(4) شبهات حول حد
الرجم على الزاني المحصن:
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُالْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّبِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّنِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ۚ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٥﴾ (النساء: 25). قال أعداء السنة: هل يُعقَل أن
نستدل على الرجم بآية منسوخة ونترك الآية المثبَتة؟
وروى مسلم في صحيحه عن سُلَيْمَانُ
الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: «هَلْ رَجَمَ
رَسُولُ اللَّهِ ص؟». قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: قُلْتُ: «بَعْدَ مَا أُنْزِلَتْ
سُورَةُ النُّورِ أَمْ قَبْلَهَا؟»، قَالَ: «لَا أَدْرِي».
ما هو الدليل من القرآن أو السنَّة أن الرسول ص
رجم بعد نسخ آية الرجم؟
الجواب:
أولًا: لا يجوز للمسلم أن يتجرأ على أحكام الشرع
الثابتة بالكتاب أو السنَّة، والواجب عليه التسليم لما قضى الله ـ ورسوله ص ولا
يعارض ذلك بهوى يسميه اجتهادًا ولا برأي يسميه مناقشة، وقد قال الله فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَوَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿٦٥﴾ (النساء: 65) .
ثانيًا: رجْمُ الزاني المحصَن ثابت بالكتاب،
والسنة، وإجماع العلماء على مر العصور، فقد ثبت الرجم عن رسول الله ص بقوله وفعله
في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله ص ولا التفات لرأي الخوارج
والمعتزلة قديما في معارضته ولا التفات لأتباعهم حديثًا، وقولهم في ذلك خلاف سنة
رسول الله ص، وخلاف سبيل المؤمنين فقد رجَم رسول الله ص، والخلفاء بعده، وعلماء
المسلمين في أقطار الأرض متفقون على ذلك.
ولسنا نأخذ ديننا من أهل البدع والجهل والضلال
والتمييع، وليس ديننا عرضة للنَّيْل منه بما يسمَّى رأيًا أو اجتهادًا أو مناقشةً
أو تصويتًا .فالقول بإنكار
الرجم ليس قولًا عصريًّا، والقائل به له سلف، لكنهم بئس السلف هم.
ثالثًا: أما آية سورة النور التي ذكر الله ـ فيها
حد الزاني بأنه مائة جلدة: فإن المقصود به الزاني غير المحصن من الرجال والنساء،
وليس فيها تعرُّض للزاني المحصَن بذكْرٍ أو إشارة، ومما يدل على ذلك: تنصيف حد
الجلد في حق الأمَة المتزوجة إذا زنت، والرجم لا يُنَصَّف، وقد قال تعالى في
حدِّها: ( ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ
ﮬ ﮭ ﮮ
ﮯ ﮰ ﮱ
ﯓ ﯔﯕ) ، فقوله ﭨ (ﮨ ﮩ )
أي: تزوَّجن ( ﮭ
ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ) أي:
الحرائر، والجلد هو الذي يقبل التنصيف، فالحد مائة جلدة ونصفها خمسون، وأمَّا
الرجم فإنَّه لا يتنصَّف؛ لأنَّه موت .
هذا هو ظاهر الآية، وأنها في الزاني غير المحصَن،
وأما حكم الزاني المحصن فإن حكمَه الرجم بالحجارة حتى الموت، وقد ذُكر في آية
قرآنية نزلت وتُليَت وعمل بها النبي ص وأصحابه، ثم نُسِخت تلاوتها وبقي حكمها، فعن
عمر بن الخطاب ت قال: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ص بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ
عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ
فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَرَجَمْنَا
بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ:
وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ
فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ
زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ
أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
رابعًا: وكِلا الحُكمَين ناسخ لحكم سابق للزناة -
محصنين وغير محصنين - وهذا الحكم هو الحبس في البيوت، فنُسخ حكم حبس الزاني غير
المحصن بآية النور بالجلد، ونُسخ حكم الزاني المحصن بالآية التي جاءت في كلام عمر
بن الخطاب ت، وقد جاء في السنَّة النبوية ما يؤكد هذين الحكمين والتفريق بين
الزاني المحصن وغير المحصن.
فقد جاءت الإشارة إليه في آية قرآنية أنه يحبس في
البيت حتى يجعل الله له سبيلًا، وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِيالْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴿١٥﴾ (النساء: 15)، وقد جاء هذا السبيل مبيَّنًا في
حديث صحيح وهو:
1- الرجم بالحجارة للمحصَن، وأكدته الآية
القرآنية في كلام عمر ت.
2- والجلد مائة لغير المحصن، وأكدته آية النور.
فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ت قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ص: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ
سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ
بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وعليه: فإما أن تُجعَل آية النور خاصة في الزاني
غير المحصن، أو يقال إنها عامة لكنها منسوخة في حق المحصن وحده، إما بالحديث
الصحيح في النص على رجم الزاني المحصن، أو بالآية التي ذكر عمر بن الخطاب ت بمحضر
من الصحابة نزولها وتلاوتها وعملهم بها .
خامسًا: أما قول الصحابي عبد الله بن أبي أوفى ت
لما سئل: «هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ص؟»، فقَالَ: «نَعَمْ»، ثم سُئِل: «بَعْدَ
مَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ أَمْ قَبْلَهَا؟»، قَالَ: «لَا أَدْرِي»، فليس
فيه حجة لمن قال إن الرجم لم يقع بعد آية النور، وإنها نَصٌّ في عموم الزناة! لأن
الصحابي الجليل ابن أبي أوفى ت قال إنه لا يدري، وهو لم يَنْف ولم يُثبِت شيئًا،
وقد ثبت أن الرجم وقع بعد نزول سورة النور؛ فآية النور نزلت بعد حادثة الإفك، وأبو
هريرة ت كان أسلم بعدها، وقد حضر إقامة حدِّ الرجم على زانٍ محصن.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ت قَالَ: أَتَى رَجُلٌ
رَسُولَ اللَّهِ ص وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ
اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ»، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ
مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ
ص فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟». قَالَ: «لَا». قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟»، قَالَ:
«نَعَمْ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ص: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ).
سادسًا: من المضحك في كلام هؤلاء عن
الرجم، أنهم يقرون ببعض الأحاديث التي فيها أن النبي ص رجم، لكنهم يقولون
إنها كانت قبل نزول سورة النور، فيقال لهم: وهل كان النبي ص يفعل فعلًا متوحشًا لا
رحمة فيه، ويصد عن الإسلام قبل نزول سورة النور؟!
وأيضا: فالقرآن الكريم فيه عقوبات بقطع الأيدي،
والأرجل، والصلب، فأي فرق بينها وبين الرجم؟! فكلها من بوابة واحدة، قد
يراها سقيم العقل عقوبات وحشية لا رحمة فيها، فهذه الشبهة السخيفة
تَرِدُ على هذه الحدود كلها.
سابعًا: على عِظَم بائقة إنكار حد
الرجم، فإن ما سيترتب على هذا
الإنكار هو أدهى وأنكَى، فمن أنكر الرجم يلزمه ألا يأخذ بشيء من السنة أبدًا؛
لأن من لم يُثبِت أحاديث حد الرجم فلن تَثْبُت عنده أيُّ سنة. فأحاديث الرجم رواها
ثلاثة عشر صحابيًّا في الصحيحين فحسب، دون ما سواهما من كتب السنة. وكذلك يلزمه
ألا يأخذ بإجماع الأمة في أي مسألة، فمن لم يثبت عنده الإجماع في هذه المسألة
فأي إجماع سيثبت عنده؟! وفي هذا هدم للدين كله.
ثامنًا: نسخ التلاوة دون الحكم:
إن نزول
آية في القرآن فيها حكم من الأحكام، طلبي أو خبري يشمل أمرين:
· أحد
الأمرين هو وجود ذلك الحكم.
· وثانيهما
وجوده في القرآن يُتلَى ويُقرأ.
فإذا ما
أبطل تلاوته من القرآن لم يلزم أن يبطل الأمر الآخر. ولم يلزم أن ينسخ حكمه، وليس
الأحكام كلها في القرآن الكريم، بل في القرآن وفي السنة.
والمنسوخُ
تلاوتُه من القرآن، حُكْمُه حُكْم السُّنَّة الصحيحة، دالّ على حكمه المطلوب، كما
تدل السنة على حكمها. فنسْخُ الألفاظ من القرآن، مع بقاء أحكام ما نُسِخ، هو عبارة
عن ضَمّ بعض الأوامر أو الأخبار إلى السُنَّة، أي جعْله من قسم السنة بعد أن كان
من قسم القرآن. فالدال موجود، والدلالة موجودة، وليس في ذلك وجود الدلالة مع ذهاب الدالّ.
فإن الدال هنا لم يذهب وإنما أخِذ من قسم وجُعل في قسم آخر. وليس هذا إبطالًا له.
وهذا القسم شبيه بالأحاديث القدسية، وهي كلام
الله الذي يوجد في السنة. مثل أن يقول رسول الله ص (قال الله تعالى كذا وكذا) وهي
في الأخبار كثيرة غالبة.
ويجب الإيمان بأن لله ٍ ـ الحكمة البالغة في نسخ
التلاوة دون الحكم، فهو ـ مُنَزَّه عن العبث، وله في خلقه وأمره حِكَم عالية
رفيعة، قد نعلمها، وقد لا نعلمها، ولكن العلماء يحاولون دائما تلمّس الحِكَم
وتأملها استجابةً لأمر الله سبحانه بالتفكر والتدبر في آياته ﻷ.
وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل
بما لا يجدون لفظه في القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى، عكس حال اليهود
الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة ([1]).
يقول الزرقاني / في معرض الجواب عن الشُبَه التي
يذكرها بعضهم في نسخ التلاوة دون الحكم: «يقولون: إن الآية دليل على الحُكم، فلو
نُسخت دونه لَأشْعَرَ نسخُها بارتفاع الحكم، وفي ذلك ما فيه من التلبيس على المكلف
والتوريط له في اعتقاد فاسد.
وندفع هذه الشبهة بأن تلك اللوازم الباطلة تحصل
لو لم ينصب الشارع دليلا على نسخ التلاوة وعلى إبقاء الحكم، أما وقد نصب الدليل
على نسخ التلاوة وحدها، وعلى إبقاء الحكم وتقرير استمراره، كما في رجم الزناة
المحصنين، فلا تلبيس من الشارع على عبده ولا توريط .
يقولون: إن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عبث لا
يليق بالشارع الحكيم؛ لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة؟ وندفع هذه الشبهة
بجوابين:
أحدهما: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردًا
من الحكمة، ولا خاليًا من الفائدة حتى يكون عبثًا، بل فيه فائدة أي فائدة، وهي
حَصْر القرآن في دائرة محدودة تُيسّر على الأمة حفْظه واستظهاره، وتسهّل على سواد
الأمة التحقق فيه وعرفانه، وذلك سورٌ محكم وسياجٌ منيع يحمي القرآن من أيدي
المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص؛ لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع ثم حاول
أحد تحريفه سرعان ما يُعرَف، وشذ ما يقابَل بالإنكار، وبذلك يبقى الأصل سليمًا من
التغيير والتبديل، مصداقًا لقوله سبحانه: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِيحَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚفَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ (الحجر: ٩).
والخلاصة
أن حكمة الله قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام
شرعية عملية، حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط،
رجوعًا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال، وطردًا لعادته في عرض فروع الأحكام من
الإقلال، تيسيرا لحفظه، وضمانًا لصونه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
ثانيهما: أنه على فرض عدم علمنا بحكمة ولا فائدة
في هذا النوع من النسخ، فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجة على العلم بعدم ذلك
الشيء، وإلا فمتى كان الجهل طريقًا من طرق العلم؟ ثم إن الشأن في كل ما يصدر عن
العليم الحكيم الرحمن الرحيم أن يصدر لحكمة أو لفائدة نؤمن بها، وإن كنا لا نعلمها
على التعيين، وكم في الإسلام من أمور تعبدية استأثر الله بعلم حكمتها، أو أطْلَع
عليها بعض خاصته من المقربين منه، والمحبوبين لديه، وفوق كل ذي علم عليم، وما
أوتيتم من العلم إلا قليلا.
ولا بِدْعَ في هذا، فرَبُّ البيت قد يأمر أطفاله
بما لا يدركون فائدته لنقص عقولهم، على حين أنه في الواقع مفيد، وهم يأتمرون
بأمره، وإن كانوا لا يدركون فائدته، والرئيس قد يأمر مرؤوسيه بما يعجزون عن إدراك
سره وحكمته، على حين أن له في الواقع سرًّا وحكمة وهم ينفِّذون أمره، وإن كانوا لا
يفهمون سره وحكمته .كذلك شأن
الله مع خلقه فيما خفي عليهم من أسرار تشريعه، وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ
التلاوة دون الحكم، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم» ([2]).
ومن الشبهات المتعلقة بحد الرجم:
الشبهة الأولى: قولهم إن الرجم أشد العقوبات فلو
كان مشروعًا لذُكر فى القرآن ولما لم يذكر دل على أنه غير مشروع.
والجواب: إن هذا الكلام يدل على جهلهم الفاضح
وعدم فهمهم لمهمة الرسول ص أو سوء إدراكهم لأسرار القرآن ومقاصده وذلك منتهى الجهل
والغباء، فعدم ذكْر الرجم فى القرآن لا يدل على عدم المشروعية فكثير من الأحكام
الشرعية لم تُذكَر فى القرآن وإنما بيَّنَتها السُنَّة النبوية والله تعالى قد
أمرنا باتباع الرسول ص والعمل بأوامره: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٧﴾ (الحشر: 7)، والرسول ص مبلِّغٌ عن الله ﻷ وكل ما
جاء به إنما هو بوحى سماوى من العليم الحكيم وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾ (النجم: 3-4)، وكيف يكون الرجم غير مشروع وقد
رجم ص ورجم معه أصحابه ي وبيَّنَ ذلك بهدْيه وفعله ص!!
ثم إن مهمة الرسول ص قد بيَّنها القرآن بقوله بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٤﴾ (النحل: 44)، وليس قول الرسول ص: «خُذُوا عَنِّي
خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ
مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ»
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، ليس هذا القول إلا من البيان الذى أشار إليه القرآن وهو نص
قاطع على حكم الزاني المحصن وقد أشار النبي ص إلى أن سنته المطهرة بوحي من الله ـ
بقوله: «أَلَا إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ».
(رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني). فثبت أن كل ما جاء به الرسول ص هو تشريع من الله
ـ.
الشبهة الثانية: قولهم إن حد الأَمَة نصف حد وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُالْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّبِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّنِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ۚ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٥﴾ (النساء: 25)، والرجم لا يتنصف فلا يصح أن يكون
حدًا للحرة.
والجواب: إن قوله وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُالْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّبِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّنِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ۚ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٥﴾ (النساء: 25)، ليس فيها دليل على عدم مشروعية
الرجم فإن الآية الكريمة قد أشارت إلى أن المراد بالعذاب هنا الجلد لا الرجم بدليل
التنصيف فى العقوبة والله تعالى يعلم أن الرجم لا ينصف ولا يمكن للناس أن يميتوا
إنسانًا نصف موتة فدل العقل والفهم السليم على أن المراد بهذه العقوبة الجلد لا
الرجم. فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة وتجلد الحرة البكر مائة جلدة.
ثالثًا: قولهم إن إن الحكم عام فى جميع الزناة
وتخصيص الزاني المحصن من هذا الحكم مخالف للقرآن.
والجواب: إن دعواهم أن الحكم عام وتخصيصه مخالف
للقرآن جهل مطبق؛ فإن كثيرًا من الأحكام جاءت عامة وخصصتها السُنَّة النبوية!! مثل
كيفية الصلاة وعدد الصلوات ومقادير الزكاة وكيفية الحج.
الرَّحْمة مع الرَّجم:
إنَّ المَريض إذا اشتهى ما يضرُّه أو جزع من
تناول الدَّواء الكريِه فأخذتْنا رأفَة عليه حتى نَمْنَعهُ شُربهِ فقد أعَنَّاه
على ما يضُرُّه أو يهلكه وعلى ترك ما ينفعه، فيزداد مَرَضُه وسُقْمُه بذلك فيهلك،
فهكذا الشَّابّ حين يبلغ وليس معه تديُّن يحميه، لَيْس الرحمةَ به أن يُمَكَّن
مِمَّا يهواه من المحرمات، ولا أن يُمَكَّن من ترك ما ينفعه من التَّديُّن
والطاعَات التي تُزَيل مَرَضَ قَلْبِه، بل الرَّحْمَةُ به أَنْ يُعَانَ على
الصلاةِ وما فيها من الأذكار والدعوات، وأن يُحْمَى عما يُقَوِّي داءَه ويزيدُ
عِلَّتَه وإنَّ اشْتَهاه.
أمَّا على مُسْتَوى الأُمَّة، فالطَّبِيب
يَسْتأصِل العضو الفاسد لمصلحة عموم الجسَد، وظاهره قسوةٌ وشدَّة ومفسدة، وحقيقته
حكمة ورحمةٌ ومصلحة، إذ يَتَرَتب على تركه هلاك وتلف الجسد كله بما فيه العضو
التالف، فهذا مثل الفرد الفاسد في المجتمع، فالرَّحْمِة بالأمَّة والرّأفة بها أن
يقام الحد إذا ظهرت الفاحشة، وإلا ترامت الشَّهوات بالأمَّة إلى الميل العظيم
والهلاك والعَطَب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق