♥الغلام المؤمن
والساحر♥
عن صهيب رضي الله عنه عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم :
(كان ملك فيمن كان قبلكم ،
وكان لـه ساحر ، فلما كبر الساحر ، قال للملك ، إني قد كبرت فأبعث إلىّ غلاماً
أعلمه السحر ، فبعث إليه غلاماً يعلمه ، فكان في طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه
وسمع كلامه فأعجبه ، فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر
ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي ، وإذا
خشيت أهلك فقل : حبسني الساحر) .
الغلام والأفعى :
(بينما الغلام سائر إذ رأى
دابة عظيمة "أفعى" قد حبست الناس) .
الغلام (يخاطب نفسه) : اليوم
أعلم ، الساحر أفضل أم الراهب ؟
الغلام (يأخذ حجراً) : اللهم
إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فأقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس .
(يرمي الغلام الدابة فيقتلها ويمضي الناس) ، ( يأتي الغلام الراهب فيخبره) .
الراهب (متعجباً) : أي بني أنت
اليوم أفضل مني ، قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلى ، فإن ابتليت فلا تدل عليّ
.
الغلام يبرئ الأكمه ( الأعمى )
والأبرص) ويداوي الناس من سائر الأدواء ( الأمراض) .
الغلام والأعمى :
(يسمع جليس للملك كان قد عمي ،
فيقدم للغلام هدايا كثيرة)
الأعمى (راجياً) : كل هذه
الهدايا لك إن أنت شفيتني .
الغلام (مرشداً) : إني لا أشفي
أحد ، إنما يشفي الله تعالى ، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك .
(يؤمن الأعمى فيشفيه الله
تعالى) .
( يأتي الجليس الملك ، فيجلس
إليه كما كان يجلس) .
الملك (متعجباً) : من ردَّ
عليكم بصرك ؟
الجليس ( في فرح) : ربي .
الملك ( منكراً) : أو لك رب
غيري .
الجليس ( في فرح) : ربي وربك
الله .
(يأخذه الملك فلم يزل يعذبه
حتى يدل على الغلام فيؤتي بالغلام) .
الملك ( مهدداً) : أي بني قد
بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل .
الغلام : إني لا أشفي أحداً ،
إنما يشفي الله تعالى .
تعذيب من آمن :
(يأخذ الملك الغلام ، فلا يزال
يعذبه حتى دل على الراهب ، فجيئ بالراهب فقيل له : إرجع عن دينك فيأبى ، فيدعو
الملك بالمنشار ، فيضع المنشار في مفرق رأسه فيشقه به حتى يقع شقاه على الأرض) .
ثم يجيئ بجليس الملك ، فقيل له
: إرجع عن دينك فيأبى ، فيضع المنشار في مفرق رأسه فيشقه به حتى وقع شقاه .
الغلام يعذب :
(يؤتى بالغلام ، فيقال له :
إرجع عن دينك ، فيأبى ، فيدفعه الملك إلى نفر من أصحابه)
الملك (غاضباً) : إذهبوا به
إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به إلى الجبل فإذا بلغتم ذروته ، فإن رجع عن دينه ، والا
فاطرحوه .
(يذهبون بالغلام ، ويصعدون به
الجبل)
الغلام ( داعياً عليم : اللهم
أكفينهم بما شئت .
( يرجف بهم الجبل فيسقطون
ويجيئ الغلام يمشي إلى الملك ) .
الملك ( في حيرة ودهشة) : ما
فعل أصحابك ؟
الغلام ( في شجاعة وإيمان) :
كفانيهم الله تعالى ( يدفعه الملك إلى نفر من أصحابه)
الملك : أذهبوا به فأحملوه في
قرقورة ( زورق) وتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه ، وإلا فأقذفوه ( يذهبون
بالغلام) .
الغلام (داعياً) : اللهم
أكفينهم بما شئت .
( تنكفئ بهم السفينة فيغرقون .
ويجيئ الغلام إلى الملك يمشي ) .
الملك ( في قهر وخذلان) : ما
فعل أصحابك ؟
الغلام ( في طمأنينة وثبات) :
كفانيهم الله تعالى .
الغلام يضحي بنفسه
:
الغلام ( للملك) : إنك لست
بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به .
الملك ( في عجز ويأس) : وما هو
؟
الغلام : تجمع الناس في صعيد
واحد ، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهماً من كنانتي ، ثم ضع السم في كبد القوس ، ثم
قل : ( بسم الله رب الغلام) . ثم أرمني ، فإنك إذا فعلت ذلك تقتلني .
يجمع الناس في صعيد واحد ،
ويصلب الغلام على جذع ، ثم يأخذ الملك سهماً من كنانة الغلام ، ثم يضع السهم في
كبد القوس ثم يقول : ( بسم الله الرحمن الرحيم
الله رب الغلام) ثم يرميه ، فيقع السهم في صدغه ، فيضع يده في صدغه في موضع
السهم ويموت .
الناس ( يهتفون) : آمنا برب
الغلام ، آمنا برب الغلام .
(يجيئ الجند إلى الملك) .
الجند (في أسف) : أرأيت ما كنت
تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس .
الملك (في تحفظ) : إحفروا
الأخدود (الخنادق) بأفواه السكك وأضرموا فيها النيران ، ومن لم يرجع عن دينه فأقحموه
فيها (أطرحوه) .
(الجند على أطراف الأخدود ،
يعرضون الشعب المؤمن على النار ، ويعرضون عليهم أن يرجعوا عن دينهم ، فمن لم يرجع
أوقعوه في النار ) .
على حافة النار إمرأة معها
رضيع تخشى علي فتتردد ، وتتقاعس أن تقع في النار .
الرضيع (يقول) : يا أمه إصبري
فإنك على الحق .
إحتراق الكفار :
قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ
فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ
جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) :
1-
قال ابن
جرير بعد ذكره قصة أصحاب الأخدود : وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالصواب للذي
ذكرنا عن الربيع من العلة : وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم ،
ولو لم يكونوا أحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله (ولهم عذاب الحريق) معنى مفهوم من
إخباره أن لهم عذاب جهنم ، لأن عذاب جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابهما في
الآخرة .
2-
قال
القرطبي في تفسير قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ) : أي حرقوهم بالنار ، فلهم عذاب جهنم لكفرهم ، ولهم الحريق في
الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار .
وقيل (جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) أي ولهم في
الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين .
3-
ذكر المفسر
الألوسي نقلاً عن ابن جرير وغيره : إن الله بعض على المؤمنين ريحاً تقبض أرواحهم
قبل الوصول إلى النار ، وأن النار خرجت فأحرقت الكفار الذين كانوا على حافتي
الأخدود . ويدل لهذا قوله تعالى : ( قتل أصحاب الأخدود) ، وقوله تعالى : ( ولهم
عذاب الحريق) .
من فوائد القصة :
1-
كل مولود
يولد على الفطرة ، فاقتضت الفطرة السليمة أن تكون مع الحق والخير دائماً وترفض
الشر ، فوجهت الغلام نحو الخير حين سمع الحق من الراهب ونبذت الشر المتمثل في
الساحر الكافر .
2-
لا بأس
بالكذب للنجاة من كيد الكافرين عند الضرورة .
3-
علم الغلام
بفطرته أن الحق مع الراهب ولكن أراد أن يقيم الحجة (مثل إبراهيم عليه السلام) حيث
أقام الحجة على قومه .
4-
الدعاء إلى
الله أن يظهر له الحق ويبين له وجه الصواب ويقطع الشك باليقين ، وهذا شأن المؤمن
يلجأ إلى الله دائماً لحل مشاكله .
5-
إماطة
الأذى عن الطريق وتخليص الناس من كرب وقعوا فيه ، مشروع ومطلوب يؤجر المسلم عليه ،
كما صرحت بذلك الأحاديث .
6-
المؤمن
الصادق هو الذي ينسب فعل الكرامة إلى الله وليس إلى نفسه .
7-
الاعتراف
بالفضل ولو إلى غلام صغير : ( أي بني أنت اليوم أفضل مني) .
8-
كل من أمر
بالمعروف ونهى عن المنكر ، وصدع بالحق لا بد من أن يبتلى ، وعليه بالصبر ، وله
الأجر الكبير عند الله ، قال تعالى على لسان لقمان يوصي ولده (يَا بُنَيَّ أَقِمِ
الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا
أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) .
9-
كل من أخطأ
في تعبيره لا يترك في خطئه ، بل يبين له وجه الصواب ، لا سيما في عقيدة التوحيد ،
فالغلام يقول للوزير : إني لا أشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى ، وهذا مطابق
لقول الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ).
10-
إن لله
رجالاً أقوياء بإيمانهم ، فمهما عذبوا لا يرجعون عن دينهم ، ولا يرضون الطغاة
بكلمة فيها ضعف أو كفر ، ولو حرقوا ، أو نشروا أو أغرقوا وهو الأفضل وقد أشار
إليهم الله سبحانه وتعالى بقوله : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا
ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) ، وقد سمح الله
للمؤمن أن ينطق بالكفر إذا أكره عليه فقال سبحانه وتعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ
مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ
بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ
اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
11-
لا بد
لكلمة الحق أن تنتصر ، فالملك يعجز عن قتل الغلام ، ولا يتم له ذلك إلا بطريقة
يرسمها الغلام للملك ، يعقبها إيمان الشعب وانحدار الملك ، ويتحقق قول الله تعالى
: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ
الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .
12-
الغلام
المؤمن يضحي بنفسه ليؤمن الناس ، وهذا شأن المؤمنين المخلصين يسعون لإنقاذ أمتهم ،
ولو أدى ذلك إلى استشهادهم ، فهم إلى الجنة ذاهبون ، قال تعالى : (وَلا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .
13-
يثبت الله
المؤمنين بالحجج البينات ، ويؤيد دينهم بالكرامات ، فهذا هو الرضيع ينطق (يا أمه
إصبري فإنك على الحق) . والأم تستجيب لهذا الأمر ، وتلقي بنفسها مع طفلها صابرة
محتسبة .
14-
مصير
المؤمنين إلى الجنة بعد موتهم ، ومصير هؤلاء الكفار الحرق في الدنيا ، وعذاب جهنم
في الآخرة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق