السبت، 29 يونيو 2019

(3) حديث جئتكم بالذبح:

(3) حديث جئتكم بالذبح:
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ب: «مَا أَكْثَرُ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله علية وسلم فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُهُ مِنْ عَدَاوَتِهِ». فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ص فَقَالُوا: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا وَصَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ»، أَوْ كَمَا قَالُوا.
فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله علية وسلم فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ فَغَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَمَضَى فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُهَا فِي وَجْهِهِ، فَمَضَى، ثُمَّ مَرَّ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: «أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ».
فَأَخَذَتِ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ مِنْ رَجُلٍ إِلَّا وَكَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: «انْصَرِفْ أَبَا الْقَاسِمِ رَاشِدًا، فَمَا كُنْتَ بِجَهُولٍ».
فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله علية وسلم حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ!». فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَحَاطُوا بِهِ يَقُولُونَ: «أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟»، لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ص: «نَعَمْ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ». وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ رِدَائِهِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ يَبْكِي دُونَهُ، وَيَقُولُ: «وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ». ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ»( ). (رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وابْنُ حِبَّان وَالْبَيْهَقِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).
الشبهة:
زعم أعداء السنة أن هذا الحديث يتعارض مع القرآن، فبينما يخبرنا القرآن عن النبي صلى الله علية وسلم بقوله:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْلَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴿١٥٩﴾ (آل عمران: ١٥٩)، يقول هذا الحديث أن النبي صلى الله علية وسلم يهدد الناس ويروِّعهم.
الجواب:
أولًا:ما العجب أن يُقال هذا لقريش مع ظلمها وقتلها وتعذيبها للمستضعفين؟
ثانيًا: إن أعداء السنة الذين اعترضوا على هذا الحديث، هل سيعترضون أيضًا على قول الله ـ: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰتَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِيسَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿٤﴾ ( ) (محمد: ٤)، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِوَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَشَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواالصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾ (الفتح: 29)، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَاتَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿٦٠﴾ (الأنفال: ٦٠)، وغيرها من الآيات؟!!
ثالثًا: الذبح المقصود في الحديث هو القتال بالسيف كما بيَّنَتْه السنة العملية، وكما قيَّده نَهْيُ النبي ص عن المثلة، فالذبح الوارد هنا ليس المراد منه قطع الأوداج كما تذبح الشياه والخراف، وإنما هو كناية عن القتل ولا يحتاج المرء إلا للرجوع إلى المعاجم قليلًا إن كان لا يتذوق كلام العرب ليدرك المراد بالذبح.
رابعًا: هذا الحديث ليس عامًا العموم المطلق، أي أنه ليس عامًّا في كل الناس؛ لقوله ص في أوله: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ». ولو كان عامًا للناس أجمعين لما عجز النبي ص أن يعبر عن ذلك بأوضح بيان، وأسهل كلام، وهو الذي أوتي جوامع الكلم ص.
خامسًا: هذا الحديث لا نستطيع أن نحمله على العموم المقيَّد، أي أنه ليس عامًا في قريش، فالوعيد ليس ثابتًا في حقهم جميعًا، وذلك للأسباب التالية :
1- إنه ثبت يقينا أن النبي ص لم يُبعث بالذبح لا إلى قريش ولا إلى غيرها، بل إن محكم القرآن وصحيح السنة يقفان في وجه من يفسر خلاف ذلك، إذ إن الله تعالى قال: ( ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ) (الأنبياء: ١٠٧)، وذكر الطبري آراء المفسرين في هذه الآية، على أن المراد بها رحمة للمسلمين فحسب، أم رحمة للناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم، ومال إلى ترجيح رأي ترجمان القرآن ابن عباس من أنه ص بعث رحمة للناس جميعهم كافرهم ومؤمنهم.
وهذا يؤكده قوله ص: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ». (رواه الحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي والألباني). وكذا سلوكه ص الذي يتناقض مع فكرة الذبح، كعدم تعجله العذاب لقومه، والدعاء بالهداية لهم، وعدم الدعاء عليهم.
2- ما ثبت من كونه ص كان أشد رحمة على قريش من رحمته على من سواها، بدليل ما حصل يوم فتح مكة.
3- أنه عندما كان النبي ص في أشد لحظات الكرب والشدة عندما رجع من الطائف على الحالة التي رجع فيها، وجاءه ملك الجبال منتظرًا إشارة منه ص ليُطبق عليهم الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ص: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). فلو كان أُرسِلَ لقريش بالذبح لكانت هذه فرصة سانحة، بل ومؤيدة، ولكنه لم يفعل ص لتعارض هذا مع أصل رسالته ص.
سادسًا: إن المدقق في الحديث يرى أنه خاص بأشخاص بأعيانهم، ويدل على ذلك رواية ابن حبان التي حسَّنها الألباني وفيها قول النبي ص لأَبِي جَهْلٍ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، أي: أنت ممن يُذبح، مما يدل على أنه خاص بعدد محدود من الكفار، ولو كان هذا الحديث عامًا لقريش أو للناس جميعًا كما يزعم من لا علم عنده لما قال ص لأَبِي جَهْلٍ: «أَنْتَ مِنْهُمْ».
سابعًا: وضَع العلماء المحققون هذا الحديث في سلك دلائل النبوة، فنجده عند البيهقي في "دلائل النبوة"، وعند أبي نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة"، وهذا يعني أنهم يرون أن هذا الحديث خاص بهذا العدد فقط من أئمة الكفر، وأن هذا قد تحقق في معركة بدر، فقد كانت بمثابة الذبح الذي توعدهم به النبي ص.
ومما يدل على ذلك رواية ابْنِ عَبَّاسٍ ب أنه قَالَ: إِنَّ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ، فَتَعَاقَدُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى، وَنَائِلَةَ وَإِسَافٍ: لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا، لَقَدْ قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ ل تَبْكِي، حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ص، فَقَالَتْ: «هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ تَعَاقَدُوا عَلَيْكَ، لَوْ قَدْ رَأَوْكَ، لَقَدْ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ».


فَقَالَ: «يَا بُنَيَّةُ، أَرِينِي وَضُوءًا»، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمِ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ، قَالُوا: «هَا هُوَ ذَا»، وَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ، وَسَقَطَتْ أَذْقَانُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَعَقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ، فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ بَصَرًا، وَلَمْ يَقُمِ إلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ص حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ»، ثُمَّ حَصَبَهُمْ بِهَا، فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحَصَى حَصَاةٌ إِلَّا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وأحمد شاكر، وحسنه الألباني والأرنؤوط).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق