السبت، 3 يونيو 2017

◄* عقاب الكافرين في المرحلة الثالثة:


        * عقاب الكافرين في المرحلة الثالثة:
        وهي مرحلة دخولهم دار العذاب ، وقد جاء في نصوص القرآن لمحات تفصيلية لألوان العذاب في جهنم ، إلا أن معظم النصوص تحدثت عن عذاب جهنم وشدته وشدة إيلامه بشكل عام.

        * وفيما يلي طائفة من النصوص التي تتحدث عن عذاب الكافرين في النار بشكل عام:
        1- فمنها قول الله تعالى في سورة (الحج/22 مصحف/103 نزول):
        {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}

        فوصف العذاب هنا بأنه مهين ، أي فيه إهانة شديدة لهم وإذلال بالغ جزاء كبرهم واستعلائهم .

        2- ومنها قول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):
        {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

        فهم أصحاب النار ، وهم خالدون فيها لا يخرجون منها .

        3- ومنها قول الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):
        {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}

        فجاء وصف العذاب هنا بأنه عذاب شديد .

        4- ومنها قول الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
        {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}

        ففي هذه الآية بيان أن جلود الكافرين المعذبين في نار جهنم كلما نضجت واحترقت وانقطع إحساسها خلق الله لهم جلوداً غيرها ، ليذوقوا العذاب المتجدد.

        5-ومنها قول الله تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
        {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}

        فقد جاء وصف النار هنا بأنها جحيم ، أي مؤججة مضرمة شديدة الحرارة .

        6- ومنها قول الله تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
        {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

        فجاء وصف العذاب هنا بأنه عذاب أليم .

        7- ومنها قول الله تعالى في سورة (الملك/67 مصحف/77 نزول):
        {وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ * وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ * فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ }

        وفي هذا النص وصف شهيق جهنم وفورانها من شدة حرها كأنها تتميز من الغيظ ، وفيه بيان أن أصحاب النار يلقَون فيها أفواجاً أفواجاً ، ولا يقذفون فيها دفعة واحدة ، وفيه بيان أن كل فوج يسأله خزنة جهنم من الملائكة فيقولون له : ألم يأتكم نذير؟ فيقولون: بلى ، ويعترفون بذنبهم ويتحسَّرون على أنفسهم . وهذا تطبيق ما جاء في قوله تعالى : {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} ، فما من فوج كافر يدخل النار إلا يُسأل هذا السؤال : ألم يأتكم نذير؟ فيقولون : بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا : ما أنزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير.

        * أما النصوص التي جاء فيها مزيد من تفصيل عقاب الكافرين في هذه المرحلة الثالثة الأخيرة فكثيرة ، ونستعرض فيما يلي طائفة منها مقتبسين ما فيها من تفصيلات:

        1- لقد جاء في القرآن بيان شراب الكافرين في جهنم فقال الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):
        {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}

        فلهم شراب من حميم ، أي : شراب من ماء حار يغلي .

        2- وجاء في القرآن بيان طعامهم وشرابهم فيها ، فقال الله تعالى في سورة (الدخان/44 مصحف/64 نزول):
        {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ * كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ * إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ }

        وقال تعالى في سورة (الواقعة/56 مصحف/46 نزول):
        {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضآلُّونَ ٱلْمُكَذبُونَ * لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ من زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ * هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدينِ }

        وقال تعالى في سورة (الصافات/37 مصحف/56 نزول):
        {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً للظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلينَ * فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ }

        فمن هذه النصوص يتبين لنا أن طعامهم في دار العذاب من شجر فيها من زقوم ، وأن شرابهم على هذا الطعام من الحميم .

        والزقوم شجر منتن الراحئة مرُّ الطعم كالمهل[1] ، ينبته الله في أصل الجحيم / وإذا أكله آكله غلى في بطنه كغلي الحميم ، وطَلع[2] هذا الشجر كأنه رؤوس الشياطين ، ولكن الكافرين يجدون أنفسهم في دار عذابهم مضطرين لأن يأكلوا من شجر الزقوم ، فيملؤوا بطونهم منه ، ثم بعد ذلك يسرعون فيشربون وهم ظامئون من الحميم ، لكن الحميم لا يطفئ شدة ظمئهم ، وما يغلي في بطونهم ، فيستزيدون ويستزيدون ويشربون شرب الهيم ، والهيم هي الإبل التي يصيبها د اء يقال له : داء الهُيَام ، فهي تشرب ولا تروى .

        ثم يُعتَل الكافر ويؤخذ إلى سواء الجحيم ، ثم يصب فوق رأسه من عذاب الحميم ، ويقال له على سبيل الإهانة والإذلال : ذق إنك أنت العزيز الكريم.

        ولهم أيضاً طعام آخر من غسلين ، وهو في كلام العرب ما يخرج من الأشياء المستقذرة كالجراحة ونحوها عند غسلها ، قال الله تعالى في سورة (الحاقة/69 مصحف/78 نزول):
        {فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ}

        3- وجاء في القرآن بيان لباسهم في دار عذابهم ، إن لهم ثياباً خاصة من نار ، تُقطَّع لهم على مقادير أجسادهم ، قال الله تعالى في سورة (الحج/22 مصحف/103 نزول):
        {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}

        فللكافرين ثياب من نار مقطعة مفصلة على مقادير أجسامهم ، ويعذبون بسائل يغلي من شدة حرارته ، يصب من فوق رؤوسهم فيصهر به ما في بطونهم ، وتصهر به جلودهم ، ويحاولون الخروج من عذابهم وغمهم ، فتلاحقهم ملائكة العذاب بمقامع[3] من حديد ، فيضربونهم ، ويعيدونهم في العذاب ، ويقولون لهم : ذوقوا عذاب الحريق .

        4- وجاء في القرآن بيان ما يوضح في أعناق الكافرين من أغلال حامية يعذبون بها في دار عذابهم ، فقال الله تعالى في سورة (سبأ/34 مصحف/58 نزول):
        {...وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}

        وقال تعالى في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):
        { أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ}

        5- ويعذب الكافرون في النار بسلاسل محمية يسلكون فيها ، طول كل واحدة منها سبعون ذراعاً ، قال الله تعالى في سورة (الحاقة/69 مصحف/78 نزول):
        {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ * مَآ أَغْنَىٰ عَني مَالِيَهْ * هَّلَكَ عَني سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ }
        6- وجاء في البيانات القرآنية أن عذاب الكافرين في نار جهنم عذاب دائم لا نهاية له ، وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ، بل حياتهم فيها مستمرة ، وعذابهم فيها لا ينقطع ، كما أنه لا يخفف عنهم من عذابها ، قال الله تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):
        {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ * إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}

        فهم يدعون ربهم وهم في نار جهنم أن يعيدهم الله إلى دار الابتلاء ليؤمنوا ويعملوا صالحاً ، ولكن الله لا يستجيب إلى طلبهم هذا ، ويقول لهم : "أولَم نعمركم؟" أي: أولَم نجعل لكم في دار الابتلاء عمراً كافياً لاختباركم وامتحانكم ، فأصررتم على كفركم وعنادكم ، ويقول لهم أيضاً: "وجاءكم النذير" ، أي: وقد جاءكم رسول فأنذركم عاقبة كفركم فكذبتم وعصيتم .

        على أنهم لو ردوا إلى دار الابتلاء لعادوا لما نُهوا عنه ، ألمح إلى هذه الحقيقة قول الله تعالى في النص : {إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور}، فهو يعلم ما تنطوي عليه صدورهم من كبر وعناد ، فلو أعيدوا إلى دار الابتلاء لعادوا إلى اختيار الكفر على الإيمان ، لأن إعادتهم حينئذٍ سيرافقها محو ذكريات العذاب في نار جهنم ، فترجع إليهم حينئذٍ نفسيتهم الأولى المستكبرة المعاندة ، ويعودون سيرتهم الأولى ، وليست المقادير ألعوبة في أيدي المتشهِّين المتلاعبين ، وصرَّح بهذه الحقيقة أيضاً قول الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
        {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذبَ بِآيَاتِ رَبنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}

        ففي هذا النص تصريح بأنهم لو ردوا إلى دار الابتلاء لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر والتكذيب ، إلا أن تمنيهم العودة إلى دار الابتلاء هنا يكون حينما يوقفون على النار ، ويشاهدون دار عذابهم ، بينما نجد في النص السابق أن طلبهم العودة إلى دار الابتلاء يكون بعد دخولهم النار ، وتقلبهم في ألوان عذابها .

        ويطلب الكافر مثل هذا الطلب أيضاً إذا جاءه الموت وعلم منزله من العذاب ، عندئذٍ يسأل ربه أن يرجعه إلى الحياة ليؤمن ويعمل صالحاً ، ولكن طلبه يرفض لانتهاء زمن امتحانه ، وفي بيان ذلك يقول الله تعالى في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):
        {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}

        ففي هذا النص بيان طلبهم الرجعة إلى الحياة الدنيا عند موتهم ، رجاء أن يعملوا صالحاً ، فيرفض طلبهم .

        وفيه أيضاً بيان أنهم يطلبون هذا الطلب حينما تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ، إذ يقولون : ربنا أخرجنا منها ، فإن عدنا إلى ما كنا عليه من الكفر والتكذيب فإنا ظالمون ، فيقول الله لهم : اخسؤوا فيها ولا تكلمون ، أي : ابتعدوا مطرودين مُذَلِّين مهانين .

        ويطلب الكافر مثل هذا الطلب أيضاً وهو في موقف الحساب ، وقد دلَّ على ذلك قول الله تعالى في سورة (السجدة/32 مصحف/75 نزول):
        {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِني لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }

        ومن جملة هذه النصوص يتضح لنا أن الكافرين يطلبون الرجعة إلى دار الابتلاء أربع مرات .

        الأولى : عند موتهم ومشاهدتهم منازلهم في دار العذاب .

        الثانية : في موقف الحساب إذ يقفون عند ربهم ناكسي رؤوسهم .

        الثالثة : عندما يعرضون على النار بعد الحساب ، ويرون ما في النار من عذاب .

        الرابعة : حينما يكونون في نار جهنم وهم يذوقون ألوان عذابها الأليم .

        وفي كل هذه المرات يُرفض طلبهم ، وترد عليهم تمنياتهم .

        7- وجاء في القرآن بيان أن الكافرين الذين ماتوا وهم كفار لا يغفر الله لهم ، ولا يقبل منهم فدية ، إنهم قد ختموا حياتهم في دار الابتلاء بالكفر والعناد وتحدي الحقيقة الإلهية الكبرى ، وقضي الأمر ، فلا رجعة ولا استئناف ولا غفران ولا فدية .

        إن عفو الله وغفرانه يوم القيامة من المنح التي يختص الله بها عصاة المؤمنين ،
 فلا يكون للكافرين منها نصيب .

        أما في الدنيا فباب العفو والغفران مفتوح لهم إن آمنوا ، فإذا ماتوا مصرين معاندين فقد قطعوا بأيديهم عن أنفسهم حبل الرجاء ، وقد أعلن الله لهم وهم في الحياة الدنيا أنه لن يغفر لهم إذا ماتوا وهم كفار ، ولن يقبل منهم أية فدية ، على أنهم يومئذٍ لا يملكون فدية يقدمونها .

        دلَّ على ذلك قول الله تعالى في سورة (محمد/47 مصحف/95 نزول):
        {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}

        وقول الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
        {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً}

        وقول الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
        {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}

        فمن هذه النصوص القرآنية تتضح لنا القاعدة الإلهية العامة في الغفران ، وهي أن الله لا يغفر ذنب الكافر به أو الإشراك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فالأمر بالنسبة إلى الذنوب الواقعة في مجال احتمال الغفران منوط بمشيئة الله تبارك وتعالى .

        ولا طريق للكافرين والمشركين الذين ماتوا من قبل أن يتوبوا إلا طريق جهنم خالدين فيها ، قال الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
        {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}

        أما عدم قبول الفدية منهم فقد دل عليه قول الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):
        {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}

        وقول الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):
        {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}

        ويظل الكبر ملازماً لهم حتى رؤية العذاب ،لذلك فهم يخفون ندامتهم .

        وقول الله تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
        {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }

        وهكذا تؤكد النصوص أن الكافرين في الآخرة محرومون من فضل المغفرة بسبب كفرهم ، وأنهم لا سبيل إليهم إلى فداء يفتدون به ، وأنهم لا نصير لهم ، وأنهم لا مخرج لهم من العذاب .
*     *     *

        ألا فليعلم الذين اختاروا لأنفسهم سبيل الكفر بالله عن طريق الشرك به ، أو عن طريق الجحود والإلحاد هذه الحقائق ، فهي نُذُر لهم ، ولا يلوموا بعد ذلك إلا أنفسهم .

        ما على الرسول إلا البلاغ .
        وما على مبلِّغ رسالة الرسول إلا البلاغ .
        فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .
        إن الله بصير بالعباد ، يقيم فيهم عدله ، ويمنح محسنيهم فضله .
        ولا يظلم ربك أحداً .
*     *     *



[1] المهل : المعدن المذاب ، أو دردري الزيت ، أو القيح والصديد .
[2] الطلع: : نور النخلة ، وهو أول ما يطلع من ثمرها .
[3] المقامع : قضبان يضرب بها للقمع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق