* عقاب الكافرين في المرحلة الثالثة:
وهي
مرحلة دخولهم دار العذاب ، وقد جاء في نصوص القرآن لمحات تفصيلية لألوان العذاب في
جهنم ، إلا أن معظم النصوص تحدثت عن عذاب جهنم وشدته وشدة إيلامه بشكل عام.
* وفيما يلي طائفة من النصوص التي تتحدث
عن عذاب الكافرين في النار بشكل عام:
1-
فمنها قول الله تعالى في سورة (الحج/22 مصحف/103 نزول):
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ
بِآياتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}
فوصف
العذاب هنا بأنه مهين ، أي فيه إهانة شديدة لهم وإذلال بالغ جزاء كبرهم واستعلائهم
.
2- ومنها قول الله تعالى في سورة
(البقرة/2 مصحف/87 نزول):
{وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ
بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
فهم
أصحاب النار ، وهم خالدون فيها لا يخرجون منها .
3-
ومنها قول الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}
فجاء
وصف العذاب هنا بأنه عذاب شديد .
4- ومنها قول الله تعالى في سورة
(النساء/4 مصحف/92 نزول):
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا
سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً
غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}
ففي
هذه الآية بيان أن جلود الكافرين المعذبين في نار جهنم كلما نضجت واحترقت وانقطع
إحساسها خلق الله لهم جلوداً غيرها ، ليذوقوا العذاب المتجدد.
5-ومنها قول الله تعالى في سورة
(المائدة/5 مصحف/112 نزول):
{وَٱلَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}
فقد جاء وصف النار هنا بأنها جحيم ، أي
مؤججة مضرمة شديدة الحرارة .
6- ومنها قول الله تعالى في سورة (المائدة/5
مصحف/112 نزول):
{لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ
إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ
وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ
مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
فجاء
وصف العذاب هنا بأنه عذاب أليم .
7- ومنها قول الله تعالى في سورة
(الملك/67 مصحف/77 نزول):
{وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبهِمْ
عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا
شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ
فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ
بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن
شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ * وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا
نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ * فَٱعْتَرَفُواْ
بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ }
وفي
هذا النص وصف شهيق جهنم وفورانها من شدة حرها كأنها تتميز من الغيظ ، وفيه بيان أن
أصحاب النار يلقَون فيها أفواجاً أفواجاً ، ولا يقذفون فيها دفعة واحدة ، وفيه
بيان أن كل فوج يسأله خزنة جهنم من الملائكة فيقولون له : ألم يأتكم نذير؟
فيقولون: بلى ، ويعترفون بذنبهم ويتحسَّرون على أنفسهم . وهذا تطبيق ما جاء في
قوله تعالى : {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} ، فما من فوج كافر يدخل النار إلا
يُسأل هذا السؤال : ألم يأتكم نذير؟ فيقولون : بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا :
ما أنزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير.
* أما النصوص
التي جاء فيها مزيد من تفصيل عقاب الكافرين في هذه
المرحلة الثالثة الأخيرة فكثيرة ، ونستعرض فيما
يلي طائفة منها مقتبسين ما فيها من تفصيلات:
1-
لقد جاء في القرآن بيان شراب الكافرين في جهنم فقال الله تعالى في سورة (يونس/10
مصحف/51 نزول):
{وَٱلَّذِينَ
كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ
يَكْفُرُونَ}
فلهم
شراب من حميم ، أي : شراب من ماء حار يغلي .
2-
وجاء في القرآن بيان طعامهم وشرابهم فيها ، فقال الله تعالى في سورة (الدخان/44
مصحف/64 نزول):
{إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ
* كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ
إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ
* ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ * إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ
تَمْتَرُونَ }
وقال
تعالى في سورة (الواقعة/56 مصحف/46 نزول):
{ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضآلُّونَ ٱلْمُكَذبُونَ
* لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ من زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ *
فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ * هَـٰذَا
نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدينِ }
وقال
تعالى في سورة (الصافات/37 مصحف/56 نزول):
{أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ
* إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً للظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ
أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ
لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ
عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ *
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلينَ * فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ
}
فمن
هذه النصوص يتبين لنا أن طعامهم في دار العذاب من شجر فيها من زقوم ، وأن شرابهم
على هذا الطعام من الحميم .
والزقوم شجر منتن الراحئة مرُّ الطعم
كالمهل[1]
، ينبته الله في أصل الجحيم / وإذا أكله آكله غلى في بطنه كغلي الحميم ، وطَلع[2]
هذا الشجر كأنه رؤوس الشياطين ، ولكن الكافرين يجدون أنفسهم في دار عذابهم مضطرين
لأن يأكلوا من شجر الزقوم ، فيملؤوا بطونهم منه ، ثم بعد ذلك يسرعون فيشربون وهم
ظامئون من الحميم ، لكن الحميم لا يطفئ شدة ظمئهم ، وما يغلي في بطونهم ،
فيستزيدون ويستزيدون ويشربون شرب الهيم ، والهيم هي الإبل التي يصيبها د اء يقال
له : داء الهُيَام ، فهي تشرب ولا تروى .
ثم يُعتَل الكافر ويؤخذ إلى سواء الجحيم ،
ثم يصب فوق رأسه من عذاب الحميم ، ويقال له على سبيل الإهانة والإذلال : ذق إنك
أنت العزيز الكريم.
ولهم أيضاً طعام آخر من غسلين ، وهو في
كلام العرب ما يخرج من الأشياء المستقذرة كالجراحة ونحوها عند غسلها ، قال الله
تعالى في سورة (الحاقة/69 مصحف/78 نزول):
{فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا
حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ}
3- وجاء في القرآن بيان لباسهم في دار
عذابهم ، إن لهم ثياباً خاصة من نار ، تُقطَّع لهم على مقادير أجسادهم ، قال الله
تعالى في سورة (الحج/22 مصحف/103 نزول):
{هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي
رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ
مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ
* وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ
مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}
فللكافرين ثياب من نار مقطعة مفصلة على
مقادير أجسامهم ، ويعذبون بسائل يغلي من شدة حرارته ، يصب من فوق رؤوسهم فيصهر به
ما في بطونهم ، وتصهر به جلودهم ، ويحاولون الخروج من عذابهم وغمهم ، فتلاحقهم
ملائكة العذاب بمقامع[3]
من حديد ، فيضربونهم ، ويعيدونهم في العذاب ، ويقولون لهم : ذوقوا عذاب الحريق .
4- وجاء في القرآن بيان ما يوضح في أعناق
الكافرين من أغلال حامية يعذبون بها في دار عذابهم ، فقال الله تعالى في سورة (سبأ/34
مصحف/58 نزول):
{...وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ
أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}
وقال
تعالى في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):
{ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ
أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ}
5- ويعذب الكافرون في النار بسلاسل محمية
يسلكون فيها ، طول كل واحدة منها سبعون ذراعاً ، قال الله تعالى في سورة
(الحاقة/69 مصحف/78 نزول):
{وَأَمَّا
مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ
* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ * مَآ
أَغْنَىٰ عَني مَالِيَهْ * هَّلَكَ عَني سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ *
ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً
فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ
عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ
طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ }
6-
وجاء في البيانات القرآنية أن عذاب الكافرين في نار جهنم عذاب دائم لا نهاية له ،
وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ، بل حياتهم فيها مستمرة ، وعذابهم فيها لا ينقطع ،
كما أنه لا يخفف عنهم من عذابها ، قال الله تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ
جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ
عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا
رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ
نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ
فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ * إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَاوَاتِ
وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}
فهم
يدعون ربهم وهم في نار جهنم أن يعيدهم الله إلى دار الابتلاء ليؤمنوا ويعملوا
صالحاً ، ولكن الله لا يستجيب إلى طلبهم هذا ، ويقول لهم : "أولَم
نعمركم؟" أي: أولَم نجعل لكم في دار الابتلاء عمراً كافياً لاختباركم
وامتحانكم ، فأصررتم على كفركم وعنادكم ، ويقول لهم أيضاً: "وجاءكم
النذير" ، أي: وقد جاءكم رسول فأنذركم عاقبة كفركم فكذبتم وعصيتم .
على أنهم لو ردوا إلى دار الابتلاء لعادوا
لما نُهوا عنه ، ألمح إلى هذه الحقيقة قول الله تعالى في النص : {إن الله عالم غيب
السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور}، فهو يعلم ما تنطوي عليه صدورهم من كبر
وعناد ، فلو أعيدوا إلى دار الابتلاء لعادوا إلى اختيار الكفر على الإيمان ، لأن
إعادتهم حينئذٍ سيرافقها محو ذكريات العذاب في نار جهنم ، فترجع إليهم حينئذٍ
نفسيتهم الأولى المستكبرة المعاندة ، ويعودون سيرتهم الأولى ، وليست المقادير
ألعوبة في أيدي المتشهِّين المتلاعبين ، وصرَّح بهذه الحقيقة أيضاً قول الله تعالى
في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ
فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذبَ بِآيَاتِ رَبنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
* بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ
لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}
ففي
هذا النص تصريح بأنهم لو ردوا إلى دار الابتلاء لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر
والتكذيب ، إلا أن تمنيهم العودة إلى دار الابتلاء هنا يكون حينما يوقفون على
النار ، ويشاهدون دار عذابهم ، بينما نجد في النص السابق أن طلبهم العودة إلى دار
الابتلاء يكون بعد دخولهم النار ، وتقلبهم في ألوان عذابها .
ويطلب الكافر مثل هذا الطلب أيضاً إذا
جاءه الموت وعلم منزله من العذاب ، عندئذٍ يسأل ربه أن يرجعه إلى الحياة ليؤمن
ويعمل صالحاً ، ولكن طلبه يرفض لانتهاء زمن امتحانه ، وفي بيان ذلك يقول الله
تعالى في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):
{حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ
قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ
إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ
يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ
وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
* وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ
فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا
كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا
تُكَذِّبُونَ * قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا
قَوْماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا
ظَالِمُونَ * قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}
ففي هذا النص بيان طلبهم الرجعة إلى
الحياة الدنيا عند موتهم ، رجاء أن يعملوا صالحاً ، فيرفض طلبهم .
وفيه أيضاً بيان أنهم يطلبون هذا الطلب
حينما تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ، إذ يقولون : ربنا أخرجنا منها ، فإن
عدنا إلى ما كنا عليه من الكفر والتكذيب فإنا ظالمون ، فيقول الله لهم : اخسؤوا
فيها ولا تكلمون ، أي : ابتعدوا مطرودين مُذَلِّين مهانين .
ويطلب
الكافر مثل هذا الطلب أيضاً وهو في موقف الحساب ، وقد دلَّ على ذلك قول الله تعالى
في سورة (السجدة/32 مصحف/75 نزول):
{وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ
نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا
نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ
هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِني لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ
وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ
إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
ومن
جملة هذه النصوص يتضح لنا أن الكافرين يطلبون الرجعة إلى دار الابتلاء أربع مرات .
الأولى : عند موتهم ومشاهدتهم
منازلهم في دار العذاب .
الثانية : في موقف الحساب إذ يقفون
عند ربهم ناكسي رؤوسهم .
الثالثة : عندما يعرضون على النار
بعد الحساب ، ويرون ما في النار من عذاب .
الرابعة : حينما يكونون في نار
جهنم وهم يذوقون ألوان عذابها الأليم .
وفي كل هذه المرات يُرفض طلبهم ، وترد
عليهم تمنياتهم .
7-
وجاء في القرآن بيان أن الكافرين الذين ماتوا وهم كفار لا يغفر الله لهم ، ولا
يقبل منهم فدية ، إنهم قد ختموا حياتهم في دار الابتلاء بالكفر والعناد وتحدي
الحقيقة الإلهية الكبرى ، وقضي الأمر ، فلا رجعة ولا استئناف ولا غفران ولا فدية .
إن عفو الله
وغفرانه يوم القيامة من المنح التي يختص الله بها عصاة المؤمنين ،
فلا يكون للكافرين منها نصيب .
أما في الدنيا فباب العفو والغفران مفتوح
لهم إن آمنوا ، فإذا ماتوا مصرين معاندين فقد قطعوا بأيديهم عن أنفسهم حبل الرجاء
، وقد أعلن الله لهم وهم في الحياة الدنيا أنه لن يغفر لهم إذا ماتوا وهم كفار ،
ولن يقبل منهم أية فدية ، على أنهم يومئذٍ لا يملكون فدية يقدمونها .
دلَّ على ذلك قول الله تعالى في سورة
(محمد/47 مصحف/95 نزول):
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ
عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ
لَهُمْ}
وقول
الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ
إِثْماً عَظِيماً}
وقول
الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ
ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}
فمن هذه النصوص القرآنية تتضح لنا القاعدة الإلهية العامة في
الغفران ، وهي أن الله لا يغفر ذنب الكافر به أو الإشراك به ، ويغفر ما دون ذلك
لمن يشاء ، فالأمر بالنسبة إلى الذنوب الواقعة في مجال احتمال الغفران منوط بمشيئة
الله تبارك وتعالى .
ولا طريق
للكافرين والمشركين الذين ماتوا من قبل أن يتوبوا إلا طريق جهنم خالدين فيها ، قال
الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
{إِنَّ ٱلَّذِينَ
كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ
طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ
عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}
أما عدم قبول الفدية منهم فقد دل عليه قول الله تعالى في سورة
(آل عمران/3 مصحف/89 نزول):
{إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ
ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ
مِّن نَّاصِرِينَ}
وقول الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):
{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ
نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ
لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ
يُظْلَمُونَ}
ويظل
الكبر ملازماً لهم حتى رؤية العذاب ،لذلك فهم يخفون ندامتهم .
وقول الله
تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
{إِنَّ ٱلَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ
لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم
بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }
وهكذا
تؤكد النصوص أن الكافرين في الآخرة محرومون من فضل المغفرة بسبب كفرهم ، وأنهم لا
سبيل إليهم إلى فداء يفتدون به ، وأنهم لا نصير لهم ، وأنهم لا مخرج لهم من العذاب
.
*
* *
ألا
فليعلم الذين اختاروا لأنفسهم سبيل الكفر بالله عن طريق الشرك به ، أو عن طريق
الجحود والإلحاد هذه الحقائق ، فهي نُذُر لهم ، ولا يلوموا بعد ذلك إلا أنفسهم .
ما على الرسول
إلا البلاغ .
وما على مبلِّغ رسالة
الرسول إلا البلاغ .
فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر .
إن الله بصير بالعباد ،
يقيم فيهم عدله ، ويمنح محسنيهم فضله .
ولا يظلم ربك أحداً .
*
* *
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق