الأربعاء، 18 أبريل 2018

الحوار والخلافة

الحوار والخلافة

دخل "فادي" إلى الشركة التي يعمل فيها لا ككل مرة؛ إذْ تظهر عليه ملامح الحزن المُشْرَبِ بغضب وإعياء مما دعا زميلَه في العمل إلى مبادرته قائلاً:
وليد:
خيراً إن شاء الله؟! ما الأمر؟ ولماذا تَلْبَس السواد؟
فادي:
هل نسيتَ أن اليوم هو الأول من شهر محرم؟ بل أنت لماذا ترتدي البياض؟

وليد:
كيف أنسى وقد حضرت البارحة احتفال ذكرى الهجرة النبوية؟ وأما البياض فهو لون كان يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فادي:
أما أنا فكنت في مجلس العزاء الحسيني لليوم الأول، وقد عَرض لنا السيد تفاصيل حَادثة الغدير، وأنشدَنا بعض أبيات بطرس سلامة في "ملحمة عيد الغدير".

وليد:
نعم إنه اليوم الذي أكد فيه النبي صلى الله عليه وسلم الفكرة التي طالما كررها؛ ألا وهي عظمة الإمام عليّ رضي الله عنه ومكانته عند الله وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قلب كل مؤمن.
فادي:
هل هذا هو عيد الغدير عندكم؟

وليد:
إنني لا أعرف أنه عيد يضاف إلى عيدي الفطر والأضحى، ولكن ماذا يعني لكم أنتم هذا اليوم غير ذلك التكريم العظيم؟!
فادي:
ألم تسمع بالوصية التي أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم لصهره بالإمامة مِن بعده؟ تذكَّر تفاصيل القصة. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كنت مولاه فعَلِيٌّ مولاه. اللهم والِ مَن والاه وعادِ من عاداه". إنه صاحب الحق بالإمامة بعده...

وليد: -
يقاطعه- هل سمعت نتائج الانتخابات العراقية أمسِ؟ لقد غطت تحليلاتها الصفحات الأولى في الجرايد اليوم، وكادت تصريحات بوش وبلير حول العراق تُنسينا العراكَ على قانون الانتخابات النيابية في لبنان ودوائر بيروت.
فادي:
هكذا دائماً نتهرب من مواجهة الحقيقة!

وليد:
دَعْنا الآن يا فادي من موضوع مَرَّ عليه 1400 عام، فإنا إذا لم نتحدث عنه لا نُحاسب، ولكن إن تحدثنا فقد نَزِلّ ونُصيب قوماً بجهالة فنحاسب ونعاقب. فلنتكلم على واقعنا لِنَحُلَّ مشكلات اليوم.
فادي:
إن مشكلات اليوم لا تُحل إلا انطلاقاً من تصحيح أخطاء الماضي. ولكن ربما تكون الحقائق مُحرِجة، أَليس كذلك؟!

وليد:
لعلك تقصد أن الوصية بالإمامة لعلي رضي الله عنه أَمْرٌ رباني، وبالتالي فما جَرى يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من مبايعة أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة كان استغلالاً لانشغال الإمام علي رضي الله عنه بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم لدفنه؟
فادي: -
يحرك رأسه علامةً على الإقرار-.

وليد:
وبناء على ما سَبق فكل الذين بايعوا أبا بكر رضي الله عنه في السقيفة أو حتى بعدها -وهم كل الصحابة إلا 6 بحسب مراجعكم- قد خانوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وغدروا بعَليّ، وهُم بالتالي فسقة خائنون بل ربما ارتدوا عن الإسلام أو أظهروا نفاقهم المَخْفيّ! أليس كذلك؟
فادي: -وقد انفرجت تقاسيم وجهه وعلاه السرور يقول:- عافاك! أنتم تعرفون كل القصة إذنْ!

وليد:
ولكنني لم أكملها كلَّها، بقي المشهد الأخير إذا مَشَينا على نفس المنطقِ وطريقةِ التفكير؛ وهو أن عليّاً أيضاً -إذا قلنا إنه هو الوصي وسكت على اغتصاب الإمامة والحكم منه- يكون قد خان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وفسق وربما ارتد!
فادي: -
وقد تمعّر وجهه- لا أبداً. إنه سكت عن الموضوع لكي لا يُحدث فتنة ولا يشق صف الأمة.

وليد:
إذا سكت هو عن الموضوع في وقته لكي لا يحدث فتنة -كما تقول- فلماذا لا تسكت أنت عن الموضوع بعد مرور 1400 سنة لكيلا تحدث فتنة؟! ثم متى كان تنفيذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة؟ ولماذا قاتل عليٌّ معاويةَ رضي الله عنهما بعد نحو 30 سنة هل صارت الفتن مقبولة يومها؟
فادي:
إن الإمام وجد من يعاونه على الحق يومَ اختلافه مع معاوية، وهل تريده أن يواجه أمة وحده لينتحر؟ قد "هوجِم دار علي وهُدِّد إذا لم يُبايِع أن يُحرَق بالنار" إنه كان موضوع خطبة الجمعة (17 ذو الحجة 1425) التي حضرتها لسماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله..

وليد: -
يقاطعه- ماذا؟!!! لا أكاد أصدق ما أسمع! عذراً يا صاحبي، فلعلك تتكلم عن عَلِيٍّ غير الإمام علي بن أبي طالب الذي أعرفه تربَّى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل خِصال الإيمان والشجاعة؛ على ألا يخشى في الله لومةَ لائم، إنه صاحبُ سيف "ذو الفقار"، أبو الحسنين سيدَيْ شباب أهل الجنة، زوجُ الزهراء، فاتحُ خيبر وحاملُ الراية فيها وقاتلُ بطل اليهود مِرْحب، ومبارزُ بطل قريش عمرو بن عبدِ ودّ وقاتلُه... وهل ابنه الحسين رضي الله عنه أحدث فتنة أو انتحر بسبب قلة عدد جيش؟ أم أنه أشجع من أبيه رغم وجود وصية لِعلي -كما تدّعي-؟ الآن أكاد أفهم معنى قول مدير تلفزيون المنار السابق الأستاذ نايف كريم في مقالته "قاطعوا صناع الأساطير": (شوّهنا هذه الصفحة التاريخية المشرقة وارتكبنا خيانة كبرى بحق الإمام الحسين ، بحيث إنه لو ظهر إلى عالم الوجود المادي اليوم، لاتهمنا بقلب حقيقة الواقعة رأسا على عقب، ولقال: إنني لست ذلك الحسين الذي رسمتموه في خيالكم). ولعلك تقول: إنها من الإمام علي رضي الله عنه تقية؟!
فادي
: ولِمَ لا؟ إلا أن تتقوا منهم تُقَاة.

وليد:
يا لَلعجب! تَقِية من مثل الإمام علي رضي الله عنه؟ ثم ينضم إلى صَفِّهم ويُقاتل تحت رايتهم ويتولى القضاء في دولتهم ويُسمي أولاده بأسمائهم
فمنهم: أبو بكر وعثمان (اللذان استشهدا مع أخيهما الحسين في كربلاء) وعمر؟ وكذا الحسنُ والحسينُ رضي الله عنهما يُسميان بهذه الأسماء في حياة أبيهما!
ثم هل تَصِل "التقية" والخوف إلى حَدِّ أن يزوِّج عليٌّ ابنتَه أُمَّ كلثوم من عمر قبيل وفاة عمر (رضي الله عنهم جميعاً) إذا كان عمرُ خائناً مغتصباً لحق عليّ في الخلافة بل وكافراً؟! هذا نفاق وجُبن لا يرضاه الأرذال فكيف تجرؤ بنسبته إلى سيد المؤمنين علي صلى الله عليه وسلم؟
فادي
: فبماذا تفسِّر "مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه..."؟ أم هو من الإسرائيليات!

وليد:
أولاً إن كل ما سبق يَدل على أنه يستحيل أن يكون معناه الوصية بالإمامة من بعده، ومن قال إلى كلمة "مَوْلى" ليس لها معنى إلا الإمام الحاكم؟ نعم الحديث فيه بيان عظمة سيدنا عليّ وهذا لا يُنكر، ولكن هل مجرد العظمة هي علامة على استحقاقه الحكم "بالتزكية" ودون منافسة؟ هناك نصٌّ ثابت عندنا قد يكون أقرب إلى غايتك وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه: "أما تَرضى أن تكون مني بمنـزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي".
فادي:
مِن فَمِك أُدينُك،هل هنالك أوضحُ من هذا الكلام؟ أليست هذه وصية؟ وماذا ستفعل بهذا الحديث؟!

وليد:
سأحاول أن أَفهمه بتجرد دون أحكام مسبقة أو عصبية أو تحريف. متى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ ولماذا؟
فادي:
متى؟ وما هو تأثير ذلك على هذه الألفاظ الصريحة؟ سواء أكان قُبيل وفاته أو حتى في مكة!

وليد:
لِنُحاول أن نَفتح عقولَنا؛
إن سبب هذا الحديث هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أراد الخروج إلى غزوة تبوك، ولَّى عليّاً على المدينة المنورة،
فقال المنافقون إيذاءً له: إن النبي استبقاه ليتخلص من صحبته!!
فلبس سلاحَه ولحق بالجيش على بُعد 3 أميال وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم
بقولهم الحاقد.
فقال صلى الله عليه وسلم: كَذَبُوا. ولكني خَلَّفتك لِمَا تركتُ ورائي. فارجع فاخلُفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنْزلة هارون من موسى؟" أي أنا أستخلفك كما استخلف موسى أخاه هارون على قومه عندما ذهب إلى ميعاد ربه 40 ليلة. وربما ستفاجأ إذا عرفت بأن هارون مات قبل موسى ولم يكن خليفته من بعده. إذن لا علاقة لهذا الكلام بالخلافة.
فادي:
وماذا تفعل بالكم الضخم من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الإمام علي عليه السلام إذن؟ هناك نصوص أخرى.

وليد:
مثلما أفعل بالكم الضخم من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل باقي الصحابة.
لماذا يضيق صدرُك عن أن تكون التربية النبوية أنتجت عظماء كثيرين تميز بعضهم في جانب وبعضهم في جوانب كثيرة؟
◄ "لو كان بعدي نبي لكان عمر" "
◄ما طلعت الشمس بعد النبيين على خير من أبي بكر"
◄"يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر"...
◄وماذا تفعل بالقرآن ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة : 40]،
◄ولماذا كلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالصلاة إماماً في مَرَضِ موته ♥هل نسي أن له ابن عم اسمه عليّ؟
♠لماذا تدخل التاريخ عشوائياً بشكل يولّد البغض ويشق الصف ويغيّبنا عن واقعنا كان الأحرى أن تتخصص فتدرس بموضوعية وتتكلم بحكمة، أو تسكت عن تخوين أناس لم تعايشهم ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة : 134]،
إنك لو متَّ ولم تسب إبليس لم تعاقب، فكيف بمن قال الله في 1400 منهم: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفتح : 18]،
◄فاتق الله فيمن رضي الله عنهم وعلم ما في قلوبهم. ولا تدَعْنا نتفرق من أجل كرسي الحكم القديم ليتسلّم الأمريكان كرسيّ الحكم المعاصر.

◄وماذا نقول لله تعالى في يومِ ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾ [الصافات : 24]؟

الجمعة، 13 أبريل 2018

◄عيسى علية السلام ابن الله

عيسى علية السلام ابن الله
استشهاد الكنيسة بآيات من القرآن الكريم بأن عيسى عليه السلام ابن الله، ودليلهم على ذلك قالوا‏:‏ لما كان الله وحده قال تعالى‏:‏ سورة طه الآية 14 ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا‏}‏ بصفة المفرد، ولما خلق عيسى عليه السلام تغير أسلوب بعض الآيات إلى صيغة الجمع وضربوا مثلا بالآية الشريفة سورة الحجر الآية 9 ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ‏}‏ و‏:‏ سورة ق الآية 43 ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ‏}‏‏.‏
وقالوا الله تعالى تكلم بصفة الجمع، أي بمعنى ‏(‏الله وعيسى عليه السلام والروح القدس‏)‏
ونحن نقول لهم :
ليس في تنوع الأسلوب القرآني وإخبار الله تعالى عن نفسه مرة بصيغة الإفراد، وأخرى بصيغة قد تستعمل في الجمع أحيانا وفي المفرد أحيانا على وجه التعظيم ليس في ذلك دليل على بنوة عيسى عليه السلام لله، ولا على إلهيته، وذلك لوجوه‏:‏
*الوجه الأول
أن تنوع الأسلوب في القرآن بالجمع والإفراد كان قبل أن يخلق الله تعالى عبده عيسى عليه السلام وأمه مريم بآلاف السنين وحين خلقهما وبعد أن خلقهما، فلا أثر لوجودهما في تنوع الأسلوب، بل ذلك لأمر آخر يتبين مما يأتي‏:‏ قال الله تعالى سورة الحجر الآية 26 ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ‏}‏ سورة الحجر الآية 27 ‏{‏وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ‏}‏ وقال سورة الكهف الآية 50 ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ‏}‏‏.‏
فجاء الأسلوب متنوعا قبل أن يكون عيسى وأمه عليهما السلام، وقال تعالى‏:‏ سورة المائدة الآية 44 ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور‏}‏ إلى أن قال سورة المائدة الآية 44 ‏{‏فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ‏}‏ سورة المائدة الآية 45 ‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ‏}‏ إلى أن قال سورة المائدة الآية 46 ‏{‏وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ‏}‏ إلى أن قال‏:‏ سورة المائدة الآية 48 ‏{‏وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ‏}‏ وقال سورة نوح الآية 1 ‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ‏}‏ وقال في خليله إبراهيم عليه السلام‏:‏ سورة مريم الآية 49 ‏{‏فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا‏}‏ سورة مريم الآية 50 ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا‏}‏ وقال في كليمه موسى عليه السلام‏:‏ سورة مريم الآية 52 ‏{‏وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا‏}‏ سورة مريم الآية 53 ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا‏}‏ وقال‏:‏ سورة النساء الآية 163 ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ‏}‏ الآية، وقال سورة الأنبياء الآية 91 ‏{‏وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏‏.‏
وقال‏:‏ سورة المائدة الآية 110 ‏{‏إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ‏}‏ الآيات، وأمثالها من الآيات تنوع في الأسلوب إفرادا وجمعا في خلق عيسى ومخاطبته وقبل خلقه، ومن هذا يتبين أن الأسلوب ما تغير بعد خلق عيسى عليه السلام ليكون دليلا على بنوته لله أو إلهيته معه، بل لأمر أخر يعرف من الوجه الثاني‏.‏
*الوجه الثاني
أن كل من عرف لغة العرب وأسلوبهم في التعبير يعلم أن ضمير التكلم مثل كلمة ‏(‏أنا‏)‏، وتاء المتكلم يستعملها الفرد في الحديث عن نفسه، أما ضمير التكلم لفظ، ‏(‏نحن‏)‏، و ‏(‏نا‏)‏، فيستعملها الاثنان فأكثر، وقد يستعملها الفرد العظيم أو المتعاظم إشعارا بعظمته، وسياق الكلام ومقتضى الحال وما احتف بالحديث من القرائن هو الذي يرشد القارئ والسامع إلى المراد ويعين المقصود، ومن خالف في ذلك فهو إما جاهل عميت عليه الأنباء، وإما معاند يريد التلبيس وتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعا للهوى، ويأبى الله إلا أن يحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، ويكشف ذلك الوجه الثالث‏.‏
*الوجه الثالث
أن القرآن كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، يفسر بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وقد قال تعالى فيه سورة مريم الآية 88 ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا‏}‏ سورة مريم الآية 89 ‏{‏لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا‏}‏ سورة مريم الآية 90 ‏{‏تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا‏}‏ سورة مريم الآية 91 ‏{‏أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا‏}‏ سورة مريم الآية 92 ‏{‏وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا‏}‏ سورة مريم الآية 93 ‏{‏إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا‏}‏ وقال سورة الإخلاص الآية 1 ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ‏}‏ سورة الإخلاص الآية 2 ‏{‏اللَّهُ الصَّمَدُ‏}‏ سورة الإخلاص الآية 3 ‏{‏لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ‏}‏ سورة الإخلاص الآية 4 ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ وقال سورة آل عمران الآية 59 ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏ فوجب على من آمن به أن يجمع بين آياته، ولزم من استدل بنصوصه أن ينصفه من نفسه، فلا يستدل ببعضه ويعرض عن بعض، وألا يلبس الحق بالباطل ليضرب بعضه ببعض بغيا وعدوانا ترويجا للباطل، كما فعل أسلافهم اليهود بالتوراة، فأنكر الله عليهم ذلك بقوله‏:‏ سورة البقرة الآية 85 ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ الآيات‏.‏
وعلى هذا لزم من نحا نحو القرآن ليستدل به أن ينفي بنوة عيسى عليه السلام لله وإلهيته مع الله، ويثبت وحدانية الله تعالى، لما ذكر من الآيات، ولقوله تعالى سورة المائدة الآية 72 ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ‏}‏ سورة المائدة الآية 73 ‏{‏لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ‏}‏ الآيات وأمثال ذلك في القرآن كثير، وإلا فليكفوا عن هذا التلاعب حتى لا يلزمهم العار، ويضحكوا العقلاء من نفسهم، ويحق فيهم المثل القائل ‏(‏ليس هذا بعشك فادرجي‏)‏‏.‏
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم

الثلاثاء، 10 أبريل 2018

◄سكِرَ الناس بحب الدنيا


سكِرَ الناس بحب الدنيا
الحمد لله الذي جعل الدنيا دار ممر إلى دار مقر، ومزرعةَ أعمال، وفرصة إمهال؛ لنتزود منها بصالح الأعمال إلى دار المآل.

أيام تمضي، وسنونَ تنقضي، وأعمار تنتهي، ولا يبقى إلا العمل بعد انقضاء الأجل سبباً للسعادة، أو للشقاوة.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفضل على عباده بإرسال الرسل، وإنزال الكتب للبشارة والنذارة؛ لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل، و لئلا يقول الخلق: ما جاءنا من بشير ولا نذير وقد جاءهم بشير ونذير.

وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله الذي أرسله الله بالجنة مبشراً، ومن النار محذِّراً، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- فالتقوى سبب كل هناء، وذهاب كل شقاء، فيا فرحة المتقين يوم لقاء رب العالمين، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: 54-55].

أيها المسافرون في سفرة الحياة الدنيا، العابرون طريقَ المهلة القصيرة، يا من لا تزالون على السبيل سائرين، يوشك أن تصلوا.

كم من غافلٍ في هذه السفرة لم يفكر في وجهة سفره، وكم قد قطع في مسيرته، وكم قد بقي لاقتراب استيطانه ووصول غايته.

كم ذهب من الأيام فما اتعظ الأنام، وما استيقظ النيام، إلا عند مفاجأة الحِمام.

كم من حريص على بقاء دنياه فما بقيت له، ونهمٍ في جمع أعراضها وهي تعرض به عما ينفعه، وتعرِّضه لما يضره.

كم متمنٍ فيها قطعته أمانيه، فأوصلته إلى مهاويه.

والعجب أن يوقن الناس بالزوال وعدم البقاء في اعتقادهم وأقوالهم، ولكنَّ أفعالهم تأبى ذلك، فيستجمعون قواهم في بناء الزائل الفاني، ويهدمون بذلك الدائم الباقي.

عباد الله، يفكر الإنسان بأشياء كثيرة، ولكنه قليلاً ما يفكر بشيء واحد: قليلاً ما يفكر بالموت وحتمية الرجوع إلى الله، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: 62].

إن الموت -معشر المسلمين- حقيقة سيذوقها كل حي، وثوب سيلبسه كل متحرك بحياة، لا مناص من لقائه، ولا وزَرَ ينجي من هجمته، قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: 35].

من تذكر الموت صغُرت الدنيا في عينيه، وكبرت فيهما الآخرة، فإن كان في ضراء وضيق انفسح أمله، وقل كدره، وهانت عليه مصائبه. وإن كان في سراء وسعة تنغّص عيشه، وقل تلهّيه، وانتبهت فكرته، وضعفت شهواته، فلم يركن إلى لذائذه ومسراته؛ فهي عما قريب إلى زوال، وهو عما قليل إلى ارتحال. فما ذُكِر الموت في كثير إلا قلّله، و لا ذُكِر في قليل إلا كثّره.

أيها المسلمون، من جعل الموتَ نُصبَ عينيه استيقظت همته، واستعدت نفسه، وهيّأ زاد النجاة، وعُدةَ السلامة للملاقاة، فإن نزل به الموت قال: مرحباً بحبيب جاء على موعد.

و يا سعده يوم يسمع في تلك الحال ما جاء في حديث البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الملائكة لتقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة، في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى رَوح وريحان، ورب غير غضبان[2].

قال الله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 30].

أما الغافلون عن هذا المصرع المحتوم فما أشد ضرهم في ضرائهم، ومصيبتهم في مصائبهم! انسدت عليهم آفاق الأمل وأظلمت في أعينهم المسالك، وتاهوا في مهامه البلاء من غير دليل أو مسلِّ مخفِّف.

وإن كانوا في نِعمٍ ومنح فليس لغفلتهم غاية، ولا لهوهم نهاية، يحسبون أنهم غير متحول عنهم نعيمهم أو زائل عنهم فرحهم ولهوهم.

فما حالهم حين يبغتهم هادم اللذات، وتنزل بهم سكراته، وتحل عليهم ألآمه؟! ماذا سيقولون، وكيف ينجون؟ إنهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا، ويكرهون القدوم على الآخرة؛ لأن بضاعتهم مزجاة، وأيديهم من تقديم عمل مُنجٍ خالية.

قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة: 12].

أمة الإسلام، إن وراء الموت لدارين لا ثالث لهما هما: الجنة والنار، فيهما نهاية رحلة الدنيا، وموطناْ الاستقرار. وفيهما تحط الرحال، وتوضع عصا التسيار.

وفي تينك الدارين تظهر نتائج أعمال الدنيا، وتنكشف الأحوال على حقيقتها، وهناك الحياة التي لا موت بعدها، والعمر الذي لا أمد له، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 64].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، و يا أهل النار، خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [مريم: 39][3].

أيها الناس، الوجهة متضحة، والمصير بيِّن معلوم، ولكل دار عمل وزاد مطلوب، وسبيل مطروقة، وعلى كل طريق سالكون ولكل دار ملؤها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولكل واحدة منهما-أي: الجنة والنار- ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله عز و جل من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله عز و جل ينشئ لها خلقا[4].

أيها المسلمون، ألا هل من منتبهٍ من رقاد الغفلة، ومتحرك من سكون الهمة، إن الأمر جِد وما هو بالهزل.

ألا فليسمعْ الآباقون عن سيدهم الرحيم، والشاردون عن ربهم الكريم، إن مولاهم يحذرهم من سخطه، وهم يسارعون إلى مساخطه، وينذرهم غضبه وهم يبتعدون من رحمته، أما وعواْ إنذاره وهو يقول: ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى [الليل: 14].
وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها)[5].

إنها نار عظيمة، لا يحيا مُعذَّبوها فينجوا، ولا يموتون فيستريحوا، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر: 36].

وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلها مثل حرها)[6].

أين المفر لداخليها، وأين ملجئ ساكنيها، لا فكاك ولا نجاة من العذاب والهلاك، قال تعالى: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ [الهمزة: 8].

يا حسرةَ المغلول حين يُغل، والمأخوذ يوم يؤخذ، والمسحوب عندما يُسحب، لا وليَ يواليه، ولا ناصر ينصره، قال تعالى:﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة: 30-32].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: 64-66].

وإلى أين المأخذ، وما هي دارالضيافة؟! إنها الهاوية، والنار الحامية، بعيدة القعر، شديدة الحر، منوعة العقاب والعذاب. لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.

عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه أنه خطب فقال: "قد ذُكر لنا أن الحجر يُلقى من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً لا يدرِك لها قعراً، ووالله لتملأن، أفعجبتم؟![7].

أيها الناس، إن أهل النار ليأكلون ويشربون ويلبسون، ولكن هل أكلوا ما يشبعهم من جوع، أو شربوا ما يرويهم من ظمأ، أو لبسوا ما يكسوهم من حر أو قر؟، الجواب: لا.

قال تعالى: ﴿ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ [محمد: 15].

قال تعالى: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: 43-46].

وقال: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: 19-22].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه[8].

هذا -يا عباد الله- جزء يسير من العذاب الحسي لأهل النار، نسأل الله السلامة والعافية.

وأما العذاب المعنوي: فمنه: العتاب والتلاوم، والتحسر والآهات، والندامات والنداءات والاستغاثات المردودة عليهم.

قال تعالى: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون: 104-108].

وقال: ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ [الزخرف: 77].

وليس لهم بعد ذلك إلا الشهيق والزفير، أصواتهم تشبه أصوات الحمير: أولها شهيق وأخرها زفير. فيا شقاء من كانت النار منزله وموئله.

قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [هود: 107،106]. اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك.

عباد الله، وفي الجانب الآخر تتراءى للناظرين دار الكرامة وهي تزدهي بسكانها المصطفين، الذين نجوا من الخسران، وفازوا برضا الرحمن، ما أحسن عيشهم في تلك المنازل، وهم في غاية النعيم، ومنتهى السرور والحبور!

يُلقى على عتبات تلك الرياض النضرة عناء الدنيا وبؤسها، وتعب الحياة -التي فنيت- وشقاؤها.

ما ألذَّ ذلك الموقف يوم يقولون: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر: 34،35].

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط[9].

تلك المنازل أعدها الله لعباده الذين أطاعوه بالغيب ولم يروه. في الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17]) [10].

دار وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها: (لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)[11].

أيُّ موكب أعظم من موكب المؤمنين وهم يُزفَون إلى أمنيتهم المنشودة، وطِلبتهم المقصودة، وأملِهم الذي طالما اشتاقوا إليه، وسهروا من أجل قطع المسافات حرصاً عليه، وتحملوا العناء والحزن حتى يحطوا رحال سفرهم الشاق فيه.

ما أشد سرورهم، ووفود التهنئة تستقبلهم على الأبواب تهنئهم بسلامة الوصول، وتفرش على طريقهم البشاشة بنيل المأمول، وتبشرهم بطيب الَمنزِل وكرم المُنزِل وراحة النازل، في أعلى المنازل، تقول: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد24 ]، وقال تعالى: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر: 74،73].

على تلك الأبواب المفتّحة تدخل أول زمرة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألّوة، أزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خُلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء.

فإذا ولجوها يتجه كل منهم إلى منزله الذي أُعد له، يهتدي إليه ولا يخطئوه كأنه ساكنه منذ خُلِق لا يستدل إليه بأحد.

قال تعالى:﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد: 6]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقّوا وهُذِّبوا أُذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدلُّ بمنزله كان في الدنيا)[12].

وهل ذلك المنزل كمنازل الدنيا؟ لا والله.

قال النبي صلى الله عليه و سلم: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا[13].

عباد الله، والمؤمنون في تلك القصور المشيدة معهم أهلوهم وزوجاتهم المؤمنات اللاتي كن معهم في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: 21].

ويزيدهم الله من فضله فيعطي كل واحد من الرجال زوجتين من الحور العين اللاتي وصفهن الله في كتابه فقال: ﴿ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ [الصافات: 48].

أيها المسلمون، إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ويلبسون ما يشاءون من غير حاجة إلى الذهاب للخلاء، ومن غير خوف على الثياب من البلى.

قال تعالى: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ الواقعة * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: 20، 21].

وقال تعالى: ﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً [الإنسان: 21].

وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يُلهَمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس[14].

وأن أهل الجنة -عباد الله- إذا دخلوها سلِموا من كل ألم وحاجة إلى شيء، فإن كانوا يأكلون في الدنيا لجوع ويشربون لظمأ، وينكحون لشبق ويلبسون لعري، فما في الجنة هذه الحاجات والضرورات، فأكلهم وشربهم ولبسهم ونكاحهم تنعّم لا احتياج.

معشر المسلمين، وإذا كان النعيم يتفاوت ويختلف فإن في الجنة لنعمياً إذا أدركه أهل الجنة نسوا كل نعيمهم فيها، ذلك النعيم الأكبر هو النظر إلى وجه الله الكريم.

فعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26]، فقال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقرَّ لأعينهم)[15].

ألا يا عباد الله، اعلموا أن ما في الجنة أعظم من وصف الواصفين، وأبلغ مما يخطر في البال ويدور في الخيال.
قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17].

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.

أما بعد:
أيها المسلمون، سكِرَ كثير من الناس بحب الدنيا ولم يصحُ إلا القليل الذين جدّوا في الارتحال، وخلفوا وراءهم ذوي الهمم الفاترة والعزائم الخائرة تتخطفهم الشياطين، ويستولي عليهم الهوى، وتلعب بهم أمواج الأماني حتى تُلقي بهم في ساحل الآخرة من الخاسرين.

فاحذروا -عباد الله- أن تكونوا منهم، وتزودوا من الدنيا بزاد ينجيكم عند مولاكم، وكونوا على يقين جازم أنكم لن تخلدوا في هذه الحياة؛ فالموت يطلبكم في كل لحظة.

فيا سعد َمن أتاه وهو على استعداد وأهبة، ويا شقاء من جاءه وهو في لهو وغفلة، طويل الأمل، سيء العمل، يرجو التأخير والإمهال حتى فجأه الموت فقطع أمانيه، وكشف له الحجب حتى رأى الحقائق، وأنزله من مراكب الأحلام والسلامة، إلى شاطئ اليقظة والندامة.

أيها المسلمون، لو أن عاقلاًَ فكر وتأمل فيما هو مقدم عليه لا محاله، لأعد للسلامة أماناً وزادا، ومن الهلاك وقاية وابتعادا؛ فإنه قبيح بالعبد أن ينسى أو يتناسى تلك النار المتقدة، وذلك السخط المستعر الذي أُعد لمن تنحى عن طريق الاستقامة، وخبَّ وأسرع في طريق الغواية فيا عجباه لعبد! يخاف النار وهو يقدحها بسوء عمله، ويشتاق إلى الجنة وهو يهرب منها بإعراضه وكسله.

يا سلعةَ الرحمن لستِ رخيصةً Description: http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
بل أنت غاليةٌ على الكسلان Description: http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يا سلعة الرحمن هل من خاطب Description: http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولقد عُرضتِ بأيسر الأثمان Description: http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يا سلعة الرحمن كيف تصبر ال Description: http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
خطّابُ عنك وهم ذوو إمكان؟ Description: http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

عباد الله، لنكن مستعدين للسفر الصادق إلى دار الخلود بالمسارعة إلى مراضي الله، والإبطاء عن مساخطه، حتى إذا فاجأنا الموت أتانا ونحن ننتظره، فيا فرحةَ المسافر إلى أحبابه بقدوم المبشِّر بقرب الوصول إلى ذلك المأمول إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.



[1] ألقيت في 2 /5 /1429هـ، في مسجد ابن تيمية، إب-الدليل.
[2] رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وهو صحيح.
[3] متفق عليه.
[4] متفق عليه.
[5] رواه الترمذي والطبراني، وهو حسن.
[6] متفق عليه.
[7] رواه مسلم.
[8] متفق عليه.
[9] رواه مسلم.
[10] متفق عليه.
[11] رواه أحمد والترمذي.
[12] متفق عليه.
[13] متفق عليه.
[14] رواه مسلم.
[15] رواه أحمد وابن حبان والطبراني.