(8) مباشرة رسول الله صلى الله علية وسلم نساءه فى المحيض:
عَنْ عَائِشَةَ رضى الله
عنها قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ
اللَّهِ ص أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِى فَوْرِ حَيْضَتِهَا
ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ
النَّبِيُّ ص يَمْلِكُ إِرْبَهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
(يُبَاشِرَهَا): يمس
بشَرَتها. (تَتَّزِرَ) أى: تشد إزارًا تستر سُرَّتها، وما تحتها إلى الركبة فما
تحتها. (فَوْرِ حَيْضَتِهَا) الفَوْر: بفتح الفاء، وإسكان الواو، معناه: أوله،
والمراد: وقت معظم الحيض وكثرته. (إِرْبَهُ) إربه: بكسر الهمزة مع إسكان الراء،
ومعناه: عضوه الذى يستمتع به أى: الفرج، ورواه جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه:
حاجته، وهى شهوة الجماع، والمقصود: أملككم لنفسه، فيأمن مع هذه المباشرة الوقوع فى
المحرم، وهى مباشرة فرج الحائض.
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ل
قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِِّ صلى الله علية وسلم مُضْطَجِعَةً فِى
خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِى، قَالَ:
«أَنَفِسْتِ». قُلْتُ: «نَعَمْ». فَدَعَانِى فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِى
الْخَمِيلَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
(خَمِيصَةٍ) كساء أسود له
أعلام يكون من صوف وغيره. (فَانْسَلَلْتُ) أى: ذهبتُ فى خفية بتأنّ وتدريج.
(أَنفِسْتِ) بفتح النون، وكسر الفاء، أى: أحِضْتِ يقال: نفست المرأة إذا حاضت.
وعَنْ عَائِشَةَ ل أَنَّ
النَّبِيَّ صلى الله علية وسلم كَانَ يَتَّكِئُ فِى حَجْرِى
وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ([1]).
الشبهة:
هذه الأحاديث وما فى
معناها، مما يبين حدود علاقة الرجل بزوجته وهى حائض، والأحكام المتعلقة بحيضتها،
طعَنَ فيه أعداء السنة بحجة أنها تطعن فى عصمة رسول الله صلى الله علية وسلم فى سلوكه، وتخالف بزعمهم
القرآن الكريم، حيث تُثبت أن النبيَّ صلى الله علية وسلم كان يباشر نساءَه وهُن
حائضات.
وقالوا: هل ضاقت كل
الأماكن واشتد الزحام بحيث يلجأ النبي ص إلى أن يَتَّكِئَ فِى حَجْرِ عائشة ل؟ تلك
هى سنة الرسول التى كتبها البخارى، فما هى سنته فى القرآن؟ لقد وَيَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَاتَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢﴾ (البقرة: ٢٢٢).
وقالوا: نحن نؤمن بأن
النبي صلى الله علية وسلم طبق هذه السنة التى فرضها الله ـ
عليه، أما البخارى فيؤكد من خلال أحاديثه أن النبي صلى الله علية وسلم لم يطبق شرع الله. ولكل
إنسان أن يختار. هل ينتصر لله ورسوله، أم ينصر البخارى فى كذبه على الله ـ ورسوله صلى الله علية وسلم ؟
الجواب:
أولًا: الإمام البخارى /
لم يخترع، ولم يؤلف الأحاديث السابقة وغيرها الواردة فى بيان حدود علاقة الرجل
بزوجته أثناء حيضتها، والمبيِّنة للأحكام الشرعية المتعلقة بفترة حيض المرأة.
لقد نقل الإمام البخارى
/- كما نقل غيره من رواة السنة - ما سمعه من شيوخه الثقات مما سمعوه من شيوخهم إلى
أن وصل النقل إلى رسول الله صلى الله علية وسلم أو إلى الصحابى الذى روى
عن رسول الله صلى الله علية وسلم.
ولنا أن
نتساءل:
لماذا كل هذا التشنيع على
الإمام البخارى، مع أن غيره من علماء الحديث شاركه فى رواية هذه الأحاديث المتعلقة
بأحكام الحيض؛ والتى أوردَتْها جميع كتب الجوامع والسنن تحت اسم كتاب
"الحيض"؟ فهل كل هذا الحقد الذى يُظهِرونه فى حق الإمام البخارى جزء يسير
مما تُخفِيه صدورهم نحو عدائهم لسُنَّة المصطفى صلى الله علية وسلم ، ولرواتها من الأئمة
الأعلام قديمًا وحديثًا؟!
ثانيًا: ما نقله رواة
السنة المطهرة، وعلى رأسهم الإمام البخارى، من الأحاديث المبيّنة الأحكام الشرعية
المتعلقة بالمرأة أثناء حيضتها، دِينٌ واجبٌ ذِكْرُه لتتعلم الأمة المراد بخطاب
ربها وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَاتَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢﴾ (البقرة: ٢٢٢).
وفى البيان المنقول إلينا
ما يبين عصمة رسول الله صلى الله علية وسلم فى سلوكه وهديه ومحاسن
أخلاقه الباطنة مع أهل بيته على ما سيأتى بعد قليل.
ثالثًا: ليس فى حديث
مباشرة رسول الله صلى الله علية وسلم نساءَه فى المحيض ما يتعارض مع قوله
ﭨ (ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ )، بل فى هذا الحديث وغيره
البيان العملى للآية الكريمة.
وهذا البيان - كما هو معلوم - من مهامه صلى الله علية وسلم فى رسالته، لقوله بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٤﴾
(النحل: ٤٤)؛ فهل فى بيان النبي صلى الله علية وسلم للآية الكريمة، ونقْل
هذا البيان بالسند الصحيح، ما يشوه سيرته العطرة؟ أو يطعن فى عصمته فى سلوكه وهديه
كما يزعم أعداء السنة؟!!
رابعًا: إن الآية الكريمة
تتحدث عن وجوب اعتزال الرجل زوجته الحائض، وعدم الاقتراب منها، حتى تطهر من حيضتها. فهل الاعتزال وعدم الاقتراب هنا، كما هو مفهوم عند اليهود؟ من
إهمال الزوجة الحائض، واعتبارها نجسة، فلا يأكل ولا يشرب معها، ولا يسكن معها فى
بيت واحد؟
إن هذا السؤال ورد على
لسان أصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم ، وهو وارد على لسان كل
مسلم إلى يوم الدين، كيف يتعامل مع زوجته الحائض؟ فجاءت
الإجابة، وجاء البيان القولى والعملى مع رسول الله صلى الله علية وسلم بإباحة كل
شئ من الزوجة الحائض إلا الجماع.
فعَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ ت أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ
يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ
النَّبِيِّ صلى الله علية وسلم النَّبِيَّ صلى الله علية وسلم فَأَنْزَلَ اللَّهُ ربها وَيَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَاتَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢﴾ (البقرة: ٢٢٢). إِلَى آخِرِ الآيَةِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله علية وسلم:«اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ
إِلّا النِّكَاحَ». فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: «مَا يُرِيدُ هَذَا
الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلّا خَالَفَنَا فِيهِ».
فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ
حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ
الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟»، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ
رَسُولِ اللَّهِ صلى الله علية وسلم حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ
عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى
النَّبِيِّ صلى الله علية وسلم فَأَرْسَلَ فِى آثَارِهِمَا
فَسَقَاهُمَا فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
(وَجَدَ عَلَيْهِمَا): أي
غضب.
(فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟): أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ
فِي الْحَيْضِ يَعْنِي خِلَافًا لِلْيَهُودِ؟ فهموا أن القرآن نزل بخلاف اليهود،
فأرادوا أن يخالفوهم بأقصى ما يمكن، ولما كانت هذه المبادرة استعجالًا منهم بدون
تفكُّر في قوله ﭨ (ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ) تَغَيَّرَ وَجْهُ
رَسُولِ اللَّهِ صلى الله علية وسلم وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ، فإِن
طريق النبوة بين الإفراط والتفريط، والعدل في الرضا، والغضب والصدق في الجد
والهزل. (فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ) أَيْ اِسْتَقْبَلَ
الرَّجُلَيْنِ شَخْصٌ مَعَهُ هَدِيَّةٌ يُهْدِيهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله علية وسلم.
فتأمل أمر رسول الله صلى الله علية وسلم: «اصْنَعُوا كُلَّ
شَىْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»، إنها كلمة جامعة جاءت جوابًا عن موقف اليهود من المرأة
الحائض، وجاءت تفسيرًا وبيانًا لقول رب العزة: (ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ
ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ )، فقوله ﭨ (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ) تفسير لقوله: (ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ
) والمراد: اعتزالهن، وعدم قربانهن بالجماع مادام الحيض
موجودًا.
وهذا يعنى
أن المراد بالاعتزال وعدم القُربان، إنما المراد به الفرج فقط، وما عدا ذلك من
مُؤاكلة، ومُشاربة، واجتماع معهن فى البيوت، ومباشرتهن (أي لمس بشرتهن)، ونحو ذلك،
فهو حلال كما قال المعصوم صلى الله علية وسلم: «اصْنَعُوا كُلَّ
شَىْءٍ إِلّا النِّكَاحَ».
وتأمل: كيف تغيَّر وجه
رسول الله صلى الله علية وسلم من كلمة عباد بن بشر، وأسيد بن
حضير، لما طلبا الرخصة فى الوطء أيضًا تتميمًا لمخالفة الأعداء: «إِنَّ الْيَهُودَ
تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ»، فتغير وجه رسول الله صلى الله علية وسلم ، لأن تلك الرخصة مخالفة
لكتاب الله ﻷ باعتزال النساء فى المحيض، وعدم قربانهن بالجماع.
وعندما ظنا ب أن رسول
الله صلى الله علية وسلم قد غضب عليهما بعث فى آثارهما
رسولًا ليحضرا عنده، فسقاهما من لبن جاء إليه هدية، فعرفا حينئذ أنه صلى الله علية وسلم لم يغضب عليهما.
وفى هذا الحديث النبوى
القولى: «اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلّا النِّكَاحَ»،
والذى جاء تفسيرًا وبيانًا للآية الكريمة، طبَّقه رسول الله صلى الله علية وسلم عمليًا، فجاء بيانه
للآية الكريمة (ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ )، بيانًا قوليًا
وعمليًا.
خامسًا: ورد في كتب السنة
أحاديث صحيحة تروي بيانه صلى الله علية وسلم عمليًا:
· طهارة جسد المرأة الحائض، وجواز النوم معها فى ثيابها،
والاضطجاع معها فى لحاف واحد.
· أن الرجل إذا أصاب ثوبَه شيءٌ من حيض زوجته وهى نائمةٌ
معه فى لحاف واحد، فما عليه إلا أن يغسل مكان ما أصابه من دم الحيض فقط ولا
يتجاوزه، وإذا صلى مع ذلك - أي بعد الغسل - صحت صلاته.
· صحة الصلاة فى المكان الذى توجد فيه المرأة الحائض.
· جواز مؤاكلة الحائض، والأكل والشرب من فضلها.
· جواز تسريح وغسل الحائض رأس زوجها.
· جواز ملامسة الحائض.
· أن ذاتها وثيابها على الطهارة، ما لم يلحق شيئًا منها
نجاسة.
وكل هذا منه ص للبيان
التشريعى الذى هو من مهامه فى رسالته، وليس الأمر كما يزعم أعداء عصمته، بأن
الأماكن ضاقت به حتى لجأ إلى حجر عائشة ل يقرأ فيه القرآن!
سادسًا: مباشرة الرجل
وملاعبته لامرأته وهي في فترة الحيض أو النفاس على ثلاثة أقسام:
أَحَدهَا: أَنْ
يُبَاشِرهَا بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْج, فَهَذَا حَرَام بِإِجْمَاعِ
الْمُسْلِمِينَ. وبِنَصِّ الْقُرْآن الْعَزِيز، ﭧ ﭨ (وَيَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَاتَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢﴾) (البقرة: ٢٢٢).
الْقِسْم الثَّانِي:
الْمُبَاشَرَة فِيمَا فَوْق السُّرَّة وَتَحْت الرُّكْبَة بِالْقُبْلَةِ أَوْ
الْمُعَانَقَة أَوْ اللَّمْس أَوْ غَيْر ذَلِكَ, وَهُوَ حَلال بِاتِّفَاقِ
الْعُلَمَاء.
الْقِسْم الثَّالِث:
الْمُبَاشَرَة فِيمَا بَيْن السُّرَّة وَالرُّكْبَة فِي غَيْر الْقُبُل
وَالدُّبُر, فهذا قد اختلف العلماء في جوازه. فذهب إلى تحريمه الأئمة أبو حنيفة
ومالك والشافعي. وذهب إلى جوازه الإمام أحمد، واختاره بعض الحنفية والمالكية
والشافعية. قال النووي: هو الأقٌوى دليلًا وَهُوَ الْمُخْتَار.
والأوْلَى للرجل إذا أراد
أن يستمتع بامرأته وهي حائض أن يأمرها أن تلبس ثوبًا تستر به ما بين السرة
والركبة، ثم يباشرها فيما سوى ذلك.
سابعًا: هذا بيان رسول
الله صلى الله علية وسلم
قولًا وعملًا لقوله اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ
إِلّا النِّكَاحَ)، وهو بيانٌ يهمُّ كل مسلم ومسلمة،
وعنه سأل أصحاب رسول الله صلى الله علية وسلم قديمًا ورجعوا إليه،
وعنه يسأل كل مسلم ومسلمة إلى يوم الدين.
فليختر كل إنسان لنفسه؛
إذا حاضت أخته، أو زوجته، أو أمه، أو خالته، أو… الخ هل يعتزلهن فلا يؤاكلهن ولا
يشاربهن ولا يساكنهن فى بيت واحد - كما هو حال اليهود - أم يكون له قدوة وأسوة
بسنة وسيرة المعصوم اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلّا النِّكَاحَ
؟!!
إن سنة وسيرة رسول الله اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلّا النِّكَاحَ فى معاملة
المرأة الحائض تمثل قمة التكريم للمرأة، كما تمثل عظمة أخلاقه، وعصمته اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلّا النِّكَاحَ فى سلوكه
مع أهل بيته، إذا أصابهن ما كتبه رب العزة على بنات آدم.
فالمرأة فى فترة حيضتها،
تكون شبه مريضة أو مريضة يصيبها توعك وآلام تجعلها تشعر فى تلك الفترة بالهبوط
والضيق. كما أن معظم الرجال يشعرون بالاشمئزاز والنفور من الرائحة الشهرية
المرافقة للطمث. وقليل منهم الذين يشعرون ببهجة وانجذاب. وشم هذه الرائحة الشهرية
لا يقتصر على منطقة الأعضاء الجنسية، بل تمتد فى معظم النساء إلى إفرازات الجلد
والنفَس، وكل هذا ولا شك مما قد يفسد العلاقة بين الرجل وأهله فى تلك الفترة التى
تعترى المرأة شهريًا.
فهل تعتزل -
أخى المسلم - زوجتك الحائض فى تلك الفترة، فلا تُؤاكلها، ولا تُشاربها، ولا
تُساكنها، فى بيت واحد، مما قد يزيد الجفاء بينك وبين زوجتك؟ أم تمتثل لسنة وسيرة
المعصوم صلى الله علية وسلم ، مع أهل بيته فى تلك الفترة التى
تحيض فيها المرأة؛ فيكون لذلك أطيب الأثر فى العلاقة بينك وبين أهل بيتك، ويكون لك
الأجر والهداية، والفلاح، جزاء امتثالك وطاعتك لله ولرسوله صلى الله علية وسلم ؟ اختر لنفسك ما شئت.
([1]) رُوِيَ
عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غُرَابٍ أَنَّ عَمَّةً لَهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِحْدَانَا تَحِيضُ وَلَيْسَ لَهَا وَلِزَوْجِهَا إِلاَّ
فِرَاشٌ وَاحِدٌ»، قَالَتْ: أُخْبِرُكِ بِمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ص، دَخَلَ لَيْلًا وَأَنَا حَائِضٌ فَمَضَى
إِلَى مَسْجِدِهِ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ تَعْنِى مَسْجِدَ بَيْتِهِ - فَلَمْ
يَنْصَرِفْ حَتَّى غَلَبَتْنِى عَيْنِى وَأَوْجَعَهُ الْبَرْدُ، فَقَالَ: «ادْنِى
مِنِّى». فَقُلْتُ: «إِنِّى حَائِضٌ». فَقَالَ: «وَإِنْ، اكْشِفِى عَنْ
فَخِذَيْكِ». فَكَشَفْتُ فَخِذَىَّ فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذَىَّ
وَحَنَيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ وَنَامَ. (رواه أبو داود، وضعفه الألباني).
(مَسْجِدَ بَيْتِهِ) أَيِ الْمَوْضِعَ الَّذِي اتَّخَذَهُ فِي الْبَيْتِ
لِلصَّلَاةِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق