عقيدة الشيعة في العصمة:
لنشرع الآن في الكلام عن العصمة، ولكن قبل ذلك دعنا نبين عقيدة القوم في العصمة:
يقول الصدوق:
إن جميع الأنبياء والرسل والأئمة أفضل من الملائكة، وأنهم مطهرون من كل دنس ورجس لا يهمون بذنب صغير ولا كبير ولا يرتكبونه([13]).
ويقول: اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنهم معصومون مطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم، واعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم إلى أواخرها، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا جهل([14]).
ويقول علم الهدى: لا يجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب كبيراً كان أو صغيراً لا قبل النبوة ولا بعدها([15]).
ويقول المفيد: الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم مِن بعدِهم معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر والصغائر كلها([16]).
ويقول المجلسي: الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمداً وخطأً ونسياناً قبل النبوة والإمامة وبعدها، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه([17]).
وعد ذلك من ضروريات مذهب الإمامية([18]).
ويقول: اعلم أن الإمامية اتفقوا على عصمة الأئمة من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلاً، لا عمداً ولا نسياناً ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه([19]).
ويقول المظفر: ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان([20]).
وعلى هذا القول سائر الإمامية مما يغنينا عن ذكر أقوالهم جميعاً.
بيان معنى الرجس:
يزعم القوم أن نفي الرجس في آية التطهير دال وموجب للقول بعصمة الأئمة.
وقد رُدَّ على ذلك من وجوه عقلية كثيرة، ليس هذا الكتاب مكان ذكرها، ولكننا سنقتصر على إيراد النصوص الدالة على خلاف هذا القول، فهو أبلغ في المقصود كما سترى، ونبدأ قبل ذلك بإيراد معنى الرجس الذي في الآية والذي هو موضوع حديثنا، فنقول:
وردت كلمة الرجس في القرآن في مواضع عدة، كقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [المائدة:90].
وقوله: ((كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)) [الأنعام:125].
وقوله: ((قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)) [الأنعام:145].
وقوله: ((قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ)) [الأعراف:71].
وقوله: ((سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ)) [التوبة:95].
وقوله: ((وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ)) [التوبة:125].
وقوله: ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ)) [يونس:100].
وقوله: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)) [الحج:30].
وليس فيما أوردناه من الآيات دليل على حمل مفهوم الرجس على الدلالة الموجبة للعصمة كما يدعيها هؤلاء في آية التطهير.
ويؤيد ذلك أيضاً روايات ذكرها القوم عن الأئمة في ذلك منها:
قول الصادق في قول الله عز وجل: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ)) [الأحزاب:33] قال: الرجس هو الشك([21]).
وقول الباقر: الرجس هو الشك، والله لا نشك في ربنا -وفي رواية: في ديننا، وفي أخرى: في الله الحق ودينه- أبداً([22]).
وقول الصادق في قوله تعالى: ((كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)) [الأنعام:125]، قال: هو الشك([23]).
فهل ترى في هذه الروايات أو تلك الآيات ما يستوجب القول بالعصمة التي يراها القوم لأئمتهم؟ لا شك أنهم سيأبون هذا التأويل.
لذا لا نرى بداً من أن نورد عليهم ما ينافي تلك العصمة المزعومة، ففي ذلك غنىً عن كل كلام وترفع عن أي خصام، ولك بعدها أن تحكم بنفسك.
روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأنبياء عليهم السلام:
قبل الحديث عن هذا أشير إلى أن المذهب الحق هو القول بعصمة الأنبياء عليهم السلام في تبليغ الرسالة، وكذلك هم معصومون من الكبائر ومن الإصرار على الصغائر، وأيضاً هم معصومون مما يخل بالشرف والمروءة إلخ، أما الصغائر فقد تقع منهم لكنهم يتوبون منها ولا يصرون عليها، وتكون حالهم بعد التوبة خيراً منها قبل الوقوع في هذه الصغائر وهذا هو القول الحق؛ لموافقته لكتاب الله سبحانه من غير ليٍّ لأعناق النصوص أو تعسف في محاولة تأويلها، فمن الأدلة قوله سبحانه: ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)) [طه:121]، وقوله عن موسى عليه السلام: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [القصص:16]، وقوله عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) [الفتح:1-2]، وقوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ)) [التحريم:1]، وقوله: ((وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)) [الأحزاب:37]، وقوله: ((وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [الأنعام:68] وغيرها من الآيات كثير، وكل هذا دال على وقوع الصغائر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فوقوعها من الأئمة من باب أولى ولكن يتوبون منها ويعود حالهم بعد التوبة أحسن منه قبل وقوع المعصية الصغيرة والتوبة منها.
هذا ملخص مذهب أهل الحق، وإليك بياناً موجزاً لما وقع عند القوم من روايات في هذا الشأن.
نبدأ كلامنا بذكر بعض ما أورده القوم مما يتعلق بشأن الأنبياء عليهم السلام، ونبدأ بذكر آدم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم:
ففي قول الله تعالى: ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)) [طه:121].
روى القوم عن الصادق أنه قال: كان لسان آدم العربية، فلما عصى ربه أبدله بالجنة ونعيمها الأرض والحرث، وبلسان العربية السريانية([24]).
وعنه أيضاً قال: إذا كان يوم القيامة وحشر الناس يأتون إلى آدم، فيقولون: أنت أبونا وأنت نبي، فسل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، فيقول: لست بصاحبكم، خلقني ربي بيده، وحملني على عرشه، وأسجد لي ملائكته ثم أمرني فعصيته([25]).
وذكروا في قوله تعالى: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)) [البقرة:37] عن الصادق قال: إن آدم عليه السلام نظر إلى أرواح الأئمة ومنزلتهم في الجنة فحسدهم وتمنى منزلتهم([26]).
وفي رواية: لما أسكن الله تبارك وتعالى آدم الجنة مُثِّلَ له النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فنظر إليهم بحسد، ثم عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة بأوراقها، فلما تاب إلى الله من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، صلوات الله عليهم، وذلك قوله: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ)) [البقرة:37] ([27]).
وارجع كذلك إلى القول في الآيات الأخرى التي نزلت في شأنه وحواء عليهما السلام، كقوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [الأعراف:189-190].
وقوله تعالى: ((وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)) [الأعراف:22].
ولك -أخي القارئ-
أن تتأمل الآيات حتى ترى تعسف القوم في تأويلها لجعلها دالة على ما يريدون، فأين هذا التأويل من فصاحة القرآن الذي أنزل بلسان عربي مبين؟
ومنها:
سهوه ونسيانه، فقد روي عن الباقر: أن آدم قد وهب ثلاثين سنة من عمره لداود عليه السلام لما رأى قصر عمره، فلما مضى عمر آدم عليه السلام هبط ملك الموت لقبض روحه، فقال له آدم: يا ملك الموت، إنه بقي من عمري ثلاثون سنة، فقال له ملك الموت: يا آدم، ألم تجعلها لابنك داود النبي عليه السلام وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذريتك وعرضت عليك أعمارهم، فقال آدم عليه السلام: ما أذكر هذا، فقال له ملك الموت: يا آدم، لا تجحد، ألم تسأل الله عز وجل أن يثبتها لداود ويمحوها من عمرك فأثبتها لداود في الزبور ومحاها من عمرك في الذكر؟ قال آدم عليه السلام: حتى أعلم ذلك، قال الباقر: وكان آدم صادقاً لم يذكر ولم يجحد، فمن ذلك اليوم أمر الله تبارك وتعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل مسمى، لنسيان آدم وجحوده ما جعل على نفسه([28]).
وفي نوح عليه السلام رووا عن الصادق أنه قال: إذا كان يوم القيامة وحشر الناس، يأتون آدم عليه السلام فيدلهم على نوح عليه السلام، فيقولون: سل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، فيقول: لست بصاحبكم، إني قلت: إن ابني من أهلي([29]).
إشارة إلى قوله تعالى: ((وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ)) [هود:45-46]، ثم ذكر أنه قال: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ)) [هود:47].
وهذا إبراهيم عليه السلام ذكروا في قوله تعالى:
((فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ)) [الصافات:88-89]، عن الصادق أنه قال في قصة حشر الناس يوم القيامة ومجيئهم إلى إبراهيم عليه السلام للشفاعة، فيقول: لست بصاحبكم، إني قلت: إني سقيم([30]).
ورووا عنه أيضاً: أن عرفات سميت بعرفات لاعتراف إبراهيم عليه السلام بذنبه([31]).
وعنه أيضاً:
أن ملك الموت أتاه ليقبضه فكره إبراهيم الموت([32]).
وللمزيد في شأن إبراهيم عليه السلام راجع الكلام في قوله تعالى: ((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)) [الأنعام:76-78].
وقوله تعالى: ((قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ)) [الأنبياء:62-63].
وقوله تعالى: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) [البقرة:260].
وقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)) [التوبة:114].
وقوله: ((يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)) [هود:74-76].
ورووا في قصة يوسف وإخوته، وقوله تعالى:
((قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ)) [يوسف:79]، أن يعقوب عليه السلام بعث بمكتوب إلى عزيز مصر يسأله أن يخلي سبيله، فنزل جبرئيل على يعقوب، فقال له: يا يعقوب، ربك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها إلى عزيز مصر؟
قال يعقوب: بلوتني بها عقوبة منك وأدباً، قال الله: فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري؟ قال يعقوب: اللهم لا، قال: فما استحييت مني حين شكوت مصائبك إلى غيري ولم تستغث بي وتشكو ما بك إلي؟
فقال يعقوب: أستغفرك يا إلهي وأتوب إليك، وأشكو بثي وحزني إليك، فقال الله تبارك وتعالى: قد بلغت بك يا يعقوب وبولدك الخاطئين العناية في أدبي، ولو كنت يا يعقوب شكوت مصائبك إلي عند نزولها بك واستغفرت وتبت إلي من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري إياها، ولكن الشيطان أنساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي([33]).
وهذا ابنه يوسف عليه السلام، روى القوم عن الرضا أن يوسف عليه السلام شكى في السجن إلى الله، فقال: يا رب، بم استحققت السجن؟ فأوحى الله إليه أنت اخترته حين قلت: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، هلاَّ قلت: العافية أحب إلي مما يدعونني إليه؟([34])
وقوله لصاحبه في السجن: ((اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)) [يوسف:42]
حتى روى القوم في ذلك: أن جبرئيل أتاه بعد قوله هذا، فضربه برجله حتى كشط له الأرض السابعة، فقال له: يا يوسف، انظر ماذا ترى؟ قال: أرى حجراً صغيراً ففلق الحجر، فقال: ماذا ترى؟ قال: أرى دودة صغيرة، قال فمن رازقها: قال: الله، قال: فإن ربك يقول: لم أنس هذه الدودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السابعة، أظننت أني أنساك حتى تقول للفتى: اذكرني عند ربك، لتلبثن في السجن بمقالتك هذه بضع سنين، فبكى يوسف عند ذلك حتى بكى لبكائه الحيطان، فتأذى به أهل السجن، فصالحهم على أن يبكي يوماً ويسكت يوماً، وكان في اليوم الذي يسكت أسوء حالاً([35]).
وفي رواية:
أن الله عز وجل قال ليوسف: ألست حببتك إلى أبيك وفضلتك على الناس بِالحُسْنِ؟ أَوَلَسْتُ الذي صرفت عنك كيد النساء؟ فما حملك على أن ترفع رغبتك أو تدعو مخلوقاً دوني؟ فالبث لما قلت في السجن بضع سنين([36]).
وروى القوم في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عجبت من أخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق؟
وفي رواية: لولا كَلِمَتُهُ ما لبث في السجن طول ما لبث([37]).
ورووا -أيضاً- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، وحين أتاه الرسول، فقال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الاختلاف وبادرتهم الباب وما ابتغيت العذر([38]).
ورووا أنه صلى الله عليه وسلم قال:
رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض، لولاَّه من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة([39]).
ونختم هذا برواية القوم عن الصادق:
لما أقبل يعقوب عليه السلام إلى مصر خرج يوسف عليه السلام ليستقبله، فلما رآه يوسف همَّ بأن يترجل ليعقوب، ثم نظر إلى ما هو فيه من الملك فلم يفعل، فلما سلم على يعقوب نزل جبرئيل عليه السلام، فقال له: يا يوسف، إن الله تبارك وتعالى يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصالح؟ ما أنت فيه؟ ابسط يدك، فبسطها فخرج من بين أصابعه نور، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ فقال: هذا أنه لا يخرج من صلبك نبي أبداً عقوبة لك بما صنعت بيعقوب إذ لم تنزل إليه([40]).
وللمزيد في شأن يوسف عليه السلام راجع الكلام في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) [يوسف:24].
وقوله: ((قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ)) [يوسف:33].
وقوله: ((مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)) [يوسف:100].
وقوله: ((قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)) [يوسف:55].
وأيوب عليه السلام إذ أوحى الله عز وجل إليه:
هل تدري ما ذنبك إلى حين أصابك البلاء؟ قال: لا، قال: إنك دخلت على فرعون فداهنت في كلمتين([41]).
وعلى ذكر أيوب عليه السلام فقد ذكر القوم أن الأنبياء عليهم السلام سيكونون يوم القيامة على قلب أيوب في السلامة من الغل([42])، فهل أن سواه لم يكونوا كذلك؟
وكذا من رواية القوم عن الصادق:
ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكير في الوسوسة في الخلق، والطيرة، والحسد، إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده([43]).
وفي موسى عليه السلام ذكر القوم عن الصادق، كما في رواية حشر الناس يوم القيامة الذي مر بك، فيأتون موسى عليه السلام فيقول: لست بصاحبكم إني قتلت نفساً([44]). إشارة إلى قتله للقبطي.
وقول الله عز وجل على لسانه: ((قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)) [القصص:15]، وقوله: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي)) [القصص:16].
وللمزيد في شأنه عليه السلام راجع القول في قوله تعالى: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)) [الشعراء:12].
وقوله تعالى: ((فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)) [طه:67].
وقوله تعالى: ((قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِي الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [الأعراف:150].
وقوله تعالى: ((لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)) [الكهف:73].
وقوله: ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ)) [يونس:88].
وشبيه به قوله عليه السلام في القصة التي يرويها القوم من إعطاء الله عز وجل للصياد الكافر الرزق الوفير دون المؤمن، فقال موسى عليه السلام: يا رب، عبدك الكافر تعطيه مع كفره، وعبدك المؤمن لم تخرج له غير سمكة صغيرة؟([45])
وفي داود عليه السلام في قوله تعالى:
((وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)) [ص:21-26].
روى القوم أنه خرَّ ساجداً أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجداً ثم لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها، ثم يعود فيسجد أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة([46]).
وعن الصادق: أنه بكى حتى هاج العشب من دموعه، وإن كان ليزفر الزفرة فيحرق ما نبت من دموعه([47]).
وكذا بكى أربعين صباحاً لما أوحى الله عز وجل إليه: إنك نعم العبد لولا أنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئاً([48]).
وفي الكافي: إن الله عز وجل أوحى إلى داود: إني قد غفرت ذنبك وجعلت عار ذنبك على بني إسرائيل، فقال: كيف يا رب وأنت لا تظلم؟ قال: إنهم لم يعاجلوك بالنكير([49]).
وفي تفسير القمي عن الصادق في قصة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة: إن داود عليه السلام كان في محرابه يصلي، فإذا بطائر قد وقع بين يديه، فأعجبه جداً ونسي ما كان فيه، فقام ليأخذه فطار الطائر، فوقع على حائط بين داود وبين أوريا بن حنان، وكان داود قد بعث أوريا في بعث، فصعد داود الحائط ليأخذ الطير، وإذا امرأة أوريا جالسة تغتسل، فلما رأت ظل داود نشرت شعرها وغطت به بدنها، فنظر داود إليها وافتتن بها ورجع إلى محرابه ونسي ما كان فيه، وكتب إلى صاحبه في ذلك البعث أن ضع التابوت بينك وبين عدوك، وقدم أوريا بن حنان بين يدي التابوت، فقدمه وقتل، ثم بعث الله إليه الخصم إذ تسوروا المحراب، فلما قال داود: ((قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ)) [ص:24] إلى قوله: ((فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ)) [ص:24].
قال: فضحك المستعدى عليه من الملائكة [وكانا ملكين]، وقال: حكم الرجل على نفسه، فقال داود: أتضحك وقد عصيت؟ لقد هممت أن أهشم فاك، قال: فعرجا، وقال المستعدى عليه: لو علم داود أنه أحق بهشم فيه مني، ففهم داود وذكر القضية فبقي أربعين يوماً ساجداً يبكي ليله ونهاره، ولا يقوم إلا وقت الصلاة حتى انخرق جبينه وسال الدم من عينه، فأوحى الله عز وجل إليه: تب يا داود، فقال: أي رب، وأنى لي بالتوبة؟ قال: صر إلى قبر أوريا حتى أبعثه إليك واسأله أن يغفر لك فإن غفر لك غفرت لك، قال: يا رب، فإن لم يفعل؟
قال: أستوهبك منه، فخرج إليه، فمر بجبل عليه نبي عابد يقال له: حزقيل، فقال: هذا النبي الخاطئ، فقال داود: يا حزقيل، أتأذن لي أن أصعد إليك؟
قال: لا، فإنك مذنب، فبكى داود عليه السلام، فأوحى الله عز وجل إلى حزقيل: يا حزقيل، لا تُعَيِّر داود بخطيئته، وسلني العافية، ثم مضى داود حتى أتى قبر أوريا فناداه فلم يجبه، ثم ناداه ثانية فلم يجبه، ثم ناداه ثالثة، فقال أوريا: مالك يا نبي الله، لقد شغلتني عن سروري وقرة عيني. قال: يا أوريا، اغفر لي وهب لي خطيئتي، فأوحى الله عز وجل: يا داود، بين له ما كان منك، فناداه داود فأجابه في الثالثة، فقال: يا أوريا، فعلت كذا وكذا، قال أوريا: أيفعل الأنبياء مثل هذا؟ فناداه فلم يجبه، فوقع داود عليه السلام على الأرض باكياً، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الفردوس ليكشف عنه، فكشف عنه، فقال أوريا: لمن هذا؟ فقال: لمن غفر لداود خطيئته، فقال: يا رب، قد وهبت له خطيئته([50]).
وكذا شأن ابنه سليمان عليه السلام، فقد روى القمي في تفسيره في قول الله عز وجل:
((وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ)) [ص:30-33]، إن سليمان عليه السلام كان يحب الخيل ويستعرضها، فعرضت يوماً إلى أن غابت الشمس، وفاتته صلاة العصر، فاغتم من ذلك غماً شديداً، فدعا الله عز وجل أن يرد عليه الشمس حتى يصلي العصر، فرد الله سبحانه عليه الشمس إلى وقت العصر حتى صلاها، ثم دعا بالخيل فأقبل يضرب أعناقها وسوقها بالسيف حتى قتلها كلها([51]).
فظاهر هذا كله انشغاله بالخيل حتى ألهاه وشغله عن ذكر ربه وفاتته الصلاة؛ مما اضطره إلى قتل الخيل كلها وهي لا ذنب لها.
وفي قوله عليه السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة بشق ولد، ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فوالذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً، ثم أناب إلى الله تعالى وفزع إلى الصلاة([52]).
ومنها: قوله تعالى مخبراً عنه عليه السلام: ((قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)) [ص:35].
فقد روى القوم عن الكاظم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله أخي سليمان بن داود ما أبخله([53])!
وذكروا أنه عليه السلام كان يفتقر إلى علم غيره حتى الحيوانات، فهذه نملة تقول له كما يروي القوم ذلك عن الصادق: أنت أكبر أم أبوك داود؟ قال سليمان عليه السلام: بل أبي داود، قالت النملة: فلم زيد في حروف اسمك حرف على حروف اسم أبيك داود؟ قال سليمان: مالي بهذا علم، قالت النملة: لأن أباك داود داوى جرحه بود فسمي داود، وأنت يا سليمان أرجو أن تلحق بأبيك، ثم قالت النملة: هل تدري لم سخرت لك الريح من بين سائر المملكة؟ قال سليمان: ما لي بهذا علم. الرواية([54]).
وفي رواية: أن النملة قالت: هل علمت لم سمي أبوك داود؟ فقال: لا، قالت: لأنه داوى جرحه بود، هل تدري لم سميت سليمان؟ قال: لا، قالت: لأنك سليم ركنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك، وآن لك أن تلحق بأبيك([55]).
وعلى أي حال، لا يسعنا حصر كل ما أورده القوم في شأن الأنبياء عليهم السلام مما يتعارض مع عقيدة العصمة، فإن ذلك سيخرجنا عن موضوع الكتاب من جهة، ويخرجنا عما التزمنا به من الإيجاز من جهة أخرى، ثم إننا سوف نورد روايات أخرى لاحقاً.
ولكن الحق أن كل ما ذكرناه قد لا نلزم به القوم، وذلك أن الأئمة أفضل من الأنبياء عندهم كما مر بك، وإنما أوردنا ذلك لما قد علمت من أن قولهم في عصمة الأئمة هو ذات القول في الأنبياء عليهم السلام، لذا نجد لزاماً أن نورد شيئاً مما ينافي العصمة المذكورة عن أصحاب الكساء، إذ بها يتحقق المقصود.
روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة محمد صلى الله عليه وسلم:
نبدأ بنبينا صلى الله عليه وسلم، إذ روى القوم عن الصادق في شأن قوله تعالى: ((وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)) [الأحزاب:37]، إن زيد بن حارثة أبطأ يوماً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكان قد زوجه من زينب بنت جحش- فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله يسأل عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيباً بفهر -وفي رواية: تغتسل- فنظر إليها وكانت جميلة حسنة، فقال: سبحان الله خالق النور! وتبارك الله أحسن الخالقين -وفي رواية: سبحان الذي خلقك- ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعاً عجيباً، وجاء زيد إلى منزله، فأخبرته زينب بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال زيد: هل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك قد وقعت في قلبه؟ فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أخبرتني زينب بكذا وكذا، فهل لك أن أطلقها حتى تتزوجها؟ فقال رسول الله: لا، اذهب فاتق الله وأمسك عليك زوجك، فأنزل الله هذه الآيات([56]).
وروايات نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى النساء أمثال هذه النظرة كثيرة عند القوم، نذكر منها أيضاً:
عن الصادق: قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة فأعجبته، فدخل على أم سلمة وكان يومها فأصاب منها، فخرج إلى الناس ورأسه يقطر، فقال: أيها الناس، إنما النظر من الشيطان، فمن وجد من ذلك شيئاً فليأت أهله([57]).
والغريب أن القوم أوردوا في النهي عن إتيان الأهل في هذا الحال روايات عدة([58]).
نعود إلى حديثنا وفي سبب نزول قوله تعالى: ((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)) [النحل:126] إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى مصرع حمزة رضي الله عنه يوم أحد قال: لئن أمكنني الله من قريش لأقتلن سبعين رجلاً منهم.
وفي رواية: لئن ظفرت لأمثلن ولأمثلن([59]).
وقال تعالى: ((وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)) [الكهف:23-24]،
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أناس من اليهود فسألوه عن أشياء، فقال لهم: تعالوا غداً أحدثكم ولم يستثن، فاحتبس جبرئيل عليه السلام أربعين يوماً، ثم أتاه فقال: ((وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً)) [الكهف:23] ([60]).
والروايات في آيات عتاب الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم كثيرة:
كقوله تعالى: ((مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [الأنفال:67-68].
وقوله: ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)) [التوبة:43] حيث أذن صلى الله عليه وسلم لقوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد.
وقوله: ((عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى)) [عبس:1-4].
وقوله: ((لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)) [آل عمران:128].
وقوله: ((إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً)) [النساء:105-107].
وقوله: ((وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ)) [النساء:113] وغيرها، ومن أراد التفاصيل فعليه بطلبها في التفاسير.
هذا ما كان من شأن القرآن، أما الروايات فحدث ولا حرج، وإليك بعضها:
نبدأ ذلك بذكر ما يدل على جواز نسيانه وسهوه صلى الله عليه وسلم، وهو كما علمت خلاف ما عليه القوم كما مرَّ بك عند ذكرنا لعقيدة القوم في عصمة الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم، يقول الله عز وجل: ((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [الأنعام:68].
ويقول تعالى: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)) [الكهف:24].
ويقول: ((سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى)) [الأعلى:6-7].
ويقول الصدوق:
إن الغلاة والمفوضة -لعنهم الله- ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر أن شيخه ابن الوليد يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو جاز أن ترد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن نرد جميع الأخبار، وفي ردها إبطال الدين والشريعة، وأنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وسلم والرد على منكريه([61]).
وقد تعرض الصدوق بسبب قوله هذا إلى انتقادات شديدة وتشنيعات كثيرة من القوم ليس هذا مكان بيانها، وإنما سنورد بعض الروايات التي تنافي العصمة من طرق القوم؛ لتجد الاضطراب الحاصل عندهم بنفسك.
عن جميل قال: سألت أبا عبدالله عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته، قال: يستقبل الصلاة، قلت: فيما يروي الناس، فذكر له حديث ذي الشمالين، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرح من مكانه، ولو برح استقبل([62]).
وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته، قال: استقبل الصلاة، قلت: فما بالُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستقبل حين صلى ركعتين، فقال: إن رسول صلى الله عليه وسلم لم ينفتل من موضعه([63]).
وعن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبدالله: إنا صلينا المغرب فسها الإمام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة، فقال: لم أعدتم؟ أليس قد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين فأتم بركعتين؟ ألا أتممتم([64])؟
وعنه أيضاً قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سها فسلم في ركعتين، ثم ذكر حديث ذي الشمالين، فقال: ثم قام فأضاف إليها ركعتين([65]).
وعن علي رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر خمس ركعات، ثم انفتل، فقال له بعض القوم: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة شيء؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات، قال: فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس، ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم، وكان يقول: هما المرغمتان([66]).
والمضحك حمل القوم أمثال هذه الروايات على التقية، فهل أن علياً رضي الله عنه في الرواية الأخيرة مثلاً اختلق وألف تلك القصة تقية، فإما أن تكون القصة قد وقعت فيتحقق بها المقصود، وإما أن يكون علي رضي الله عنه قد اختلقها، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.
وعن زيد الشحام قال: إن نبي الله صلى بالناس ركعتين، ثم نسي حتى انصرف، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ فقال: أيها الناس أصدق ذو الشمالين؟ فقالوا: نعم، لم تصل إلا ركعتين، فقام فأتم ما بقي من صلاته([67]).
وفي رواية أخرى: فقال: وما ذاك؟ فقال: إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتقولون مثل قوله؟ قالوا: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم بهم الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو([68]).
وعن الصادق قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم صلاها حين استيقظ، ولكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلى([69]).
وعن الباقر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة وجهر فيها بالقراءة، فلما انصرف قال لأصحابه: هل أسقطت شيئاً في القرآن؟ قال: فسكت القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفيكم أبي بن كعب؟ فقالوا: نعم، فقال: هل أسقطت فيها شيئاً؟ قال: نعم يا رسول الله، إنه كان كذا وكذا. الحديث([70]).
والروايات في الباب كثيرة، وفيما أوردناه كفاية([71])، ونختمها برواية الهروي قال: قلت للرضا: يا ابن رسول الله، إن في سواد الكوفة قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم الله، إن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو([72]).
ولا يفوتك مصدر أمثال هذه العقائد.
هذا ما كان من شأن سهوه صلى الله عليه وسلم، وكما ذكرنا فقد أعرضنا عن ذكر الكثير من الروايات في ذلك، وكذا ما كان من شأن بقية الأنبياء عليهم السلام في ذلك.
ولنتكلم الآن في باب آخر مما يتعارض مع معتقد القوم في العصمة، وهو قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد ذكرت الروايات عن علي رضي الله عنه أن لبيد بن أعصم اليهودي قد سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب ولا يسمع ولا يبصر ولا يأتي النساء، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام ونزل معه بالمعوذتين، فقال له: يا محمد، ما شأنك؟ قال: ما أدري، أنا بالحال الذي ترى، ثم أخبره بقصة سحر ابن أعصم له([73]).
وفي رواية عن الصادق: وكان صلى الله عليه وسلم يرى أنه يجامع وليس يجامع، وكان يريد الباب ولا يبصره حتى يلمسه بيده([74]).
ومثلها في بدء الدعوة؛ حيث كان يقول لخديجة رضي الله عنها: قد خشيت أن يكون خالط عقلي شيء، وفي لفظ: لقد خشيت على عقلي([75]).
ويبدو أن القوم أكثر دراية من النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه، فهم يرون عصمته من كل ذلك منذ مولده إلى وفاته كما مر بك، بينما هو صلى الله عليه وسلم لم يعرف ذلك عن نفسه.
ومن الروايات الأخرى التي تتعارض مع اعتقادهم في عصمته بحسب تأويلهم: ما زعموه أنه لما فتر عنه الوحي جزع جزعاً شديداً، فقالت له خديجة: لقد قلاك ربك([76]).
ومنها: قوله مرة لليهود: يا إخوة القردة والخنازير، فقالوا له: يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً ولا سباباً، فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع([77]).
وفي رواية: قال الصادق: فسقطت العنزة من يده، وسقط رداؤه من خلفه، ورجع يمشي إلى ورائه حياءً مما قال لهم([78]).
ومنها: ما كان منه يوم فتح مكة؛ حيث أخرج صلى الله عليه وسلم أصناماً من المسجد، وكان منها صنم على المروة، وطلبت إليه قريش أن يتركه وكان استحيا فهمَّ بتركه، ثم أمر بكسره فنزلت هذه الآية: ((وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)) [الإسراء:74] ([79])
ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه بقتل القبطي على التهمة بغير بينة في قصة الإفك كما يرويها القوم، حتى تبين لعلي براءته([80]).
ومنها: ما جاء في سورة التحريم، وملخصها في بعض الروايات: أن حفصة بنت عمر رضي الله عنهما قالت: يا رسول الله، إن لي إلى أبي حاجة، فأذن لها أن تزوره، فلما خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس، فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها، فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقاً، فجلست عند الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقاً، فقالت حفصة: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقاً؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أليس هي جاريتي قد أحل الله ذلك لي؟ اسكتي فهي حرام علي، ألتمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن.
وفي رواية: إن النبي خلا في يوم لعائشة مع جاريته أم إبراهيم، فوقفت حفصة على ذلك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعلمي عائشة ذلك، وحرم مارية على نفسه، فنزل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التحريم:1] ([81]).
ومنها: زعمهم أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى أهل مكة، أنزل الله عليه: تترك من ناجيته غير مرة وتبعث من لم أناجه؟ فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ براءة منه ودفعها إلى علي رضي الله عنه، فقال: أوصني يا رسول الله. فقال له: إن الله يوصيك ويناجيك، قال: فناجاه يوم براءة قبل صلاة الأولى إلى صلاة العصر([82]).
وتذكرني هذه الرواية بالمثل القائل: كالمستجير من الرمضاء بالنار، حيث أرادوا نفي الفضيلة عن أبي بكر رضي الله عنه، فنفوا عصمة النبي صلى الله عليه وسلم فافهم!
ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم جاع جوعاً شديداً، فأتى الكعبة فتعلق بأستارها، فقال: رب محمد لا تجع محمداً أكثر مما أجعته، فهبط جبرئيل عليه السلام عليه بورقة خضراء مكتوب فيها: ما أنصف الله من نفسه من اتهم الله في قضائه واستبطأه في رزقه([83]).
روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأئمة
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه
فإليك شيئاً من فعله وقوله مما يتعارض مع ما يدعيه القوم له:
منها: اعترافه بذنبه، وخوفه من سلامة دينه، والروايات في ذلك كثيرة، كقوله: إلهي، كيف أدعوك وقد عصيتك([84]).
وقوله: إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك! وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك!
إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك إلهي، أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي آه إن أنا قرأت في الصحف سيئةً أنا ناسيها وأنت محصيها! فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء آه من نار تنضج الأكباد والكلى آه من نار نزاعة للشوى آه من غمرة من ملهبات لظى.
ثم قال لأبي الدرداء: فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية([85]).
وسئل: كم تتصدق؟ كم تخرج مالك؟ ألا تمسك؟ قال: إني والله لو أعلم أن الله تعالى قبل مني فرضاً واحداً لأمسكت، ولكني لا أدري أقبل سبحانه مني شيئاً أم لا([86]).
وعندما أخبره صلى الله عليه وسلم بمقتله قال رضي الله عنه: يا رسول الله، في سلامة من ديني؟ قال صلى الله عليه وسلم: في سلامة من دينك([87]).
وكان يقول: أسال الله أن لا يسلبني ديني ولا ينزع مني كرامته([88]).
وتمنى أنه من الأربعة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الجنة تشتاق إلى أربعة، فقال: والله لأسألنه، فإن كنت منهم لأحمدن الله عز وجل، وإن لم أكن منهم لأسألن الله أن يجعلني منهم([89]).
ولا زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بغفران الله لذنوبه.
ففي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم خرج يوم عرفة وهو آخذ بيده رضي الله عنه، فقال: يا معشر الخلائق، إن الله تبارك وتعالى باهى بكم في هذا اليوم ليغفر لكم عامة، ثم التفت إلى علي، فقال له: وغفر لك يا علي خاصة([90]).
فالمغفرة تقتضي الذنوب، وصرف الثاني عن ظاهره يقتضي بالضرورة صرف الأول، فتأمل!
وقال صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين علي بن أبي طالب؟ فيؤتى به فيحاسب حساباً يسيراً([91]).
فلا غرابة إذاً أن يردد ويقول رضي الله عنه: لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطيء، ولا آمن من ذلك من فعلي([92]).
فهو رضي الله عنه لم يدع العصمة لنفسه أصلاً ولا ادعاها له أحد من أصحابه، ولا زال أصحابه يخالفونه في كثيرٍ من أفعاله وأقواله، ولم يكن يحتج عليهم بأنه معصوم، بل كثيراً ما يردد: اسمعوا مني ما أقول لكم، فإن يكن حقاً فاقبلوه، وإن يكن باطلاً فأنكروه.
وفي رواية: فإن قلت حقاً صدقتموني، وإن قلت باطلاً ردوا علي ولا تهابوني، إنما أنا رجل كأحدكم.
وفي أخرى: إنما أنا رجل منكم، فإن قلت حقاً فصدقوني، وإن قلت غير ذلك فردوه علي([93]).
وكان رضي الله عنه يفتقر إلى آراء أصحابه ويستشيرهم، فلما كتب إليه معاوية: إن كنت تريد الصلح فامح عنك اسم الخلافة، فاستشار بني هاشم([94]).
وفي رواية: قال الأحنف بن قيس: لا تمح هذا الاسم فإني أتخوف إن محوته لا يرجع إليك أبداً، فامتنع رضي الله عنه من محوه، فتراجع الخطاب فيه ملياً من النهار.
فقال الأشعث بن قيس: امح هذا الاسم نزحه الله([95]).
وكان يقول لطلحة والزبير رضي الله عنهما: لو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه، ولا في السنة برهانه، واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه([96]).
ولما أراد المسير إلى الشام دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار فجمعهم، ثم حمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فإنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مباركو الأمر، مقاويل بالحق، وقد عزمنا على المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم. فقام هشام بن عتبة، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وسهل بن حنيف، فصوبوا رأيه وبذلوا إليه نصرته([97]).
فلم يكن يرى أبداً أنه معصوم مستغنٍ عن مشورة غيره وكذا أصحابه، وإليك المزيد:
لما سار إلى معاوية بصفين مكث أياماً لا يرسل إلى معاوية أحداً ولا يأتيه من عنده أحد، قال أهل العراق: يا أمير المؤمنين، خلفنا نساءنا وذرارينا بالكوفة، وجئنا إلى أطراف الشام نتخذها وطناً، فأْذن لنا بالقتال، فإن الناس يظنون أنك تكره الحرب كراهية الموت، ومنهم من يظن أنك في شك من قتال أهل الشام([98]).
وهذا هاشم لما صرع في صفين مرَّ على رجلٍ، فقال وهو صريع بين القتلى: أقرئ أمير المؤمنين السلام ورحمة الله، وقل له: أنشدك الله إلا أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى، فإن الدبرة تصبح غداً لمن غلب على القتلى، فأخبر الرجل علياً بذلك، فسار علي رضي الله عنه في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره وكانت الدبرة له عليهم([99]).
ولما أراد المسير إلى الشام اجتمع إليه وجوه أصحابه، فقالوا: لو كتبت يا أمير المؤمنين إلى معاوية وأصحابه قبل مسيرنا إليهم كتاباً تدعوهم إلى الحق، وتأمرهم بما لهم من الحظ تزداد عليهم قوة، فكتب إليه([100]).
ولما عزم على الخروج من الكوفة إلى الحرورية وكان في أصحابه منجم، فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار، فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت([101]).
وكذا ما كان من قصة قيس بن سعد وتلفيق معاوية كتاباً ونسبته إليه، فقرأه على أهل الشام، فشاع في الشام كلها أن قيساً صالح معاوية وأتت عيون علي رضي الله عنه إليه بذلك، فأعظمه وأكبره وتعجب له ودعا ابنيه حسناً وحسيناً وابنه محمداً وعبدالله بن جعفر، فأعلمهم بذلك، وقال: ما رأيكم؟ فقال عبدالله بن جعفر: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، اعزل قيساً من مصر، قال علي: والله إني غير مصدق بهذا على قيس، فقال عبدالله: اعزله يا أمير المؤمنين؛ فإن كان حقاً ما قد قيل لا يعتزلك إن عزلته([102]).
وكذا اختلاف أصحابه عليه بعد رفع المصاحف في صفين، فمن قائل بالقتال، ومن قائل بالمحاكمة إلى الكتاب، حتى قال رضي الله عنه: إنها كلمة حق يراد بها باطل، إنهم ما رفعوها وإنهم يعرفونها ولا يعملون بها ولكن الخديعة والوهن والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه ولم يبق إلا أن يقطع دابر الظالمين، فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفاً مقنعين في الحديد شاكي السلاح، سيوفهم على عواتقهم، وقد اسودت جباههم من السجود، يتقدمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين، وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين، قالوا: يا علي، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجب، فحاول إقناعهم فأبوا، وقالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك([103]).
وكان رضي الله عنه يقول في ذلك: فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي، فظنوا أن ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، وأصغوا إلى دعوته وأقبلوا بأجمعهم في إجابته، فأعلمتهم أن ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه، وأنهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا ولم يطيعوا أمري وأبو إلا إجابته، كرهت أم هويت، شئت أم أبيت، حتى أخذ بعضهم يقول: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان أو ادفعوه إلى ابن هند برمته([104]).
حتى مالك بن الأشتر وهو من أعاظم أصحابه والذي سألوه أن يبعث إليه ليأتيه، لم يكن يختلف عنهم في عدم القول بعصمة علي رضي الله عنه، أو أنه لا يفتقر إلى آرائهم؛ بل كان يرى جواز مخالفته شأنه في ذلك شأن سائر الناس، وإليك بعضاً مما يدل على ذلك:
ففي قصة التحكيم بين الأمير ومعاوية واضطراره إلى اختيار أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال رضي الله عنه: والله ما كان عندي بمؤتمن ولا ناصح، ولقد أردت عزله فأتاني الأشتر فسألني أن أقره على كره مني([105]).
ولما أراد أن يبعث جريراً إلى معاوية، قال له الأشتر: لا تبعثه ودعه ولا تصدقه، فوالله إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم، ولما رجع من عند معاوية كثر قول الناس في التهمة له، واجتمع جرير والأشتر عند علي، فقال الأشتر: أما والله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيراً لك من هذا الذي أرخى من خناقه وأقام عنده حتى لم يدع باباً يرجو روحه إلا فتحه أو يخاف غمه إلا سده، وقال: أليس نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريراً، وأخبرتك بعداوته وغشه، فخرج علي رضي الله عنه إلى دار جرير فشعث منها وحرق مجلسه، وخرج أبو زرعة بن جرير، وقال: أصلحك الله، إن فيها أيضاً لغير جرير. الروايات([106]).
وفي موقف آخر كلمه الأشتر بكلام يحضه على أهل الوقوف، فكره ذلك علي رضي الله عنه حتى شكاه، فما زال به حتى قال له: يا مالك دعني، فقال الأشتر: دعني يا أمير المؤمنين أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك، فقال له علي: كف عني، فانصرف الأشتر وهو مغضب([107]).
وغضب عليه أيضاً لما ولى بني العباس على الحجاز واليمن والعراق، فقال له الأشتر: فلماذا قتلنا الشيخ بالأمس؟ أي: عثمان رضي الله عنه، ولما بلغ علياً رضي الله عنه مقولته أحضره ولاطفه واعتذر إليه([108]).
والروايات في خلاف الأشتر مع علي رضي الله عنه واعتراضه عليه وفرض آرائه عليه كثيرة، حتى قال أصحابه رضي الله عنهم له: هل نحن إلا في حكم الأشتر([109]).
ولا ينتهي خلاف أصحابه، ففي التحكيم أصروا على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه رغم كراهته لذلك، حتى قال: فأجبتكم كارهاً، ولو وجدت في ذلك الوقت أعواناً غيركم لما أجبتكم([110]).
وحتى قال رضي الله عنه: إن عامة من معي يعصيني([111]).
إلى أن أقر بأنه رضي الله عنه قد فقد السيطرة عليهم، فنراه يقول: أيها الناس: إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب حتى نهكتكم الحرب، وقد والله أخَذَت منكم وترَكت، وهي لعدوكم أنهك، ولقد كنت أمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت أمس ناهياً فأصبحت اليوم منهياً([112]).
فهل ترى من كل هذا مكاناً للعصمة التي يدعيها القوم له رضي الله عنه؟
فإن أبى القوم إلا غياب ذلك عن الأصحاب، فهاكها من أهله بل ومن أصحاب الكساء رضي الله عنهم، فها هو ابنه الحسن رضي الله عنه لما كان ما كان من أمر خروج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم بكى بين يدي أبيه، وقال: يا أمير المؤمنين، إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى، فقال له أبوه: لا تبك يا بني، وتكلم ولا تحن حنين الجارية، فقال: يا أمير المؤمنين، إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمين أو مظلومين، فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة، ثم خالفك طلحة والزبير، فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما، وأنا اليوم أسألك أن لا تقدم العراق وأذكرك بالله أن تقتل بمضيعة، فقال أمير المؤمنين: أما قولك: إن عثمان حصر، فما ذاك وما علي منه، وقد كنت بمعزل عن حصره، وأما قولك: ائت مكة، فوالله ما كنت لأكون الرجل الذي يستحل به مكة، وأما قولك: اعتزل العراق ودع طلحة والزبير، فوالله ما كنت لأكون كالضبع تنتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها إرباً إرباً([113]).
وفي أحد مواقف صفين رأى الحسن من أبيه رضي الله عنهما تهوراً، فقال له: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى أصحابك، فقال: يا بني، إن لأبيك يوماً لن يعدوه([114]).
فانظر مَن تُصوّب ومن تُخطّىء منهما، وبأيهما أخذت يتحقق المقصود.
وهذا عبدالله بن جعفر ذو الجناحين رضي الله عنه، لما بلغ الأمير رضي الله عنه مقتل محمد بن أبي بكر، جزع عليه جزعاً شديداً وقال: ما أخلق مصر أن يذهب آخر الدهر، فلوددت أني وجدت رجلاً يصلح لها فوجهته إليها، فقال -أي: عبدالله بن جعفر- تجد، فقال: من؟ فقال: الأشتر، قال: ادعه لي([115]).
فكيف غاب عنه رجل كالأشتر وهو من هو كما مرَّ بك؟
وكان من أهل البيت رضي الله عنهم من يستحل خيانته، ففي كتاب له رضي الله عنه إلى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو قد حرب، وأمانة الناس قد خزيت، وهذه الأمة قد فتكت وشغرت، قلبت لابن عمك ظهر المجن، ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنك لم تكن على بينة من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم وتنوي غرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة، وعاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه، كأنك لا أباً لغيرك حدرت على أهلك تراثك من أبيك وأمك، فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف من نقاش الحساب؟
أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب، كيف تسيغ شراباً وطعاماً وأنت تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد؟ فاتق الله، واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار، والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل فعلك الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفراً مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما، وأزيح الباطل عن مظلمتهما([116]).
فماذا كان جواب ابن عباس رضي الله عنهما على كتاب علي رضي الله عنه؟
هل رأى ابن عباس رضي الله عنهما عصمة ابن عمه رضي الله عنه وهو يقول له ما مرَّ بك ليثوب إلى رشده ويستغفر ربه، أم إنه لم يجد في كلامه سوى مجتهد مخطئ لا عصمة لقوله ولا رداء لفه حوله النبي صلى الله عليه وسلم، فأذهب عنه الرجس فلا ينطق إلا حقاً كما يزعمون؟
انظر ما كان من رده على علي رضي الله عنهما جميعاً:
أما بعد: فقد أتاني كتابك تعظم عليَّ ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت المال لأكثر مما أخذت والسلام([117]).
فكتب إليه علي رضي الله عنه: أما بعد: فإن من العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم ويحل لك المحرم إنك لأنت المهتدي السعيد إذاً، وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف تختارهن على عينك وتعطي فيهن مال غيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى الله ربك، وأخرج إلى المسلمين من أموالهم فعما قليل تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيب في صدع الأرض غير موسد ولا ممهد، قد فارقت الأحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب، غنياً عما خلفت، فقيراً إلى ما قدمت والسلام([118]).
فرد عليه ابن عباس رضي الله عنهما: أما بعد: فإنك قد أكثرت عليَّ، ووالله لأن ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلها من ذهبها وعقيانها ولجينها أحب إلي من أن ألقاه بدم امرئ مسلم والسلام([119]).
فها أنت ترى أن ابن عمه رضي الله عنه لا يرى فيه ما يراه القوم له، وأهل مكة أدرى بشعابها.
إذاً: ليس من العجيب أن يأمر معاوية علياً رضي الله عنه بالتقوى فيرد عليه: فأما أمرك لي بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها، وأستعيذ بالله من أن أكون من الذين إذا أمروا بها أخذتهم العزة بالإثم([120]).
وكذا فعل مع الخوارج لما أمروه أن يستغفر الله ويتوب إليه بعد التحكيم، فقال: أنا أستغفر الله من كل ذنب([121]).
عاد بنا الحديث إلى ذكر ما ينافي القول بالعصمة، ونورد هنا بعض الروايات المختلفة ففيها زيادة على بيان المقصود:
منها: أنه رضي الله عنه أخذ جارية من غنائم أحد السرايا قبل القسمة، فأنكر عليه ذلك من كان معه فشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. القصة([122]).
ويروي القوم عن الرضا: أفضل الأعمال عند الله عز وجل إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور([123]).
والغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل القسمة.
ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم حمل الأمير رضي الله عنه على فرس، فقال: بأبي أنت وأمي، مالي وللخيل؟ أنا لا أتبع أحداً ولا أفر من أحد، وإذا ارتديت سيفي لم أضعه إلا للذي أرتدي له([124]).
ومنها: قتله رضي الله عنه للأعرابي الذي ادعى على النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين درهماً ثمن ناقة وكان صلى الله عليه وسلم قد استوفاها له، فقال له: يا علي، لم قتلت الأعرابي؟ قال: لأنه كذبك يا رسول الله، ومن كذبك فقد حل دمه ووجب قتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا علي، والذي بعثني بالحق نبياً ما أخطأت حكم الله تبارك وتعالى فيه، ولا تعد إلى مثلها([125]).
ومنها: اغتمامه لإقامته حدود الله عز وجل، حيث قضى في رجل كندي بقطع يده، وذلك أنه سرق، وكان الرجل من أحسن الناس وجهاً، وأنظفهم ثوباً، فقال علي رضي الله عنه: ما أرى من حسن وجهك ونظافة ثوبك ومكانك من العرب تفعل مثل هذا الفعل، فنكس الكندي، ثم قال: الله الله في أمري يا أمير المؤمنين، فلا والله ما سرقت قط غير هذه الدفعة، فقال له: ويحك! قد عسى أن الله العلي الكريم لا يؤاخذك بذنب واحد أذنبته إن شاء، فبكى الكندي، فأطرق أمير المؤمنين ملياً ثم رفع رأسه، وقال: ما أجد يسعني إلا قطعك، فاقطعوه، فبكى الكندي، وتعلق بثوبه، فقال: الله الله في عيالي، فإنك إن قطعت يدي هلكت وهلك عيالي، وإني أعول ثلاثة عشر عيالاً مالهم غيري، فأطرق ملياً ينكت الأرض بيده، ثم قال: ما أجد يسعني إلا قطعك، أخرجوه فاقطعوا يده، فلما وقعت يده المقطوعة بين يدي أمير المؤمنين قال الكندي: والله لقد سرقت تسعة وتسعين مرة، وإن هذه تمام المائة، كل ذلك يستر الله علي، فقال علي: لقد فرج عني، قد كنت مغموماً بمقالتك الأولى([126]).
وكذلك خدعه معاوية مرة عندما بَلَغَهُ أن النجاشي هجاه، فدس قوماً شهدوا عليه عند علي أنه شرب الخمر، فأخذه علي فحده، فغضب جماعة على علي في ذلك([127]).
وكذلك همه بقطع يد رجل بريء اتهم بالسرقة([128]).
ومنها: تعطيله لبعض حدود الله، وقوله -مثلاً- لرجل أَقَرَّ باللواط بزعم القوم: قم يا هذا فقد أبكيت ملائكة السماء وملائكة الأرض، فإن الله قد تاب عليك، فقم ولا تعاودن شيئاً مما قد فعلت([129]).
ومنها: تحريمه بعض ما أحل الله عز وجل، حتى أنزل الله فيه قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ)) [المائدة:87] ([130]).
ومنها: خوفه من السلام على الشابة، وكان يقول: أتخوف أن يعجبني صوتها فيدخل علي أكثر ما أطلب من الأجر([131]).
ومنها: جهله ببعض أحكام الحج([132]).
وجهله بحكم المذي حتى أرسل من يسأل النبي صلى الله عليه وسلم حياء لمكان الزهراء رضي الله عنها([133]). فانظر متى كان زواجه منها رضي الله عنها ومتى كان سؤاله وماذا كان يفعل قبل علمه بالحكم.
ومنها: اختلاف القضاء عنه([134]).
ومنها: دخوله يوماً على الزهراء رضي الله عنها وبه كآبة شديدة، فقالت له: يا علي، ما هذه الكآبة؟ فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى تكون المرأة أدنى من ربها؟ فلم ندر([135]).
وسئل مرة ولم يجب، فقيل له: كنت عهدناك إذا سئلت عن المسألة كنت فيها كالسكة المحماة جواباً، فما بالك أبطأت اليوم عن جواب هذا الرجل حتى دخلت الحجرة ثم خرجت فأجبته؟ فقال: كنت حاقناً، ولا رأي لحاقن([136]).
ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: يا علي، إن فاطمة بضعة مني، وهي نور عيني، وثمرة فؤادي، يسوؤني ما ساءها، ويسرني ما سرها، وإنها أول من يلحقني من أهل بيتي، فأحسن إليها بعدي، وأما الحسن والحسين فهما ابناي وريحانتاي، وهما سيدا شباب أهل الجنة، فليكرما عليك كسمعك وبصرك([137]).
ومثلها للزهراء، فعن الصادق قال: أوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: قل لفاطمة: لا تعصي علياً، فإنه إن غضب غضبت لغضبه([138]).
فلا شك أن صدور أمثال هذه التحذيرات؛ بل ونزول وحي فيه لا يسعف القوم فيما ذهبوا إليه من القول بالعصمة، ولعلك من قراءة ما سيأتي ستقف على ما إذا كان الأمير والزهراء رضي الله عنهما قد أخذا بتلك الوصايا أم لا.
عن معاوية قال: دخل الحسن بن علي على جده صلى الله عليه وسلم وهو يتعثر بذيله، فأسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم سراً فرأيته وقد تغير لونه، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى منزل فاطمة، فأخذ بيدها فهزها إليه هزاً قوياً، ثم قال: يا فاطمة، إياك وغضب علي فإن الله يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ثم جاء علي فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم هزها إليه هزاً خفيفاً، ثم قال: يا أبا الحسن، إياك وغضب فاطمة، فإن الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها، فقلت: يا رسول الله، مضيت مذعوراً وقد رجعت مسروراً، فقال: يا معاوية، كيف لا أسر وقد أصلحت بين اثنين هما أكرم الخلق على الله([139]).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلياً رضي الله عنه دخلا على فاطمة، فقال صلى الله عليه وسلم: عشينا غفر الله لك، فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب، فلما نظر علي بن أبي طالب إلى الطعام وشم ريحه رمى فاطمة ببصره رمياً شحيحاً، قالت له فاطمة: سبحان الله! ما أشح نظرك وأشده، هل أذنبت فيما بيني وبينك ذنباً استوجبت به السخطة؟ قال: وأي ذنب أعظم من ذنب أصبته، أليس عهدي إليك اليوم الماضي وأنت تحلفين بالله مجتهدة ما طعمت طعاماً مذ يومين؟ والقصة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة([140]).
وفي قصة أخرى شبيهة بقصتنا هذه، قال: يا فاطمة، من أين لك هذا ولم يكن عهد عندنا شيئاً؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كل يا أبا الحسن ولا تسأل([141]).
وعن الباقر: تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على علي بما خلفه، فقالت فاطمة: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل رقاب الرجال([142]).
وكان كثيراً ما يصلح صلى الله عليه وسلم بينهما، وكان يخرج من بيتهما فرحاً، ويسأل عن ذلك، فيقول: كيف لا أفرح وقد أصلحت بين اثنين أحب أهل الأرض إلى أهل السماء([143]).
وعن سلمان رضي الله عنه قال: قالت فاطمة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالذي بعثك بالحق مالي ولعلي منذ خمس سنين إلا مسك كبش نعلف عليها بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه، وإن مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف([144]).
وعن جابر رضي الله عنه في ذكر قصة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقدم علي من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة فيمن أحل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر علي ذلك عليها، فقالت: أبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا، وكان علي رضي الله عنه يقول بالعراق: فذهبتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشاً على فاطمة بالذي صنعَت، مستفتياً رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي ذكرت فأنكرت ذلك، قال: صدقت، صدقت([145]).
وما دمنا بصدد هذا الموضوع، نضيف هنا أن الزهراء رضي الله عنها كثيراً ما كانت تشكو حالها إلى أبيها صلى الله عليه وسلم، وإليك بعض روايات القوم في ذلك:
فعن أبي سعيد قال: أتت فاطمة النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده ضعف الحال، فقال لها: أما تدرين ما منزلة علي عندي؟ الرواية([146]).
وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لفاطمة وقد جاءته ذات يوم تبكي وتقول: يا رسول الله، عيرتني نساء قريش بفقر علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما ترضين يا فاطمة أني زوجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً.
وفي رواية: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فاطمة تحدثت نساء قريش وغيرهن وعيرنها، وقلن: زوجك رسول الله من عائل لا مال له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة، أما ترضين أن الله تبارك وتعالى اطلع اطلاعة إلى الأرض فاختار منها رجلين أحدهما أبوك والآخر بعلك؟
وفي رواية: قالت فاطمة رضي الله عنها: إنك زوجتني فقيراً لا مال له، فقال: زوجتك أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً([147]).
وعن خالد بن ربعي قال: إن علياً رضي الله عنه أتى منزله، فقالت له فاطمة رضي الله عنها: يا ابن عم، بعت الحائط الذي غرسه لك والدي؟ قال: نعم بخير منه عاجلاً وآجلاً، قالت: فأين الثمن؟ قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة قبل أن تسألني، قالت فاطمة: أنا جائعة، وابناي جائعان، ولا أشك إلا وأنك مثلنا في الجوع، لم يكن لنا منه درهم؟ وأخذت بطرف ثوب علي، فقال علي: يا فاطمة خليني، فقالت: لا والله أو يحكم بيني وبينك أبي، فهبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول: أقرئ علياً مني السلام، وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي على يديه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل علي وجد فاطمة ملازمة لعلي، فقال لها: يا بنية، مالك ملازمة لعلي؟ قالت: يا أبه، باع الحائط الذي غرسته له باثني عشر ألف درهم، لم يحبس لنا منه درهماً نشتري به طعاماً، فقال: يا بنية، إن جبرئيل يقرئني من ربي السلام، ويقول: أقرئ علياً من ربه السلام، وأمرني أن أقول لك: ليس لك أن تضربي على يديه، قالت فاطمة: فإني أستغفر الله ولا أعود أبداً([148]).
وفي رواية: لما أراد أن يزوجها من علي أسر إليها، فقالت: يا رسول الله، أنت أولى بما ترى، غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداح البطن، طويل الذراعين، ضخم الكراديس، أنزع، عظيم العينين والسكنة، ضاحك السن، لا مال له([149]).
وفي رواية: قالت: يا رسول الله، زوجتني عائلاً؟ فهز رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده معصمها، وقال: لا يا فاطمة، ولكن زوجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً([150]).
وفي أخرى: قال صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا بنتي؟ قالت: قلة الطعام، وكثرة الهم، وشدة السقم، قال لها: أما والله ما عند الله خير لك مما ترغبين إليه يا فاطمة، أما ترضين أن زوجتك خير أمتي، وأقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأفضلهم حلماً([151]).
وفي أخرى: قال صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا بنية محمد؟ فقالت: حالنا كما ترى في كساء نصفه تحتنا ونصفه فوقنا([152]).
وفي أخرى: عن الصادق: شكت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، فقالت: يا رسول الله، لا يدع شيئاً من رزقه إلا وزعه على المساكين، فقال لها: يا فاطمة، أتسخطينني في أخي وابن عمي، إن سخطه سخطي وإن سخطي سخط الله عز وجل ([153]).
وروايات شكواها علياً رضي الله عنهما جميعاً واعتراضها عليه كثيرة جداً، وما أوردناه أقلَّ القليل، وقد ذكر القوم أن رسول صلى الله عليه وسلم قال في ذم بعض شكوى بناته زوجها: اقني حياءك، فما أقبح بالمرأة ذات حسب ودين في كل يوم تشكو زوجها! وفي لفظ: إني لأستحيي للمرأة أن لا تزال تجر ذيولها تشكو زوجها([154]).
وفي قصة فدك زعم القوم أنها رضي الله عنها لما انصرفت من عند أبي بكر رضي الله عنه أقبلت على علي رضي الله عنه، فقالت له: يا ابن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حَجرة الظنين، نقضت قادمة الآجل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة أبي، وليغة ابني، والله أجهد في ظلامتي، وأَلَدَّ في خصامي، حتى منعتني القيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع، خرجت والله كاظمة، وعدت راغمة ولا خيار لي، ليتني مت قبل ذلتي، وتوفيت دون منيتي، عذيري والله فيك حامياً، ومنك داعياً، ويلاه في كل شارق، ويلاه مات العمد، ووهن العضد، شكواي إلى ربي، وعدواي إلى أبي([155]).
وكأن القوم يريدون أن يقولوا: إن الزهراء رضي الله عنها لم تكن ترى في علي رضي الله عنه زوجاً مثالياً ولا نصيراً، وإنها لطالما شكت إلى أبيها الضيعة بعده عليه الصلاة والسلام، وهذه الرواية دليل على ذلك، وإليك أخرى: دخلت -أي: الراوي- على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الحالة التي قبض فيها، فإذا فاطمة عند رأسه، فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رأسه، فقال: حبيبتي فاطمة، ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك، فقال: يا حبيبتي، أما علمت أن الله عز وجل اطلع على الأرض اطلاعة فاختار منها أباك، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إلي أن أنكحك إياه([156]).
وما دمنا نتحدث عن الزهراء رضي الله عنها؛ فلا بأس من ذكر بعض ما أورده القوم في شأنها مما ينافي العصمة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها مرة وفي عنقها قلادة من ذهب كان قد اشتراها لها علي رضي الله عنه من فيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فاطمة، لا يقول الناس: إن فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة، فقطعتها وباعتها واشترت بها رقبة فأعتقتها، فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ([157]).
وفي قصة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة، فإذا هو بستر على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع فلم يدخل عليها، فعرفت رضي الله عنها غضبه لذلك، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبعثت به إلى أبيها، فقال: ما لآل محمد وللدنيا فإنهم خلقوا للآخرة([158]).
ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم لها مراراً عن البكاء، ففي مرض موته صلى الله عليه وسلم كانت تقول: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، إن النبي لا يشق عليه الجيب، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العينان، وقد يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب([159]).
وفي رواية: عن الباقر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: إذا أنا مت فلا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا ترخي عليَّ شعراً، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي عليَّ نائحة([160]).
وفي رواية: يا بنية، لا تبكين ولا تؤذين جلساءك من الملائكة([161]).
وفي رواية: أنها أكبت تنظر في وجهه وتندبه وتبكي، وتقول:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم عينه، وقال بصوت ضئيل: يا بنية، هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه، ولكن قولي: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] ([162]).
ومنها: أنها طلبت من أبيها صلوات الله وسلامه عليه جارية، فقال: يا فاطمة، والذي بعثني بالحق إن في المسجد أربعمائة رجل ما لهم طعام ولا شراب ولا ثياب، ولولا خشيتي خصلة لأعطيتك ما سألت.
يا فاطمة، إني لا أريد أن ينفك عنك أجرك إلى الجارية، وإني أخاف أن يخصمك علي بن أبي طالب يوم القيامة بين يدي الله عز وجل إذا طلب حقه منك، ثم علمها صلاة التسبيح([163]).
ومنها: أنها رضي الله عنها لما ولدت الحسن رضي الله عنه لفته في خرقة صفراء خلافاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال: ألم أنهكم أن تلفوه في صفراء -وفي لفظ: ألم أعهد إليكن ألا تلفوا المولود في خرقة صفراء- ثم رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفه فيها([164]).
وعلى أي حال، نكتفي بما أوردناه عنها رضي الله عنها، ونعود إلى ما كنا فيه من الحديث عن علي رضي الله عنه.
ومنها: أن الزهراء قالت في وصية موتها له: يا ابن العم، إني أجد الموت الذي لا محيص عنه، وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج، فإن أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوماً وليلة واجعل لأولادي يوماً وليلة يا أبا الحسن، ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين، فإنهما بالأمس فقدا جدهما واليوم يفقدان أمهما([165]).
ومنها: عن الصادق في رواية طويلة فيها أن الزهراء رضي الله عنها أخبرت أن علياً رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل، فدخلها من الغيرة ما لا تملك، فاشتد غمها من ذلك وبقيت متفكرة حتى أمست وجاء الليل، فحملت الحسن والحسين وأم كلثوم ثم تحولت إلى حجرة أبيها، فجاء علي فدخل حجرته فلم ير فاطمة، فاشتد لذلك غمه وعظم عليه ولم يعلم القصة، فاستحيا أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما بفاطمة من الحزن دخل المسجد فلم يزل يصلي، وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم، ثم أخذهم جميعاً إلى علي، فقال: يا علي، أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله؟ فقال: بلى يا رسول الله، قال: فما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال علي: والذي بعثك بالحق نبياً ما كان مني مما بلغها شيء ولا حدثت به نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت وصدقت، ففرحت فاطمة بذلك([166]).
ومنها: وصايا النبي صلى الله عليه وسلم له، فعن الصادق قال: كان فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً: يا علي، أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد، والحرص، والكذب.
وفي رواية: والكبرياء.
وفي رواية: يا علي، إياك والكذب؛ فإن الكذب يسود الوجه ثم يكتب عند الله كذاباً. وقال: يا علي، احذر الغيبة والنميمة؛ فإن الغيبة تفطر، والنميمة توجب عذاب القبر. وقال: يا علي، لا تحلف بالله كاذباً ولا صادقاً من غير ضرورة.
وفي أخرى: يا علي، أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عني، ثم قال: اللهم أعنه، أما الأولى فالصدق ولا تخرجن من فيك كذبة أبداً. الحديث([167]).
وعنه أيضاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه إلى اليمن، فقال له وهو يوصيه: أنهاك من أن تخفر عهداً وتعين عليه، وأنهاك عن المكر فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وأنهاك عن البغي فإنه من بُغي عليه لينصرنه الله([168]).
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: يا علي، لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه([169]).
وعلى ذكر بعثة الأمير رضي الله عنه إلى اليمن، فقد أورد القوم في ذلك ما ينافي العصمة، منها: ما رواه عن نفسه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن: قلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء([170]).
وفي رواية: فقلت له: يا رسول الله، إنهم قوم كثير وأنا شاب حدث([171]).
وفي أخرى: يا رسول الله، إنهم كهول وذو أسنان، وأنا فتى وربما لم أصب فيما أحكم به بينهم([172]).
نعود إلى حديثنا فنقول: ومما رووه في كتبهم مما ينافي العصمة: اعتراضه على كثير من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمنها: ما كان منه يوم الحديبية، فلما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح وقرأه على سهيل بن عمرو، قال: لو كنا نعلم أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبدالله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: امح رسول الله؟ فقال: يا رسول الله، إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة.
وفي رواية: ما أمحو اسمك من النبوة أبداً.
وفي أخرى: لا والله لا أمحوك أبداً.
وفي أخرى: فجعل يتلكأ ويأبى، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمحاه([173]).
ومنها: ما كان منه يوم تبوك حيث خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة، فقال رضي الله عنه: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصبيان؟
وفي بعض الروايات: أنه لحق به، فقال صلى الله عليه وسلم: يا علي، ألم أخلفك على المدينة؟
وفي أخرى: لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن المنافقين يزعمون أنك خلفتني استثقالاً ومقتاً.
وفي أخرى: حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي، ويقول: تخلفني مع الخوالف؟
وفي أخرى: قال: أخرج معك؟ قال: لا، فبكى، فلا زال يعارض ذلك حتى استرضاه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى([174]).
ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر علياً بما يلقى بعده، فبكى علي رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله، أسألك بحقي عليك وحق قرابتي وحق صحبتي لما دعوت الله عز وجل أن يقبضني إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسألني أن أدعو ربي لأجل مؤجل؟([175])
ومنها: جهله بمسألة استدركها عليه إبليس، وذلك فيما يرويه القوم من أنه رضي الله عنه صرع إبليس يوماً وجلس على صدره ووضع يديه في حلقه ليخنقه، فقال له: لا تفعل يا أبا الحسن؛ فإني من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم([176]).
وفي رواية: قال: لأقتلنك إن شاء الله، فقال: لن تقدر على ذلك إلى أجل معلوم عند ربي([177]).
وفي رواية: بعد أن أخبره صلى الله عليه وسلم بأنه إبليس، قال: لو علمت يا رسول الله لضربته بالسيف فخلصت أمتك منه، فقال له إبليس: ظلمتني يا أبا الحسن، أما سمعت الله عز وجل يقول: ((وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ)) [الإسراء:64] ([178]).
وفي رواية: قال: أقتله يا رسول الله؟ وفي لفظ: لأقتلنه يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: أما علمت يا علي أنه قد أجل إلى يوم الوقت المعلوم؟ فتركه([179]).
ومنها: ما كان منه يوم المؤاخاة عندما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، حيث زعم القوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: آخيت بين أصحابك وتركتني؟
وفي لفظ: وتركتني فرداً لا أخ لي([180]).
وفي رواية: أنه رضي الله عنه جاء تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد([181]).
وفي أخرى: فانصرف باكي العين، فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما فعل أبو الحسن؟ قالوا: انصرف باكي العين يا رسول الله، قال: يا بلال، اذهب فأتني به، فمضى بلال إلى علي وقد دخل منزله باكي العين، فقالت فاطمة: ما يبكيك لا أبكى الله عينك؟ قال: يا فاطمة، آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وأنا واقف يراني ويعرف مكاني ولم يؤاخ بيني وبين أحد([182]).
وفي أخرى: فخرج مغضباً حتى أتى جدولاً من الأرض وتوسد ذراعه ونام فيه تسفي الريح عليه، فطلبه النبي صلى الله عليه وسلم فوجده على تلك الصفة، فركزه برجله، وقال له: قم فما صلحت أن تكون إلا أبا تراب، أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحد منهم؟([183])
وفي أخرى قال: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت، فإن كان هذا من سخط علي فلك العتبى والكرامة([184]).
ومنها: أن فاطمة رضي الله عنها دخلت بيتها، فإذا رأس علي في حجر جارية، فقالت: يا أبا الحسن، فعلتها؟ فقال: لا والله يا بنت محمد ما فعلت شيئاً، فما الذي تريدين؟ فلحقها من الغيرة ما يلحق المرأة على زوجها، فتبرقعت ببرقعها ووضعت خمارها على رأسها تريد النبي صلى الله عليه وسلم تشكو علياً، فنزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا محمد، الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: هذه فاطمة تأتيك تشكو علياً فلا تقبلن منها، فلما دخلت فاطمة قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعي إلى بعلك، وقولي له: رغم أنفي لرضاك، فرجعت فاطمة، فقالت: يا ابن عم، رغم أنفي لرضاك رغم أنفي لرضاك، فقال علي: يا فاطمة، شكوتني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واحياءاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ([185]).
ومنها: أخذه رضي الله عنه لمفاتيح الكعبة من عثمان بن أبي طلحة يوم فتح مكة ولوى يده، فنزل قول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)) [النساء:58]، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه([186]).
ونكتفي بما أوردناه عن علي رضي الله عنه، وننقل بعض روايات القوم عن السبطين رضي الله عنهما مما ينافي العصمة المزعومة.
من ذلك: وصية الأمير للحسن رضي الله عنه: يا بني، اقتل قاتلي -أي: ابن ملجم- وإياك والمثلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهها ولو بالكلب العقور([187]).
وفي رواية: يا بني، أنت ولي الأمر بعدي وولي الدم، فإن عفوت فلك، وإن قتلت فضربة مكان ضربة، ولا تأثم([188]).
وعلى ذكر مقتل الأمير رضي الله عنه فقد كان مضطرباً ليلتها اضطراباً أدى إلى تناقض أفعاله، كما تبينه رواية القوم هذه: قالت له أم كلثوم: ما هذا الذي أسهرك؟ فقال: إني مقتول لو قد أصبحت، وأتاه ابن النباح فآذنه بالصلاة، فمشى غير بعيد ثم رجع، فقالت له أم كلثوم: مر جعدة فليصل بالناس، فقال: نعم، مروا جعدة فليصل بالناس، ثم قال: لا مفر من الأجل، فخرج إلى المسجد. القصة([189]).
ومن وصاياه له أيضاً: يا بني، ابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همك، وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها، وأوصيك بخشية الله في سر أمرك وعلانيتك، وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل، وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء، فإن قرين السوء يغير جليسه، وإياك والجلوس في الطرقات، ودع المماراة ومجاراة من لا عقل له ولا علم، واقتصد يا بني في معيشتك، وإني لم آلك يا بني نصحاً وهذا فراق بيني وبينك، وأوصيك بأخيك محمد خيراً. الرواية([190]).
ولعل في قوله: وأوصيك بأخيك محمد خيراً، رد على من سيرد قائلاً: إنما هذه الوصايا من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، فتدبر!
ومنها: أنه نزل بالحسن رضي الله عنه ضيف، فاستقرض من قنبر رطلاً من العسل الذي جاء به من اليمن، فلما قعد علي رضي الله عنه ليقسمها قال: يا قنبر، قد حدث في هذا الزق حدث، قال: صدق فوك، وأخبره الخبر، فهم بضرب الحسن، فقال: ما حملك على أن أخذت منه قبل القسمة؟ قال: إن لنا فيه حقاً، فإذا أعطيناه رددناه، قال: فداك أبوك، وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ثنيتك لأوجعتك ضرباً، ثم قال: اللهم اغفر للحسن فإنه لا يعرف([191]).
تذكرني هذه الرواية برواية اصطفاء الأمير لجارية قبل القسمة كما مر بك آنفاً.
ومنها: أنه كان رجلاً مطلاقاً حتى حذر علي رضي الله عنه الناس من ذلك، فعن الصادق قال: أتى رجل إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه، فقال له: جئتك مستشيراً، إن الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر خطبوا إلي، فقال أمير المؤمنين: المستشار مؤتمن، أما الحسن فإنه مطلاق للنساء، ولكن زوجها الحسين، فإنه خير لابنتك([192]).
وعن الصادق أيضاً قال: إن علياً قال وهو على المنبر: لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق، فقام رجل من همدان، فقال: بلى والله لنزوجنه، وهو ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أمير المؤمنين، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق([193]).
وفي رواية: عن الصادق أيضاً قال: إن الحسن بن علي طلق خمسين امرأة، فقام علي بالكوفة، فقال: يا معشر أهل الكوفة، لا تنكحوا الحسن فإنه رجل مطلاق([194]).
وقد خطب إلى عبدالرحمن بن الحارث بنته، فأطرق عبدالرحمن ثم رفع رأسه، فقال: والله ما على وجه الأرض من يمشي عليها أعز منك، ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني وأنت مطلاق، فأخاف أن تطلقها، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي عليك لأنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن شرطت أن لا تطلقها زوجتك، فسكت الحسن وقام وخرج، فسمع منه يقول: ما أراد عبدالرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقاً في عنقي.
وروي أنه خطب إلى منظور بن ريان ابنته خولة، فقال: والله إني لأنكحك، وإني لأعلم أنك غلق طلق ملق غير أنك أكرم العرب بيتاً وأكرمهم نفساً([195]).
حتى روي أنه تزوج مائتين وخمسين امرأة، وقد قيل: ثلاثمائة، وكان علي يضجر من ذلك، فكان يقول في خطبته: إن الحسن مطلاق، فلا تنكحوه. وروي أن هذه النساء كلهن خرجن خلف جنازته حافيات([196]).
ومنها: أن مروان بن الحكم خطب يوماً، فذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فنال منه والحسن بن علي جالس، فبلغ ذلك الحسين فجاء إلى مروان، فقال: يا ابن الزرقاء، أنت الواقع في علي، ثم دخل على الحسن، فقال: تسمع هذا يسب أباك فلا تقول له شيئاً([197]).
وفي رواية: أن معاوية صعد المنبر، فخطب الناس وذكر علياً ونال منه، فقام الحسين ليرد عليه، فأخذ بيده الحسن فأجلسه([198]).
ومنها: أنه رضي الله عنه قال في مسألة: إن أصبت فمن الله ثم من أمير المؤمنين، وإن أخطأت فمن نفسي، فأرجو أن لا أخطئ إن شاء الله([199]).
ولم يفهم شيعته هذه العصمة التي يزعمها له القوم، وقد مر بك معاتبة أصحابه له على صلحه ومبايعته لمعاوية، فهذا يقول له: داهنت معاوية وصالحته، وقائل يقول: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز، وذاك يسميه بمذل المؤمنين، وآخر يقول له: يا مسود وجه المؤمن، وآخر: سودت وجوه المؤمنين، وآخر: يا مذل المؤمنين.
وفي رواية: ومسود وجوه المؤمنين([200]).
وكذا كان شأن الحسين رضي الله عنه، فوصايا أبيه رضي الله عنه له كثيرة: بتقوى الله، وأن لا يبغي الدنيا وإن بغته، وأن لا يأسف على شيء منها زوي عنه، وأن يقول الحق، وأن يعمل للأجر، وأن يكون للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، وغيرها([201]).
وهدده مرة لما دعا رجلاً إلى المبارزة، فعلم به فقال: لئن عدت إلى مثل هذا لأعاقبنك، ولئن دعاك أحد إلى مثلها فلم تجبه لأعاقبنك، أما علمت أنه بغي([202]).
وجرى بينه وبين ابن الحنفية كلام، فكتب ابن الحنفية إلى الحسين رضي الله عنهما: أما بعد: يا أخي، فإن أبي وأباك علي، لا تفضلني فيه ولا أفضلك، وأمك بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان ملء الأرض ذهباً ملك أمي ما وفت بأمك، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إلي حتى تترضاني، فإنك أحق بالفضل مني، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، ففعل الحسين ذلك، فلم يجر بعد ذلك بينهما شيء([203]).
وكتب إليه أخوه الحسن يلومه على إعطاء الشعراء، فكتب إليه: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقى العرض([204]).
ويروي القوم من وصية أخيه الحسن له في قصة دفنه: واحملني إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألحدني إلى جانبه، فإن منعت من ذلك وستمنع فلا تخاصم ولا تحارب، وردني إلى البقيع([205]).
وكذلك نصيحة أصحابه له بعدم الخروج إلى العراق، حيث لم يستصوبوا رأيه مما يدل على عدم قولهم بعصمته([206]).
وهذا ما رآه هو بنفسه حتى طلب من يزيد الموادعة وسأله الرجعة([207]).
وعلى أي حال، لا يسعنا حصر كل ماورد في حق الأئمة، وكنا نود أن نكتفي بإيراد مايخالف عصمة أهل الكساء لصلته بموضوعنا، ولكن لا نرى بأساً من أن نمر مروراً سريعاً على شيء مما يتعلق ببقية الأئمة أو بعضهم، فهذا زين العابدين يقول لغلامه في مسألة حصلت بينهما: قم فأت قبر رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وقل: اللهم اغفر لعلي بن الحسين خطيئته يوم الدين، وأنت حر لوجه الله([208]).
وكان يقول في دعائه: اللهم إن استغفاري لك مع مخالفتي لَلُؤم، وإن تركي الاستغفار مع سعة رحمتك لَعجز، فيا سيدي! إلى كم تتقرب وتتحبب وأنت غني عني؟ وإلى كم أبتعّد منك وأنا إليك محتاج فقير([209])؟
وها هي فاطمة بنت علي بن أبي طالب لا ترى أنه معصوم، فلما نظرت إلى ما يفعله بنفسه من الدأب في العبادة أتت جابر بن عبدالله رضي الله عنه، فقالت له: يا صاحب رسول الله، إن لنا عليكم حقوقاً، من حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهاداً أن تذكروه الله وتدعوه إلى البقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين قد انخرم أنفه وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه، إدآباً منه لنفسه في العبادة([210]).
فلم تفهم أن زين العابدين معصوم ولا يصدر عنه ما يخالف الشرع، حتى رأت أن تنصحه وكذا فعل جابر، ومثله عن عباد البصري الذي اعترض عليه اختياره الحج على الجهاد([211]).
وهذا الباقر أوصاه أبوه فيما أوصاه: عليك بحسن الخلق([212]).
وفي موضع: يا بني، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله([213]).
وكان يسأل جابراً الأنصاري رضي الله عنه عن مناسك الحج([214]).
ويحيل في بعض ما يسأل عنه إلى موسى، كما يروي القوم أنه سئل عن مسألة، فقال: إذا لقيت موسى فاسأله عنها([215]).
ولا أدري من موسى هذا، فإن كان الكاظم فهو محال لولادته بعد الباقر بسنين، وإن كان آخر تحقق المطلوب.
وهذا ابنه الصادق روى القوم عنه أنه إذا أراد الحج وهمَّ بالتلبية انقطع صوته في حلقه، وكاد أن يخر من راحلته، فيقال له: لا بد من أن تقول، فيقول: كيف أجسر أن أقول: لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن يقول عز وجل لي: لا لبيك ولا سعديك([216]).
وعن حمران قال: قلت لأبي عبدالله: أنبياء أنتم؟ قال: لا، قلت: حدثني من لا أتهم أنك قلت: إنكم أنبياء؟ قال: من هو أبا الخطاب؟ قلت: نعم، قال: كنت إذاً أهجر([217]).
وعنه أيضاً قال: فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون([218]).
والصادق في رواية ملخصها: أن أباه كان في داره مع جارية، إذ أقبل ملك الموت وقبض الجارية، فكسر الصادق البيت الذي رأى فيه أبوه ما رأى، ثم ندم، فقال: ليت ما هدمت من الدار أني لم أكسره([219]).
وعنه: إنا لنذنب ونسيء ثم نتوب إلى الله متاباً([220]).
وكان أصحابه يستدركون عليه بعض المسائل، فهذا عباد البصري ينكر عليه نحره هديه في منزله بمكة([221])، وينكر عليه وضعه يده على الأرض وهو يأكل([222])، ويأخذ عليه لبسه لبعض الثياب([223]).
وعن الفضيل قال: ذكرت لأبي عبدالله السهو، فقال: وينفلت من ذلك أحد؟ ربما أقعدت الخادم خلفي يحفظ علي صلاتي([224]).
وكذا فعل الأرقط ابن عمه حيث كان الصادق عند إسماعيل حين قبض، فلما رأى الأرقط جزع الصادق، قال: يا أبا عبدالله، قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتدع، ثم قال: صدقت أنا لك اليوم أشكر([225]).
حتى إسماعيل ابنه كان يستدرك عليه، ففي مرة سأل الفيض الصادق: جعلت فداك، نتقبل من هؤلاء الضياع فنقبلها بأكثر مما نتقبلها، فقال: لا بأس به، فقال له إسماعيل ابنه: لم تفهم يا أبه، فقال الصادق: أنا لم أفهم، أقول لك: الزمني فلا تفعل؟! فقام إسماعيل مغضباً([226]).
وهذا الكاظم كان يقول في سجدة الشكر: رب عصيتك بلساني ولو شئت وعزتك لأخرستني، وعصيتك ببصري ولو شئت وعزتك لأكمهتني، وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزتك لأصممتني، وعصيتك بيدي ولو شئت وعزتك لمنعتني، وعصيتك بفرجي ولو شئت وعزتك لأعقمتني، وعصيتك برجلي ولو شئت وعزتك لجذمتني، وعصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها علي ولم يكن هذا جزاك مني([227]).
وهذا الرضا قال: حلفت بالعتق -ولا أحلف بالعتق إلا أعتقت رقبة، وأعتقت بعدها جميع ما أملك- إن كنت أرى أني خير من هذا -وأومأ إلى عبد أسود من غلمانه- بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون لي عمل صالح فأكون أفضل به منه([228]).
وقال له رجل: أنت والله خير الناس، فقال له: لا تحلف يا هذا، خير مني من كان أتقى لله عز وجل، وأطوع له، ما نسخت هذه الآية: ((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات:13] ([229]).
والحق أن الروايات في الباب كثيرة جداً لا يسعنا حصرها.
روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الملائكة عليهم السلام:
قبل أن نختم ما أوردناه لا بأس من المرور سريعاً على بعض ما يتعارض مع عصمة الملائكة، وقد عرفت قول القوم فيهم.
من هذه المرويات: رواية عن ملك يقال له: فطرس، كان من الحملة، بعثه الله عز وجل في شيء فأبطأ عليه، فكسر جناحه، وألقاه في جزيرة على الأرض.
وفي رواية: عرض عليه ولاية علي فأباها فكسر جناحه([230]).
ورواية عن ملك بين المؤمنين يقال له: صلصائيل، بعثه الله في بعث فأبطأ فسلبه ريشه ودق جناحيه وأسكنه في جزيرة من جزائر البحر([231]).
وآخر يقال له: دردائيل، كان له ستة عشر ألف جناح، فجعل يوماً يقول في نفسه: أفوق ربنا جل جلاله شيء؟ فسلبه الله أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة([232]).
وآخر يقول عن نفسه: إني ملك من ملائكة الله الكروبيين، غفلت عن ذكر ربي طرفة عين، فغضب علي ربي ومسخني ثعباناً وطردني من السماء إلى الأرض([233]).
وآخرون يروي القوم أنهم اعترضوا على قضاء الله في الحسين رضي الله عنه، حيث قالوا لما قتل: إلهنا وسيدنا أتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك([234])؟
وآخر أمره الله عز وجل أن يخبر أحد الملوك أنه متوفيه، ففعل، ثم أمره أن يخبره أنه عز وجل قد زاد في عمره، فقال الملك: يا رب، إنك تعلم أني لم أكذب قط، فأوحى الله عز وجل إليه: إنما أنت عبد مأمور فأبلغه ذلك، والله لا يسأل عما يفعل([235]).
وهذا جبرئيل عليه السلام يجادل ربه في إبراهيم عليه السلام، ويقول: يا رب، خليلك إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره، سلطت عليه عدوه يحرقه بالنار، فقال: اسكت، إنما يقول هذا عبد مثلك يخاف الفوت، هو عبدي آخذه إن شئت([236]).
وفي رواية: عن الرضا قال: غضب جبرئيل عليه السلام، فأوحى الله عز وجل: ما يغضبك يا جبرئيل؟ قال: يا رب، خليلك. فذكر الحديث([237]).
وكذا تصرفه من تلقاء نفسه، فعن الصادق قال: ما أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كئيباً حزيناً، ولم يزل كذلك منذ أهلك الله فرعون، فلما أمره الله بنزول هذه الآية: ((أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ)) [يونس:91]، نزل عليه وهو ضاحك مستبشر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أتيتني يا جبرئيل إلا وتبينت الحزن في وجهك حتى الساعة، قال: يا محمد، لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، فأخذت حمأة فوضعتها في فيه، ثم قلت له: ءآلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، عملت ذلك من غير أمر الله، خفت أن يلحقه الرحمة من الله ويعذبني على ما فعلت، فلما كان الآن وأمرني الله أن أؤدي إليك ما قلته أنا لفرعون، آمنت وعلمت أن ذلك كان لله رضى([238]).
وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما احتضر وكشف الثوب عن وجهه ونظر إليه: عند الشدائد تخذلني؟ فقال: يا محمد، إنك ميت وإنهم ميتون، كل نفس ذائقة الموت([239]).
وكأن القوم أرادو القول بأن الخذلان لا ينافي العصمة.
وكما ذكرنا، فإن ما أوردناه قليل من كثير، ولا يسعنا حصره لكثرته، وللخوف من الخروج عن موضوع الكتاب.
وعلى أي حال، لا شك أن هناك تأويلات وردوداً لكل ما أوردناه، وقد ذكر القوم بعضاً من ذلك في كتبهم وأكثرها يمجها العقل وفيها ما يضحك.
وإن كنا نرى في هذه الروايات المنسوبة للأنبياء والأئمة: أن جملة من هذه الروايات لا يصح، وجملة منها صحيح لكن زيد فيه ونقص وغُيِّر عن وجهه، وجملة منها واقع لا محالة، ولكننا نلتمس العذر لهم،ونعلم أن لهم من الحسنات ما تمحى به السيئات، كما قال سبحانه: ((إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)) [هود:114].
وليعلم أيضاً -كما مر ذكره- أننا نقول بعصمة الأنبياء من الكبائر ومن الإصرار على الصغائر، وكذا مما يخل بالشرف والمروءة، وأما ما يقع منهم من صغائر فإنهم يتوبون منها ويعود حالهم بعد التوبة أحسن مما كان قبل المعصية، وسبق ذكر الأدلة على ذلك.
وأما الملائكة، فهم كما قال الله عنهم: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)) [الأنبياء:26-27]^ وعليه لا تصح تلك الروايات عند الشيعة.
وأما علي والحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم فغير معصومين من باب أولى، وهم من أهل الجنة بلا شك ولا مرية؛ بل الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وفاطمة سيدة نساء العالمين، وعلي -ولاشك- أفضل من الحسن والحسين.
♥ولكن ليعلم القارئ أن إيرادنا لكل ما مر ليس لأجل اعتقادنا بها أو لمناقشتها، لذا فإننا سردناه سرداً دون تعليق إلا فيما ندر،
وإنما ذكرناه لأجل إيضاح اعتقاد القوم بعقيدة العصمة التي قالوا فيها:
إن الأئمة معصومون مطهرون من كل دنس، وإنهم لا يذنبون ذنباً لا صغيراً ولا كبيراً، لا خطأ ولا نسياناً، ولا للإسهاء من الله تعالى، من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه. إلى آخر ماقالوه وقد نقلناه لك.
وقد رأيت أنهم -وكذا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم- لم يَخْلوا حسب روايات هؤلاء من كل ما ادعاه القوم لهم، فهم يذنبون ويخطئون ويستغفرون وينسون ويسهون، ويخالف أفعال وأقوال بعضهم البعض، ويشكو أحدهم من الآخر، ولم يخلوا حتى من أحاسيس وصفات الغيرة والحسد والشك إلى آخر ما مر بك.
وليعلم القارئ أيضاً أن من رد كل ما ذكرناه وأوله وصرفه عن ظاهره لهو غير عاجز عن تبرئة كل الخلق وتأويل ما يوهم خطأهم فضلاً عن تبرئة الشيخين وذي النورين رضي الله عنهم،
فلو كان طالباً للحق مريداً له فإنه سينظر إلى أفعالهم بعين الإنصاف، وأن ما وقع منهم إما أنه زيد فيه ونقص، وإما أنهم معذورون فيه، وإما أنه خطأ ومعصية لايقارن ببحر حسناتهم، ولهم من الحسنات الكثير والكثير مما يحصل به غفران سيئاتهم،
ولهم من فضل الصحبة ما لا يدركه من بعدهم، كما أن لهم من الفضائل ما لا يخفى على من طلب الحق، وكذلك يقال في غيرهم من كبار الصحابة كعلي والحسن والحسين وطلحة والزبير رضي الله عن الجميع وأرضاهم، وجعلنا ممن قال الله فيهم بعد أن أثنى على المهاجرين والأنصار: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10]
فكل من جاء بعد المهاجرين والأنصار واستغفر لهم؛ رجي له هذا الثواب،
والله المستعان.
ثم اعلم أن إسهابنا بعض الشيء في الكلام عن آية التطهير ومدلولها نابع من كون هذه الآية أحد أهم دعامتين يبني عليهما القوم عقيدة الإمامة؛ باعتبار العصمة هنا، والنص في الأخرى، وهي رواية غدير خم.
([1]) أمالي الطوسي: (562)، البحار: (25/240)(35/215، 219، 232)(37/63)، تفسير فرات: (1/333، 335).
([2]) البرهان: (3/321)، البحار: (35/217)، الطرائف: (29)، العمدة: (16، 21).
([3]) البحار: (35/234)، محجة العلماء: (163)، فصل الخطاب:(320)، الحدائق الناضرة:(2/290).
([4]) الميزان: (16/312).
([5]) الطرائف: (30)، العمدة: (18)، البحار: (35/221)(45/198)، البرهان: (3/321).
([6]) أمالي الطوسي: (85)، البحار: (25/240)(37/39، 402)، كشف الغمة: (1/47).
([7]) البرهان: (3/321).
([8]) نور الثقلين: (4/271).
([9]) مجمع البيان: (3/274).
([10]) الخصال: (125)، البحار: (22/154، 155، 168) (38/302)(79/104)، تفسير القمي: (2/76)، الميزان: (15/104)، نور الثقلين: (1/582) (3/582)، الصافي:(3/424)، البرهان: (3/127)، الغرر والدرر: (1/77).
([11]) البحار: (22/168)، تأويل الآيات: (2/604).
([12]) البحار: (20/316)(35/153، 154، 155)(38/302)(79/103)، تفسير القمي: (2/75)، الخصال: (125)، الميزان: (15/89، 103)، نور الثقلين: (3/581)، الصافي: (3/423)، البرهان: (3/126، 127)، الغرر والدرر: (1/77)، علل الشرايع: (580)، ومنهم من صنف في ذلك كتاباً مستقلاً، وانظر مثلاً: حديث الإفك لجعفر مرتضى العاملي، أو بحث مستقل، البحار: (79/104) (الحاشية)، وغيرها.
([13]) أمالي الصدوق: (620)، البحار: (10/393)، إرشاد القلوب: (1/19)، غرر الحكم: (119).
([14]) اعتقادات الصدوق: (99)، البحار: (11/72)(17/96)(25/211)، قصص الأنبياء، للجزائري: (28)، عقائد الإمامية، للزنجاني: (158).
([15]) تنزيه الأنبياء: (2).
([16]) تصحيح الاعتقاد: (60)، البحار: (17/96).
([17]) البحار: (17/108)(25/350).
([18]) البحار: (11/91).
([19]) البحار: (11/90)(25/209).
([20]) عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفر: (91).
([21]) معاني الأخبار:(138)، البحار: (19/287) (23/208) (35/208) (76/30) (72/152)، البرهان:(3/321)، وانظر أيضاً: نور الثقلين:(4/273، 274)، العياشي:(1/406)، البرهان:(1/553).
([22]) العياشي:(1/277)، البحار: (10/139)(23/203)(35/212)(57/141)(72/152)، أمالي الطوسي: (573)، البرهان: (1/385) (3/309، 310، 316)، الكافي: (1/288)، نور الثقلين: (2/171) (4/277).
([23]) تفسير العياشي:(1/406)، البحار:(72/128)، البرهان:(1/553)، الصافي: (1/550)، وانظر أيضاً: نور الثقلين: (2/138، 286).
([24]) الاختصاص: (264)، البحار: (11/56).
([25]) العياشي: (2/333)، البرهان: (2/439)، نور الثقلين: (3/208)، البحار: (8/45).
([26]) معاني الأخبار: (38، 42)، عيون الأخبار: (170)، البحار: (11/165، 174) (16/362).
([27]) تفسير العياشي: (1/59)، البرهان: (1/87)، البحار: (11/187).
([28]) علل الشرايع: (185)، البحار: (4/102)، (11/258، 259)، كشف الغمة: (2/81).
([29]) العياشي: (2/333)، البرهان: (2/439)، نور الثقلين: (3/208)، البحار: (8/45).
([30]) المصادر السابقة.
([31]) علل الشرايع: (150)، البحار: (12/108)(99/253).
([32]) علل الشرايع: (24)، البحار: (12/79).
([33]) نور الثقلين: (2/457)، العياشي: (2/202)، البرهان: (2/265)، الصافي: (3/42)، البحار: (12/314).
([34]) تفسير القمي: (1/344)، نور الثقلين: (2/424)، البحار: (12/246)، البرهان: (2/268)، الصافي: (3/19).
([35]) تفسير العياشي: (2/177)، البحار: (12/302)(71/150)، نور الثقلين: (2/427)، مجمع البيان: (5/359).
([36]) تفسير العياشي: (2/188)، نور الثقلين: (2/427)، البحار: (12/230، 246، 301، 302) (71/113) (94/19)، البرهان: (2/254).
([37]) مجمع البيان: (5/359)، نور الثقلين: (2/427).
([38]) مجمع البيان: (5/367)، نور الثقلين: (2/431)، البحار: (12/303)، العياشي: (2/190).
([39]) مجمع البيان: (5/372)، نور الثقلين: (2/432).
([40]) علل الشرايع: (30)، البحار: (12/281)، نور الثقلين: (2/466، 467، 468)، تفسير القمي: (1/357).
([41]) البحار: (12/348).
([42]) الاختصاص: (356)، البحار: (8/218).
([43]) روضة الكافي: (108)، البحار: (58/323).
([44]) العياشي: (2/333)، البرهان: (2/439)، نور الثقلين: (3/208)، البحار: (8/45).
([45]) البحار: (13/350).
([46]) البحار: (14/27).
([47]) تفسير العياشي: (2/188)، البحار: (11/213)(12/303) (14/26)، البرهان: (2/254).
([48]) الكافي: (5/74)، من لا يحضره الفقيه: (3/162)، التهذيب: (3/326)، الوسائل: (17/37)، البحار: (14/13)، نور الثقلين: (3/446).
([49]) الكافي: (5/58)، البحار: (14/27)، تفسير القمي: (2/206)، البرهان: (4/44)، نور الثقلين: (4/449).
([50]) تفسير القمي: (2/203)، البحار: (14/20)، نور الثقلين:(4/447)، البرهان: (4/43).
([51]) تفسير القمي: (2/207)، البحار: (14/98، 101)، من لايحضره الفقيه: (1/202)، مجمع البيان: (8/475)، نور الثقلين: (4/455)، البرهان: (4/47).
([52]) مجمع البيان: (8/375)، البحار: (14/107)، نور الثقلين: (4/457).
([53]) معاني الأخبار: (10)، علل الشرايع: (35)، البحار: (14/86).
([54]) عيون الأخبار: (2/84)، علل الشرايع: (35)، البحار: (14/92).
([55]) البحار: (14/93).
([56]) تفسير القمي: (2/150)، البحار: (11/83)(22/215)، البرهان: (3/291).
([57]) الكافي: (2/664)، البحار: (16/259)(22/227).
([58]) انظر مثلاً: العلل: (514)، أمالي الصدوق: (566)، البحار: (103/281).
([59]) تفسير القمي: (1/394)، تفسير العياشي: (2/296)، البرهان: (2/389)، الصافي: (3/164، 165)، نور الثقلين: (3/95، 96)، البحار: (20/63)، المناقب: (1/193).
([60]) من لا يحضره الفقيه:(3/362)، نور الثقلين:(3/255)، العياشي:(2/350)، البحار:(14/423) (16/136)(93/80)(104/230)، النوادر: (61)، البرهان: (2/644)، الصافي: (3/238).
([61]) من لا يحضره الفقيه: (1/234).
([62]) تهذيب الأحكام: (1/234)، البحار: (17/100).
([63]) تهذيب الأحكام: (1/234)، البحار: (17/100).
([64]) تهذيب الأحكام: (1/186)، البحار: (17/100).
([65]) تهذيب الأحكام: (1/186)، البحار: (17/101)، نور الثقلين: (4/257)، الكافي: (3/355).
([66]) تهذيب الأحكام: (1/236)، البحار: (17/101).
([67]) تهذيب الأحكام: (1/236)، البحار: (17/101)، الكافي: (3/355).
([68]) تهذيب الأحكام: (1/235)، الكافي: (3/81)، البحار: (17/104).
([69]) الكافي: (2/81)، البحار: (17/103)، ولم يضعف أحد من القوم هذا الحديث، نور الثقلين: (4/256)، البحار: (21/42).
([70]) المحاسن: (236)، البحار: (17/105)(84/242).
([71]) للاستزادة راجع: البحار: (17/97-129)(باب: سهوه ونومه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة).
([72]) عيون أخبار الرضا: (2/203)، البحار: (17/105)(25/350)(44/271)، نور الثقلين: (1/564).
([73]) تفسير فرات: (2/619)، طب الأئمة: (118)، مجمع البيان: (10/568)، المناقب: (1/395)، البحار: (18/69، 71)(25/155)(38/28، 63، 303)(63/23)(92/364، 366)(95/125)، نور الثقلين: (5/718، 719)، تأويل الآيات: (2/862)، البرهان: (4/529).
([74]) طب الأئمة: (114)، البحار: (92/365)(95/126)، البرهان: (4/529).
([75]) المناقب: (1/40)، البحار: (18/194، 195).
([76]) المناقب: (1/44)، البحار: (18/197).
([77]) الإرشاد: (58)، البحار: (20/210، 262، 234)، إعلام الورى: (102)، البحار:(20/273) = = نور الثقلين: (4/262)، القمي: (2/165).
([78]) العياشي: (2/306)، البحار: (17/53)(21/124)، نور الثقلين: (3/198).
([79]) البحار: (22/53، 167)(38/301).
([80]) مجمع البيان: (10/313، 314)، تفسير القمي: (2/360)، البرهان: (4/352)، نور الثقلين: (5/367)، الصافي: (5/193، 194)، البحار: (22/229، 239)، أمالي الطوسي: (150).
([81]) الاختصاص: (200)، البصائر: (121)، البحار: (39/155).
([82]) أمالي الصدوق: (444)، البحار: (39/124)(71/141).
([83]) أمالي الصدوق: (330)، البحار: (39/124)(71/141).
([84]) البحار: (40/199)(100/449).
([85]) أمالي الصدوق: (48)، البحار: (41/11، 12)، المناقب: (2/124).
([86]) البحار: (41/138)(71/191).
([87]) عيون الأخبار: (163)، أمالي الصدوق: (86)، كتاب سليم بن قيس: (72)، البحار: (28/55، 66، 75)(38/103)(39/55)(42/190)(96/358)، تفسير العسكري: (408)، إثبات الهداة: (1/264، 285)، كشف الغمة: (1/96)، الطرائف: (129).
([88]) البحار: (38/141).
([89]) اليقين: (18)، البحار: (22/332)(40/12).
([90]) أمالي الصدوق: (153، 313)، أمالي المفيد: (95)، كشف الغمة: (1/92)، بشارة المصطفى: (182)، البحار: (27/74،221)(38/108، 109)(39/257،265،274، 276، 284)(81/40)، أمالي الطوسي: (438).
([91]) البحار: (8/25).
([92]) روضة الكافي: (293)، البحار: (27/253)(41/154)(77/361).
([93]) أمالي الطوسي: (518، 565)، البرهان: (3/315)، البحار: (32/263).
([94]) رجال الكشي: (85)، البحار: (33/315).
([95]) أمالي الطوسي: (190)، البحار: (32/541)(33/316).
([96]) البحار: (32/22، 30)، أمالي الطوسي: (735).
([97]) البحار: (397).
([98]) البحار: (32/556).
([99]) البحار: (33/35).
([100]) البحار: (33/74).
([101]) البحار: (33/346)(58/224، 264).
([102]) البحار: (33/538)، الغارات: (205).
([103]) البحار: (32/312، 530)(33/534).
([104]) البحار: (33/319)(38/181)، الخصال: (380).
([105]) البحار: (32/86، 101)، أمالي الطوسي: (68).
([106]) البحار: (32/367، 381).
([107]) أمالي الطوسي: (726)، البحار: (32/71).
([108]) البحار: (42/176).
([109]) البحار: (32/539)(33/313)، المناقب: (2/364).
([110]) المناقب: (2/375)، البحار: (33/395).
([111]) البحار: (32/503).
([112]) نهج البلاغة، من كلام له رضي الله عنه لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة، البحار: (33/306) (100/41).
([113]) أمالي الطوسي: (51)، البحار: (32/103)، وانظر أيضاً: نهج البلاغة: من كلام له لما أشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال، البحار: (32/135).
([114]) كشف الغمة: (2/248)، البحار: (32/599).
([115]) الاختصاص: (79)، البحار: (33/589).
([116]) نهج البلاغة: (499)، البحار: (33/499)(42/153، 181)، معرفة أخبار الرجال: (40).
([117]) البحار: (33/501)(42/154، 184)، معرفة أخبار الرجال: (41).
([118]) البحار: (33/501)(42/154، 184)، معرفة أخبار الرجال: (41).
([119]) البحار: (33/502)(42/185)، معرفة أخبار الرجال: (42).
([120]) البحار: (33/81).
([121]) البحار: (33/353).
([122]) بشارة المصطفى: (147)، العمدة: (141)، الإرشاد: (81)، إعلام الورى: (134)، البحار: (21/358)(38/148، 149)(39/276، 282)(40/83)، أمالي الطوسي: (255).
([123]) عيون الأخبار: (2/28)، البحار: (69/393)(72/126)(99/16)(100/11)، صحيفة الرضا: (3)، أمالي المفيد: (67).
([124]) الاختصاص: (150)، البحار: (40/104).
([125]) أمالي الصدوق: (91)، البحار: (40/241).
([126]) البحار: (40/287).
([127]) المناقب: (1/340)، البحار: (41/9).
([128]) الكافي: (7/264)، البحار: (40/314).
([129]) الكافي: (7/202)، البحار: (40/296)(50/170)(75/73).
([130]) المناقب: (2/100)، البحار: (36/118) (40/328) (44/76) (70/116)، نور الثقلين:(1/664)، تفسير القمي:(1/186)، تفسير فرات:(1/132)، البرهان:(1/494)، الصافي: (2/79).
([131]) الكافي: (5/535)، البحار: (40/335)(104/37).
([132]) البحار: (21/383، 391، 396)، أمالي الطوسي: (256)، الكافي:(4/246)(5/456).
([133]) البحار: (80/224)، الوسائل: (1/278)، المستدرك: (1/237)، التهذيب: (1/17).
([134]) البحار: (10/266).
([135]) نوادر الراوندي: (14)، البحار: (103/250).
([136]) أمالي الطوسي: (526)، البحار: (42/187).
([137]) البحار: (43/25).
([138]) المناقب: (3/346)، أمالي الطوسي: (678)، البحار: (43/106، 152).
([139]) البحار: (43/42، 146)، وانظر روايات أخرى في إصلاحه صلى الله عليه وسلم بينهما في (باب: كيفية معاشرتها مع علي رضي الله عنهما).
([140]) تفسير فرات: (1/85)، كشف الغمة: (2/98)، أمالي الطوسي: (628)، البحار: (37/104) (43/60)(14/198)(96/147)، تفسير العياشي: (1/195)، الصافي: (1/332)، البرهان: (1/282)، تأويل الآيات: (1/110).
([141]) البحار: (43/74).
([142]) البحار: (43/81).
([143]) علل الشرايع: (63)، البحار: (35/50) (43/42، 146).
([144]) البحار: (8/303)(43/88).
([145]) أمالي الطوسي: (414)، الكافي: (3/234)، المنتقى: فيما كان سنة عشر من الهجرة، البحار: (8/303)(21/383، 391، 396، 404)(99/89، 91).
([146]) أمالي الصدوق: (326)، أمالي الطوسي: (245)، البحار: (40/6).
([147]) الإرشاد: (16)، البحار: (40/17) (18/398) (37/91)، كشف اليقين: (158) (38/5) = = (40/18، 85، 178)(43/139)، أمالي الصدوق: (356)، تأويل الآيات: (1/272)، المحتضر: (143)، المناقب: (1/180)، إعلام الورى: (164).
([148]) أمالي الصدوق (379)، البحار: (41/45)، الأنوار النعمانية: (1/58)، المناقب: (2/79).
([149]) البحار: (43/99).
([150]) البحار: (43/149)، أمالي الطوسي: (253).
([151]) كشف الغمة: (1/84)، البحار: (38/19).
([152]) أمالي الطوسي: (418)، البحار: (37/43).
([153]) البحار: (43/153)، كشف الغمة: (2/101).
([154]) الكافي: (3/251)، البحار: (22/159، 161)(81/392).
([155]) المناقب: (3/208)، البحار: (43/148)، أمالي الطوسي: (694).
([156]) انظر: كفاية الأثر: (9، 17)، البحار: (22/536)(28/52)(36/307، 328، 369)(38/10) (51/79، 91)، كمال الدين: (250).
([157]) المناقب: (3/343)، البحار: (43/27، 81، 84)، وانظر أيضاً: البحار: (22/531) == أمالي الصدوق: (377).
([158]) انظر لهذه القصة: أمالي الصدوق: (194)، البحار: (43/20، 83، 86).
([159]) تفسير فرات: (2/586)، البحار: (22/458)(24/264)، كنز الفوائد: (400)، وانظر روايات أخرى: البحار:(22/460،531)(24/263)(68/54)، بشارة المصطفى:(154).
([160]) الكافي: (4/66)، معاني الأخبار: (110)، البحار: (22/460، 496)(82/76).
([161]) الطرف: (45)، البحار: (22/493).
([162]) الإرشاد: (98)، إعلام الورى: (143)، البحار: (22/470).
([163]) المناقب: (3/341)، نور الثقلين: (3/157)، البحار: (43/85)، كشف الغمة: (2/99).
([164]) أمالي الطوسي:(377)، منتخب الأثر:(89)، البحار:(36/350، 352)(43/238، 239، 240) (44/250)(104/109، 111)، إثبات الهداة: (1/596)، أمالي الصدوق: (134).
([165]) البحار: (43/178).
([166]) علل الشرايع: (185)، البحار: (43/202)، الأنوار النعمانية: (1/73).
([167]) الخصال: (1/62)، البحار: (69/370، 371) (72/261) (73/233، 251) (77/44، 46، 52، 67، 90، 112)، التحف: (13)، روضة الكافي: (79).
([168]) أمالي الطوسي: (608)، البحار: (21/361)(77/69).
([169]) الكافي: (5/28، 36)، التهذيب: (6/141)، البحار: (19/167)(21/361) (104/364).
([170]) إعلام الورى: (137)، البحار: (21/360)(40/177، 178، 244)، كشف الغمة: (1/111، 120)، المناقب: (1/84)، الإرشاد: (93).
([171]) البصائر: (503)، البحار: (21/362).
([172]) البحار: (40/87).
([173]) الإرشاد: (61)، إعلام الورى: (190)، البحار: (20/333، 352، 359، 362، 371)(33/314، 317، 351)(38/328).
([174]) أمالي الطوسي: (193، 218)، إثبات الهداة: (2/89)، نور الثقلين: (3/378)، البحار: (10/21، 233) (21/10، 208، 213، 232، 238، 245، 260، 261) (23/297) (33/218)(37/255، 259،261، 262، 263، 264، 267، 278)(38/242)(40/51) (44/75)، تفسير العسكري: (191، 233)، الاحتجاج: (180)، إعلام الورى:(130)، الإرشاد:(80) == أمالي الطوسي: (313، 610)، المناقب: (3/15)، كمال الدين: (264).
([175]) أمالي الطوسي: (2/115)، المناقب: (2/51)، البحار: (28/47)(27/209).
([176]) عيون الأخبار: (229)، البحار: (27/149)(39/171، 174)(63/245).
([177]) علل الشرايع: (85)، البحار: (27/151)(39/174).
([178]) البحار: (18/88)(39/166)، المحاسن: (332)(63/236، 215).
([179]) اليقين في إمرة المؤمنين: (71)، المناقب: (1/411)، البحار: (39/171، 179).
([180]) أمالي الصدوق: (209)، المناقب: (1/367)، الطرائف: (17)، كنز الكراجكي: (281)، البحار: (38/334، 336، 338).
([181]) المناقب: (1/367)، البحار: (37/186)(38/336، 344)، إثبات الهداة: (2/142)، وفيه: فاغتم غماً شديداً، نور الثقلين: (3/624)، تفسير القمي: (2/84)، البرهان:(3/153).
([182]) كشف الغمة: (1/335)، البحار: (38/343).
([183]) البحار: (35/61)(38/347)، المناقب: (2/57).
([184]) كشف الغمة: (1/333)، البحار: (38/342).
([185]) بشارة المصطفى: (122)، البحار: (39/207)(43/147)، الأنوار النعمانية: (1/79)، البرهان: (4/224)، علل الشرايع: (163).
([186]) المناقب: (1/404)، البحار: (21/116).
([187]) الاختصاص: (150)، البحار: (40/105)، نهج البلاغة: (512).
([188]) الكافي: (1/298)، التهذيب: (9/176)، الفقيه: (4/189)، البحار: (42/213، 250)، إثبات الهداة: (2/544، 545).
([189]) الإرشاد: (8)، إثبات الهداة: (2/475)، البحار: (42/226، 238، 277)، المناقب: (2/79)، إعلام الورى: (161).
([190])أمالي المفيد:(129)، أمالي الطوسي:(6، 27)، البحار:(42/202)(78/98) (42/245، 247، 250) (77/196).
([191]) المناقب: (2/107)، البحار: (41/112)(42/117)(وفيه الحسين بدل الحسن)، كشف الغمة: (1/175).
([192]) المحاسن: (601)، البحار: (43/338)(75/101).
([193]) الكافي: (6/56)، البحار: (44/172).
([194]) الكافي: (6/56)، البحار: (44/172).
([195]) المناقب: (4/38)، البحار: (44/171، 173).
([196]) المناقب: (4/30)، البحار: (44/158، 169).
([197]) البحار: (43/344)(44/211)، تفسير فرات: (1/253).
([198]) الإرشاد: (173)، البحار: (44/49).
([199]) الكافي: (7/202)، البحار: (43/353).
([200]) سبق تخريج جميع هذه الروايات في الباب الأول.
([201]) انظر مثلاً: نهج البلاغة: (511).
([202]) الكافي: (5/35)، التهذيب: (6/169)، البحار: (33/446، 454).
([203]) المناقب: (4/73)، البحار: (44/196).
([204]) كشف الغمة: (2/206)، البحار: (44/195).
([205]) إثبات الهداة: (2/566).
([206]) البحار: (44/364)(45/86، 89، 96، 99).
([207]) البحار: (45/324).
([208]) كنز جامع الفوائد: (299)، البحار: (23/384)(46/92).
([209]) البحار: (25/238)، وانظر روايات أخرى في استغفاره: أمالي الطوسي:(427) == أمالي الصدوق: (182، 257).
([210]) أمالي الطوسي: (647)، البحار: (46/60)(71/185)، بشارة المصطفى: (79).
([211]) البحار: (46/116)(100/18)، معجم الخوئي: (9/210).
([212]) كفاية الأثر: (319)، البحار: (46/232).
([213]) الكافي: (2/331)، البحار:(46/153)(75/308)(78/118)، أمالي الصدوق:(110).
([214]) أمالي الطوسي: (143)، البحار: (21/383، 403).
([215]) البصائر: (13)، البحار: (23/182).
([216]) الخصال: (79)، علل الشرايع: (234)، أمالي الصدوق: (169)، المناقب: (3/396)، البحار: (47/16)(99/181).
([217])البصائر: (134)، البحار: (25/56)(52/320).
([218]) الكشي: (147)، البحار: (25/289).
([219])البصائر: (64)، البحار: (26/359).
([220]) البحار: (25/207).
([221]) التهذيب: (5/374)، معجم الخوئي: (9/210).
([222]) الكافي: (6/271)، البحار: (47/360)(66/390).
([223]) البحار: (79/315).
([224]) البحار: (25/350)(88/230)، السرائر: (483).
([225]) كمال الدين: (78)، البحار: (47/250).
([226]) سبق تخريجه.
([227]) كشف الغمة:(3/46)، البحار:(25/203)(86/203)، الكافي:(3/236)، التهذيب:(2/111).
([228]) عيون الأخبار: (2/237)، البحار: (49/95).
([229]) عيون الأخبار: (2/236)، البحار: (46/177)(49/95)(96/224).
([230]) أمالي الصدوق: (118)، البحار: (26/340)(43/244، 251)(44/182)(50/66)، الكشي: (486)، إثبات الهداة: (2/580)، البصائر: (20، 68)، أمالي الطوسي: (680).
([231]) البحار: (43/259).
([232]) كمال الدين: (268)، البحار: (43/248)(59/184).
([233]) البحار: (4/112)(13/382)(43/313).
([234]) البحار: (37/293)(45/221)(51/28).
([235]) نور الثقلين: (2/520)(4/355).
([236]) تفسير القمي: (2/47)، الصافي: (3/345)، نور الثقلين: (3/432)، البرهان: (3/63)، البحار: (12/33).
([237]) أمالي الصدوق: (274)، البحار: (11/63)(12/35)، الخصال: (163).
([238]) تفسير القمي: (1/316)، نور الثقلين: (2/318)، البرهان: (2/195)، البحار: (13/117).
([239]) أمالي الصدوق: (508)، البحار: (22/510).
نقلاً عن كتاب الإمامة والنص لفيصل نور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق