* عقاب الكافرين
في المرحلة الثانية:
علمنا
أن هذه المرحلة تبدأ بالبعث إلى الحياة بعد الموت للحساب والجزاء الأكبر .
وقد دلت النصوص الإسلامية على أن هذه
المرحلة تشتمل على عذاب الموقف الطويل ، في حر شمس دانية من رؤوس الخلائف ، ولا
ينجو منه إلا المؤمنون الذين أكرمهم الله بأن يستظلوا في ظل عرش الرحمن يومئذٍ ،
يوم لا ظل إلا ظله ، وتكون درجة عذاب هذا الموقف مناسبة لحال الواقف وكفره وكثرة
معاصيه شدة وضعفاً ، ويستمر هذا الموقف زمناً يعلمه الله ، حتى يتمنى الكافرون أن
يقضى عليه بعذاب جهمنم ، لينصرفوا إليها وينتهوا من موقف الحساب .
وفي هذا الموقف أو في مرحلة من مراحله
يعرض الذين كفروا على النار دار عذابهم ، ويقال لهم مع هذا العرض : أذهبتم طيباتكم
في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها؟! فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في
الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ، وفي بيان هذا يقول الله تعالى في سورة
(الأحقاف/46 مصحف/66 نزول):
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ
عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ
بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي
ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ}
ويقال
لهم بعد عرضهم على النار : أليس هذا بالحق ؟ فيقولون: بلى وربنا . ولكن هذا
الاعتراف يومئذٍ لا ينفعهم ، لأنهم يعترفون بما يشهدون ،وهم عليه معروضون وإليه
واردون ، ولذلك يقال لهم : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وهذا ما بينه الله
بقوله في سورة (الأحقاف/46 مصحف/66 نزول):
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ
عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ
فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}
وحين
يرون العذاب قريباً منهم تكون حالتهم حالة من علم مصيره المحتوم ، فغلى فؤاده بالألم
، وظهرت المساءة على وجهه ، وفي بيان هذا يقول الله تعالى في سورة (الملك/67
مصحف/77 نزول):
{فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ
وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ}
أي:
هذا الذي كنتم به تكذِّبون ، إذ كنتم بسببه أو في موضوعه تدعون الأباطيل والأكاذيب
.
وحين يعرضون على النار يساقون إليها زمراً
بحسب أنواع كفرهم وظلمهم ، أو بحسب كتلهم وزمرهم في الدنيا ، وفي بيان هذا بقول
الله تعالى في سورة (الزمر/39 مصحف/59 نزول):
{وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ
جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ
خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ
رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ
وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ * قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ
أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ }.
إنهم
يؤمرون بالدخول ، وليس الدخول أمراً سهلاً ، فمن الطبيعي أن يحجموا ، لذلك فهم
يدعون دعَّاً فيُدفعون بشدة ، مهانين مُذَلِّين ، قال الله تعالى في سورة
(الطور/52 مصحف/76 نزول):
{إِنَّ عَذَابَ رَبكَ لَوَاقِعٌ * مَّا
لَهُ مِن دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ
سَيْراً * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ للْمُكَذبِينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ
يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ
ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ
تُبْصِرُونَ * ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ
إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
وهذا الدَّع إلى جهنم لا بد أن ينتهي إلى
كبكتهم فيها على وجوههم كالركام الذي يقذف بعضه على بعض ، قال الله تعالى في سورة
(النمل/27 مصحف/48 نزول):
{وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ
وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
وقال
تعالى في سورة (الشعراء/26 مصحف/47 نزول):
{وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ *
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ
يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ *
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}
وبعد
هذا الدعِّ وبعد الكبكبة في النار لا بد أن يباغتوا بمس النار فتبهتهم فلا
يستطيعون ردها ، قال الله تعالى في سورة (الأنبياء/21 مصحف/73 نزول):
{لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ
لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ
يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ }
فمسُّ
النار يأتي مباغتاً ، والدفع يأتي بعد إحجام ، والأمر بالدخول يأتي قبل ذلك
والله أعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق