جدليات
الكافرين
(
أ ) الجدال بالباطل إحدى صفات الكافرين الكبرى:
وقد
وصف الله الكافرين بأنهم يجادلون بالباطل ليُدحضوا به الحق ، أي : ليزيلوا به الحق
من مواقع ثباته واستقراره في العقول والنفوس ، كما هو مستقر وثابت في الواقع
والحقيقة ، فقال تعالى في سورة (الكهف/18 مصحف/96 نزول):
{وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ
لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً}
إنهم لا يقتصرون على الجدال بالباطل ، بل
يضيفون إليه عمليات الهزء والسخرية لتغطية فساد أسلحتهم التي يستعملونها في الجدال
.
والجدال بالباطل صفة
ملازمة للكافرين في كل عصر ،
قال الله تعالى في
سورة (غافر/40 مصحف/60 نزول):
{مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ
فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ * كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ
لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ
فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}
فالذين كفروا من قوم نوح والذين كفروا من بعد قوم نوح إلى مشركي
قريش وكفار أهل الكتاب إلى غيرهم كل أولئك قد جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ،
ولذلك
أعطى الله الكافرين هذا الوصف ، وجعله وصفاً مستمراً في كل الكافرين ، ومتجدداً ما
تجدد في الناس كفر .
وهذا شيء طبيعي فيهم ما داموا ملتزمين
جانب الباطل ،إنهم يريدون أن يبرروا سلوكهم ، ويدعموا آراءهم ومذاهبهم بأية وسيلة
، لكن شيئاً من الحق لا ينصرهم ولا يدعم ما هم فيه ، ولا يبرر سلوكهم ، فاقتضى
واقع حالهم أن يزينوا الباطل ويزخرفوه ويجادلوا به ، ليدحضوا به الحق القوي الثابت
.
ومرض نفوسهم آتٍ من قبل داء الكبر ، إنهم
يستكبرون عن أن يعترفوا بالحق ، وهم ملتزمون جانب الباطل بتأثير أهوائهم ،
ويجادلون بالباطل المزخرف ، ليعطوا أنفهسم صورة الكمال بين الناس ،وليُغَشُّوا على
بصائرهم حتى لا تنزل مكانتهم في نفوسهم ، وهذا ما نبه الله عليه بقوله تعالى في سورة (غافر/40 مصحف/60 نزول):
{ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ
فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ
وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ
مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}
فهؤلاء
الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ، أي : بغير حق ولا حجة منه ، هم من
المتكبرين الجبابرة ، الذين طبع الله على قلوبهم ، إذ حجبوها عن رؤية الخير والهدى
، بما جمعوا في نفوسهم من كبر متجبر .
ولما أكثر
الكافرون على الرسول محمد صل الله علية وسلم
من جدلياتهم الباطلة كشف الله له داء نفوسهم هذا ، وأمره بأن يستعيذ به ،
ليقوى على الصبر عليهم ، وليفتح الله له من الحجج ما يدمغهم ،
فقال الله له في سورة
(غافر/40 مصحف/60 نزول):
{فَٱصْبِرْ إِنَّ
وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ
وَٱلإِبْكَارِ * إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ
بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}
أي: ما في صدورهم من كبر ناشئ عن أوهامهم
حول أنفسهم لم يكونوا ليبلغوه في واقع حالهم ، فهم يجادلون بغيرسلطان أتاهم ،
والأمر الخطير أنهم يجادلون في آيات الله .
وحينما يجادل
الكافرون يذهبون مذاهب متهافتة شتى ، ويخبطون بغير علم خبط عشواء ، ويقررون أموراً
باطلة ، ويلجؤون إلى الكذب تارة ، وإلى المراوغة تارة أخرى ، ويغالطون في الحقائق
بالتعميم أو بالتخصيص أو بالحذف أو بالإضافة أو بالتمويه والإيهام ، أو بنحو ذلك ،
ونجد الإشارة إلى ذلك في قول الله تعالى في سورة (غافر/40 مصحف/60 نزول):
{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ}
أي:
فهم يصرفون إلى سبل شتى من سبل الباطل والزيغ ، ويتعلقون في جدالهم بما ليس فيه
حجة مقبولة .
والعجيب في الأمر أن الكافرين يجادلون في
الله وفي آيات الله دون أن يكون لهم سند من علم صحيح ، أو من عقل منطقي سليم .
وهم قسمان: أتباع وقادة .
أما الأتباع فقد ذكرهم الله بقوله في سورة
(الحج/22 مصحف/103 نزول):
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ
مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ }.
فهؤلاء
يجادلون في الله بغير علم ، ويتبعون في جدالهم القادة الشياطين المردة ، الذين
يضلونهم ويسوقونهم إلى عذاب النار
وأما القادة فقد ذكرهم الله بقوله في سورة
(الحج/22 مصحف/103 نزول):
{ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ
عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ
عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}
فهؤلاء يجادلون في الله بغير علم ولا هدى
ولا كتاب منير ، وهم يستكبرون بين الناس متعالين بموقفهم القيادي ، ويعرضون إعراض
كبر وترفع ،ليحافظوا على منزلتهم في نفوس أتباعهم وفي نفوس الآخرين ، ويزيد ذلك
حينما تنكشف أو تبدأ تنكشف ثغرات الضعف في حججهم التي يسوقونها ، فيلاحظ أن أحدهم
كلما شعر بضعف موقفه في النقاش ثنى عطفه استكباراً ليضل عن سبيل الله ، ومن أجل
ذلك كان له عند الله عقابان ، فله في الدنيا خزي ، وله في الآخرة عذاب الحريق .
أمام هذا الواقع الذي عليه الكافرون اقتضت
ضرورة حماية الدعوة وتثبيتها وتأييدها مقارعة السلاح بنظيره . فكان على المؤمنين
أن يقاوموا الجدال بالجدال ، ويقارعوا الحجة بالحجة ، ويدحضوا الباطل بالحق ، ولكن
جدال المؤمنين يجب أن يكون جدالاً بالتي هي أحسن ، وهذا ما أمر الله به رسوله إذ
قال له في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):
{ٱدْعُ
إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم
بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}
وما
خوطب به الرسول صل الله علية وسلم فهو
خطاب عام لكل المؤمنين ما لم يكن من خصوصيات الرسول بدليل خاص
(ب) أصول جدليات
الكافرين حول الحقائق الدينية:
لقد
جادل الكافرون في قضية الإيمان الكبرى : في قضية التوحيد ، في قضية الرسول
والرسالة ،في قضية الإيمان باليوم الآخر ، في قضية الكتاب المنزل من عند الله ، في
قضية القضاء والقدر ، إلى غير ذلك .
وكانت جدلياتهم في كل ذلك تعتمد على ما
يلي:
1- الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم ، وظاهر
أن هذا ليس بحجة مقبولة عند العقلاء ، لأنه تعبير عن التقليد الأعمى .
2- جحود الحقائق والأدلة الظاهرة
بالمكابرة ، والإصرار على اعتبارها من قبيل السحر أو الكذب أو الباطل ، أو أساطير
الأولين ، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة ، وإنما هو فرار من الإذعان إلى إطلاق
الشتائم وتكذيب للحقائق بالأوهام .
3- الاحتجاج بالاستغراب والاستبعاد ، دون
سند من العقل الصحيح ، والاستغراب والاستبعاد حجة مرفوضة ، لأنها تعتمد على عدم
الألف للموضوع ، أو أنه لم تسبق فيه مشاهدة حسية ، وليس شيء من ذلك بمقبول منطقياً
، فما كل حقيقة يجب أن تكون مألوفة ، أو يجب أن تسبق فيها مشاهدة حسية للناس ،
كلهم أو بعضهم .
4- الاحتجاج بامتياز الكافرين على
المؤمنين بوسائل الرفاهية والترف في الحياة ، واعتبار ذلك دليلاً على فساد عقيدة
المؤمنين ومنهجهم ، لأنهم لو كانوا على حق لأغناهم الله وزادهم رفاهية وترفاً ،
وهذه حجة ساقطة ، لأن أي عاقل يدرك أسس الإيمان وأهداف الحياة الدنيا ، يعلم أن
الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء ، وأن إحدى مواد الامتحان في هذه الحياة
الابتلاء بالغنى أو بالفقر ، بحسب حالة كل إنسان ، وأن الابتلاء بالغنى ليس
تكريماً ، وأن الابتلاء بالفقر ليس بإهانة ، حتى إذا انتهت فترة الامتحان وجاء دور
الجزاء الأكبر في الأخوة ، ظهر تمييز المؤمنين على الكافرين ، فللمؤمنين دار
النعيم الخالد ، وللكافرين دار الشقاء الأبدي .
5- الاحتجاج بتعللات القضاء والقدر ، وفق
المفاهيم الجبرية المرفوضة في الدين ، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة أصلاً ، ما دام
الدين – الذي هو مصدره الوحيد –يرفضه ولا يقبله ، وذلك لأن مفاهيم القضاء والقدر
الصحيحة إنما نأخذها على الدين ، فمن تعلل بعلة دينية يرفضه الدين نفسه ، فقد
كذَّب على الدين ليحتج عليه بما ليس فيه ولا منه .
6- جدال لا أساس له إلا الكبر الطبقي ،
كقول الكافرين عن فقراء المؤمنين: "لو كان خيراً ما سبقونا إليه" وهذه
حجة مضحكة للعقلاء ، وقد زينها في أذهانهم اغترارهم بأنفسهم واستكبارها بما لديهم
من متاع الحياة الدنيا .
7- اللجوء إلى عمليات الصد عن استماع الحق
، والشتائم الهزء والسخرية ونحو ذلك ، مما يفعله المبطلون حينما تتهاوى حججهم ،
وتتساقط أدلتهم ، وينقطعون فلا يستطيعون مجاراة الفكر بالفكر ، والحجة بالحجة ،
والبرهان بالبرهان .
( ج ) نظرات
تفصيلية حول جدلياتهم :
ونلقي
في هذه الفقرة نظرات تفصيلية حول طائفة من جدليات الكافرين في قضايا الإيمان
الكبرى ، لنتبين مدى ما هم فيه من سقوط فكري فاضح حينما يعالجون قضايا تتعلق
بعقائدهم ومناهجهم في الحياة ، مخالفين فيها حقائق الدين وشرائعه .
* جدالهم حول قضية التوحيد :
لقد
جادلت عاد قوم هود رسولهم هوداً عليه السلام في آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون
الله ، مع أن معبوداتهم هذه لا تزيد في واقع حالها على أنها أسماء سموها هم
وآباؤهم ، لا يؤيد استحقاقها للعبادة سند من علم أو عقل ، ولا سلطان من دين صحيح ،
وقد حكى الهل جدالهم لهود عليه السلام في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):
{قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ
وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن
كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ
وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ
مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ}
فهم
قد اخترعوا من عند أنفسهم أسماء وجعلوها آلهة يعبدونها ، وجادلوا فيها بغير قاعدة
علمية ، واكتفوا بحجة التقليد الأعمى
وجادل
كفار قريش رسول الله محمداً صلوات الله عليه في قضية التوحيد ، ولم يكن لهم حجة
إلا التعجب من جعل الآلهة إلهاً واحداً ، واتهام الرسول بالاختلاف والافتراء على الله ، وقد وصف الله حالهم ومقالتهم في
سورة (ص/38 مصحف/38 نزول) فقال تعالى:
{وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ
منْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ
إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ
مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ
يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ}
وليس في تعجبهم ولا في اتهام الرسول
بالاختلاق حجة مقبولة عند العقلاء ، فالتعجب لا ترفض به الحقائق ، والاتهام بالكذب
والاختلاق لا يمثل حجة ذات وزن مطلقاً لدى العقول السليمة ، باستطاعة أي إنسان أن
يتهم كل الناس بالكذب والاختلاق ، وأن يطلق كلمة الباطل على أية حقيقة ، ولكن هذا
شأن الذين لا يحترمون نفوسهم وعقولهم .
* جدالهم في قضية
الرسول والرسالة:
جادل
الملأ من قوم نوح لرفض رسالته التي أرسله الله بها ، وإثبات أنه مفترٍ كذاب ،
ولكنهم لم يأتوا بأية حجة منطقية مقبولة لدى العقلاء ، وكانت حجتهم مجرد توجيه
التعجب والاستغراب والاستبعاد ، إذ تعجبوا أن يكون الرسول بشراً مثلهم ، وافترضوا
أن الواجب يقتضي بأن يكون ملكاً من الملائكة لو أن الله شاء أن يرسل رسولاً .
هذه كانت حجتهم مع أن الحكمة تقتضي بأن
يكون الرسول إلى البشر من البشر أنفسهم لا من الملائكة .
ويحكي الله لنا مقالة الملأ من قوم نوح في
سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):
{فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ
مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ
عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا
فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ
فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ}
فهؤلاء بعد أن قدموا التعجب كحجة لهم
انتقلوا إلى الاحتجاج بأنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين ، وفي هذا تبرر
للتعجب من جهة ، واحتجاج بالتقليد الأعمى من جهة أخرى ، ثم انتقلوا إلى إطلاق
الشتائم ، وكل هذا ليس له في مجال الاحتجاج المنطقي نصيب ، ولكن دافع الكبر كان
حجاباً لهم على الاستجابة له ، أومأ إلى ذلك قولهم "يريد أن يتفضل
عليكم".
ومثلما
قال قوم نوح قال أيضاً من بعدهم قوم هود ، يقول الله تعالى حكاية لقولهم في سورة
(المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):
{وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا
مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ
وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مثْلَكُمْ إِنَّكُمْ
إِذاً لَّخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً
وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ
هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
* إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ
بِمُؤْمِنِينَ}
وهكذا نلاحظ أنهم لم يقدموا دليلاً في
جدالهم حول قضية الرسول وقضية الآخرة غير مجرد الاستغراب والاستبعاد ، وإيراد
عبارات التعجب ، وأنت خبير بأنه ليس في التعجب شيء يصح أن يحتج به أصلاً ، ولكنها
تعلات الكافرين .
ودرج
مشركو قريش وسائر كفار العرب على طريقة أسلافهم في الاحتجاج لرفض رسالة الرسول
محمد ، ويقص علينا أنباء جدلياتهم فيقول جلَّ
وعلا في سورة (الفرقان/25 مصحف/42 نزول):
{وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ
يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ
فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ
جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً
مَّسْحُوراً * ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ
يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً}
هذه مقالات قالوها رداً على دعوة الرسول
لهم ، وهي كما رأينا تشبه مقالات الأمم قبلها ، وهي تمثل صورة الجدال المتعنت ، الذي
اشتط في مطالبه ، زاعماً أنه يريد أن يستوثق من صحة رسالة الرسول وصدق نبوته .
لقد تعجبوا من أن يكون الرسول بشراً يأكل
الطعام ويمشي في الأسواق ، زاعمين كما زعم الذين كفروا من قبلهم أن الرسول الذي
يتلقى عن الله ويبلِّغ الناس ينبغي أن يكون ملكاً ، حتى يصلح لاستقبال الرسالة
الربانية وتلقي الوحي الإلهي ، أو يكون هذا الملك مرافقاً للرسول من البشر .
هكذا طرحوا مقالاتهم على هذا الأساس
الضعيف الذي لا يشتمل على حجة صحيحة .
وقد جاء الرد القرآني على مقالتهم هذه في
قول الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{وَقَالُواْ
لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ
ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}.
وفي قول الله تعالى في سورة (الإسراء/17
مصحف/50 نزول):
{وَمَا
مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ
أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ
يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً
رَّسُولاً * قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ
بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً }
فإذا أردنا أن
نحلل هذا الرد القرآني إلى عناصره وجدنا فيه بياناً كافياً مفحماً .
إن يتضمن بيان فساد ما زعموه من ضرورة كون
الرسول ملكاً ، وبيان أن الحكمة تقتضي أن يكون الرسول إلى البشر من البشر لا من
الملائكة ، فلو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزَّل الله عليهم ملكاً رسولاً
، لكنهم بشر ، فالحكمة تقتضي أن يكون الرسول إليهم من جنسهم ، لأن الرسول مبلغ
رسالة ربه ، وقائد أمته ، وأسوة لهم في كل الشؤون التي يعظهم بها ،فلو كان الرسول
إلى البشر من الملائكة لا من الناس لكانت حجة الناس عليه أنه لا يشعر بمثل مشاعرهم
، وليس له من الغرائز والشهوات والأهواء مثل ما لهم ، لذلك فهو لا يصلح أن يكون
أسوة لهم ، ثم لا يكون حجة عليهم في استقامته والتزام شريعة ربه ،ولو كان ملكاً
لكان أبسط جواب يردون عليه أن يقولوا له : لو كان لك مثل غرائزنا وأهوائنا
وشهواتنا لعصيت مثلنا ، ولما استقمت على صراط الله ، ولكنه لما كان كامل البشرية
مستجمعاً لكل عناصرها وخصائصها كان حجة عليهم في سلوكه ، وأسوة لهم في جميع الأمور
.
وكان للكافرين مطلب آخر أخلف من مطلب كون
الرسول ملكاً ، فقد طالبوا أن يكون مع الرسول شاهد من الملائكة يراه الناس ويبلِّغ
عن الله ، ثم يقوم الرسول من البشر بوظائف الرسالة .
وقد جاء الرد
القرآني على هذا في قوله تعالى :{ولو أنزلنا مَلَكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون}.
وهذا الرد يتضمن بيان طبيعة الملائكة ،
وأنهم إذا نزلوا وظهروا للناس بيهئتهم الحقيقة فإن أمراً خطيراً من أمور الغيب
ينكشف عندئذٍ للناس ، وعندئذٍ لا يبقى للكافرين أي عذر يعتذرون به ، ولا يبقى
للإمهال أي معنى ، فإذا أصروا على الكفر بعد ذلك فإن أمر إهلاكهم لا بد أن يقضى في
الحال ، وعندئذٍ فهم لا ينظرون ، فليس بعد كشف الغيب مجال للإمهال ، كما أنه ليس
بعد انكشاف الغيب عند الموت مجال للتوبة ، وليس بعد ظهور الآيات الكبرى كطلوع
الشمس من مغربها مجال للتوبة أيضاً ، فمن رحمة الله بهم أن لا ينزل إليهم الملائكة
بصورهم وهيئاتهم الحقيقية ، ليترك لهم مجالاً للتوبة والإيمان بعد روية وأناة
وتبصر بالحقائق الكبرى .
وجاء في الرد القرآني أيضاً قوله تعالى
{ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ، وللبسنا عليهم ما يلبِسون}.
ويتضمن هذا الرد أن الله لو استجاب لهم
فأرسل لهم رسولاً ملكاً في حقيقته لكان مقتضى الحكمة يُلزم بأ، لا ينزل إليهم
بصورته وهيئته الملائكية ، وعندئذٍ فإن أفضل صورة ملائمة يحسن أن يتمثل بها هي
صورة رجل من الناس ، ولو أنزل الله ملكاً على صورة رجل من الناس لالتبس عليهم
الأمر ، ولما علموا هل هو بشر أو ملك؟ ولانتهى بهم الأمر إلى مثل ما هم فيه من لبس
، إذ يلبسون على أنفسهم الحقائق ، فيكفرون بالرسالة .
إنهم كفروا برسالة محمد صل الله علية
وسلم وهم يعلمون أمانته وصدقه ، ويشاهدون
الآيات التي آتاه الله إياها ، فكيف يكون حالهم مع ملك يأتيهم على صورة رجل وهم لا
يعرفون شيئاً عنه؟! إن التباس الأمر عليهم سيكون أشد وأبلغ .
من كل ذلك يتضح أن الحكمة تقتضي من كل
الوجوه أن يكون الرسول المرسل إليهم بشراً لا ملكاً .
ولكن من حقه أن يطالبوا بآيات صدق نبوته
ورسالته ، وقد آتى الله كل رسول من الآيات ما يكفي لإثبات أنه رسول الله حقاً ،
وهنا تنقطع حجة الكافرين ، وتدمغهم حجة الحق ، ولا يبقى لهم إلا العناد .
أما اقتراحهم أن يُلقى إلى الرسول كنز أو
أن تكون له جنة يأكل منها فهو اقتراح تعنتي عنادي ليس له قيمة جدلية ولا منطقية ،
على أنهم لم يقتصروا على المطالبة بأن يلقى إليه كنز أو تكون له جنة ، بل أضافوا إلى ذلك مقترحات أخرى مشابهة ، منها
ما تضمنه قول الله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي
هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً
* وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً
* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ
خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا
كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ
بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ
حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ
كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً * وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ
جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}
باستطاعتنا أن نحصي من النصوص السابقة
مطالبهم ومقترحاتهم التعنتية التي علقوا إيمانهم بالرسول على وجود بعضها بما يلي :
الاقتراح
الأول : أن يكون الرسول ملكاً لا بشراً ، وهذا هو المطلب الأساسي الذي
ينم عن كبر نفوسهم عن اتباع بشر مثله ، ولو اصطفاه الله عليهم واختاره لحمل رسالته
.
الاقتراح
الثاني : أن ينزل إلى الرسول ملك يؤيده ويشهد له ويدعو إلى الله معه ،
يراه الناس ويخاطبونه .
الاقتراح
الثالث : أن يلقي إليه كنز عظيم فيكون أغنى قومه .
الاقتراح
الرابع : أن تكون له في الدنيا جنة كبيرة من نخيل وعنب تتفجر الأنهار
خلالها تفجيراً ، فإذا اكتسب مجد الثراء والغنى والرفاهية مثل عظماء الأرض اتبعوه
.
الاقتراح الخامس : أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً
يجري في مكة أو ما حولها كأنهار الشام ومصر والعراق .
الاقتراح
السادس : أن يكون له بيت عظيم من زخرف (أي : من ذهب) يرتفع به ارتفاع
الملوك العظماء .
الاقتراح
السابع : أن ينزل عليهم العذاب الذي أنذرهم به ، فيسقط السماء عليهم
كسفاً (أي قطعاً تهلكهم) وهذا إمعان منهم بتكذيبه ، وليس طلباً حقيقياً للعذاب .
الاقتراح
الثامن : أن يأتي بالله وملائكته قبيلاً (أي: طرفاً سماوياً) يحاربهم
وينصر الرسول إن كان صادقاً ، وهذا أيضاً إمعان منهم بتكذيب رسالته .
الاقتراح
التاسع : أن يرقى في السماء ، ومع ذلك فلن يؤمنوا به لمجرد رقيه ، بل
لا بد من أن ينزَّل عليهم من السماء كتاباً مسطوراً يقرؤونه .
ولدى التحقيق نجد أن الباعث لكل هذه
المطالب المتعنتة كبر في صدورهم وهوى في نفوسهم . لقد رفضوا اتباع بشر منهم ،
واستكبروا أن يكون الرسول إنساناً ليس له ملك ولا ثراء ، وليس له جاه عريض عند
الناس ، وقد صرحوا بكبرهم هذا ، وقص الله علينا تصريحهم بقوله في سورة (الزخرف/43
مصحف/63 نزول):
{وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ
هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ
عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ
رَبِّكَ...}.
على أن الله تعالى لو استجاب لهم فأنزل
عليهم كتاباً من السماء فلمسوه بأيديهم لما آمنوا به ، لأنهم متعنتون ، وقد بين
الله واقعهم هذا بقوله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي
قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ
إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}
وأما مطالبهم التي تستند إلى عنصر الكبر
الطبقي فهي مطالب لا تستحق الإجابة أصلاً ، لأنها فاسدة في قواعدها الكفرية
والأخلاقية والدينية ، وما كان الامتياز بالمال والثراء وامتلاك الجنات ليؤهل
للتكريم عند الله ولا عند العقلاء من الناس ،فليس من شأن دين رباني ولا من شأن أي
مبدأ صحيح أن يعترف بمثل هذا الامتياز الذي ليس له أساس مقبول ، ولا أن يستجيب
للمطالب التي تتعلق به ، فالاستجابة توحي بالاعتراف ، وهذا يخالف أصل المبدأ ، وقد
اختار الله لخاتم أنبيائه أن لا يكون من أهل الغنى والثراء الكبير ، وأن لا يكون
ملكاً من الملوك ، لتصحيح مفاهيم الناس عن عناصر التفاضل الصحيح ، لذلك فلا ينقض
الله حكمته هذه ، وقضية الرسالة تحتاج إلى خصائص لا يدخل المال والثراء وامتلاك
الجنات فيها ، والاصطفاء بالرسالة فضل من الله ورحمة ، والله يختص بفضله ورحمته من
يشاء .
بقي ما طلبوه من الآيات المادية كتفجير
الأنهار في مكة وما حولها ، وإزاحة جبالها وتوسيع أراضيها ، وغير ذلك من آيات تشبه
الآيات المادية التي أجراها الله على أيدي موسى وعيسى وصالح وغيرهم من النبيين ،
وهذا المطلب قد أكدوه وألحوا عليه ، وذكره الله في مناسبات متعددة ، منها قوله
تعالى في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ
أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ..}.
وقد يبدو للنظر
الأول تساؤل يتضمن الميل إلى تلبية طلبهم الآيات ،
إلا
أن واقع حالهم ما كان ليفتقر إلى إقامة الأدلة للاقتناع بصدق رسالة محمد صل الله
علية وسلم ، فقد أنزل الله من الآيات ما
فيه الكفاية لمن أراد أن يقتنع بالحق ، وفي مقدمة هذه الآيات معجزة القرآن ، وإنما
كانوا يطالبون بالآيات المادية على سبيل التشهي والتعنت ، والله تبارك وتعالى لا
يتخذ خرق سننه الدائمة ألعوبة في أيدي المتعنتين أو المتفكهين المتشهين ، إنما
يخرقها بمقدار حاجة الناس إلى إقامة الدليل الذي يدلهم على صدق رسالة الرسول ، على
أن الله لو أنزل هذه الآية التي طلبوها لكذبوا بها ، فقد كذب بها من قبلهم من
الأمم ،وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ
إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً
فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً}
وبعد
أنواع ذات مراحل من جدال الذين كفروا حول رسالة الرسول وإقامة الحجة عليهم بأدلة
مختلفة ، لم يكن من فريق منهم إلا الإصرار على موقف الإنكار ، ولم تُجدِ فيهم حجج
ولا براهين ، وموقفهم هذا قد أعلنه الله في آخر سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً
قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}
ولما لم تنفع فيهم ألوان المعالجة بالحجة
المقنعة ، ولم تُجد فيهم البراهين ، كان من الخير حسم الأمر معهم ، وقطع أطراف
الجدال ، وإعلان الاستغناء عنهم فقال الله لرسوله :{قل: كفى بالله شهيداً بيني
وبينكم ومن عنده علم الكتاب}، وفي هذا إشعار بنفض اليد من رجاء إصلاحهم ، وبإنهاء
معالجتهم والصبر على مجادلتهم ، وفيه أيضاً إعلان أن الرسول ليس بحاجة إلى شهادة
منهم على أنه رسول الله ، وإنما غرضه هدايتهم ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ،
والأخذ بأيديهم إلى السعادة الخالدة ، أما الشهادة له بأنه رسول الله حقاً فيكفيه
منها شهادتان:
الأولى :
شهادة الله له بها ، وذلك فيما أتاه من آيات عظيمة ، وفي مقدمتها القرآن المعجز في
لفظه ومعناه .
الثانية : شهادة من عنده علم الكتاب ، وهم الذين
عرفوا من كتبهم صفاته فآمنوا به ،وشهدوا له بأنه رسول الله حقاً ، والذين رأوا في
معجزة القرآن ما يثبت لهم أنه رسول الله فشهدوا له بذلك .
وبهذا يحسم الأمر وينقطع الجدال ، ويصبح
الموقف موقف انتظار حكم الله في أهل الكفر .
ومن قبل محمد - صل الله علية وسلم - جاء عيسى عليه السلام قومه بطائفة من الآيات
البينات والمعجزات الباهرات ، فقال الذين كفروا من قومه {إن هذا إلا سحر مبين}
وأخذوا يجادلون في آيات الله على هذا الأساس الفاسد ، وهذا ما بيَّنه الله بقوله
في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
{إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ
مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ
بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ
ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ
كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي
وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ
بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ
فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}
هذا مع أن الآيات التي جاء بها عيسى عليه
السلام آيات عظيمة ، وهي حق وليست بسحر ، ولكن المصرين على الكفر بالمكابرة لا
يجدون سبيلاً إلا أن يجادلوا بالباطل ، فيجعلوا ما هو حق واضح مشاهد ملموس سحراً
من السحر .
وهذا
اللون من ألوان جدال الكافرين لون يعتمد على جحود الواقع الملموس واعتباره وهماً
من الأوهام ،وسحراً من السحر الذي تنخدع به الأبصار ، دون أن يكون له في الواقع
حقيقة تطابق ما أدركه الحس بالتوهم أو بالتخيل ، وما دام الكافرون مصرين على موقف
الجحود والإنكار مهما ظهر لهم وجه الحق ،فليس لهم حجة أمام البينات المادية
المدركة بالحس إلا أن يقولوا ك {إن هذا إلا سحر مبين}.
وقد أوضح الله هذه الحيلة الجدلية من حيل
الكافرين بقوله لرسوله في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ
كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ
إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}
* جدالهم في قضية الآخرة:
وجادل
الكافرون في قضية الآخرة والبعث بعد الموت ، وكان أهم ما اعتمدوا عليه من حجة
إظهار التعجب ،والإنكار على أساس الاستغراب والاستبعاد ، وظاهر أن مثل هذا لا يمثل
حجة مقبولة عند العقلاء .
لقد عرض القرآن جدلياتهم في هذا الموضوع ،
فمنها قول الله تعالى في سورة (النمل/27 مصحف/48 نزول):
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا
كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا
نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ *
قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ *
وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ *
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَىٰ أَن
يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو
فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ}
فقد
اشتملت مقالة الكافرين الجدلية لإنكار الآخرة والبعث بعد الموت للجزاء يوم الدين –
كما جاء في هذا النص – على عنصرين :
العنصر الأول : الإنكار القائم على
الاستغراب والاستبعاد .
العنصر الثاني : الإنكار القائم
على بعد أجل يوم الدين ومرور أجيال من الآباء والأجداد دون أن يأتي وقت تحقيق
الموعود به ، وهذا ما جعلهم يتوهمون أن قضية الآخرة أسطورة لا تتحقق .
وظاهر أن هذا التصور فاسد من أساسه ، لأن
نظام هذه الحياة الدنيا لا يكفي له عشرات الألوف من السنين ، حتى إذا طال أمد
بقائه كان ذلك دليلاً على استمراره بلا نهاية ، وأنه ليس وراءه نظام آخر أو حياة
أخرى.
إن هذا النظام
الكبير الذي تقوم عليه الحياة الدنيا ،
وما
رتب له من خلائق ، وما جعل فيه من ظروف امتحان لذوي الإرادات الحرة ، ومن قُضي لهم
أن يمروا في هذا الامتحان ، كل ذلك لا يكفيه ألوف مؤلَّفة من القرون ، ولا يستكثر
عليه طول زمن مهما طال ، فالآخرة حياة خلود وبقاء دائم ، ومهما طال عمر الدنيا
فإنه بالنسبة إلى الآخرة يسير جداً ، ولكن الإنسان قصير النظر يقيس الأمور على
نفسه وحدود أجله ، ولا يتصور الأبد الخالد تصوراً صحيحاً ، حتى يتضاءل في نظره عمر
الدنيا مهما طال ، وآجال الحادثات تقاس بواقع نظام تكوينها ،وبمقادير وظائفها في
الوجود ِ، ولذلك نشاهد أن عمر بعض الجراثيم قصير جداً يناسب مقدار وظيفته في
الحياة ،بينما يطول نسبياً عمر بعض الحشرات ذات الوظيفة السنوية ، ثم يطول عمر بعض
الحيوانات الأخرى ،وهكذا ضمن سلم تصاعدي ، ويزيد طولاً عمر بعض حيتان البحر ،
والنظام العام الذي يحوي كل ذلك لا بد أن يستوعب كل ما ربت له أن يمر فيه .
أما الحياة الأخرى فهي دار الخلود ،
والدنيا بالنسبة إلهيا كلمحات عابرة من دهر مديد.
فما قدمه الكافرون لإنكار الآخرة لا يصح
أن يعتبر حجة صحيحة مقبولة عند العقلاء ، وإنما هو تكذيب بالآخرة من غير دليل ،
والباعث عليه الإخلاد إلى الأرض والاغترار بزينة الحياة الدنيا ، وأما استطالة أمد
ظروف هذه الحياة الدنيا فتعلَّة جدلية ليس لها أساس منطقي .
وكانت طريقة
القرآن في الرد عليهم تشتمل على لفت نظرهم إلى مظاهر عدل الله
في
الذين كذبوا بيوم الدين من أهل القرون الأولى ، وكيف أ،زل الله بهم معجَّلاً من
عقابه في الحياة الدنيا قبل يوم الحساب ليقيم البرهان بتنفيذ معجل الجزاء على صدق
مؤجله ، وأحالهم على دليل المشاهدة في واقع الأرض ، وما جرى فيها من أحداث عقاب
مدمر على الذين كفروا وكذبوا بيوم الدين ، فقال الله تعالى : {قل سيروا في الأرض
فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} ، ثم قال لرسوله : {ولا تحزن عليهم ، ولا تكُن في
ضيق مما يمكرون}، وذلك لأنهم لا يستحقون أن تحزن من أجلهم ، إذ اختاروا لأنفسهم
سبيل الجحود والتكذيب بالحق ، ورضوا لأنفسهم مصير هذا التكذيب ، وأما مكرهم بك وبدعوتك
فلا تكن في ضيق منه لأن الله ناصرك .
ثم إنهم في جدلهم يتساءلون عن الزمن الذي
يتحقق فيه الوعد ، فيقولون للرسل: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟).
وبما أن الله قد أخفى عن عباده أجل قيام
الساعة كما بيَّن لهم ذلك في نصوص متعددة ، فإن أحسن جواب لهم على سؤالهم تهديدهم
بأنهم سيأتيهم بعض الجزاء الذي وعدوا به ، فيلنتظروه معجلاً في ظروف هذه الحياة
الدنيا ، إذا أصروا على كفرهم وعنادهم وتكذيبهم ، فقال تعالى لرسوله : {قل : عسى
أن يكون رَدِف لكم بعض الذي تستعجلون}.
ففي هذا تلويح تهديدي بقرب أجل عقابهم
المعجل في الدنيا ، إنهم يستعجلون الآخرة ، وهذا يعني أنهم يستعجلون عقابهم ، فقل
لهم : (عسى أن يكون رَدف لكم بعض الذين تستعجلون)، ومعنى رَدِف لكم: تبعكم[1]
، واستعمال الفعل الماضي في (رَدِفَ) يدل على أن الشيء قد صار قريب الحصول جداً ،
حتى كأنه قد وقع فعلاً ، فهو نظير قول المؤذن قد قامت الصلاة ، مع أن المباشرة بها
لم تحدث فعلاً ، ولكن الاستعداد التام للمباشرة بها والاتجاه للتنفيذ يجعل الصلاة
كأنها قد قامت فعلاً ، فيصبح بهذا الاعتبار الفعل الماضي الموضوع أصلاً للدلالة
على أمر قد وقع فعلاً ، دالاً على أن الأمر قد صار قريب الوقوع .
وربما يكون تعبيراً عن أن أمر عقابهم قد
قضي في السماء كما تطلق القذيفة ، فهي في طريقها لتصل إلى هدفها .
ثم بيَّن سبحانه
وتعالى أن تأخير عقابه فضل منه على عباده ،
ليترك لهم فرصة للتوبة ، لكن أكثر الناس لا
يشكرون ، فقال تعالى : {وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون}.
ومما عرَض القرآن من جدلياتهم في موضوع
الآخرة والبعث بعد الموت للحساب والجزاء ، قول الله تعالى في سورة (ق/50 مصحف/34
نزول):
{قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ
عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا
شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ}
فالأمر الذي صدهم عن الإيمان واحتجوا به
تعجبهم من أن يأتيهم رسول منهم ، وتعجبهم من خبر الرجوع إلى الحياة بعد الموت
للحساب والجزاء ، مع أن مجرد التعجب من الأمر دون أساس عقلي أو علمي لا يصلح
دليلاً للنفي ولا يصح الاحتجاج به لإنكار الحق .
ولما أنكروا الآخرة بحجة الاستغراب
والاستبعاد وإطلاق عبارات التعجب تصوروا أنهم قد ملكوا حجة مقنعة ، فأخذوا
يتساءلون عن حال الرسول فيقولون : هل هو يفتري على الله كذباً؟ أم به جنة؟ نسُوا
خلقهم الأول ، وعمُوا عن الحقيقة الظاهرة التي تشهد بأن من بدأ الخلق قادر على
إعادته .
وقد ذكر الله
تساؤلهم هذا بقوله في سورة (سبأ/34 مصحف/58 نزول):
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ
نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبئُكُمْ إِذَا مُزقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ
لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ ٱلَّذِينَ
لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ * أَفَلَمْ
يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ منَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ
إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً منَ ٱلسَّمَآءِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لكُل عَبْدٍ مُّنِيبٍ }
ففي هذا تنبيه قوي على الدليل الكبير
الدال على أن الله قادر على أن يخلقهم خلقاً جديداً ، فالذي خلق السماوات والأرض
قادر على إعادة خلقهم بعد فناء أجسادهم ، فلا مجال لاستغرابهم واستبعادهم .
وبعد أنواع ذات مراحل من جدال الذين كفروا
حول الآخرة والبعث بعد الموت للحساب والجزاء ، وبعد إقامة الحجة عليهم بأدلة
مختلفة ، لم يكن من فريق منهم إلا الإصرار على موقف الإ،كار ، ولم تجد فيهم حجج واضحة
ولا براهين دامغة ، وقد عرض الله موقفهم المتنعت هذا في أوائل سورة (سبأ/34
مصحف/58 نزول):
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ
تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ
لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ
وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * ليَجْزِيَ
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ
لَهُمْ عَذَابٌ من رجْزٍ أَلِيمٌ}
وموقف الرسول هنا موقف إصرار على الإيمان
في مقابل إصرار الكافرين على الكفر .
ولما
كان الموضوع هنا يتعلق بعقيدة الآخرة ولا يتعلق بشخص الرسول كان موقف الرسول
متسماً بعنف الإصرار المقرون بالقسم {بلى وربي لتأتينكم}.
ولما كان موقفهم في موضوع الرسالة يتعلق
بشخصه صلوات الله عليه إذ قالوا له : {لست مرسلاً} كان موقفه هناك يتسم بلين
المتبرئ من المصلحة الشخصية ، إذ عمله الله أن يجيبهم بقوله : {كفى بالله شهيداً
بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}.
* جدالهم في قضية الكتاب
المنزل من عند الله:
وجادل
الكافرون في القرآن ، فأنكروا نسبته إلى الله ، واتهموا الرسول صل الله علية
وسلم بافترائه على الله ، ولم يكن لهم من
حجة إلا الرفض ، وادعاء أنه أساطير الأولين ، اكتتبها الرسول عن الكتب السابقة ،
أو هو من قبيل السحر ، وليس شيء من ذلك بحجة مقبولة عند العقلاء .
من الطبيعي أن الكافرين ليس لهم ما
يقولونه عن القرآن بعد أن كذبوا به إلا أنه أساطير الأولين ، أو أن الرسول وضعه من
عنده وافتراه على ربه ، وأن يتهموا قوة تأثيره على العقول والنفوس بأنها من قبيل
السحر ، وقد ذكر الله مقالاتهم هذه في عدة مواضع من القرآن ، منها قول الله تعالى
في سورة (الفرقان/25 مصحف/42 نزول):
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ
هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ
جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا
فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ
فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }.
ومنها
قول الله تعالى في سورة (سبأ/34 مصحف/58 نزول):
{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا
بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا
كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ
سِحْرٌ مُّبِينٌ}
ومنها
قول الله تعالى في سورة (الأحقاف/46 مصحف/66 نزول):
{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا
بَينَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَق لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ
مُّبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ
لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ
شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.
*كذا كان
جدلهم حول القرآن متردداً بين ثلاث حجج باطلة ، هي في حقيقتها دعاوَى وليست بحجج .
الأولى :
ادعاؤهم أن الرسول قد افتراه ، وهو ادعاء مرفوض لما فيه من ظلم وزور ، والواقع
القرآني يكذبه ، وذلك أن إعجاز القرآن دليل كافٍ على أنه ليس عملاً إنسانياً ،
وإنما هو تنزيل من عند الله ، وقد تحدّى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله فما
استطاعوا ، وبذلك سقط ادعاء افترائه على الله .
الثانية :
ادعاؤهم أنه أساطير الأولين اكتتبها الرسول عن الكتب السابقة ، وهذا ادعاء مرفوض
بداهة بشهادة واقع حال الرسول المعروف في تاريخ حياته ، وبشهادة الواقع القرآني
العربي المعجز بعربيته ، والمعجز بكل مضامينه .
وقد أطلق المشركون إشاعات زعموا فهيا أن
محمداً يتلقى القرآن عن رجل أعجمي كان في مكة له علم بكتب أهل الكتاب ، فرد الله
عليهم بقوله في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}
إن
البديهة تقضي برفض ادعائهم الذي يحمل تكذيب نفسه بنفسه ، إن هذا القرآن كلام عربي
معجز ببيانه العربي وأساليبه العربية ، فكيف يزعمون أنه يعلمه إياه رجل أعجمي ،
وهم العرب بفصاحتهم وبلاغتهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل سورة منه .
الثالثة :
ادعاؤهم أن القرآن هو من قبيل السحر ، أي : إن قوة تأثيره على القلوب والنفوس
مستمدة من قوة سحرية ، وهذا ادعاء يمثل الهروب من وجه الحقيقة الناصعة ، ذات
التأثير المستمر .
وليس من شأن مثل هذه الدعوى أن يكون لها
نصيب من الثبات حينما تستمر قوة تأثير القرآن . إن السحر وفق مفاهيم مدعيه عمل
عارض يخدع ولا حقيقة له ، وواقع القرآن حقيقة مستمرة باقية ، لذلك فليس من شأن مثل
هذه الدعوى الباطلة أن تنفع في جدال نظري ، ما دامت ساقطة سقوطاً ذاتياً بشهادة
الواقع .
والكافرون الذين كفروا بالقرآن لم يكفروا
به إلا تعنتاً وعناداً ، وما كانت تنقصهم الأدلة التي يرون فيها أن هذا القرآن من
عند الله ، والمتعنت لا سبيل إلى إقناعه ، وهذا ما كشفه الله من حالهم في سورة
(الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي
قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ
إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}
فهم
يفرون من التصديق به إلى باطل جدلي لا أساس له من علم ولا من عقل ، لأن واقع حال
القرآن يكذب ما فروا إليه ، فهو حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
إنهم ما داموا مصرين مكابرين فإنهم لن
يؤمنوا ولو رأوا كل آية ، ويفرّون إلى إطلاق الأباطيل الجدلية ، وهذا ما بيَّنه
الله بقوله في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ
وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا
جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ
أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}
وبعد
أنواع ذات مراحل من جدال الذين كفروا حول القرآن ، وسقوط أدلتهم وحججهم ودعاويهم
الباطلة ، لم يكن من فريق منهم إلا الإصرار على موقف الجحود والإنكار ، فوقفوا
أخيراً منه موقف المتعنت ، فأعلنوا رفضهم الإيمان به ، رغم كل البراهين التي
اقترنت بالقرآن والدالة على أنه كلام الله حقاً ، وقد بين الله موقفهم هذا بقوله
في سورة (سبأ/34 مصحف/58 نزول):
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ
بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ
مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ
ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ *
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ
عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ
ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ
إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً
وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ
فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ }
فهؤلاء
الذين كفروا قد انتهوا بعد الجدال الطويل حول القرآن ، ودمغهم بالحجج القواطع إلى
الإصرار على عدم الإيمان ، فقالوا : {لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه}،
فانتقلوا من الكفر بالقرآن إلى الكفر بالذي سبقه من الكتب الربانية .
وموقف الرسالة تجاه هذا الإصرار المتعنت
هو موقف المعرف الذي يتحول من موقف المجابهة بالجدال إلى موقف الإعراض ، مع بيان
عاقبة الإنكار بغير حق ، وبيان مصير المنكرين أتباعاً ومتبوعين ، وإثارة مشاعر
الخوف من هذا المصير الوخيم ، وهذا هو الموقف الذي لا سبيل سواه .
ومن البديع في النص القرآني هذه النقلة
التي نقلهم بها إلى مشهد من مشاهد يوم الدين ، إذ يتجادل الكافرون يومئذٍ ، فيلقي
الأتباع مسؤولية التضليل على قادتهم في الحياة الدنيا ، ويتبرأ القادة منهم ،
ويجعلونهم مسؤولين عن أنفسهم وعن جرائمهم ، والصورة الجدلية تكون بينهم على الوجه
التالي:
المستضعفون : لولا أنتم لكنا مؤمنين
.
المستكبرون : أنحن صددناكم عن
الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين؟!
المستضعفون
: (بل مكرُ الليلِ والنهارِ) أي : مكرم لنا في الليل والنهار (إذْ) كنتم
(تأمرونَنَا أن نَكفُر باللهِ ونَجعل له أنداداً) هو الذي جعَلَنا نكفر .
الحكم العادل : يحمِّل كلا
الفريقين المسؤولية على مقدار كسبه ، ويجازي كل واحد بعمله ، وتجعل الأغلال في
أعناق الذين كفروا .
المستكبرون والمستضعفون : يسرّون
الندامة حين يرون العذاب .
* جدالهم بالسباب
والشتائم والمشاغبات والصد عن الحق ونحو ذلك:
حجج
الكافرين التي قد يتصنعون فيها الهدوء ، وقد يحاولون إبرازها بصورة منطقية في أول
الأمر ، حين تنقطع بهم وتتخاذل وتبدأ بالتصاغر والانهزام تثور ثائرتهم ، ويطيش
صوابهم ، ويلجؤون إلى خطة السباب والشتائم والمشاغبات ، وصرف أتباعهم عن سماع
الهدى ، وصدّهم عن مجالسه ، حتى لا يتأثروا به فيتبعوه .
والدفع بالسباب والشتائم لا يدخل في نظام
جدال العقلاء المتناظرين لبلوغ الحق ، وإنما هو خطة السفهاء ، للتغلب بأية وسيلة ،
ولإثبات المذهب والرأي ولو عن طريق الإكراه بالقوة ، فإذا لم توجد القوة ،
فبالمشاغبة والشتيمة وتقطيع الناس عن داعي الحق ، وهذه هي خطة الكافرين وسائر
المبطلين .
* أسلوب
الشتائم:
ومن
الشتائم اتهام داعي الحق بأنه مبطل ، واتهام الحق بأنه باطل أو سحر أو كذب أو نحو
ذلك .
وقد بيَّن الله لرسوله هذا الأسلوب السفيه
من أساليب دفع الكافرين للآيات البينات التي سيأتيهم بها ، ليهيئه نفسياً لتحمل الصدمات
القاسيات التي يوجهونها له ، وتحمل أنواع المكابرات والافتراءات التي يفترونها
عليه .
إنه سيأتيهم بالحق المبين فيقولون له : إن
أنت إلا مبطل من المبطلين ، فما عليه إلا أن يصير عليهم ، ويلازم نشر دين الله
والدعوة إليه ، فحجتهم الجدلية في هذا إنما هي مقابلة الحق باتهام صاحبه بأنه مبطل
، وليس هذا في الحقيقة حجة ، إنما هو دافع بالسباب ، ومقابلة للحق بالشتائم .
هذا الإعداد النفسي من الله لرسوله ، ولكل
داعٍ إلى الحق من بعد الرسول ، نجده في قول الله تعالى في سورة (الروم/30 مصحف/84
نزول):
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي
هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ
كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ
قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ
يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ }.
فمن
الملاحظ أن الله يوصي رسوله في هذا النص بالصبر على شتائم الكافرين ، حين يتهمونه
بأنه مبطل ، وهو يأتيهم بالآيات البينات والحجج الظاهرات ، ويوصيه أيضاً بالرزانة
والرصانة ورجاحة النفس حتى لا يستخفه الذين لا يوقنون بمثيراتهم وجدلياتهم الباطلة
، وشتائمهم المنكرة ، فالرزانة والرصانة ورجاحة العقل والنفس من سمات كبار الدعاة
إلى الحق ، مهما استثيروا واستغضبوا ، إن أوزانهم الراجحة لا تستخفها المثيرات من
رياح الشتائم أو أعاصير السباب المنكر .
وظاهر أن هذه الوصية التي أوصى الله بها
رسوله وصية يطالب بها كل داعٍ إلى الله ، فالجدال متى بلغ حد الغضب تحول عن مقصده
، وارتدى رداء التعصب والانتصار للنفس ، وسلك مسالك الهوى ، وأدخل فيه الشيطان
وساوسه ودسائسه ، وربما انحرف المحقون بسبب ذلك عن منهج الاستقامة .
وقد لجأ الكافرون فعلاً إلى خطة الشتائم ،
فأخذوا يتهمون الرسول صلوات الله عليه بأقوال شتى ، منها المقالات التالية :
ساحر كذاب – إنه لمجنون – شاعر مجنون – قد
افترى على الله كذباً – بل افتراه ، بل هو شاعر - .
وقالوا عن القرآن : سحر – أساطير الأولين –
شعر – مفترى – أضغاث أحلام – إلى غير ذلك من عبارات .
وهكذا نوَّع الكافرون عبارات الشتائم لما
عجزوا عن متابعة الجدال المنطقي ، ومقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل .
وقد
ذكر الله في القرآن أقوالهم التي أطلقوها وفيما يلي طائفة من النصوص القرآنية التي
حكت أقوالهم :
( أ ) فمنها قول الله تعالى في سورة (ص/38
مصحف/38 نزول):
{صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ * بَلِ ٱلَّذِينَ
كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ
فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ
وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً
وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ
وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا
بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ * أَأُنزِلَ
عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا
يَذُوقُواْ عَذَابِ}
ففي هذا النص يحكي الله لنا مقالة
الكافرين عن الرسول صلوات الله عليه ، إذ قالوا : هذا ساحر كذاب ، وإذ قالوا عن
القرآن : إن هذا إلا اختلاق ، وأمام هذا التهجم بالسباب لم يبقَ من معالجتهم إلا
الإنذار بالعذاب القريب ، وذلك في قوله تعالى : {بل لما يذوقوا عذاب}.
(ب) ومنها قول الله تعالى في سورة
(الصافات/37 مصحف/56 نزول):
{وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
* وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}
فهم
يتكلفون إعلان السخرية من الآيات الربانية ، لتغطية موقفهم الذي أصابتهم فيه
الدهشة من الآيات ، ثم يوجهون اتهامهم الذي يشتمون به من جهة ، ويحاولون به تفسير
ظاهرة الآيات من جهة أخرى تفسيراً يصرفها عن حقيقتها .
( ج ) وقد بلغت بهم الوقاحة مداها فواجهوا
الرسول صل
الله علية وسلم بقولهم له : إنك لمجنون ،
وقد قص الله علينا ذلك بقوله في سورة (الحجر/15 مصحف/54 نزول):
{وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزلَ
عَلَيْهِ ٱلذكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن
كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * مَا نُنَزلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَق وَمَا
كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ}
وهذه
الوقاحة مقرونة بالسخرية ، إذ كان بدء كلامهم يصفه بأنه قد نزَّل عليه الذكر ،
فلما أتبعوه بقولهم له : إنك لمجنون دلَّ على أنهم مستهزئون بما قالوا أولاً.
إنهم لم تنقصهم الأدلة ، ولكنهم متعنِّتون
معاندون ،ولو رأوا أقوى الآيات لتعللوا في رفضها بأوهى التعلات ، وقد بين الله هذا
من واقعهم بقوله في السورة نفسها سورة (الحجر/15 مصحف/54 نزول):
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ
ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ
أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}
(
د ) ومنها ما قصه الله عنهم بقوله في سورة (الصافات/37 مصحف/56 نزول):
{وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوۤ
آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ}
وما
قصه بقوله في سورة (الدخان/44 مصحف/64 نزول):
{أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ
جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ
مَّجْنُونٌ}
وكذلك قال فرعون عن موسى ، وقد حكى الله
لنا مقالة فرعون في سورة (الذاريات/51 مصحف/67 نزول):
{وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ
فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ
مَجْنُونٌ}
وما
من رسول إلا قال عنه قومه مثل ذلك ، قال الله تعالى في سورة (الذرايات/51 مصحف/67
نزول):
{كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}
وهذه
هي التعلة التي يفر إليها المكذبون بالحق ، لشتيمة داعيه ، وصرف الجماهير من الناس
عن اتباعه .
* أسلوب المشاغبة
:
ومن
غريب ما لجأ الكافرون إليه في جدالهم أسلوب المشاغبة ، رجاء أن يغلبوا الحق به .
لما انقطعت حجتهم حول القرآن ، ورأوا أن
له تأثيراً عجيباً على قلوب الناس ، وأن تأثيره هذا قد أخذ يجلبهم إلى الإسلام ،
ويفتح بصائرهم على الحق ، فتستنير بنور المعرفة الربانية ، قال بعضهم لبعض : لا
تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون .
فنهى القادة أتباعهم عن الاستماع للقرآن
ليصرفوهم عنه حتى لا يؤثر في قلوبهم ونفوسهم ، وليقفوا قلوبهم عن مشاهدة نوره ،
وأمروهم باللغو فيه ، مشاغبة وتشويشاً ، لملء فراغ السمع ، حتى لا يلتقط منه
أتباعهم شيئاً ، وحتى لا يلتقطوا هم أنفسهم منه شيئاً فيؤثر على قلوبهم ، كما حصل
لكثير من الذين أسلموا بقوة تأثير القرآن ، وعللوا نهيهم وأمرهم هذين برجاء الغلبة
، فقالوا : "لعلكم تغلبون".
وخطة المشاغبة هذه غوغائية أتقنتها تماماً
أحزاب الهدم والتخريب التي ظهرت في القرن العشرين .
وخطة المشاغبة خطة تقدم الدليل ضد
المشاغبين بأنهم قد غدوا خائبين مغلوبين ، منهزمين من معركة البيان والبرهان ،
ومتحولين إلى معركة الشغب واللغط والضجيج والغوغائية .
وفي بيان مقالة الكافرين هذه قال الله
تعالى في سورة (فصلت/41 مصحف/61 نزول):
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ
تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}
ولما
لم يكن من شأن الحق أن يقابل الجنوح بالجنوح ، أو يعارض الفساد بالفساد ، أو يتحول
من المناظرة بالحق إلى اللغط والمشاغبة ، باعتبار أن ذلك من خطط الجاهلين الذين لا
يملكون حجة ولا يحيرون جواباً ، أعرض القرآن عن مقالتهم هذه ، ولجأ إلى بيان سوء
المصير الذي سوف يلاقونه يوم الدين ، باعتبار أنه جزء من أصل بيانات الرسالة ،
فقال الله تعالى عقب الآية السابقة:
{فَلَنُذِيقَنَّ
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي
كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا
دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُون}
إنه
لا سبيل بعد موقفهم العدائي الذي سدوا فيه كل مسلك من مسالك البحث والمناقشة
والإقناع والاقتناع إلا سبيل التهديد والوعيد بسوء المصير ، وعليهم بعد ذلك أن
يتحملوا عاقبة كفرهم بالحق ، وإنكارهم لما جاء به الرسل من لدن عزيز حكيم ، لا
يضره كفرهم شيئاً ، وهو غني عن إيمانهم وعن طاعتهم ، ولكن يهديهم بما أنزل في
الدين إلى طريق نجاتهم وسعادتهم الخالدة .
* جدالهم المستند إلى
واقع امتيازهم بمتاع الحياة الدنيا زينتها:
بمنطق
الكبر الطبقي أورد الكافرون طائفة من جدلياتهم الباطلة ، فمن ذلك ما قصه الله
علينا بقوله في سورة (مريم/19 مصحف/44 نزول):
{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا
بِيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ
خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن
قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً}
فالكافرون
يحتجون على سلامة مذهبهم بواقعهم المتميز بالرفاهية ، وكثرة ما بين أيديهم من متاع
الحياة الدينا وزينتها ، وبارتفاع المكانة الاجتماعية على الطلائع الأولى من
المؤمنين ، ويتصورون أن منطقهم السليم في الحياة هو الذي جلب لهم هذا الامتياز ،
لذلك فلا يمكن أن يكون المؤمنون الذين هم دونهم في الثراء والرفاهية والمكانة
الاجتماعية أعقل منهم وأعرف بالحق ، وقد اعتبروا هذا حجة كافية لتفضيل مذهبهم على
ما ذهب إليه المؤمنون فقالوا للذين آمنوا : "أي الفريقين خير مقاماً وأحسن
ندياً" ، أي : بما لدينا من فهم للأمور استطعنا أن نكون خيراً مقاماً في
الحياة ، مالاً وثراءً وأثاثاً ورياشاً ورفاهية عيش ، واستطعنا أن نكون أحسن ندياً
، أي: أعظم جاهاً في المجالس ، وأحسن ترتيباً لها ، فكيف نتَّبع طريقتكم وأنتم
دوننا مقاماً ومجلساً.
ومع أن هذا دليل ساقط لا قيمة له إلا أن
أصحاب الامتياز الطبقي ، يريدون أن يجعلوه دليلاً ، لقد نفخ الكبر نفوسهم ،
فتوهموا أن ما هم عليه هو الصواب ، وأن كل ما سواه خطأ ، وهكذا يفعل الكبر في
النفوس .
ومقالتهم هذه نظير مقالتهم الأخرى التي
ذكرها الله بقوله في سورة (الأحقاف/46 مصحف/66 نزول):
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ
آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ
بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ}
فهم
بدافع الكبر الطبقي يرون أنفسهم أحق بأن يسبقوا إلى كل خير ، وإذا لم يسبقوا إلى
الإيمان بل سبقهم إليه الذين هم دونهم في الطبقة الاجتماعية ، فهو إذن ليس بخير .
وهذا
غاية الغرور بالنفس ، إذ يجعل صاحبه يتصور لنفسه العصمة عن الخطأ ، لذلك فهو غير
مستعد لأن يغير موقفه ، أو يغير مذهبه ، أو يتنازل عن كفره أو شركه أو سلوكه .
وإذْ لم يهتدِ هؤلاء الكافرون بهدى الله ،
ولم يؤمنوا بدينه ، فلا بد أن يقولوا عن الدين : هذا إفك قديم ، وظاهر أن هذا جدل
كلامي لا أساس له حتى يكون حجة تطرح بين العقلاء ، وهو لا يعدو أن يكون لوناً من
ألوان السباب والشتائم التي لا تصدر إلا عن الجاهلين .
وقد كانت طريقة القرآن في الرد على
احتجاجهم بالتفوق الطبقي في متاع الحياة الدنيا وزينتها وجاهها بتقديم براهين من
الواقع ، تثبت أن التفوق الطبقي لم يكلن ليحمي أصحابه الكافرين بالله من سخط الله
ونقمته وشديد عقابه ، وهذا ما رد الله به على مقالتهم الواردة في سورة (مريم/19
مصحف/44 نزول):
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن
قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً}
أي: فلم يحمِ هؤلاء من نزول عذاب الله
فيهم علو طبقتهم الاجتماعية التي يدل عليها حسن أثاثهم ، وحسن مظهرهم وشارتهم
وهيئتهم ، ولم تغن عنهم مكانتهم الاجتماعية شيئاً عند الله ، لقد أهلكهم الله
بكفرهم ودمر عليهم تدميراً .
وهذا البرهان الواقعي من أقوى البراهين
الدالة على فساد حجتهم التي احتجوا بها ، إذ زعموا أن امتياز طبقتهم الاجتماعية
يلازمه صحة رأيهم ، إذ اختاروا لأنفسهم سبيل الكفر بالله على الإيمان به .
وما أكثر ما يفتتن الناس بزخرف هذا الدليل
، فيتبعون آراء أصحاب المكانات الاجتماعية القائمة على الامتياز بمتاع الحياة
الدنيا وزينتها وجاهها ، معطلين أفكارهم وعقولهم عن البحث والتتبع للحقائق ببصر
نافذ ومنطق سديد .
* جدالهم القائم
على التعلل بالقضاء والقدر :
من
جدليات الكافرين الفاسدة احتجاجهم بالقضاء والقدر لتبرير ما هو من كسبهم ، ولرفض
أوامر التكليف الرباني ونواهيه .
سبق معنا بيان تعللهم بالقضاء والقدر وفق
المذهب الجبري الفاسد ،الذي كذبهم الله به ، إذ ادعوا فيه على الله ما ليس من
مقاديره الجبرية ، فقالوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ، أي : إنهم أشركوا
بحكم كونهم مجبرين بالقضاء والقدر على الشرك . وقالوا : لو شاء الله ما حرمنا من
شيء ، أي : إنهم حرموا أشياء مما أباح الله في شريعته لعباده بحكم كونهم خاضعين
لسلطان القضاء والقدر ليس لهم في أعمالهم كسب اختياري . وقالوا لو شاء الرحمن ما
عبدناهم ، أي : إنهم عبدوا آلهتهم من دون الله بمقتضى سلطان القضاء والقدر وليس
لهم في ذلك كسب إرادي ، أو على معنى أن هذه الأشياء قد أذن الله بها ، فلو لم يأذن
بها لما مكَّنَنَا منها ، ولاستخدم قدرته في جبرنا على ما يحبّ ، وتجاهلوا أنهم
موضوعون موضع الامتحان في الحياة .
وقد كذبهم الله بكل ذلك وأبان أنهم يخرصون
على الله ، فما لهم بما زعموا من علم عقلي أو نقلي يعتمدون عليه .
فقال تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55
نزول):
{سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ
شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ
كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ
عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ
وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ
فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }
أي : فلو شاء أن يسلبكم ما منحكم من حرية
الاختيار في الحياة ويجبركم على نجد واحد من نجديها لهداكم أجمعين .
وقال الله تعالى في سورة (النحل/16
مصحف/70 نزول):
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ
شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا
وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ}
ففي
هذه الآية بيان أنهم قالوا هذه المقالة فعلاً ، وأنها مقالة كان مشركو الأمم
السابقة يتعللون بها .
وقال الله تعالى في سورة (الزخرف/43
مصحف/63 نزول):
{وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا
عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * أَمْ
آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً من قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوۤاْ
إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم
مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ من نَّذِيرٍ
إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا
عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}
فهم
يتعللون بالمذهب الجبري الفاسد في القضاء والقدر ، وقد كذبهم الله به ، ويستمسكون
بحجة التقليد الأعمى لآبائهم ، وبأنهم مستمسكون بالسير على آثارهم .
ومن منطقهم الفاسد في هذا المجال رفضهم
الإنفاق على الفقراء والمساكين وذوي الحاجات ، بحجة أن الله قد أراد لهم أن يبقوا
فقراء محتاجين لا يجدون من يساعدهم ، إهانة لهم وإذلالاً ، ولو شاء الله لهم غير
ذلك لأغناهم فأطعمهم ، فإذ قد جعلهم فقراء فهم لا يستحون المعونة والمساعدة ، وقد
ذكر الله مقالتهم الفاسدة هذه بقوله في سورة (يس/36 مصحف/41 نزول):
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا
رِزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن
لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}
وهنا
نلاحظ أنهم لما تصوروا أنهم ملكوا بمقالتهم ناصية حجة مفحمة ،قالوا للذين آمنوا :
إن أنتم إلا في ضلال مبين ، أي: إذ تدعوننا إلى الإنفاق من أموالنا للفقراء
والمساكين ذوي الحاجات ، وإذ تنفقون أنتم عليهم من أموالكم .
وحين ندرك فلسفة الحياة وحكمة الخالق يظهر
لنا فساد هذه الحجة التي ساقوها ، وذلك لأنه لا يلزم من الإفقار في الحياة الدنيا
أن يكون الغرض منه الإهانة ، كا لا يلزم من الإغناء أن يكون للتكريم ، لاحتمال أن
الغرض من كل منهما الابتلاء .
وقد رفض القرآن فهمهم هذا رفضاً كلياً
وأبان أن الغرض الأساسي من الإغناء والإفقار هو امتحان الإنسان في أي من هذين
الأمرين ،فليس الإغناء للتكريم ،وليس الإفقار للإهانة ، وفي ذلك يقول الله تعالى
في سورة (الفجر/89 مصحف/10 نزول):
{فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ
رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا
مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبيۤ أَهَانَنِ * كَلاَّ
بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ}
فالأمران
كلاهما للابتلاء ، إذ يبتلي الله الغني بالغنى ويأمره بالإنفاق ليبلوه هل يشكر
نعمة الله أو يكفرها ، ويبتلي الفقير بالفقر ويأمره بالرضا والصبر والمشي في مناكب
الأرض بحثاً عن الرزق ، ليبلوه هل يرضى ويصبر أو يسخط ويضجر .
ولما أورد الكافرون حجتهم : "أنطعم
من لو يشاء الله أطعمه"، قصدوا منها أن الله أراد فعلاً أن لا يطعم هذا
الفقير ، وهذا كذب على الله ، بل أراد أن يمتحن الغني بإطعامه ، فالله قد أطعمه
بالأمر التكليفي ، إذ أمر الأغنياء بسد حاجات الفقراء ، وأطعم الآخرين بتيسير سبل
الرزق لهم . وذلك زجرهم عن مقالتهم الكاذبة فقال تعالى في النص : "كلا"
،ثم أبان تعالى أن علتهم الحقيقية هي داء الشح في نفوسهم ، فقال لهم : "بل لا
تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام"، أي : مع أن الله قد أمركم بذلك ، فأنتم
تعصون الأمر الإلهي وتتعللون بالقدر ، تعللاً تكذبون به على الله ، فتضيفون إلى
معصية أمر التكليف الذي أمركم به جريمة الكذب عليه جلَّ وعلا .
[1] يقال
لغة : ردف له وردفه إذا اتّبعه فكان رديفاً له ، أي : تابعاً مباشراً له في اللحوق
، فهذا التعبير يلوح لهم بأن عقابهم المعجل سيأتيهم سريعاً لأنه سيردفهم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق