنع أن يأتي الرسول بدون أن تكون سلسلة وحي الرسالة باقية) (24) .
ويقول ( من سوء الأدب والوقاحة والجسارة غير المحمودة أن يترك أحد نصوص القرآن الصريحة ويتبع الأفكار الركيكة ويعتقد أنه سيأتي نبي بعد خاتم النبيين وأن يبدأ سلسلة وحي النبوة بعد انقطاع وحي النبوة) (25) .
ويقول ( فإن جوزنا ظهور نبي آخر بعد نبينا صلى الله عليه وسلم فقد جوزنا انفتاح باب النبوة بعد انغلاقه وهو غير صحيح كما هو ظاهر للمسلمين وكيف يأتي نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم وقد انقطع الوحي بعد وفاته وختم الله الأنبياء على نبوته) (26) .
ثم نراه فيما بعد يقول ( وقالوا لست مرسلا بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فسوف يعلمون.. وما كنت متفردا في هذا بل ما أتى الناس من رسول إلا كانوا به يستهزئون وهلم جرا إلى ما تشاهدون)..
فما الذي طرأ على القادياني بعد حتى ادعى ما يخالف اعتقاده السابق؟ يبدو أن باب الوحي الإنجليزي هو الذي انفتح عليه مؤخرا وذلك ما يصوره لنا هو بنفسه حيث يقول ( أني رأيت ملكا في صورة شاب انجليزي ما تجاوز عمره من عشرين سنة وهو جالس على كرسي وأمه منضدة فقلت له إنك جميل جدا فقال أي نعم) (27) .
ومن إلهاماته بالإنجليزية ما يلي:
I love you - يعني أنا أحبك
I am with you – أنا معك
I shall help you – أنا أساعدك
ويذكر أنه ارتجف جسمه ثم ألهم في الإنجليزية هذه العبارة:
I can what l will do (28) .
أي أنا أستطيع أن أفعل ما أريد – ثم قال ففهمت التلفظ واللهجة كأنه إنكليزي يتكلم عند رأسي.. (29) .
نعم إنه إنجليزي وليس شبيها به.. ويبدو أن هذا الإنجليزي ماهر في طريقة الإيحاء.. وهذا لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون هذا الإنجليزي قد استعمل معه طريقة التنويم المغناطيسي أو الإيحاء النفسي وأما أن يكون قد أوحى إليه شفويا من غير أي تأثير آخر..
إذ (ملك ) على صورة إنجليزي وعلى كرسي ومنضدة هذا مكتب إرسال الوحي البشري لا الإيحاء الرباني ثم يقول له أنت جميل جدا فيجيب أي نعم أهذا موقف وحي تهتز له الأعضاء أم موقف تغزل وتظرف؟! .
إنها مهزلة عاشها ذلك المسكين وإنني لا أستبعد أن يكون الإنجليز قد استخدموا معه التنويم المغناطيسي وأوهموه أن ذلك من وحي السماء وهو يصدقهم عندما يرى نفسه في غيبوبة ويسمع الأصوات الإنجليزية وهو في أحد مكاتب الإدارات الإنجليزية فيزيده ذلك إيهاما على إيهامه ويظن أنه وحي من السماء بلغة انجليزية.
لعل المستقبل يكشف عن ذلك في مذكرات الإنجليز وهو في الهند ولكن القادياني يعترف في مواطن كثيرة أن هذه الدعوة من غرس الإنجليز حيث ذكر في عريضة قدمها لأحد أمراء يخاطبهم فيها عن دعوته وجماعته ثم يقول ( ما غرسها إلا أنتم)
هذه شهادته بنفسه ويؤيدها عشرات الرسائل والاعترافات التي سجلها هو في كثير من كتبه وسنرى طرفا منها فيما يأتي – إن شاء الله.
سابعا وأخيرا: فإن عمالته لبريطانيا تبدو في مواضع كثيرة من كتاباته وفي أكثر من خطاب بعثه إلى الحكومة الإنجليزية ومنها خطابه الآتي الذي يقول فيه:
(ولا يخفى على هذه الدولة المباركة أنَّا من خدامها ونصحائها ودواعي خيرها من قديم وجئناها في كل وقت بقلب صميم وكان لأبي عندها زلفى وخطاب التحسين ولنا لدى هذه الدولة أيدي الخدمة ولا نظن أن تنسها في حين – وكان والدي الميرزا غلام مرتضى بن ميرزا عطا محمد القادياني من نصحاء الدولة وذوي الخلة وعندها عن أرباب القربت .. بل ثبت إخلاصنا في أعين الناس كلهم وانكشف على الحاكمين.
وتعلم الدولة أن أبي كيف أمدها في حين محاربات مشتدة الهبوب وفتن مشتطة اللهوب وأنه أعطا الدولة خمسين خيلا مع الفوارس مددا منه في أيام المفسدة وسبق السابقين في إمدادات المال..) ثم استرسل بذكر أبيه وكذلك أخيه بعد موت أبيه إلى أن قال ( ثم بعد وفاتهما قفوت أثرهما واقتديت سيرهما) – وذكر عصرهما – ثم اعتذر عن وجود المال الذي يقدمه مساعدة لها على غرار سلفه وأنه سخر لخدمتها قلمه يقول : ( فقمت لإمدادها بقلمي ويدي).
ثم قال ( فانظروا يا أولي الأبصار لم فعلت هذه الأفعال ولم أرسلت هذه الكتب التي فيها منع شديد من الجهاد لهذه الدولة في ديار العرب وغيرها من البلاد) (30).
أي رجل شريف هذا الذي يفخر بخدمته لأناس هم أعداء الله ورسوله ثم هم ظالمون مغتصبون جاؤوا من بريطانيا واقتحموا بلاد الهند فأذلوا أهلها وتسلطوا على خيراتها وأرزاقها ثم يفخر هذا المتنبئ أنه ابن أسرة خادمة لهؤلاء الكفار الظلمة و الله عز وجل يقول وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود: 113] فهذا الركون فما بال المساعدة والمعاونة أن هذا الظلم الصارخ الذي أزعج المواطنين فلم يهنوا ولم يذعنوا بل قاوموه بكل طاقاتهم وشهروا السلاح في وجوه الغاصبين يطالبونهم بالجلاء إن هذا الظلم الذي ينكره أقل البشر لم يهز المتنبئ القادياني بل لا يرى أنه ظلم فأي نبوة هذه التي تبارك الظلم وتمجد الظالمين وتعينهم على ظلمهم ولكن إذا عرف السبب بطل العجب إن السبب في ذلك المسخ في عقل القادياني أنه (غرسة من غراسهم) غرسوها وغذوها بغذاء الظلم وأموال الظالمين فلا غرابة إذن..
وإلا فإننا نرى الإحساس بالظلم والثورة في وجهه حتى من الحيوانات التي لا تعقل ولا تفكر فبمجرد أن يعتدي حيوان آخر على مسكنه أو أولاده أو رزقه فإنه يحول بينه وبين ذلك و تحدث بينهم الصراعات والمعارك لا لشيء إلا للإحساس بالظلم فإذا ما فقد هذا الإحساس في إنسان من الناس فإنه يفقد إنسانيته بل وينحدر إلى أدنى درجات المخلوقات بله أن يكون متصلا برب الأرض والسموات.
هذه هي القاديانية على ضوء مصادرها هي وعلى ضوء ما كتبه عنها علماء الأمة لم نجد فهيا ما يستحق المدح والثناء لا في حياة منشئها ولا في محتويات أصولها ومبادئها إلا ذلك الخلط والسفه والتناقض والتهافت..
دعاوى باطلة..
وعقائد فاسدة..
وهذيان مخلوط من كل شيء..
ونبوءات كاذبه..
وعمالة واضحة..
وكل جانب فيها ينادي بكذبها ودجلها.
المطلب الثاني: الرد على القاديانية فيما يتعلق بالمهدي
والمسيح
ورد في السنة النبوية عدة أحاديث تؤكد ظهور المهدي في آخر الزمان
منها ما رواه أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال رسول الله، صلى الله عليه
وسلم: ((أبشركم المهدي في أمتي
على اختلاف من الناس، وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً،
يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم الأرض صحاحاً. فقال رجل: وما صحاحاً؟ قال:
بالسوية بين الناس. قال ويملآ الله قلوب أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، غنىً
ويسعهم عدله حتى يأمر منادياً فينادي فيقول: من له في مال حاجة فما يقوم من
الناس إلا رجل واحد فيقول: ائت السدَّان - وفي رواية السادن - أي الخازن -
فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً فيقول له: احث حتى إذا جعله في حجره
وأبرزه ندم. فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً؟ أوعجز عني ما وسعهم؟ قال: فيرده فلا
يقبل منه فيقال: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين ثم
لا خير في العيش بعده أو قال: ثم لا خير في الحياة بعده)) (1) .
وقد جاء في صحيح مسلم أقر فيه إشارة إلى المهدي دون ذكر اسم المهدي، فعن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده)) (2) .
وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ((يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)). وقال أبو هريرة، رضي الله عنه: ((لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يلي)) (3) .
إن أحاديث ظهور المهدي في آخر الزمان كثيرة، وصحيح أن في بعض هذه الأحاديث ضعف في إسنادها إلا أن كثرة رواياتها مما يقوي بعضها بعضاً، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضاً، ويشد بعضها بعضاً، فهذه أقوال أهل السنة" (4) .
ويقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: "إن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى المهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وإن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته" (5) .
وقال العلامة السفاريني في كتابه (لوامع الأنوار البهية) : "والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى عليه السلام، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عُدَّ من معتقداتهم .. .. فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة" (6) .
هكذا ورد في نزول عيسى في آخر الزمان عدة أحاديث صحيحة بلغت حد التواتر، حيث سينزل عيسى، عليه السلام، لقتل الدجال ولإحياء ما درس من شريعة الإسلام.
ومن هنا نفهم أن مسألة نزوله لا يعني أبداً أنه سيأتي بشريعة جديدة، بل سيعمل ويحكم بشريعة الإسلام، ذلك أن رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم، هي خاتمة الشرائع، ونبوته هي النبوة الخاتمة، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، رضي الله عنه – وأشرنا إليه – قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)) (7)
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم يقول: ((ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى ابن مريم، صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)) (8) .
فمسألة نزول عيسى، عليه السلام، وقتله الدجال والخنزير، وحكمه بشريعة الإسلام من المسائل المقررة التي يعتقدها جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة، وإن قول عيسى، عليه السلام، في الحديث الذي رواه مسلم حين طلب منه أن يصلي إماماً تأكيداً لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((لا نبي بعدي)) (9) . ومعنى ذلك أيضاً أن نبي الله عيسى، عليه السلام، سينزل حاكماً بشريعة الإسلام، ويُحيي تعاليم الإسلام التي اندرست وغابت عن حياة الناس.
والأمر العجيب حقاً ما يدعيه القاديانيون حيث يدَّعون أن المقصود بالمسيح الموعود في الأحاديث النبوية الشريعة ليس عيسى ابن مريم، عليه السلام، لأنه مات، وإنما المقصود هو مثيل المسيح، يعني مسيح مثل ابن مريم، ويعنون بذلك مسيحهم المزعوم مرزا غلام أحمد، ويقولون: طالما أن المسيح كان نبياً، فلا ينافي مجيئه مع ختم النبوة.
والحقيقة .. .. إن الأحاديث النبوية الشريفة تبين لنا تعسف القاديانية في تأويلها تأويلاً خاطئاً لصالح زعمهم بأن غلام أحمد هو المسيح ابن الموعود، والأحاديث في نزول عيسى ابن مريم كثيرة كما ذكرنا.
فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم)) (10) .
والحديث ينص على أن النازل هو عيسى ابن مريم لا مثيله كما يدعي القاديانيون، ويشير أيضاً إلى أن عيسى، عليه السلام، يُصلي خلف إمام المسلمين، يوم ذاك، فهو لا يؤم في الصلاة، لأنه لن يأتي بشريعة جديدة وإنما يتبع شريعة خاتم الأنبياء، صلى الله عليه وسلم، لأنه لا نبوة بعده صلى الله عليه وسلم.
وعن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((.. .. فينزل عيسى ابن مريم ، صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعالى فصلِّ فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)) (11) .
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه: أن النبي، صلى الله عليه وسلم،قال: ((ليس بيني وبينه نبي يقصد عيسى ابن مريم وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، بين مصرتين كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون)) (12) .
وعن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ((.. .. فإذا هم بعيسى ابن مريم، عليه السلام، فتقام الصلاة فيقال له: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، فإذا صلى صلاة الصبح خرجوا إليه، فحين يرى الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه فيقتله حتى إن الشجر والحجر ينادي يا روح الله: هذا اليهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحداً إلا قتله)) (13) .
وعن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في قصة الدجال: ((.. فينزل عيسى، عليه السلام، فيقتله، ثم يمكث عيسى، عليه السلام في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاًُ وحكماً مقسطاً)) (14) .
وهذه الأحاديث وغيرها تدلنا على أن الذي ينزل هو عيسى ابن مريم، وليس غيره ولا مثيله.
وحين نزول عيسى، عليه السلام، لا ينزل عليه الوحي، ولا يأتي بشريعة جديدة، وإنما سيكون متبعاً لشريعة محمد، صلى الله عليه وسلم، والغرض من نزوله هو القضاء على فتنة الدجال لا الإتيان بنبوة جديدة ورسالة أخرى..... ويقول الإمام النووي في شرح مسلم: "ينزل عيسى ابن مريم حكماً أي حاكماً بهذه الشريعة، ولا ينزل برسالة مستقلة وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة" (15) .
ويقول صاحب تفسير الخازن: ".. فإن قلت قد صح أن عيسى، عليه السلام، ممن نُبئ قبله، وحين ينزل في آخر الزمان، ينزل عاملاً بشريعة محمد، صلى الله عليه وسلم ومصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته" (16) .
فالذي ينزل سينزل في آخر الزمان عيسى ابن مريم، عليه السلام، وليس ميرزا غلام أحمد كما يزعم ويفتري. (19)
الرد التفصيلي:
جاء في الرسالة (17) ص1: ( إن سنة الله العامة الشاملة لجميع بني آدم أن يعيشوا في الأرض، فكيف خرج عيسى بن مريم من هذه السنة المستمرة كما يزعم البعض ).
والجواب: إن الذي شاء هذه السنة وأوجدها قادرٌ على أن يستثنى منها من شاء، ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
وهل بقاء عيسى عليه السلام حيا في السماء بأعجب من ولادته من أم بلا أب؟ أليس في هذا مخالفة للسنة الكونية كما تزعمون؟ وكل جواب تجيبون به على هذا الإيراد هو جوابنا عليكم في قولكم .
جاء في الرسالة ص1 - 2 : الاستدلال بقوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران:144] على أن جميع الأنبياء قد توفوا؛ باعتبار أن معنى (خلا): مات، وأن أبا بكر رضي الله عنه استدل بهذه الآية على موت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن جميع الأنبياء قبله قد ماتوا , وأجمع الصحابة على موته وعلى موت جميع الأنبياء قبله .
والجواب: لو سُلِّم بأن معنى (خلا) في الآية : مات، فقد دلت الأدلة على تخصيص عيسى عليه السلام من هذا الحكم، بمعنى أنهم قد ماتوا إلا عيسى عليه السلام، والتخصيص بدليل منفصل مقبول عند أهل العلم، خاصة وأن كلمة الرسل في هذا السياق ليست نصاً في العموم، هذا إن كانوا يفهمون معنى العموم أو التخصيص.
ثم من نقل إجماع الصحابة على موت جميع الأنبياء بمن فيهم عيسى عليه السلام؟ وهل هذا إلا محض الافتراء والكذب؟
جاء في الرسالة ص1: ( وأما القول بأن عيسى بن مريم عليه السلام رُفع إلى السماء حياً، وجلس عن يمين الله، وسينزل من السماء بجسده المادي في آخر الزمان مع الملائكة بكل قوة ويغلب الناس فهو في الحقيقة تصور باطل مأخوذ من عقيدة النصارى وليس بثابت من القرآن الكريم) .
والجواب: إن القول برفع عيسى عليه السلام حيا ونزوله من السماء بجسده في آخر الزمان حقٌ نطق به القرآن والسنة، وسيأتي بيان ذلك فيما يأتي إن شاء الله .
وأما قولهم: وجلس عن يمين الله ... إلخ فهذا ليس من قول المسلمين، فلا يلزمون به .
جاء في الرسالة ص1 : ( ولقد أبطل الله هذه العقيدة في قوله عز وجل: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ [ يــس:31] أي الموتى لا يرجعون إلى هذه الدنيا أبدا، فكيف يرجع عيسى بن مريم خلافا لما قال الله؟).
والجواب: أولا: إن هذه الآية تخاطب الكفار بالاتعاظ بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل كيف لم يكن لهم إلى الدنيا كرة ولا رجعة، هذا معنى الآية.
ثانيا: الآية تتحدث عن الموتى، والمسلمون يقولون إن عيسى عليه السلام حي لم يمت، فالدليل ليس في محل النزاع؛ فسقط الاستدلال.
ثالثا: أن الله تعالى إذا شاء إرجاع من مات إلى الحياة مرة أخرى فإنه يكون، ولا يعجزه شيء سبحانه.
ألم يسمع هؤلاء ما أخبر الله به في كتابه من إحياء عيسى عليه السلام الموتى بإذن الله وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ [آل عمران:49] بل أعظم من ذلك أنه كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ أو أنهم لا يؤمنون بذلك؟
وفي قصة البقرة في سورة البقرة: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ البقرة:73] ، وقصة إبراهيم عليه السلام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة:260] ، وغير ذلك كثير .
وهذا الجواب على سبيل التنزل في الجدال، وإلا فعيسى عليه السلام لم يمت كما تقرر آنفا .
جاء في الرسالة (ص1) : ( لو كان من الممكن رجوع نبي من الأنبياء إلى هذه الدنيا لكان نبينا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم أولى وأجدر بأن يرسل مرة ثانية؛ لكماله وفضائله وتفوقه على سائر الأنبياء عليهم السلام ).
والجواب:
وقد جاء في صحيح مسلم أقر فيه إشارة إلى المهدي دون ذكر اسم المهدي، فعن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده)) (2) .
وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ((يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)). وقال أبو هريرة، رضي الله عنه: ((لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يلي)) (3) .
إن أحاديث ظهور المهدي في آخر الزمان كثيرة، وصحيح أن في بعض هذه الأحاديث ضعف في إسنادها إلا أن كثرة رواياتها مما يقوي بعضها بعضاً، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضاً، ويشد بعضها بعضاً، فهذه أقوال أهل السنة" (4) .
ويقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: "إن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى المهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وإن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته" (5) .
وقال العلامة السفاريني في كتابه (لوامع الأنوار البهية) : "والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى عليه السلام، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عُدَّ من معتقداتهم .. .. فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة" (6) .
هكذا ورد في نزول عيسى في آخر الزمان عدة أحاديث صحيحة بلغت حد التواتر، حيث سينزل عيسى، عليه السلام، لقتل الدجال ولإحياء ما درس من شريعة الإسلام.
ومن هنا نفهم أن مسألة نزوله لا يعني أبداً أنه سيأتي بشريعة جديدة، بل سيعمل ويحكم بشريعة الإسلام، ذلك أن رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم، هي خاتمة الشرائع، ونبوته هي النبوة الخاتمة، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، رضي الله عنه – وأشرنا إليه – قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)) (7)
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم يقول: ((ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى ابن مريم، صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)) (8) .
فمسألة نزول عيسى، عليه السلام، وقتله الدجال والخنزير، وحكمه بشريعة الإسلام من المسائل المقررة التي يعتقدها جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة، وإن قول عيسى، عليه السلام، في الحديث الذي رواه مسلم حين طلب منه أن يصلي إماماً تأكيداً لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((لا نبي بعدي)) (9) . ومعنى ذلك أيضاً أن نبي الله عيسى، عليه السلام، سينزل حاكماً بشريعة الإسلام، ويُحيي تعاليم الإسلام التي اندرست وغابت عن حياة الناس.
والأمر العجيب حقاً ما يدعيه القاديانيون حيث يدَّعون أن المقصود بالمسيح الموعود في الأحاديث النبوية الشريعة ليس عيسى ابن مريم، عليه السلام، لأنه مات، وإنما المقصود هو مثيل المسيح، يعني مسيح مثل ابن مريم، ويعنون بذلك مسيحهم المزعوم مرزا غلام أحمد، ويقولون: طالما أن المسيح كان نبياً، فلا ينافي مجيئه مع ختم النبوة.
والحقيقة .. .. إن الأحاديث النبوية الشريفة تبين لنا تعسف القاديانية في تأويلها تأويلاً خاطئاً لصالح زعمهم بأن غلام أحمد هو المسيح ابن الموعود، والأحاديث في نزول عيسى ابن مريم كثيرة كما ذكرنا.
فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم)) (10) .
والحديث ينص على أن النازل هو عيسى ابن مريم لا مثيله كما يدعي القاديانيون، ويشير أيضاً إلى أن عيسى، عليه السلام، يُصلي خلف إمام المسلمين، يوم ذاك، فهو لا يؤم في الصلاة، لأنه لن يأتي بشريعة جديدة وإنما يتبع شريعة خاتم الأنبياء، صلى الله عليه وسلم، لأنه لا نبوة بعده صلى الله عليه وسلم.
وعن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((.. .. فينزل عيسى ابن مريم ، صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعالى فصلِّ فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)) (11) .
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه: أن النبي، صلى الله عليه وسلم،قال: ((ليس بيني وبينه نبي يقصد عيسى ابن مريم وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، بين مصرتين كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون)) (12) .
وعن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ((.. .. فإذا هم بعيسى ابن مريم، عليه السلام، فتقام الصلاة فيقال له: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، فإذا صلى صلاة الصبح خرجوا إليه، فحين يرى الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه فيقتله حتى إن الشجر والحجر ينادي يا روح الله: هذا اليهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحداً إلا قتله)) (13) .
وعن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في قصة الدجال: ((.. فينزل عيسى، عليه السلام، فيقتله، ثم يمكث عيسى، عليه السلام في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاًُ وحكماً مقسطاً)) (14) .
وهذه الأحاديث وغيرها تدلنا على أن الذي ينزل هو عيسى ابن مريم، وليس غيره ولا مثيله.
وحين نزول عيسى، عليه السلام، لا ينزل عليه الوحي، ولا يأتي بشريعة جديدة، وإنما سيكون متبعاً لشريعة محمد، صلى الله عليه وسلم، والغرض من نزوله هو القضاء على فتنة الدجال لا الإتيان بنبوة جديدة ورسالة أخرى..... ويقول الإمام النووي في شرح مسلم: "ينزل عيسى ابن مريم حكماً أي حاكماً بهذه الشريعة، ولا ينزل برسالة مستقلة وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة" (15) .
ويقول صاحب تفسير الخازن: ".. فإن قلت قد صح أن عيسى، عليه السلام، ممن نُبئ قبله، وحين ينزل في آخر الزمان، ينزل عاملاً بشريعة محمد، صلى الله عليه وسلم ومصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته" (16) .
فالذي ينزل سينزل في آخر الزمان عيسى ابن مريم، عليه السلام، وليس ميرزا غلام أحمد كما يزعم ويفتري. (19)
الرد التفصيلي:
جاء في الرسالة (17) ص1: ( إن سنة الله العامة الشاملة لجميع بني آدم أن يعيشوا في الأرض، فكيف خرج عيسى بن مريم من هذه السنة المستمرة كما يزعم البعض ).
والجواب: إن الذي شاء هذه السنة وأوجدها قادرٌ على أن يستثنى منها من شاء، ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
وهل بقاء عيسى عليه السلام حيا في السماء بأعجب من ولادته من أم بلا أب؟ أليس في هذا مخالفة للسنة الكونية كما تزعمون؟ وكل جواب تجيبون به على هذا الإيراد هو جوابنا عليكم في قولكم .
جاء في الرسالة ص1 - 2 : الاستدلال بقوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران:144] على أن جميع الأنبياء قد توفوا؛ باعتبار أن معنى (خلا): مات، وأن أبا بكر رضي الله عنه استدل بهذه الآية على موت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن جميع الأنبياء قبله قد ماتوا , وأجمع الصحابة على موته وعلى موت جميع الأنبياء قبله .
والجواب: لو سُلِّم بأن معنى (خلا) في الآية : مات، فقد دلت الأدلة على تخصيص عيسى عليه السلام من هذا الحكم، بمعنى أنهم قد ماتوا إلا عيسى عليه السلام، والتخصيص بدليل منفصل مقبول عند أهل العلم، خاصة وأن كلمة الرسل في هذا السياق ليست نصاً في العموم، هذا إن كانوا يفهمون معنى العموم أو التخصيص.
ثم من نقل إجماع الصحابة على موت جميع الأنبياء بمن فيهم عيسى عليه السلام؟ وهل هذا إلا محض الافتراء والكذب؟
جاء في الرسالة ص1: ( وأما القول بأن عيسى بن مريم عليه السلام رُفع إلى السماء حياً، وجلس عن يمين الله، وسينزل من السماء بجسده المادي في آخر الزمان مع الملائكة بكل قوة ويغلب الناس فهو في الحقيقة تصور باطل مأخوذ من عقيدة النصارى وليس بثابت من القرآن الكريم) .
والجواب: إن القول برفع عيسى عليه السلام حيا ونزوله من السماء بجسده في آخر الزمان حقٌ نطق به القرآن والسنة، وسيأتي بيان ذلك فيما يأتي إن شاء الله .
وأما قولهم: وجلس عن يمين الله ... إلخ فهذا ليس من قول المسلمين، فلا يلزمون به .
جاء في الرسالة ص1 : ( ولقد أبطل الله هذه العقيدة في قوله عز وجل: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ [ يــس:31] أي الموتى لا يرجعون إلى هذه الدنيا أبدا، فكيف يرجع عيسى بن مريم خلافا لما قال الله؟).
والجواب: أولا: إن هذه الآية تخاطب الكفار بالاتعاظ بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل كيف لم يكن لهم إلى الدنيا كرة ولا رجعة، هذا معنى الآية.
ثانيا: الآية تتحدث عن الموتى، والمسلمون يقولون إن عيسى عليه السلام حي لم يمت، فالدليل ليس في محل النزاع؛ فسقط الاستدلال.
ثالثا: أن الله تعالى إذا شاء إرجاع من مات إلى الحياة مرة أخرى فإنه يكون، ولا يعجزه شيء سبحانه.
ألم يسمع هؤلاء ما أخبر الله به في كتابه من إحياء عيسى عليه السلام الموتى بإذن الله وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ [آل عمران:49] بل أعظم من ذلك أنه كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ أو أنهم لا يؤمنون بذلك؟
وفي قصة البقرة في سورة البقرة: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ البقرة:73] ، وقصة إبراهيم عليه السلام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة:260] ، وغير ذلك كثير .
وهذا الجواب على سبيل التنزل في الجدال، وإلا فعيسى عليه السلام لم يمت كما تقرر آنفا .
جاء في الرسالة (ص1) : ( لو كان من الممكن رجوع نبي من الأنبياء إلى هذه الدنيا لكان نبينا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم أولى وأجدر بأن يرسل مرة ثانية؛ لكماله وفضائله وتفوقه على سائر الأنبياء عليهم السلام ).
والجواب:
أولا: هذه الشبهة مغالطة
مكشوفة؛ لأن الكلام ليس في رجوع نبي بعد موته، وإنما في نزوله وهو حي إلى الأرض؛
فسقطت الشبهة من أصلها.
ثانيا: لا يلزم من أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء أن يثبت له جميع ما يقع لإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدلائل والبراهين – التي تسمى: المعجزات - وإلا فطرد كلامهم يلزم منه عدم صحة ما جاء في القرآن من أن عيسى عليه السلام كان يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله؛ لأن ذلك لم يقع لنبينا عليه الصلاة والسلام، ومثل ذلك يقال عن عصا موسى عليه السلام وغيرها من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكل جواب لهم على هذا الإيراد هو جوابنا عليهم في شبهتهم .
ثالثا:
ثانيا: لا يلزم من أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء أن يثبت له جميع ما يقع لإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدلائل والبراهين – التي تسمى: المعجزات - وإلا فطرد كلامهم يلزم منه عدم صحة ما جاء في القرآن من أن عيسى عليه السلام كان يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله؛ لأن ذلك لم يقع لنبينا عليه الصلاة والسلام، ومثل ذلك يقال عن عصا موسى عليه السلام وغيرها من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكل جواب لهم على هذا الإيراد هو جوابنا عليهم في شبهتهم .
ثالثا:
أن فيما قدره الله سبحانه من رفع عيسى حيا ثم نزوله في آخر الزمان
حكما عظيمة، منها: الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه عليه الصلاة والسلام، وأنه
هو الذي يقتلهم ويقتل الدجال معهم .
جاء في الرسالة ص2 إيراد شبهة لإنكار رفع عيسى عليه السلام، وهي قولهم: ( لقد رُفع عيسى بنفس الطريقة التي رُفع بها الأنبياء الآخرون، فقد قال الله عز وجل في شأن إدريس عليه السلام : وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [ مريم:57] ، ونفس المعنى لرفع عيسى عليه السلام في الآية الكريمة: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران:55] ، فليس هنالك ذكر للفظ السماء، وكل ما تدل عليه هذه العبارة أن الله سوف يفشل خطة اليهود بقتل عيسى عليه السلام على الصليب ليثبتوا أنه - والعياذ بالله – ملعون من الله، وسوف يرفع درجته ويجعله من المقربين، ورفعت روحه كما رفعت أرواح الأنبياء الآخرين ) .
والجواب:
جاء في الرسالة ص2 إيراد شبهة لإنكار رفع عيسى عليه السلام، وهي قولهم: ( لقد رُفع عيسى بنفس الطريقة التي رُفع بها الأنبياء الآخرون، فقد قال الله عز وجل في شأن إدريس عليه السلام : وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [ مريم:57] ، ونفس المعنى لرفع عيسى عليه السلام في الآية الكريمة: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران:55] ، فليس هنالك ذكر للفظ السماء، وكل ما تدل عليه هذه العبارة أن الله سوف يفشل خطة اليهود بقتل عيسى عليه السلام على الصليب ليثبتوا أنه - والعياذ بالله – ملعون من الله، وسوف يرفع درجته ويجعله من المقربين، ورفعت روحه كما رفعت أرواح الأنبياء الآخرين ) .
والجواب:
أولا :
أن لأهل العلم بالتفسير أقوالا عدة في تفسير قوله تعالى عن
إدريس: وَرَفَعْنَاهُ
مَكَانًا عَلِيًّا [ مريم:57] ، فمن أهل العلم من قال: إن الله عز وجل رفعه حيا إلى السماء
ومات بها، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من السلف، فعلى هذا تكون الآية
دليلا عليهم لا لهم.
وقيل: المقصود رفعه في الجنة، والجنة – ولا شك – سيدخلها بجسده وروحه، وذكر الفعل الماضي لا يشكل على هذا؛ إذ هو من باب تأكيد الوقوع، كقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [ الزمر:73] ، وقوله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزخرف:72] .
وعلى هذا فلا يستقيم الاستدلال .
ثانيا:
وقيل: المقصود رفعه في الجنة، والجنة – ولا شك – سيدخلها بجسده وروحه، وذكر الفعل الماضي لا يشكل على هذا؛ إذ هو من باب تأكيد الوقوع، كقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [ الزمر:73] ، وقوله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزخرف:72] .
وعلى هذا فلا يستقيم الاستدلال .
ثانيا:
لو سُلِّم بأن المراد من
الآية رفع الدرجات والمنزلة في حق إدريس عليه السلام فلا يلزم أن يكون ذلك مدلول
الآيات الواردة في عيسى عليه السلام؛ لأنها صريحة في رفع الجسد والروح معا، لما
يأتي:
أن الله تعالى قيد هذا الرفع بأنه إليه حيث قال: وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران:55] ، وقال: بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ [ النساء:158] ، ومن المتقرر في الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أن الله تعالى في العلو، فيكون رفعه عليه السلام إلى السماء، بخلاف الرفع في حق إدريس عليه السلام فإنه مطلق: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [ مريم:57] ، ويدرك الفرق بين الأسلوبين كل من شم للغة العربية رائحة.
أنه لو سُلِّم بأن الآية تحتمل معنى رفع المنزلة والمكانة؛ فإن الأحاديث الواردة في هذا الموضوع صريحة المعنى وقاطعة الدلالة على أن الرفع كان للروح والجسد معا، وكذا النزول آخر الزمان.
ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير)) البخاري 4/134 ومسلم 1/135 .
وفي (صحيح مسلم) 4/2253 أنه عليه الصلاة والسلام قال: (( ... إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين " أي ثوبين مصبوغين " واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونَفَسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه " أي يطلب الدجال " حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة )).
والأحاديث في هذا بالعشرات، فهل يُقال بعد ذلك إن هذا الرفع كان للروح فقط؟
ولو كان المقصود برفع عيسى رفع روحه كما جاء في الرسالة فما هي الميزة لعيسى عليه السلام؟ إذ سائر المؤمنين إذا قُبضت أرواحهم عُرج بها إلا السماء !
ج - أن قوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [ النساء:157] دليل واضح كالشمس على ما تقرر آنفا مما يؤمن به المؤمنون قاطبة؛ فقوله تعالى: بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ [ النساء:158] يدل على أن رفعه كان للبدن والروح ؛ إذ لو أريد موته لقيل: وما قتلوه وما صلبوه بل مات، وهذا واضح تمام الوضوح لمن تأمل، وكان ذا بصيرة وحسن قصد .
جاء في الرسالة ص2: ( كما أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه ليلة المعراج في الموتى مع يحيى عليه السلام ).
والجواب: كون النبي صلى الله عليه وسلم رآه في السماء مع يحيى على أي شيء يدل؟
وما المانع أن يكون حيا بجسده وروحه في السماء وسائر الأنبياء بأرواحهم؟ وهل تقاس هذه الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة؟
إن على المؤمن الذي آمن بالله ربا وبالنبي صلى الله عليه وسلم نبيا وبالإسلام دينا أن يؤمن ويُسلِّم بكل ما جاء في الوحي الشريف دون الدخول بعقله فيما لا يدرك.
وإلا فيلزم القاديانيين أن يكذبوا بالمعراج من أصله؛ إذ كيف عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وسلّم على الأنبياء وخاطبهم وهو حي وهم أموات؟ فكما يقولون في هذا فليقولوا في ذاك .
جاء في الرسالة ص2: ذكر ما حصل في واقعة الصلب، وخلاصة ما ذُكر: أن عيسى عليه السلام لم يُرفع حيا، ولم يُلق شبهه على أحد، وإنما عُلق على الصليب بضع ساعات، ولما أُنزل كان في حالة إغماء شديد حتى خُيل إليهم أنه قد مات، ثم بعد واقعة الصلب هاجر من فلسطين إلى البلاد الشرقية: العراق وإيران وأفغانستان وكشمير والهند، وعاش عشرين ومائة سنة.
هكذا ذكرت الرسالة ! وكأن كاتب هذه القصة قد حضرها، أو بُعث إليه من قبره من حضرها ففصَّل له خبرها !
ولا يخفى على العقلاء أن الدعاوى أمرها سهل، وأن كلا يستطيع أن يدعي ما يشاء، لكن الشأن في ثبوت هذه الدعوى بدليل مقنع، وإلا فإنه لا قيمة لها عند من يحترم عقله.
وهذه القصة المزعومة، وتلك التفاصيل التي أوردوها ليس من طريق للعلم بها إلا الوحي .
وإنني أدعوا القاديانيين جميعا أن يبحثوا في كتب السنة جميعها عشر سنين، وإن شاؤوا معها أخرى وثالثة ورابعة حتى يأتوا بنص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من أصحابه يسرد القصة مثل سردهم.
وإن كان خيرا لهم وأقوم أن يعودوا إلى جادة الحق والرشد، ويعلموا أنه لن ينجيهم من عذاب الله إلا صدق الإيمان وصحة الاتباع، والبراءة من هذا الدين المعوج الساقط، الذي تمجه العقول وتأباه الفِطر، والله الهادي.
جاء في الرسالة ص3 - 4: ( واعلموا أن القرآن المجيد لا يسمح لأحد أن يصعد إلى السماء بجسده ثم ينزل منها، ألا تعلمون أن الكفار طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرقى في السماء وينزل عليهم كتابا يقرؤنه دليلا على أنه صعد إلى السماء، فرد الله عليهم: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [ الإسراء:93]، ◄فلو كان الصعود إلى السماء بالجسد ممكنا لبشر لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأجدر أن يصعد إلى السماء أمام أعين الكفار ليؤمنوا به، فالأمر الذي لم يجز لأفضل الرسل محمد صلى الله عليه وسلم كيف جاز لعيسى بن مريم عليه السلام ...).
والجواب:
أن الله تعالى قيد هذا الرفع بأنه إليه حيث قال: وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران:55] ، وقال: بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ [ النساء:158] ، ومن المتقرر في الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أن الله تعالى في العلو، فيكون رفعه عليه السلام إلى السماء، بخلاف الرفع في حق إدريس عليه السلام فإنه مطلق: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [ مريم:57] ، ويدرك الفرق بين الأسلوبين كل من شم للغة العربية رائحة.
أنه لو سُلِّم بأن الآية تحتمل معنى رفع المنزلة والمكانة؛ فإن الأحاديث الواردة في هذا الموضوع صريحة المعنى وقاطعة الدلالة على أن الرفع كان للروح والجسد معا، وكذا النزول آخر الزمان.
ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير)) البخاري 4/134 ومسلم 1/135 .
وفي (صحيح مسلم) 4/2253 أنه عليه الصلاة والسلام قال: (( ... إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين " أي ثوبين مصبوغين " واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونَفَسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه " أي يطلب الدجال " حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة )).
والأحاديث في هذا بالعشرات، فهل يُقال بعد ذلك إن هذا الرفع كان للروح فقط؟
ولو كان المقصود برفع عيسى رفع روحه كما جاء في الرسالة فما هي الميزة لعيسى عليه السلام؟ إذ سائر المؤمنين إذا قُبضت أرواحهم عُرج بها إلا السماء !
ج - أن قوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [ النساء:157] دليل واضح كالشمس على ما تقرر آنفا مما يؤمن به المؤمنون قاطبة؛ فقوله تعالى: بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ [ النساء:158] يدل على أن رفعه كان للبدن والروح ؛ إذ لو أريد موته لقيل: وما قتلوه وما صلبوه بل مات، وهذا واضح تمام الوضوح لمن تأمل، وكان ذا بصيرة وحسن قصد .
جاء في الرسالة ص2: ( كما أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه ليلة المعراج في الموتى مع يحيى عليه السلام ).
والجواب: كون النبي صلى الله عليه وسلم رآه في السماء مع يحيى على أي شيء يدل؟
وما المانع أن يكون حيا بجسده وروحه في السماء وسائر الأنبياء بأرواحهم؟ وهل تقاس هذه الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة؟
إن على المؤمن الذي آمن بالله ربا وبالنبي صلى الله عليه وسلم نبيا وبالإسلام دينا أن يؤمن ويُسلِّم بكل ما جاء في الوحي الشريف دون الدخول بعقله فيما لا يدرك.
وإلا فيلزم القاديانيين أن يكذبوا بالمعراج من أصله؛ إذ كيف عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وسلّم على الأنبياء وخاطبهم وهو حي وهم أموات؟ فكما يقولون في هذا فليقولوا في ذاك .
جاء في الرسالة ص2: ذكر ما حصل في واقعة الصلب، وخلاصة ما ذُكر: أن عيسى عليه السلام لم يُرفع حيا، ولم يُلق شبهه على أحد، وإنما عُلق على الصليب بضع ساعات، ولما أُنزل كان في حالة إغماء شديد حتى خُيل إليهم أنه قد مات، ثم بعد واقعة الصلب هاجر من فلسطين إلى البلاد الشرقية: العراق وإيران وأفغانستان وكشمير والهند، وعاش عشرين ومائة سنة.
هكذا ذكرت الرسالة ! وكأن كاتب هذه القصة قد حضرها، أو بُعث إليه من قبره من حضرها ففصَّل له خبرها !
ولا يخفى على العقلاء أن الدعاوى أمرها سهل، وأن كلا يستطيع أن يدعي ما يشاء، لكن الشأن في ثبوت هذه الدعوى بدليل مقنع، وإلا فإنه لا قيمة لها عند من يحترم عقله.
وهذه القصة المزعومة، وتلك التفاصيل التي أوردوها ليس من طريق للعلم بها إلا الوحي .
وإنني أدعوا القاديانيين جميعا أن يبحثوا في كتب السنة جميعها عشر سنين، وإن شاؤوا معها أخرى وثالثة ورابعة حتى يأتوا بنص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من أصحابه يسرد القصة مثل سردهم.
وإن كان خيرا لهم وأقوم أن يعودوا إلى جادة الحق والرشد، ويعلموا أنه لن ينجيهم من عذاب الله إلا صدق الإيمان وصحة الاتباع، والبراءة من هذا الدين المعوج الساقط، الذي تمجه العقول وتأباه الفِطر، والله الهادي.
جاء في الرسالة ص3 - 4: ( واعلموا أن القرآن المجيد لا يسمح لأحد أن يصعد إلى السماء بجسده ثم ينزل منها، ألا تعلمون أن الكفار طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرقى في السماء وينزل عليهم كتابا يقرؤنه دليلا على أنه صعد إلى السماء، فرد الله عليهم: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [ الإسراء:93]، ◄فلو كان الصعود إلى السماء بالجسد ممكنا لبشر لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأجدر أن يصعد إلى السماء أمام أعين الكفار ليؤمنوا به، فالأمر الذي لم يجز لأفضل الرسل محمد صلى الله عليه وسلم كيف جاز لعيسى بن مريم عليه السلام ...).
والجواب:
أقول وبالله التوفيق:
إن هذه الفئة المارقة لا
تفتأ تتشبث بأي شبهة استدلال حتى ولو كانت في الوهن كبيت العنكبوت، لكنها في
الواقع شاهدة على ضلالهم وانحرافهم، ومن ذلك هذا الاستدلال الساقط الذي يظهر ضعفه
ووهاؤه لكل ذي عينين،
وسوف أذكر شيئا من ذلك فيما يأتي:
أولا:
أولا:
لقد ادعوا أن القرآن لا
يسمح لأحد أن يصعد إلى السماء بجسده ثم ينزل منها؛ فيقال لهم:
ماذا تقولون في معراج النبي صلى الله عليه وسلم، أليس صعودا إلى السماء ثم نزولا منه؟ وجماهير المسلمين على أن ذلك كان بجسده وروحه. هل سيسلمون بذلك كحال المسلمين فتنقطع حجتهم؟ أم سيبادرون بالإنكار والتأويل – كعادتهم – فينكشف أمرهم للمسلمين أكثر؟!
ثانيا:
ماذا تقولون في معراج النبي صلى الله عليه وسلم، أليس صعودا إلى السماء ثم نزولا منه؟ وجماهير المسلمين على أن ذلك كان بجسده وروحه. هل سيسلمون بذلك كحال المسلمين فتنقطع حجتهم؟ أم سيبادرون بالإنكار والتأويل – كعادتهم – فينكشف أمرهم للمسلمين أكثر؟!
ثانيا:
أن الدعوى أعم من الدليل فلا يستقيم الاستدلال؛ بمعنى أنه إذا سُلم
أن الآية تدل على الامتناع فإنها واردة في شأن أمرين: صعود إلى السماء مع تنزيل
كتاب يُقرأ، والبحث ههنا في قضية واحدة، وهي الصعود، فلا يلزم أن يكون ذلك ممتنعا.
ثالثا:
ثالثا:
هل عدم الاستجابة يدل على امتناع تحقق المطلوب؟ لا شك أن كل
مسلم سيجيب بالنفي؛ فإن الله تعالى لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير من
الموجودات والمعدومات.
يوضح ذلك أن النبي قال سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [ الإسراء:93]، ولم يقل: وهل يمكن أن يقع ذلك؟ أو نحوه، بل إن قوله ذلك يدل على أن المطلوب أمر لا يمتنع وقوعه، وإنما الأمر لله سبحانه الفعال لما يريد، إن شاء أجاب إلى ما سألوا، وإن شاء لم يجب، وما هو إلا رسول يبلغ رسالات الله وينصح لهم.
رابعا:
يوضح ذلك أن النبي قال سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [ الإسراء:93]، ولم يقل: وهل يمكن أن يقع ذلك؟ أو نحوه، بل إن قوله ذلك يدل على أن المطلوب أمر لا يمتنع وقوعه، وإنما الأمر لله سبحانه الفعال لما يريد، إن شاء أجاب إلى ما سألوا، وإن شاء لم يجب، وما هو إلا رسول يبلغ رسالات الله وينصح لهم.
رابعا:
إن كان يمتنع – كما يزعمون
– الصعود إلى السماء فليمتنع أيضا ما ورد في السياق نفسه: وَقَالُواْ لَن
نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ
لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا
تَفْجِيرًا [ الإسراء:90-91] إلى أن
قال: أَوْ
تَرْقَى فِي السَّمَاء [الإسراء:93] ، فليقولوا باستحالة تفجير الينابيع من الأرض، وأن القرآن
يمنع من ذلك، وليكونوا ضحكة العقلاء.
أولا يعلمون أن موسى عليه السلام ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وأعظم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام،
أولا يعلمون أن موسى عليه السلام ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وأعظم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام،
فإذا أمكن ذلك فلماذا لا يمكن
الصعود إلى السماء؟!
◄جاء في الرسالة ص4:
◄جاء في الرسالة ص4:
أن عقيدة وفاة عيسى تمسك بها صلحاء الأمة وكبراء علمائها.
وعددوا منهم أربعة عشر اسما فقط، ولا أدري عن بقية علماء الأمة، ما موقفهم من هذه القضية في نظر القاديانيين؟ وما موقفهم من العلماء الكثر الذين نقلوا إجماع العلماء على رفع عيسى ونزوله من السماء؟
وهؤلاء المذكورون سأورد ما يتعلق بهم فيما يأتي:
أولا:
وعددوا منهم أربعة عشر اسما فقط، ولا أدري عن بقية علماء الأمة، ما موقفهم من هذه القضية في نظر القاديانيين؟ وما موقفهم من العلماء الكثر الذين نقلوا إجماع العلماء على رفع عيسى ونزوله من السماء؟
وهؤلاء المذكورون سأورد ما يتعلق بهم فيما يأتي:
أولا:
لقد نسبوا هذه العقيدة لابن عباس رضي الله عنهما؛ استنادا لتفسيره
قوله تعالى: مُتَوَفِّيكَ [آل عمران :55] أي: مميتك .
والجواب عن هذه الشبهة باختصار:
والجواب عن هذه الشبهة باختصار:
أن مراده رضي الله عنه: وفاته آخر الزمان بعد نزوله، يؤكد هذا ما
أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في هذه الآية : ( رافعك ثم
متوفيك في آخر الزمان )، انظر: (الدر المنثور) (2/36).
وابن عباس رضي الله عنهما هو الذي يفسر كلامه، وليس بحاجة إلى القاديانيين ليحملوا كلامه حسب أهوائهم .
وعلى هذا فإن في الآية تقديما وتأخيرا؛ أي: رافعك إلي ومتوفيك بعد ذلك.
وتقديم التوفي على الرفع في الذكر لا يقتضي التقدم في الزمن؛ لأن الصحيح أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب.
وتتميما للفائدة أذكر أن لأهل العلم في تفسير الآية أقوالا أخرى، منها:
أن التوفي بمعنى القبض، وليس الوفاة المعروفة.
ومنها أن الوفاة هنا بمعنى النوم، أي رفعه الله وهو في حالة النوم، والنوم يسمى وفاة، كما قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:42] ، وقال: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [ الأنعام:60] .
ثانيا: جاء في الرسالة ص4 أن الإمام مالكا رحمه الله قال: ( مات عيسى )، وأحالوا إلى الشيخ علامة طاهر، بحار الأنوار . هكذا! وهذا من أسمج الكذب وأقبحه، ينقلون عن هذا الإمام الجليل هذه الكلمة في هذا الموضوع الخطير من كتاب لا يعرف لدى المالكية ولا غيرهم، فأين كلامه في الموطأ والمدونة؟ وأين كلامه في مصنفات تلاميذه وأتباع مذهبه؟
ثم إنني قلت: لعلهم يقصدون كتاب: (مجمع بحار الأنوار) لمحمد بن طاهر الفتني، وبعد بحث في مظان الموضوع فيه تبين أنه ليس فيه نقل عن الإمام مالك بن أنس في هذا الموضوع، وإنما فيه تقرير مؤلفه عقيدة المسلمين في رفع عيسى ونزوله، وإجابة عما يُتوهم من معارضة ذلك لقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55] ، انظر 5/91 من الكتاب المشار إليه .
ثالثا: زعمت الرسالة ص4 أن الفخر الرازي يرى هذا الرأي أيضا، ونقلوا عنه ما يأتي: ( قال الإمام الرازي في تفسير الآية: ( يا عيسى إني متوفيك: أي إني مُنهٍ أجلك، ورافعك أي رافع مرتبتك ورافع روحك إلي ... ثم يقول: ( واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله تعالى: ورافعك إلي[آل عمران:55] , هو رفع الدرجة والمنقبة لا المكان والجهة، كما أن الفوقية في هذه الآية ليست بالمكان بل بالدرجة والمكانة ( تفسير الفخر الرازي ) .
والجواب عن ذلك ما يأتي:
أن العبارة الأولى المنقولة هي من جملة كذبهم الكثير؛ إذ لا وجود لها البتة ! والتفسير موجود ونسخه منتشرة.
وإذا كان كثير من المشركين والكفار يأنفون من الكذب لأنه في معيار القيم والأخلاق غايةُ السفول؛ فإن القاديانيين لا يزالون يرتكسون في حمأته المرة تلو الأخرى، والحمد لله الذي فضحهم بأقلامهم، وسيأتي ما يفضحهم أكثر .
أن الرازي أورد في تفسير الآية أوجها عديدة فيها التصريح بأن عيسى عليه السلام رُفع إلى السماء بجسده، وأنه حي فيها حتى ينزل إلى الأرض.
بل إنه في أحد تلك الأوجه نقل الآتي: ( ولما علم أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه السلام رُفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ) فماذا سيقول القاديانيون بعد هذا الكلام؟!
أما العبارة الثانية التي نقلوها فإنها موجودة في آخر ذاك الموضع، وهذه عادة أهل الانحراف والهوى يأخذون من الكلام ما يوافق أهواءهم ويغطون ما سواه.
إن الناظر في كلام
الرازي يلحظ أنه قرر عقيدة المسلمين المعروفة بكلام طويل، ثم عقب بهذه العبارة، وتوجيه ذلك عندي أن له محملين:
الأول: أن كلامه هنا عن علو الله تعالى، إذ الرازي ينفي علو الله تعالى على طريقة الجهمية، فيكون تعليقه على كلمة ( إلي ) في الآية، وليس مقصوده ما يتعلق بعيسى عليه السلام لأنه قد مضى الحديث عنه، وقد قرر عقيدته في ذلك بكل وضوح، ومن ذلك قوله: ( وقد ثبت الدليل أنه حي، وورد الخبرعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك ) 8/60 .
الثاني: أن يقال: إنه لا يرى أن هذه الآية تدل على رفع عيسى إلى السماء – فرارا من الإلزام بإثبات علو الله سبحانه – وإن كان يرى أن أدلة أخرى تدل على ذلك، وعدم الدليل المعين لا يعني عدم المدلول، إذ قد يثبت بدليل آخر، ويشهد لصحة هذا التوجيه كلامه المنقول آنفا. والنتيجة أن الرازي يعتقد رفع عيسى ونزوله، فليس في كلامه للقاديانيين مستمسك .
رابعا:
وابن عباس رضي الله عنهما هو الذي يفسر كلامه، وليس بحاجة إلى القاديانيين ليحملوا كلامه حسب أهوائهم .
وعلى هذا فإن في الآية تقديما وتأخيرا؛ أي: رافعك إلي ومتوفيك بعد ذلك.
وتقديم التوفي على الرفع في الذكر لا يقتضي التقدم في الزمن؛ لأن الصحيح أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب.
وتتميما للفائدة أذكر أن لأهل العلم في تفسير الآية أقوالا أخرى، منها:
أن التوفي بمعنى القبض، وليس الوفاة المعروفة.
ومنها أن الوفاة هنا بمعنى النوم، أي رفعه الله وهو في حالة النوم، والنوم يسمى وفاة، كما قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:42] ، وقال: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [ الأنعام:60] .
ثانيا: جاء في الرسالة ص4 أن الإمام مالكا رحمه الله قال: ( مات عيسى )، وأحالوا إلى الشيخ علامة طاهر، بحار الأنوار . هكذا! وهذا من أسمج الكذب وأقبحه، ينقلون عن هذا الإمام الجليل هذه الكلمة في هذا الموضوع الخطير من كتاب لا يعرف لدى المالكية ولا غيرهم، فأين كلامه في الموطأ والمدونة؟ وأين كلامه في مصنفات تلاميذه وأتباع مذهبه؟
ثم إنني قلت: لعلهم يقصدون كتاب: (مجمع بحار الأنوار) لمحمد بن طاهر الفتني، وبعد بحث في مظان الموضوع فيه تبين أنه ليس فيه نقل عن الإمام مالك بن أنس في هذا الموضوع، وإنما فيه تقرير مؤلفه عقيدة المسلمين في رفع عيسى ونزوله، وإجابة عما يُتوهم من معارضة ذلك لقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55] ، انظر 5/91 من الكتاب المشار إليه .
ثالثا: زعمت الرسالة ص4 أن الفخر الرازي يرى هذا الرأي أيضا، ونقلوا عنه ما يأتي: ( قال الإمام الرازي في تفسير الآية: ( يا عيسى إني متوفيك: أي إني مُنهٍ أجلك، ورافعك أي رافع مرتبتك ورافع روحك إلي ... ثم يقول: ( واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله تعالى: ورافعك إلي[آل عمران:55] , هو رفع الدرجة والمنقبة لا المكان والجهة، كما أن الفوقية في هذه الآية ليست بالمكان بل بالدرجة والمكانة ( تفسير الفخر الرازي ) .
والجواب عن ذلك ما يأتي:
أن العبارة الأولى المنقولة هي من جملة كذبهم الكثير؛ إذ لا وجود لها البتة ! والتفسير موجود ونسخه منتشرة.
وإذا كان كثير من المشركين والكفار يأنفون من الكذب لأنه في معيار القيم والأخلاق غايةُ السفول؛ فإن القاديانيين لا يزالون يرتكسون في حمأته المرة تلو الأخرى، والحمد لله الذي فضحهم بأقلامهم، وسيأتي ما يفضحهم أكثر .
أن الرازي أورد في تفسير الآية أوجها عديدة فيها التصريح بأن عيسى عليه السلام رُفع إلى السماء بجسده، وأنه حي فيها حتى ينزل إلى الأرض.
بل إنه في أحد تلك الأوجه نقل الآتي: ( ولما علم أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه السلام رُفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ) فماذا سيقول القاديانيون بعد هذا الكلام؟!
أما العبارة الثانية التي نقلوها فإنها موجودة في آخر ذاك الموضع، وهذه عادة أهل الانحراف والهوى يأخذون من الكلام ما يوافق أهواءهم ويغطون ما سواه.
إن الناظر في كلام
الرازي يلحظ أنه قرر عقيدة المسلمين المعروفة بكلام طويل، ثم عقب بهذه العبارة، وتوجيه ذلك عندي أن له محملين:
الأول: أن كلامه هنا عن علو الله تعالى، إذ الرازي ينفي علو الله تعالى على طريقة الجهمية، فيكون تعليقه على كلمة ( إلي ) في الآية، وليس مقصوده ما يتعلق بعيسى عليه السلام لأنه قد مضى الحديث عنه، وقد قرر عقيدته في ذلك بكل وضوح، ومن ذلك قوله: ( وقد ثبت الدليل أنه حي، وورد الخبرعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك ) 8/60 .
الثاني: أن يقال: إنه لا يرى أن هذه الآية تدل على رفع عيسى إلى السماء – فرارا من الإلزام بإثبات علو الله سبحانه – وإن كان يرى أن أدلة أخرى تدل على ذلك، وعدم الدليل المعين لا يعني عدم المدلول، إذ قد يثبت بدليل آخر، ويشهد لصحة هذا التوجيه كلامه المنقول آنفا. والنتيجة أن الرازي يعتقد رفع عيسى ونزوله، فليس في كلامه للقاديانيين مستمسك .
رابعا:
جاء في ص4 - 5 نسبة هذه العقيدة لابن حزم يرحمه الله، وأنه يرى أن عيسى
قد مات، وأحالوا إلى كتابه (الفِصَل) عند كلامه عن المسيحية.
ولا أدري هل هؤلاء يكتبون لأناس لا عقول لهم ولا أبصار، أو أنهم لا يفهمون ما يقرؤن؟ فالكتاب مشهور، ولم يذكر فيه مؤلفه كلمة واحدة مما نسبوه إليه، بل على العكس من ذلك فإنه يقرر رفع عيسى عليه السلام شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين، انظر: الفصل 2/206 - 228.
ألا فليتفضلوا ببيان هذا الكلام المزعوم عنه نصا، مع الإحالة إلى الجزء والصفحة، وإلا فليشهدوا على أنفسهم – وليشهد المسلمون أيضا – أنهم من الكاذبين، ولعنة الله على الكاذبين.
خامسا:
ولا أدري هل هؤلاء يكتبون لأناس لا عقول لهم ولا أبصار، أو أنهم لا يفهمون ما يقرؤن؟ فالكتاب مشهور، ولم يذكر فيه مؤلفه كلمة واحدة مما نسبوه إليه، بل على العكس من ذلك فإنه يقرر رفع عيسى عليه السلام شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين، انظر: الفصل 2/206 - 228.
ألا فليتفضلوا ببيان هذا الكلام المزعوم عنه نصا، مع الإحالة إلى الجزء والصفحة، وإلا فليشهدوا على أنفسهم – وليشهد المسلمون أيضا – أنهم من الكاذبين، ولعنة الله على الكاذبين.
خامسا:
أحالوا في ص5 هذا الهراء إلى الألوسي رحمه الله، وصدق رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذ قال: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (18) ، وإن العجب لا ينقضي من تمادي هؤلاء
الضالين في الكذب دون حياء، فالألوسي رحمه الله يقرر عقيدة المسلمين في هذه
القضية، واسمع كلامه في تفسيره روح المعاني3/179: ( والصحيح كما قاله
القرطبي أن الله تعالى رفعه من غير وفاة ولا نوم، وهو اختيار الطبري والرواية
الصحيحة عن ابن عباس ).
هذا وقد أحالوا إلى آخرين من مفكري العصر الحديث، أشك في نسبة ما ذكروا إليهم، وقد جُرب على القاديانيين الكذب الكثير، ولا حاجة إلى بذل الجهد في تتبع ذلك؛ لأنه لو ثبتت صحة ما نسبوا إليهم فإنهم ليسوا من الأئمة الذين يُرجع إليهم في مثل هذه القضايا، وهكذا طريقة أهل الأهواء إذا أعيتهم الحيل ذهبوا يبحثون في ركام الزلات وعند خاملي الذِّكر لعلهم يجدون عندهم ما يسند بناءهم المتهدم.
وإني سائل سؤالا أدع إجابته للقاديانيين وحدهم:
هذا وقد أحالوا إلى آخرين من مفكري العصر الحديث، أشك في نسبة ما ذكروا إليهم، وقد جُرب على القاديانيين الكذب الكثير، ولا حاجة إلى بذل الجهد في تتبع ذلك؛ لأنه لو ثبتت صحة ما نسبوا إليهم فإنهم ليسوا من الأئمة الذين يُرجع إليهم في مثل هذه القضايا، وهكذا طريقة أهل الأهواء إذا أعيتهم الحيل ذهبوا يبحثون في ركام الزلات وعند خاملي الذِّكر لعلهم يجدون عندهم ما يسند بناءهم المتهدم.
وإني سائل سؤالا أدع إجابته للقاديانيين وحدهم:
إن بعض من سميتم وزعمتم أنهم قائلون بموت المسيح عليه السلام قد أدركوا
زمن القادياني المتنبئ الكذاب، فماذا كان رأيهم فيه؟
هل كانوا يرونه المسيح والمهدي كما تزعمون؟ أم كانوا يرونه كذابا ضالا
كافرا؟ وليتذكروا أنهم وصفوهم بأنهم من علماء الأمة !
أجزم أنهم يعلمون الجواب
علم اليقين.
جاء في الرسالة ص6 :
جاء في الرسالة ص6 :
( واعلموا أن أكثر الأحاديث
الواردة في شأن الدجال ونزول المسيح ابن مريم وعلامات ظهوره إنما هي كشوف ورؤى
للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن تحمل على ظاهرها، وأكثرها تتطلب التأويل،
ولفظ ( ابن مريم ) الوارد في الحديث إنما هو اسم وصفي أُطلق على رجل تقي
مؤمن، كما استعمل اسم ( امرأة فرعون ) و ( مريم بنت عمران ) وصفا لكل مؤمن
في القرآن المجيد ) .
أقول:
أقول:
إنني لا أرى أن اجتراء
هؤلاء على افتراء الكذب على الله أمرا غريبا؛ فالشيء من معدنه لا يُستغرب، وإنما
العجب من عقول القطعان الجاهلة التي أسلست قيادها لهؤلاء الضالين، وتلقت هذا الإفك
بالقبول، وصدق الله: وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ
لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا[المائدة:41].
إن مجرد نقل هذا الكلام كاف في إفساده.
لو سُلم جدلا أن أكثر الأحاديث الواردة في هذا الموضوع إنما هي كشوف ورؤى؛ أليست رؤى الأنبياء وحي؟ أو أنهم لا يؤمنون بذلك؟! وماذا عن القليل - الذي هو سوى الأكثر - ما حاله عندهم؟
وإذا كان أكثر الأحاديث يتطلب التأويل، فكيف سيصنعون بأقلها؟
لقد اتضح لأهل الإيمان أن النصوص الشرعية أصبحت نهبا عند هؤلاء النوكى؛ فيحورون ويؤولون، ويصرفون ويبدلون كما يشاؤون؛ فابن مريم في الحديث ليس النبي المعروف، وامرأة فرعون ومريم بنت عمران وصف لكل مؤمن !
وعلى هذه القاعدة التي يُصرف بها عن معناه كل ما لا يوافق الأهواء يمكن أن يقال: إن النصوص الواردة في الصلاة ليس المقصود بها الصلاة المعروفة وإنما شيء آخر، وكذا نصوص الزكاة والصوم، أما الحج فليس على ظاهره، ونصوص المعاد لا يراد بها حقيقتها، بل النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يُراد بكل النصوص التي ورد فيها ذكر اسمه ذاته الشريفة، وإنما يراد ببعضها رجل صالح من أمته ! .. وهكذا أصبح الإسلام وأدلته ألعوبة بأيدي القاديانية الأحمدية، فقاتلهم الله أنى يؤفكون .
ثم جاء في خلاصة تلك الرسالة المتهافتة ص6: ) فالمراد من نزول عيسى بن مريم بعثة رجل آخر من أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم يشبه عيسى بن مريم في صفاته وأعماله وحالاته، وقد ظهر هذا الموعود في قاديان الهند باسم ميرزا غلام أحمد إماما مهديا، وجعله الله مثيل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فكان هو المسيح الموعود والإمام المهدي للأمة المحمدية ... ) إلى آخر ذاك الهراء .
ولا أظن أني بحاجة إلى رد هذا الكلام الساقط، وقد بين كثير من العلماء كذب هذا الأفاك الأثيم في دعواه، وكذب أتباعه من بعده، ومن تلك المؤلفات الحسنة كتاب: (القاديانية) للشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله .
لكني سأذكر باختصار لمن هو مرتاب في أمره: لقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله علي وسلم بأوصاف عيسى عليه السلام عند نزوله، فهل انطبق منها حرف واحد على كذاب قاديان؟ هل نزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين ملَكين؟ هل مات كل كافر وَجد ريح نَفَسه؟ هل قتل الدجال؟ هل كسر الصليب؟ هل كان حاكما عادلا؟ هل قتل الخنزير؟ هل جمع الناس على دين واحد هو دين الإسلام؟ هل كثر المال في عهده؟ هل وقعت الأمنة في الأرض؟ هل حج بعد نزوله؟ هل هل ... أسئلة كثيرة أطرحها لمن كان فيه أدنى مسكة من عقل أو جذوة من إيمان. (20
إن مجرد نقل هذا الكلام كاف في إفساده.
لو سُلم جدلا أن أكثر الأحاديث الواردة في هذا الموضوع إنما هي كشوف ورؤى؛ أليست رؤى الأنبياء وحي؟ أو أنهم لا يؤمنون بذلك؟! وماذا عن القليل - الذي هو سوى الأكثر - ما حاله عندهم؟
وإذا كان أكثر الأحاديث يتطلب التأويل، فكيف سيصنعون بأقلها؟
لقد اتضح لأهل الإيمان أن النصوص الشرعية أصبحت نهبا عند هؤلاء النوكى؛ فيحورون ويؤولون، ويصرفون ويبدلون كما يشاؤون؛ فابن مريم في الحديث ليس النبي المعروف، وامرأة فرعون ومريم بنت عمران وصف لكل مؤمن !
وعلى هذه القاعدة التي يُصرف بها عن معناه كل ما لا يوافق الأهواء يمكن أن يقال: إن النصوص الواردة في الصلاة ليس المقصود بها الصلاة المعروفة وإنما شيء آخر، وكذا نصوص الزكاة والصوم، أما الحج فليس على ظاهره، ونصوص المعاد لا يراد بها حقيقتها، بل النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يُراد بكل النصوص التي ورد فيها ذكر اسمه ذاته الشريفة، وإنما يراد ببعضها رجل صالح من أمته ! .. وهكذا أصبح الإسلام وأدلته ألعوبة بأيدي القاديانية الأحمدية، فقاتلهم الله أنى يؤفكون .
ثم جاء في خلاصة تلك الرسالة المتهافتة ص6: ) فالمراد من نزول عيسى بن مريم بعثة رجل آخر من أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم يشبه عيسى بن مريم في صفاته وأعماله وحالاته، وقد ظهر هذا الموعود في قاديان الهند باسم ميرزا غلام أحمد إماما مهديا، وجعله الله مثيل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فكان هو المسيح الموعود والإمام المهدي للأمة المحمدية ... ) إلى آخر ذاك الهراء .
ولا أظن أني بحاجة إلى رد هذا الكلام الساقط، وقد بين كثير من العلماء كذب هذا الأفاك الأثيم في دعواه، وكذب أتباعه من بعده، ومن تلك المؤلفات الحسنة كتاب: (القاديانية) للشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله .
لكني سأذكر باختصار لمن هو مرتاب في أمره: لقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله علي وسلم بأوصاف عيسى عليه السلام عند نزوله، فهل انطبق منها حرف واحد على كذاب قاديان؟ هل نزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين ملَكين؟ هل مات كل كافر وَجد ريح نَفَسه؟ هل قتل الدجال؟ هل كسر الصليب؟ هل كان حاكما عادلا؟ هل قتل الخنزير؟ هل جمع الناس على دين واحد هو دين الإسلام؟ هل كثر المال في عهده؟ هل وقعت الأمنة في الأرض؟ هل حج بعد نزوله؟ هل هل ... أسئلة كثيرة أطرحها لمن كان فيه أدنى مسكة من عقل أو جذوة من إيمان. (20
)
أولاً: ختم النبوة في
القرآن الكريم
لقد أكد القرآن الكريم على هذه الحقيقة وهذا الأصل قال تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40].
وعلى قراءة: خاتم بكسر التاء فهذا وصف له، صلى الله عليه وسلم، بأنه ختم الأنبياء، وأنه ليس بعده نبي، وكذا بفتح التاء، فإن كلاً منهما يُستعمل بمعنى الآخر.
ويؤكد هذا المعنى حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في صحيح البخاري، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)) (1) .
وهذا الأمر أجمع عليه أهل الإسلام، قال الإمام ابن عطية في تفسير قوله تعالى: أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [ الأحزاب:40] هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفاً وسلفاً متعلقة على العموم التام، مقتضية نصاً: أن لا نبي بعده، صلى الله عليه وسلم".
إن القرآن الكريم واسلنة المطهرة يبينان للخلق جميعاً أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، يقول ابن كثير: "أخبر الله تعالى في كتابه ورسوله، صلى الله عليه وسلم، في السنة المتواترة عنه أن لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل" (2) .
لقد انقطع وحي السماء إلى الأرض بختم نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [ الأحزاب:40] أي آخرهم، فخاتم كل شيء أي عاقبته وآخره.
قال ابن حيان في تفسيره البحر المحيط: "قرأ الجمهور وخاتم النبيين بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم أي جاء آخرهم" (3) .
وقال القاسمي في تفسيره محاسن التأويل: "تمت الرسالات برسالته إلى الناس أجمعين، وظهر مصداق ذلك بخيبة من ادعى النبوة بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها" (4) .
ويقول ابن الجوزي: "ومن قرأ "خاتم" بكسر التاء فمعناه وختم النبيين، ومن فتحها فالمعنى آخر النبيين" (5) .
ويقول العلامة ابن كثير: "فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس" (6) .
ولأن الله سبحانه وتعالى جعل نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والرسل أجمعين فقد جعل رسالته عامة للبشر جميعاً يقول تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] .
يقول الإمام الطبري في تفسيره: "قل يا محمد للناس كلهم إني رسول الله إليكم جميعاً لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل مرسلاً إلى بعض الناس دون بعض" (7) .
وتأكيداً لهذا المعنى فقد امتلأ كتاب الله تعالى بآيات كثيرة تبين للناس أن صاحب الرسالة الخاتمة ، صلى الله عليه وسلم، رسالته عامة للبشر جميعاً يقول تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ [ سبأ :28] . وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [ الأنبياء:107] . وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ الأعراف:158] .
ولأن الله سبحانه وتعالى جعل الإسلام الدين الخاتم، ورسوله الرسول الخاتم، لذا فقد كمل الدين بالنبوة الخاتمة التي لا نبوة بعدها، يقول تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [ المائدة:3].
وأخرج الإمام الطبري عن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وهو الإسلام. قال أخبر الله نبيه، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله عز وجل فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبداً" (8) .
ولأن رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم، الرسالة الخاتمة، ولأن دينه خاتم الأديان، لذا كانت معجزته عقلية خالدة، باقية ما بقي الزمان، فقد كانت الرسالات السابقة على الإسلام معجزاتها حسية لا تتجاوز فترة حياة النبي صاحب المعجزة, أما معجزة محمد، صلى الله عليه وسلم، فهي باقية، لأنها تخاطب العقل في كل زمان ومكان.
ولقد تحدى القرآن الكريم أن يأتي العرب وغير العرب بمثل سورة منه فعجزوا عن ذلك منذ نزل القرآن الكريم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يقول تعالى في عظمة وقوة: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] .
ويقول الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد: "فهذا القضاء الحاتم منه –تعالى - بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بشيء من مثل ما تحداهم به ليس قضاء بشرياً، ومن الصعب بل ومن المتعذر أن يصدر عن عاقل التزام كالذي التزمه، وشرط كالذي شرطه على نفسه، لغلبة الظن عند من له شيء من العقل أن الأرض لا تخلو من صاحب قوة مثل قوته، وإنما ذلك هو الله المتكلم، والعليم الخبير، و الناطق على لسانه، صلى الله عليه وسلم، وقد أحاط علمه بقصور جميع القوى عن تناول ما استنهضم له وبلوغ ما حثهم عليه" (9) .
والحقيقة كما يقول عفيف طبارة: "إن معجزات الرسل السابقين الدالة على صدق نبوتهم هي وقائع تنقضي، يراها الذين عاصروا الأنبياء فيؤمنون حث الإيمان بمن جاءت على يدهم ولا يراها الذين يأتون من بعدهم، بل تصل إليهم أخبارها فيضعف تأثيرها على الأمم التابعة.. ..
والآن بعد أن ترقى العقل وكثرت المعارف ودخلت الشبهات على الأديان ضعف تأثير هذه المعجزات على أتباع الأديان، أو بالأحرى ضعف الإيمان وسرى الإلحاد، فكان الدين بحاجة إلى دلائل وبراهين على صحته غير البراهين السالفة" (10) .
لقد كان القرآن الكريم معجزة محمد، صلى الله عليه وسلم، ومعجزة الدين الخاتم والرسالة الخاتمة: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40]
ثانياً: خصائص القرآن
دليل على ختم نبوته
يقول تعالى في سورة المائدة: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48].
هذه الآية الكريمة تبين لنا بوضوح أن القرآن الكريم هو المصدق للكتب السماوية السابقة على الإسلام، وأنه الشاهد والمهيمن عليها والمبين لما فيها من خطأ أو صواب، وهذا يؤكد لنا أن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، لهذا جعله الله تعالى بياناً لما اختلفوا فيه في كتبهم، يقول تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ [النحل: 64].
يقول الإمام محمد بن علي الشوكاني في فتح القدير: "إن القرآن صار شاهداً بصحة الكتب المنزلة، ومقرراً لما فيها مما لم ينسخ، ناسخاً لما خالفه منها، ورقيباً عليها، وحافظاً لما فيها من أصول الشرائع، وغالباً لها كونه المرجع في المحكم منها والمنسوخ" (1) .
يقول تعالى: مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [ البقرة:97] . ولقد أنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله الكريم لينذر به الخلق جميعاً، قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص: 87]. وقال تعالى: وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ[القلم: 52].
ولقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ هذا الكتاب من كل تحريف أو زيادة أو نقص: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].
وهذا عكس الكتب السابقة حيث استحفظ الله الربانيون والأحبار على كتابه واستأمنهم عليه، لكنهم لم يكونوا أمناء على ما استحفظوا عليه.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ الحجر:9] أي حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلاً أو تنقص منه حقاً، فتولى سبحانه
حفظه فلم يزل محفوظاً، وقال في غيره: "بما استحفظوا" فوكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا " (2) .
ثالثاً: خصائص الرسول
والرسالة
إن خصائص الرسول والرسالة تدل على أن رسالته الخاتمة وأنه خاتم الأنبياء، لقد بعث الله تعالى محمداً، صلى الله عليه وسلم، برسالته للناس جميعاً، مما يبين لنا أنه النبي الخاتم، يقول تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28].
وهذا يقتضي عموم رسالته للناس كافة، ولأنَّ رسالته عامة للناس جميعاً فلا نبي بعده، فهو خاتم الأنبياء، لذا جعله الله - تعالى- رحمة للعالمين مؤمنهم وكافرهم، فقد كان المكذبون بالرسل قبل مبعثه يهلكهم الله -سبحانه وتعالى- أشد الهلاك لكن الله -سبحانه وتعالى- أجَّل عذاب من كذَّب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، إلى موته أو إلى قيام الساعة؛ لأن الله أرسله رحمة للعالمين، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} *الأنبياء :107*. قال تعالى:{وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} *الأنفال:33*
ولقد نسخ الله تعالى برسالة محمد، صلى الله عليه وسلم، جميع الشرائع التي كانت قبل الإسلام وارتضى للناس دينه الخاتم شريعة وعقيدة يقول تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة :3]
وأخذ الله العهد على جميع أنبيائه ورسله أن يؤمنوا بمحمد، صلى الله عليه وسلم، إذا بُعث محمد وهم أحياء، فعليهم الإيمان به وبنصرته، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ [ آل عمران:81] وقد ورد تفسير آخر للآية: "أن الله تعالى أخذ ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض ذلك معنى النصرة بالتصديق" (1) .
والحقيقة لا تعارض بين التفسيرين، لأن النتيجة واحدة، فتصديق الأنبياء بعضهم بعضاً يؤدي بالضرورة إلى التصديق ونصرة خاتمهم محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات: 37] . وقرئت وصدَّق المرسلون.
رابعاً: ختم النبوة في
السنة المطهرة
بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سنته المتواترة أنه لا نبي بعده، ففي حديث طويل قال: ((وإنه سيكون في أمتي كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)) (1) .
وعن ابن عباس، رضي الله عنه، في حديث الشفاعة يوم القيامة، وهو حديث طويل، وفيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذكر طلب الناس الشفاعة من الأنبياء واحداً تلو الآخر ليشفعوا إلى الله –عز وجل – في الحساب بين الناس لطول وقوفهم دون حساب (( حتى يصل الناس إلى عيسى –عليه السلام - فيقول لهم: أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه ، أكان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟ فيقولون: لا. فيقول: إن محمداً، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين)) (2)
والأحاديث في ختم النبوة صحيحة منها حديث أبي هريرة: ((.. .. وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبوة)) (3) . ومنها حديث عبد الله بن عمرو حيث قال:((خرج علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوماً كالمودع فقال: "أنا محمد النبي الأمي –ثلاثاً - ولا نبي بعدي)) (4)
وقد بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن النبوة انقطعت بنبوته الخاتمة الخاتمة، وأنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤية الصالحة، فعن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: ((كشف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الستار والناس صفوف خلف أبي بكر، رضي الله عنه، فقال: "أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له)) (5) .
وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ((أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر)) (6) .
وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون)) (7) .
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت اللبنة. قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)) (8) .
وقد حذرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أدعياء النبوة من بعده، فعن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم)) (9) .
وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً رجالاً كلهم يكذب على الله عز وجل ورسوله، صلى الله عليه وسلم،)) (10) .
وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ((أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكُفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب – والعاقب الذي ليس بعده نبي)) (11) .
وجملة العاقب الذي ليس بعده نبي "قيل: إنها من كلام النبي، صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنها من كلام الصحابي الراوي. وقيل: إنها من كلام الزهري.
ومن الأحاديث الشريفة التي تبين أن محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هو الرسول الخاتم، يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)) (12) .
وعن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ((خرج علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوماً كالمودع فقال: أنا محمد النبي الأمي - ثلاثاً- ولا نبي بعدي)) (13) .
وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته من الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة)) (14)
وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:((لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي)) (15) .
وعن ثوبان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ((.. وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)) (16) .
إن هذه النصوص وغيرها تبين لكل ذي عينين وعقل صريح وقلب سليم، أنه لا نبي بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأن سلسلة الأنبياء قد انتهت به، وأن كل من ادعى النبوة في حياته أو بعد مماته إنما هو كذاب ضال مضل.. فهذه النصوص النبوية تجزم بما لا يدع مجالاً للشك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هو النبي الخاتم، وقد انقطع الوحي بوفاته، صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: "إن الأمة فهمت بالإجماع من هذا اللفظ أي ((لا نبي بعدي)) (17) ومن قرائن أحواله أنه أفهم عدم نبي بعده أبداً، وإنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص، فمنكر هذا لا يكون إلا منكر الإجماع" (18) .
وقال الزمخشري: "فإن قلت كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل في آخر الزمان؟ قلت: معنى كونه آخر الأنبياء أنه لا ينبأ أحد بعده، وعيسى مما نبئ قبله، وحين ينزل، ينزل عاملاً على شريعة محمد مصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته" (19) .
وقال البيضاوي في تفسيره: "محمد، صلى الله عليه وسلم، آخر أنبياء الذي ختمهم أو ختموا به، ولا يقدح فيه نزول عيسى بعده، لأنه إذا نزل كان على دينه" (20) .
وإن المسلم يجب أن يكون معتقداً اعتقاداً جازماً بأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هو خاتم الأنبياء، وإن عدم الإيمان بختم النبوة بمحمد، صلى الله عليه وسلم، فهذا جزم بأن صاحب هذا الاعتقاد كافر وليس بمسلم على الإطلاق، فالإيمان بختم النبوة من المسلمات ومن الأمور المعروفة في الدين بالضرورة، وقد ادعى رجل في عصر الإمام الأعظم أبي حنيفة النبوة وقال أنه عنده دليل على صحة نبوته فقال الإمام الأعظم رضي الله عنه: من طلب منه الدليل فقد كفر، لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم،قال في الحديث الصحيح: ((لا نبي بعدي)) (21).
خامساً: إجماع الصحابة
ولقد أجمع الصحابة، رضوان الله عليهم، بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أنه النبي الخاتم بدليل أنهم أنفسهم الذين نقلوا إلينا أحاديث ختم النبوة بمحمد، صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أجمعوا على قتال المتنبئين بعد وفاته، صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن أبي أوفى، رضي الله عنه، لما سئل عن إبراهيم ابن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:((مات صغيراً ولو قضى أن يكون بعد محمد، صلى الله عليه وسلم، نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده)) (1) .
ويقول القاضي عياض: "أخبر، صلى الله عليه وسلم، أنه خاتم النبيين، لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس، وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد منه دون تأويل و تخصيص" (2) .
ويقول الآلوسي في تفسيره روح المعاني: "وكونه ، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدعي خلافه، ويقتل إن أصر" (3) .
ولقد أراد الله أن يفضح القادياني ويكشف ستره وكذبه، فبان ذلك جلياً في نبوءاته الكاذبة، وهذا طرف من أكاذيبه.
سادساً: كذب القادياني
في نبوءاته
وبعد أن أثبت لنفسه النبوة كان حتماً عليه أن يخبر بالمغيبات على طريقة الرسل الذين يطلعهم الله على غيبه لمصلحة يعلمها عز وجل.
فكان الغلام إذاً على نفس المسلك، ولكن كان بينه وبين المسلك النبوي كما بين السماء والأرض.
|
ما أبعد
الفرق بين القوم في شرف
|
وبيننا يا حثالات الحثالات (1)
|
لقد ظن الغلام أنه بمجرد الإخبار بالمغيبات تثبت نبوته، وتناسى مصداق ما يخبر به النبي ووقوعه على وفق ما أخبر، ولقد خانه الحظ السعيد في أغلب أخباره فكانت تأتي النتائج سلبية وبعكس ما يخبر به تماماً مرة بعد مرة، ولقد عانى هموماً شديدة من ذلك، إلا أنه كان يحاول إخفاء ذلك بشتى الأجوبة والحيل لتغطية الفشل الذريع الذي كان يمنى به، ولكنه كان من الثبات بمكان؛ فلا يفشل في خبر إلا وقد جاء بغيره على طريقة الكهان الذين يصدقون في كل مائة كذبة مرة واحدة، لتكون منطلقاً لنشرها بين الناس.
وتنبؤاته كثيرة ومتنوعة، بعضها يعود إلى حياته الشخصية وبعضها إلى غيره من الناس، وبعضها إلى الأحوال الطبيعية والتغيرات المستمرة في الكون، وقد قال في بيانه لكثرتها وفي بيان أنها كلها إلهام: (وأنها أنباء كثيرة منها ذكرنا ومنها لم نذكر ،وكفى هذا القدر للأتقياء) (2) .
وفيما يلي نذكر بعض تلك الإلهامات التي جاء بها للتدليل على نبوته ومنها:
1 - قصة غرامية حصلت له - لا يهمنا منها إلا جانب واحد، ومفاد هذه القصة أن الغلام أحب امرأة تسمى محمدي بيكم بنت الميرزا أحمد بك، وهو ابن خاله. خطبها الغلام بعد أن زعم أن الله أوحى إليه أنها ستكون زوجة له، وأن الله وعده بذلك، والله لا يخلف الوعد، وتحدى على ذلك كل من أراد أن يحول بينه وبين الزواج بها، وجاء بإلهامات وأخبار طويلة، وأن الذي يتزوجها غيره لا بد وأن يموت في خلال سنتين.
وخاب أمله ورفض والدها أن يزوجها منه رغم ما بذل في تحقيق ذلك، ورغم هذه الصولات والجولات فقد وقع المحذور وتزوجت هذه المرأة من غيره، وأنجبت له أولاداً وعاش زوجها عيشة هنيئة سنين عديدة، ومات الغلام وهو يتحدى من يشككه في إخبار الله له، وصدق عليه قوله حين قال متحدياً:
(إن لم يتحقق هذا النبأ فأكون أخبث الخبثاء أيها الحمقى) (3) ، يخاطب مخالفيه. بل وأكد أن هذا الخبر هو معيار لصدقه من كذبه (4) ، فقد مات ولم يتزوجها لا هو ولا أحد من أقربائه.
2 - وتنبأ كذلك بأمور كثيرة خاب أمله فيها كلها، فقد جرؤ على ادعاء أمر خطير جداً يظهر فيه كذب الكاذب بعد فترة بسيطة مهما كان، وذلك هو ادعاؤه علم الغيب ومعرفة وفيات الناس الذين يغضب عليهم حيث قال: إن فلاناً الذي عاداني سيموت بعد كذا من المدة؛ يحددها بالتاريخ، فينتظر القاديانيون بفارغ الصبر تحقيق تلك النبوءة فينعكس الحال تماماً. والأمثلة على ذلك كثيرة، ولا يهمنا استقصاؤها؛ ذلك أنها جزء متمم لدعوى النبوة وفرع عنها. وما دام الأصل قد قام على شفا جرف هار؛ فإن الفرع تبع له.
وقد صارت أخبار نبوءاته وفشله فيها من الحكايات التي يتسلى بها الناس، ومن ذلك:
1 - ما تنبأ به من موت رجل نصراني اسمه عبد الله آثم، ناظره فلم يفز الغلام عليه فغضب، وأراد أن يمحو العار عن قصوره أمام هذا النصراني فزعم أن عبد الله آثم سيموت إن لم يتب بعد خمسة عشر شهراً - حسب ما أوحى به الله إليه - وأكد ذلك بقوله: (ما فتح علي الليلة هو هذا: بأني حينما تضرعت وابتهلت أمام الله عز وجل، ودعوت منه بأنه يفصل في هذا الأمر؛ فأعطاني آية بأن الكذاب يموت في خمسة عشر شهراً بشرط ألا يرجع إلى الحق، والصادق يكرم ويوقر، وإن لم يمت الكذاب في خمسة عشر شهراً، من 5 مايو سنة 1893م، ولم يتحقق ما قلت، فأكون مستعداً لكل جزاء يسوِّد وجهي وأذلل ويجعل في جيدي حبل وأشنَق، وأنا أقسم بالله العظيم أنه يقع ما قلت ولا بد له أن يقع) (5) .
رحم الله من قال:إن البلاء موكل بالمنطق، لقد أوقع الغلام نفسه في مأزق حرج لم يخرج منه بعد ذلك لا هو ولا أتباعه، وقد وقع له في هذا الخبر الذي زعم أنه عن الله تعالى - أمور:
أنه وحي من الله.
حدده بالمدة الدقيقة.
وجدت فيه صفة الحلاف المهين.
سب نفسه بأقذع السب إن كذب، وقد كذب.
أنه يستحق أن يشنق إن كذب.
فماذا كانت النتيجة؟ لقد كان القاديانيون ونبيهم يلهثون مما يجدون من خوف العار وظهور الكذاب، وصاروا ينظرون إلى المدة بغاية القلق والهم، كأنما يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ [الأنفال:6] ، كلما مر يوم اصفرت وجوههم، وملئوا المساجد بالصلوات والابتهالات أن يموت عبد الله آثم، إلى أن انتهت المدة والرجل في كمال صحته، فأسقط في أيديهم وخاب أملهم.
فادعوا أن عبد الله آثم قد رجع عن النصرانية، ولهذا أمهله الله ولم يمته، فلما سمع بذلك كتب يكذبهم ويفتخر أنه مسيحي وعاش بعد ذلك مدة.
2 - نبوءته عن نفسه بأنه لا يموت حتى يتجاوز سنة 1920م، ثم مات سنة 1908م (6) .
3 - نبوءته عن رجل اسمه عبد الحكيم من المسلمين، ناظره فغضب الغلام وزعم أنه أوحي إليه أن عبد الحكيم سوف لا يعيش طويلا، بل يموت في حياة القادياني، فكانت النتيجة بالعكس؛ إذ مات الكذاب منهما في حياة الصادق كما هو تعبير القادياني، وعاش عبد الحكيم بعد موت الغلام زمناً (7)
4 - قصة مناظرته مع الشيخ ثناء الله الأمر تسري ودعاؤه أن يهلك الله الكاذب منهما في حياة الصادق بمرض خطير مثل الكوليرا أو غيرها؛ فاستجاب الله دعاءه وأمات الكاذب –الغلام - وبقي الشيخ ثناء الله بعده مدة طويلة (8) .
5 - وكان يتنبأ بأن زوجته ستلد ولداً جميلاً ذكراً، وأن الله أخبره بذلك، فتلد زوجته أنثى، وحدث هذا أكثر من مرة، ومع ذلك لم ييأس الغلام أن يصدق في أي مرة.
6 - ومن أكاذيب نبوءته أن الطاعون لا يمكن أن يصل قاديان ما دام فيها رسوله - أي يقصد نفسه - حتى ولو استمر الطاعون سبعين سنة (9) ، فكذبه الله ودخل الطاعون قاديان وفتك بهم، بل ودخل بيت الغلام نفسه، وكانت وفاته به، مع أن الطاعون آنذاك لم يعم البلاد والقرى المجاورة لقاديان كلها، قال في ضميمة الوحي: (وآية له أن الله بشره بأن الطاعون لا يدخل داره وأن الزلازل لا تهلكه، وأنصاره، ويدفع الله عن بيته شرهما) (10) . وقال أيضاً:
(وجعل الله داره حرماً آمناً، من دخلها حفظ من الطاعون وما مسه شيء من الأذى) (11) .
7 - وتنبأ لأحد أتباعه - ويسمى منظور محمد - أن زوجته - وكانت حاملاً - ستلد ولداً مباركاً يسمى بشير الدولة من زوجته محمدي بيجوم، فكانت النتيجة أن زوجة منظور ولدت بنتاً، ثم لم تلد حتى ماتت (12) .
8 - وأحياناً كان يتنبأ بوقوع زلازل هائلة يتأثر منها حتى الجن والطيور، وأنها ستقع في مدة أقصاها كذا وكذا، ولكن النتيجة تظهر لتكذيب الغلام ولا يقع إلا الخير، لا الزلازل التي تنبأ بها بإخبار الله له - كما يزعم - .
9 - وتنبأ بأن الله أوحى إليه إلهاماً أنه سيتزوج بعد تاريخ سنة 1886م نساء (13)ذوات بركة وخير ينجبن له أولاداً صالحين، وكانت النتيجة أنه مات قبل تحقق هذا الوحي المزعوم.
10 - وتنبأ لمولود له اسمه مبارك أحمد بأنه يكون له فضل على العالمين، ويكون له شهرة عالمية وأيادٍ على الخلق (14) ، وكانت النتيجة أن الولد مات بعد ثمان سنوات من عمره.
يذكر الأستاذ إلهي إحسان ظهير هذه النبوءة من نبوءاته الكاذبة: "من نبوءاته أنه ولد له ولد بتاريخ 14 يونيو سنة 1899م، وسماه "مبارك أحمد" وبعد ولادته بأيام، أعلن المتنبئ: "إن هذا الولد نور من نور الله، ومصلح موعود، وصاحب العظمة والدولة، ومسيحي النفس، ومشفي الأمراض، وكلمة الله، وسعيد الحظ، وهذا يشتهر في أنحاء العالم وأطرافها، يفك الأسارى، ويتبرك به الأقوام (الغلام القادياني، ترياق القلوب/ ص43)، فمرض هذا الولد سنة 1907م، أي بعد ولادته بثماني سنوات، فاضطرب غلام أحمد أيما اضطراب، لأنه كان قد أعلن أن هذا الولد يكون كذا وكذا، فعالجه بكل علاج ممكن، وفي تاريخ 27 أغسطس 1907م حينما خف مرضه أعلن المتنبئ : "ألهمني الله بأنه قد قبل الدعاء، وذهب المرض، ومعنى هذا أن الله قبل الدعاء، ويشفي مبارك أحمد : "بدر" جريدة قاديانية 29 أغسطس 1907م".
وما أن أعلن المتنبئ القادياني هذا الافتراء على الله حتى عاد المرض من جديد، وفي 16 سبتمبر سنة 1907م، مات هذا المصلح الموعود، وصاحب العظمة والدولة، مشفي الأمراض، ومسيحي النفس، والذي كان الأقوام منتظرة له حتى يفك الأسارى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم" (15) . (17)
ورغم وقوع القادياني في أكثر من موقع حرج يبطل ما يتنبأ به، فإنه لم يتعظ من كل حادثة يكذب فيها، بل يشفع الكذبة بأخرى، ولعله كان يأمل أن يصيب مرة ويخطئ مرة أخرى، ولعل هذه المواقف المخزية التي تعرض لها كثيراً ولم ينته عن غيه إنما تدل على عدم احترامه لنفسه، وتدل كذلك على أن أتباعه أيضاً لا عقول لهم، بل هم في عداد البهائم؛ حيث لم يرتابوا في تلك النبوءات الكثيرة التي كذَّب الله فيها الغلام، خصوصاً وأنها تتعلق بأمور لا تخفى نتائجها كموت فلان وولادة فلان ...إلخ.
وقد بدأ القاديانيون يفسرون تلك النبوءات تفسيرات وتأويلات متكلفة؛ ليوهموا الناس بصدق غلامهم، كما أن الغلام نفسه وبعد أن ذاق الأمرين من تنبؤاته الكاذبة سلك مسلكاً آخر لتنبؤاته؛ وهو أنه إذا سمع بحادثة ما زعم على الفور أنه كان قد تنبأ بها، وأخبر بها قبل وقوعها وكل كاذب يجد من يصدقه، ولكل صوت صدى.
وأحياناً كان يتنبأ بوقوع أمور طبيعية لا بد من وقوعها، كقوله مثلاً:
ألهِمْت أن فلاناً سيموت وألهِمْتُ أن حرباً ستقع بين الناس، وأن الزلازل ستحدث ونحو ذلك من الأمور التي تقع عادة، فإن جاءت كما أخبر فرح بها هو أتباعه وإن كان العكس نكسوا رءوسهم قليلاً، ثم يأخذون في جمع وتلفيق المبررات.
وفي كتابه (ضميمة الوحي) تنبأ في أكثر من مكان بأن الناس سيأتون إليه في قاديان أفواجاً، فقال عن نفسه عن طريق الإلهام: (ويعان من حضرة الكبرياء، وتأتيه من كل فج عميق أفواج بعد أفواج، كبحر مواج حتى يكاد أن يسأم من كثرتهم ويضيق صدره من رؤيتهم ويروعه ما يروع العايل المعيل عند كثرة العيال وحمل الأعباء وقلة المال) (16) (1404).
فكانت النتيجة عكس ذلك: (حوربت القاديانية من قبل المسلمين في الهند وباكستان حرباً شعواء، وخرجت مهزومة محكوم عليها بالارتداد والكفر بالله، ولم تنتشر إلا في بلدان نائية بين جهلة المسلمين وعوامهم. (1
8)
المطلب الرابع: أهم
المؤلفات في الرد عليهم
وقد ألف في الرد على القاديانية ونقض أباطيلهم غير واحد من العلماء بالعربية والفارسية والأوردية - لغة القادياني الضال المردود عليه – وهذا غيض من فيض من أسماء تلك المؤلفات مع تاريخ طبعها ومكانه:
(هدية المهديين في آية خاتم النبيين) لأستاذنا العلامة محمد شفيع سماحة مفتي باكستان كاتب مقدمة التصريح هذه حفظه الله تعالى
(القاديانية ثورة على النبوة المحمدية والإسلام) لصديقنا العلامة الداعية الكبير الأستاذ السيد أبي الحسن الندوي الهندي حفظه الله تعالى طبع في الهند دون تاريخ ثم طبع في القاهرة سنة 1375
(القادياني والقاديانية) له أيضا ط الهند 1378
(المسألة القاديانية) للأستاذ أبي الأعلى المودودي حفظه الله تعالى ط القاهرة 1373
(البيانات في الرد على القاديانية) له أيضا
(حقيقة القاديانية) للأستاذ محمد لقمان الصديقي ط القاهرة 1375
(إكفار الملحدين في ضروريات الدين) لإمام العصر محمد أنور شاة الكشميري مؤلف كتاب (التصريح) ط الهند 1350
(صدع النقاب عن جساسة الفنجاب - القادياني-) للإمام الكشميري أيضا - نظم - ط الهند 1343
(طائفة القاديانية) لأستاذنا العلامة الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى ط القاهرة 1351
(فصل قضية القادياني) للعلامة أبي الوفاء ثناء الله الأمرتسري الهندي ط الهند
( رسالة في الرد على القاديانية) للشيخ محمد نذير حسين الدهلوي
(الفتح الرباني في الرد على القادياني) للقاضي حسين بن محسن الأنصاري
(الحق الصريح في إثبات حياة المسيح) للشيخ محمد بشير السهسواني
(إشاعة السنة) للشيخ أبي سعيد محمد حسين اللاهوري
(إعلاء الحق الصريح بتكذيب مثيل المسيح) للشيخ محمد إسماعيل الكولي
(عصا موسى) ذكرت هذه الكتب السبعة في (عون المعبود على سنن أبي داود) لشرف الحق العظيم آبادي 4/406 وما أدري هل كلها بالعربية أم بعضها بالأوردية .
(النصال الشفوية في الرد على القاديانية) لعلامة مدينة دير الزور من بلاد الشام الشيخ حسين محمد الخالدي رحمه الله تعالى ط دمشق1372
(سهام النضال في رد الضلال في الرد على الرسالة الموسومة بالحقائق الأحمدية) لأحمد الهندي المدعي أنه عيسى للعلامة الشيخ حسين أيضا ط حلب 1377
(الأسس السياسية للحركة القاديانية) للأستاذ السيد العباسي من علماء دار السلام في مدينة دربن جنوبي إفريقيا ترجمت عن الإنكليزية إلى العربية ط دمشق 1377
(منشأ القاديانية ومقاصدها الخبيثة) حديث لندوة العلماء الأجلاء في مجلة لواء الإسلام المصرية في سنتها الثالثة عشرة سنة 1379ص 381 - 392
(السيف الرباني في عنق جلال شمس القادياني) للشيخ جميل الشطي الدمشقي باسم تأليف مسلم دمشقي ط دمشق 1350
(الإنكليز والقاديانية) للشيخ محمد عمر الملتاني دون تعيين مكان الطبع وزمانه
(كشف الأستار عن القاديانية مطية الاستعمار) له أيضا ط دمشق 1377
(البرهان المبين في تأييد فتاوى المفتين) للعلامة الشيخ محمد هاشم الخطيب رحمه الله تعالى ط دمشق
28 ثلاثة كتب أخرى في نقض القاديانية له أيضا- ط دمشق.
29 - (فصل الخصام في الرد على كشف اللثام) للعلامة محمد أبي ذر النظامي الأيوبي رحمه الله تعالى ط حمص
30 - (الحق المبين في الرد على القاديانيين الدجالين) للشيخ محمد حمدي الجويجاتي- ط دمشق 1367
31 - (حجة العجلان على جماعة قاديان) للشيخ محمد وحيد الجباوي ط دمشق 1368
ما ألف منها بالأوردية
32 - (ختم نبوت) لأستاذنا العلامة الشيخ محمد شفيع مفتي باكستان حفظه الله تعالى
33 - (قادياني مذهب) للشيخ محمد إلياس برني
34 - (كلمة الله في حياة روح الله) لأستاذنا العلامة محمد إدريس الكاندهلوي مؤلف (التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح) وشيخ الحديث بالجامعة الأشرفية في لاهور حفظه الله تعالى
35 - (الخطاب المليح في تحقيق المهدي والمسيح) لحكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى
36 - (الشهاب لرجم الخاطف المرتاب) لشيخ الإسلام العلامة شبير أحمد العثماني رحمه الله تعالى
37 - (خاتم النبيين) لإمام العصر محمد أنور شاه الكشميري ط الهند
38 - (فتنة مرزائيت) لإمام العصر الكشميري أيضا ط الهند
39 - (الجواب الفصيح لمنكر حياة المسيح) لتلميذ إمام العصر أستاذنا العلامة الشيخ محمد بدر عالم الميرتهي المهاجر المقيم في المدينة المنورة حفظه الله تعالى وقد ترجم إلى الإنكليزية
40 - (درة الدراني على متن القادياني)
41 - (سيف جشتيائي)
42 – ( شهادة القرآن). هذه الثلاثة ذكرها الإمام الكشميري في كلمته التي سبق تعليقها في ص 41.
43 - (عشرة كاملة في إبطال الفتنة المرزائية والنبوة الباطلة) لشيخ مشايخنا العلامة الكبير الشيخ خليل أحمد السهارنفوري مؤلف (حل المقصود من سنن أبي داود) رحمه الله تعالى
44 - (فتح قاديان) للعلامة السيد الشيخ مرتضى حسن رئيس شعبة التبليغ في دار العلوم الديوبندية
45 - (فيصلة مقدمة بهاولبور) . وهي في الأصل دعوى رفعت من مسلمة قد ارتد زوجها بدخوله في القاديانية فرفعت عليه دعوى الردة إلى دار القضاء في بهاولبور بدخوله في القاديانية فحكم القاضي بارتداده وفسخ النكاح . وفي هذا الكتاب أمور مهمة من شهادات العلماء الأكابر في دار القضاء
46 - (آنينئه مرزائيت) للعلامة الشيخ عبد العليم الصديقي الهندي رحمه الله تعالى
47 - (مرزا غلام أحمد كفريه أقوال توحيد وصفات باري مين همسري) للعلامة الشاه أحمد نوراني . أفادني كثيرا من هذه المؤلفات أستاذنا محمد شفيع (1)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق