الأحد، 29 يناير 2017

☻مشاهد من قصة طالوت في انتصاره على الطاغية جالوت

مشاهد من قصة طالوت في انتصاره على الطاغية جالوت
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين.
إن قصة انتصار طالوت وجنوده على الطاغية جالوت وجنوده قصة فيها الاعتبار والاستبصار للأمة الإسلامية لأن الله قص هذه القصة لعلمه أن الأمة الإسلامية سيصيبها من أعدائها وتقصيرها في دينها ما أصاب بني اسرائيل ، فحذر الله هذه الأمة من اسباب المصائب قبل وقوعها وبين لها أن الوقاية خير وأهم من العلاج وأعطاها الدواء قبل الداء.
ولكن الأمة الإسلامية لم يزل الكثير من أفرادها يطلب ويتلقى وينتظر الدواء ممن أصابها بالداء والنفع ممن فعل بها الضرر والنصر ممن قاتلها وسحقها ودمرها ، وبعضها يتخبط في تجربة النظريات الأرضية بحثا عن مخرج ، وآخر في حلبة العراك لينتصر للآراء البشرية ظنا منه إنه سيظفر برأي رشيد منقذ ، وثالث يعيش في الاستغراق في الجزئيات على حساب ضياع الكليات، ورابع غرق في الغفلة وإتباع الشهوات ، وخامس ...الخ.
وقد جرب بنوا اسرائيل حياة التيه فلم يجدوا الفلاح والعز والنصر والكرامة إلا في التمسك بالدين وإقامة علم الجهاد ، وكان حال بني اسرائيل وما أصابهم من طواغيت زمانهم بسبب ذنوبهم في زمن وقوع هذه القصة مثل حال الأمة الإسلامية اليوم.
أفما آن لهذه الأمة التي أكرمها الله بنور الوحي وهُدَى الكتاب والسنة أن تعود إلى ربها وتحذر من التيه وتتعلم من علم العليم وتتجمل بلباس التقوى والطاعة لخالقها وتستمد خبرتها وبصيرتها من كلام الخبير البصير ، وحكمتها من الحكيم ، وتتقوى بقوة القوي وتعتز بعزة العزيز فتعمل بكتابه وتتبعه أماما معصوما على هَدِي رسوله وفق منهج أصحابه ، فهذه القصة قصة تعليمية تربوية عسكرية سياسية إصلاحية من قصص الكتاب العزيز لتدل المسلمين على طريق الفلاح وترشدهم لسبيل النجاة وتضعهم على بداية خطوات النصر وتبين لهم أسباب التمكين ، فإلى أول مشاهد هذه القصة واستخلاص بعض ما فيها من الدروس.
♥المشهد الأول: من مشاهد قصة طالوت وانتصاره على جالوت.
قال الله سبحانه وتعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة : 246].
قد قص الله علينا هذه القصة وكأنها واقعا مشاهدا أمامنا بقوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ) والملأ هم الوجهاء والأشراف ، وكانوا بعد موت موسى بزمن طويل ، فطلبوا من نبيهم تعيين مَلِكا يقودهم لجهاد عدوهم ليقينهم إن تحرير بلادهم وإقامة دينهم واسترداد حقوقهم واستعادت كرامتهم لا يكون إلا بالجهاد ، ولكن هذا النبي أراد أن يختبر قوة عزائمهم ومدى استجابتهم (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا) ، عسى أن يفرض عليكم القتال فتتخلفوا عنه ! لأنه قد علم من ضعفهم وهوانهم بسبب تمكن عدوهم منهم وقوة تسلطه عليهم ما جعله يختبرهم بهذا السؤال ، فسمع نبيهم حسن إجابتهم ورأى حماسهم (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) ولكن هذا الحماس لم يستمر بل ضعف وذهب عند الكثير حين فرض الجهاد وحضرت ساعة الجد والنفير (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فتخلفوا واختفوا ولم يستجب ويصمد إلا القليل وأما الكثير الظالم فتولى (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فهذا وعيد أكيد وتهديد شديد لمن تولى عن فريضة الجهاد.
ونستفيد من هذه المشهد الدروس التالية:
1 – أن الذي يقرر أمر الجهاد هم الملأ أهل الحل والعقد من كبراء الناس في العلم والخبرة والدراية بالأمور المتصفين بالأمانة والصدق والإخلاص ، وليس هذا الأمر الكبير للعامة.
فحين تولى أهل العلم والخبرة والاختصاص إدارة المعركة بتجرد من الحظوظ الدنيوية والمؤثرات النفسية كانت العاقبة النصر والتمكين ، وحين يُترك هذا الأمر لغير أهله فلا تنتظر إلا الفشل والهلاك والزوال بعد التيه في ظلمات المهانة والتخبط في مفترق الطرق واللهث وراء سراب الخداع .
2 – ومن فوائد قوله (إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا) أن النبي أو من يقوم بوظيفته من أهل العلم هم من يشرف على تنفيذ الأمور ولا يباشر القيام بها بل الذي يباشر هو الملك الذي طلبوا تعيينه فإذا استنار الملك بنور النبوة وجعل العلم قائدا له وفق للهُدَى والحق والعدل.
3 - نصف النصر معرفة الطريق إلى النصر (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). ومعرفة هذا الطريق لا تكفي لوحدها ، بل لا بد من بعد اختيار هذا الطريق المضي فيه ولا يكون ذلك إلا بالتجرد من حظوظ الدنيا كما في قوله (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وليس في أي سبيل غيره ، والوصول إلى هذه المرتبة العالية في الدين يكون بإصلاح العقيدة الدائم والمثمر بالعمل الصالح المستمر.
4 - يقين الملأ من بني اسرائيل في أن حقهم لا يسترد إلا بالجهاد وأن تحررهم من الطغاة المعتدين لا يكون بغير القتال في سبيل الله (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
5 - أن من حسن التعليم وتأصيل التربية اختبار المتعلم والتأكد من عمق رسوخ التربية في أعماق نفسه ومدى تأهله وتمكنه من القيام بمهام دينه وتحمل ما يصيبه من مشاق (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا).
6 - إن الكثير تموت عندهم حماسة الرخاء والسعة عند ساعة الجد والشدة ، فكانوا يقولون في وقت السعة (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) فلما فُرِضَ عليهم ما طالبوا به من القتال ماذا فعلوا؟!
(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) فلم يستجب إلا القليل أما الكثير لم تستمر حماستهم بل ذهبت وضعفت قوتهم.
7 - إن التقاعس عن نصر الحق أو التولي عن القيام به ظلمٌ للنفس وظلمٌ للحق والرسول الذي جاء به وبذل في وصوله إلينا التضحيات الكبيرة الجليلة ، وظلمٌ للناس في التهاون لإيصال الحق إليهم وحمايتهم في حال التمسك به (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) وهذا هو الامتحان الأول لهم وهو فرض القتال عليهم ولم يتجاوز هذا الاختبار إلا القليل.
8 – أن أي جهاد في سبيل الله يشترط لنجاحه واستمراره ونفعه أن يعين له قائدا (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ليجمع الكلمة ويوحد الصف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف : 4] ويمنع التنازع والفشل (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال : 46].
9 - في هذا المشهد وغيره من مشاهد القصة ما يدل على فساد الدعوات الموجهة لمجلس الأمن أو غيره من المنظمات المرتبطة بعدونا ومطالبتهم بنصرنا ورد حقوقنا وكأننا لا نرى انتهاكهم لكرامتنا في رابعة النهار.
وبنو اسرائيل – في هذه القصة الذين فتح الله عليهم ونصرهم – تولوا هم جميع أمورهم وقاموا بشئونهم وحدهم من دون أي تدخل من عدوهم ووضعوا أيديهم في أيدي بعض ولم يمدوها طلبا للعون والمساعدة إلا لله.
10 – الدفاع عن بلاد المسلمين وحمايتها من الكفر وأهله من الجهاد في سبيل الله ( وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا).
♥المشهد الثاني: تعيين طالوت ملكا قائدا لهم .
قال الحق سبحانه : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة : 247].
في هذا المشهد أخبرهم نبيهم أن الله جعل الملك والقائد في الجهاد طالوت وقد اعترضوا على هذا التعيين لأن طالوت في نظرهم لا يستحق هذه المنزلة لأنه ليس من عائلة الملك ولا النبوة وليس من الاغنياء بل هو فقير من الفقراء يعمل سقاء وعائلته بعيدة عن عائلتي النبوة والملك (قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) فهم يرون أنهم أعلى وأولى منه ، ولا يخفى ما في قولهم من كبر واستعلاء على الناس واحتقار لمن دونهم ومن لم يكن من عائلتهم ، ولكن الله رد عليهم هذا الاعتراض المبني على موازينهم الأرضية البشرية بأنه عيين طالوت وفق ميزان رباني دقيق لا يحابي أحدا (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ).
وفي هذا المشهد الاختبار الثاني
وهو فتنة الناس وإشغالهم بما يضرهم من جدال في الحق بعد وضوحه واشتغال عن المعركة الكبرى بمعارك هامشية تضر ولا تنفع وتهدم ولا تبني ، وتقديم للمصلحة الخاصة كما في قوله(وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) على المصالح العامة .
وهذه بعض دروس هذا المشهد:
1 – تواضع النبي وتجرده حين قال لهم (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) فنسب الفعل إلى الله وكذا المربي لا ينسب لنفسه الخير والفضل بل ينسبه إلى الله المتفضل به.
2 – خطورة الحظوظ الفردية والمصالح الشخصية على تحقيق المصالح الكبرى أو عرقلة الوصول إليها وإعاقة تنفيذها كما (قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ)
*وأخطر ما في هذا المشهد هو موقف أهل المصالح الشخصية في عرقلة مشروع الجهاد الذي يوصل إلى النصر والتمكين.
3 – إن من أسباب الاختلاف والفشل والهزيمة تقديم القائد بناء على نسبه أو ماله أو وجاهته مع إهمال كفاءته وعلمه وقدرته (قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ)،
فالواجب تقديم الأكمل في جميع الصفات ولا يقدم عليه الأقل منه لأن تقديم الأكمل يحقق المصلحة العامة والأقل علما أو أمانة أو قدرة أو عدلا ...الخ . لا يحقق مصلحة بقدر ما يحقق من مفاسد.
4 – أن نصر الله للمسلمين وتمكينه لهم في الأرض ونهوضهم وتقدمهم يتوقف على تقديم الأصلح منهم ووضع الرجل المناسب علما وأمانة وخبرة وبصيرة وصدقا في المكان المناسب (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ). فلا تتحقق المصالح وتزول المفاسد وتدفع المضار إلا بتقديم من قدمه الله.
5 – (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ) يدل على أن الملك لله وقد أمر الله بتقديم الأصلح فيجب تقديم من قدمه الله وتأخير من أخره حتى يقوم بملكه من يُصلح في أرضه ولا يفسد.
6 – أن المال ليس بركن من أركان السؤدد بل الغالب أن صاحب المال يكون جبانا رعديدا وفاقدا للرأي السديد وهذا يدل على فساد اعتراضهم(وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ).
7 – أن الله اصطفاه عليهم واختاره لقيادتهم لأن الله أعلم بما ينفعهم والأصلح لهم منهم (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ).
8 – أهمية قوة البدن وقوة العلم في القائد حتى يقوم بعمله بحكمة وقدرة وكفاءة (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) وخطر ضعف قوة الجسم وقلة العلم وما ينتج عنها من ضرر وفساد للبلاد والعباد.
9 – أهمية اقناع المعارض بذكر الأدلة المقنعة وبيان البراهين الساطعة القاطعة لشبهته حتى يقتنع بقبول الحق أو يضل على بينة ويتضح ذلك في قوله :
أ – (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ).
ب – (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ).
ج – وزاده بسطة في (َالْجِسْمِ).
د – (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ).
هـ - (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
♥المشهد الثالث: مشاهدة التابوت برهان حسي على صحة ملك طالوت
: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [البقرة : 248].
ويظهر في هذا المشهد أنهم لم يقتنعوا بالأدلة السابقة على أن ملك طالوت حق ، فذكر لهم نبيهم أن علامة ملكه (أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) وهو شيء كالصندوق يحملونه معهم في غزوتهم وتطمئن وتسكن به نفوسهم وقد أخذه أعدائهم منهم فجيء به و(فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ) من العلم والحكمة ، وبعد هذه العلامة الحسية الظاهرة لا يسعهم إلا التسليم والإيمان وقبول الحق لمن يريده (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
وفي هذا المشهد من الدروس:
1 – أهمية طمأنينة النفس للحق وقبوله حتى تعمل به وتحمله وتتحمل تبعاته بصدق.
2 – أهمية ذكر السلف الذين مضوا في هذا الطريق وإبراز القدوات العاملين الصادقين.
3 – أهمية الربط التربوي بين الواقع والماضي من ذكر سيرة الرسل.
4 – أن الكثير من الناس لا يقبل الحق ولا يسلم له ولو جئته بكل آية (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وإنما المؤمن هو الذي يسلم وينقاد ويعمل.
5 – أهمية ربط الحقائق العلمية المعنوية بالأشياء الحسية الواقعية التي تقرب فهم وتصور هذه الحقائق العلمية المعنوية وتقوي اليقين بها والتسليم لها والصبر على حملها والتضحية في سبيل نشرها ونصرها.
6 – على المربي التركيز على المعاني الجليلة المؤثرة في نفوس المتلقين! فتأمل معاني هذه الكلمات ودلالاتها ومدى تأثيرها عند المخاطبين بها في هذا المشهد الذي ظهر فيه الاضطراب ! ( سكينة ، آل موسى ، آل هارون ، الملائكة ..الخ ).
7 - دور الملائكة في معركة أهل الإيمان مع أولياء الشيطان(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) [ الأنفال : 12].
8 - في هذا المشهد يظهر ضعف إيمان بني اسرائيل الذي احوجهم إلى معجزة التابوت لتقوية إيمانهم ، وعندما نقارن ذلك مع سرعة استجابة الصحابة لله ورسوله وتصديقهم للرسول بدون تردد وقوة ثباتهم وصبرهم (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)
وكذلك هذه حال الصادقين من المجاهدين (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب : 22 - 23].
***وهذا من أدلة فضل هذه الأمة على بني اسرائيل.

♥المشهد الرابع: مرحلة التصفية وتنقية الذهب من الكير
وبعد الانتقال من مرحلة مطالبة بني اسرائيل بالجهاد ثم فرضه عليهم ثم توليهم إلا القليل منهم إلى مرحلة الاعتراض على الحق والتهرب من القيام به والتحجج بالأعذار التي تدل على الأنانية (قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) ثم إلى مشهد تأييد الحق بمعجزة التابوت المشاهدة القاطعة لكل شك الزائلة لكل لبس إلى هذه المرحلة الفاصلة بين الراسخين في العلم والتربية الإيمانية والصادقين في عقيدتهم وبين المنهزمين المهزوزين الذين يحسبون إنهم على شيء !
إنه مشهد اختبار النخبة المستجيبة لنداء الحق والسائرة في طريق نصرته وتمحيصها بما يعرض لها في هذا الطريق من عوائق وما يصيبها فيه من الضراء والبأساء.
قال الله عز شأنه وتقدست أسماؤه : ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة : 249].
فلما ابتعد طالوتُ بمن استجاب معه للحق عن مستقرهم ابتلو باختبار ثالث وقال لهم (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ) ومختبرهم بالشرب من النهر البارد العذب وقد بلغ بهم العطش مبلغه (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) ولا يستمر معي في غزو العدو لأن من ضعف لشهوة النفس في الشرب فسيكون أشد ضعفا أمام قوة العدو ومن لم يصبر على ألم العطش لن يصبر لألم القتال والجراح (وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) فهذا شرط حاسم في تمييز كفاءة الجيش في الصبر واختبار عملي في مدى قدرته على تحمل المشاق ، فمن لم يذق النهر في شدة ومنتهى العطش هو المؤهل في خوض المعركة الفاصلة والحاسمة مع الجبارين ، وقد رخص لمن (اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) أن يشرب هذه الغَرفَة ، ولكن من المؤسف والمحزن والمخيف أن الكثير رسب وسقط في هذا الاختبار(فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) وقد ذُكِرَ أن عدد الذين وردوا على النهر ثمانين ألفا ولم يتجاوز هذا الابتلاء إلا أربعة ألاف ، وستة وسبعون ألفا قد فشلوا ورجعوا (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) وبعد تجاوز النهر بهذا العدد القليل من المؤمنين ابتلوا باختبار رابع وهو مشاهدة جيش العمالقة الجبارين المدجج بأنواع الأسلحة الفتاكة ، فأصاب الخَوَر والهزيمة النفسية بعض المؤمنين و(قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) فانهزم من الذين تجاوزوا النهر الكثير وكلهم من المؤمنين وهذا أمر خطير ومخيف ولم يثبت ويصمد مع طالوت في وجه الجبارين الطاغين الباغين إلا ثلاثمائة وبضعة عشر من أربعة ألاف وكان عدد الذين مع رسول الله في غزوة بدر مثل عدد الذين خاضوا معركة الفرقان مع طالوت ضد جالوت وجنوده.
وهنا في هذا الموقف العصيب الشديد الرهيب برز أثر العقيدة الصافية الصادقة الخالصة في الثبات والصبر والمصابرة والمرابطة ودور العقيدة الصالحة الهام في تحول التاريخ في هذا اليوم المشهود وتحطيم الموازين المادية الأرضية أمام الموازين الإيمانية الربانية و(قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) فهذه الفئة المؤمنة الصادقة القليلة في عددها والضعيفة في عدتها ولكنها الموقنة بلقاء الله وقدرته والواثقة في نصره والمعتمدة على تأييده وحده دون سواه هزمت الفئة الكثيرة في العدد والقوية في العُدَد والتي تمتلك كل القدرات المادية الممكنة.
ومن الدروس المستفادة من هذا المشهد:
1 – من حكمة القائد وحسن قيادته اختبار قدرات جنوده المعنوية ومدى قوة تربيتهم الإيمانية.
2 - يجب على القائد منع من لا يصلح للحرب سواء كان مرجفا أو مخذلا أو غيرهما . والمرجف: هو من يخوف المسلمين من قوة عدوهم أو عدده أو استعداده. والمخذل : من يقول لن تنتصروا ، أو رأيت في المنام هزيمتكم .
3 – على القائد أن يختبر قدرات جنوده بما يراه مناسبا مع المحافظة على كرامتهم والبعد عن خدش عزتهم لأن الكرامة إذا كسرت اتصفوا بالمهانة والتعود عليها والعزة إذا خدشت نزفت حتى يغرق الجندي في الذلة ولن يثبت في المعركة إلا كريم عزيز وأما من تعود على المهانة وأشرب في قلبه الذلة فسيشتري الحياة بثمن بخس ويكون في وقت الشدة من الذين يولون الدبر لأنه اعتاد المهانة والذلة وتربى عليها فهان عليه التولي والهزيمة.
3 - من لم يجاهد نفسه وينتصر على شهواته ورغباته لا يمكن أن ينتصر على عدوه.
4 – أن جنود طالوت اختبروا بنهر الماء المباح في شدة العطش وحاجتهم للشرب فسقط في الاختبار ستة وسبعون ألفا !! فكيف تنتصر أمة ترسب يوميا في اختبار الفرائض والواجبات وترك المحرمات وهي لا تتضرر بفعل ما أمرت به بل تنتفع ولا تتضرر بترك ما نهيت عنه بل تسلم وتغنم!
إن حالنا في غاية الخطورة !
5 – أن الطائع لله قليل والعاصي والمخالف لشرع الله كثير(فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ). والكثرة مذمومة في كثير من الآيات.
فالقلة القليلة هي الناجية المفلحة المنتصرة وأن الكثير خاسر فعلى المؤمن أن لا يغتر بكثرة الهالكين ولا يهوله كثرة المعارضين للحق والمخالفين له .
لا تخشَ كثرتهم فهم همج الورى *** وذبابه ، أتخاف من ذبان؟!
6 - إن ثبات هذه الفئة القليلة الضعيفة ماديا أمام الفئة الكثيرة القوية ماديا آية عظيمة على وجود الله وقدرته القاهرة وحكمته العظيمة الباهرة وأن هؤلاء الضعفاء القلة لولا أن الله القوي القدير على كل شيء ليس معهم لما صبروا وثبتوا صامدين حتى انتصروا.
7 – إن البقاء والنصر لقوة العقيدة الربانية وعلى قدر رسوخها في نفوس أصحابها واستقرارها في قلوبهم ولا بقاء ولا نصر للقوة المادية مهما انتفشت وانتشرت .
8 - دور الصادقون المخلصون الكبير والنافع في إصلاح الأمة الإسلامية وثباتها على دينها وصمودها في وجه عدوها (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) فإذا تخلى هؤلاء الربانيون عن مكانهم الصحيح وتنازلوا عن منزلتهم اللائقة وتركوا الفرصة للمتاجرين بقضايا الأمة الكبرى وأمورها المصيرية ووجد الرويبضة الفرصة للقفز على منابر التوجيه وتسلق قمم القيادة أصاب الأمة الهوان والخزي والتفرق والتشرذم وألفت حياة الذلة واهتمت بتوافه الأمور وسافل الخصال وافتخرت بالقعود في القيعان وحاربت الصعود إلى قمم المعالي.
9 - أهمية الصبر ووجوب اتصاف المؤمن به وأن الله قد فرض الصبر علينا لأنه يعيننا على أمورالدين والدنيا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[البقرة : 153] ، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [البقرة : 146] ، (وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة : 249] ، وجعل الله العاقبة الحسنة لأهله (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة : 155].

♥المشهد الخامس: تقابل الفريقان والتقاء الجمعان في يوم الفرقان
: ( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة : 250].
ونستفيد من هذا المشهد:
1 - التجرد من كل حول وقوة والتضرع إلى الله هو السبب الفاعل لنصر الله.
2 - إنهم لم يدعوا وهم في بيوتهم أو أعمال الدنيا وإنما دعوا الله وتضرعوا بعدما بذلوا ما في وسعهم وعملوا ما يقدروا على عمله وخرجوا إلى عدوهم كما فعل الرسول صلى الله عليهم وسلم في غزوة بدر.
3 – أهمية هذه المطالب الثلاثة التي تقدموا بطلبها من ربهم ومولاهم (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
المشهد السادس: نصر الله أهل الإيمان أولياء الرحمن على أهل الطغيان أولياء الشيطان
: ( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة : 251].
1 – هزموا الطاغي الباغي جالوت وجنوده بقوة الله (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ) فالله هو الذي أذِنَ بانتصار أوليائه وهزيمة أعدائه (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ) فهزيمة جالوت وجنوده انتصار لطالوت وجنوده ، وقد بَيَّن الله أن هزيمة الطغاة بسبب أهل الإيمان ، ونلاحظ هنا أن الله نَسَب انتصار أولياء الرحمن وهزيمة أولياء الشيطان إلى الجماعة المؤمنة ولم ينسبه لطالوت لأنهم أنصاره وأعوانه الذين كان لهم الدور البارز والأثر الفاعل في تحقيق النصر وقد أخبرنا الله عن موقفهم حين تزلزل الناس (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) وأخبرنا الله عن تضرعهم ودعائهم ولجوءهم إلى ربهم (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا .....)
وفي كل هذين الموقفين نسب الله الفعل والعمل للجماعة المؤمنة جميعا ، وهذا نستفيد منه أمور مهمة منها :
أ – أهمية دورهم – جميعا - في الثبات والتثبيت .
ب – أهمية تضرعهم في الدعاء واجتهادهم فيما يقرب إلى الله واللجوء إليه بما يحب ويكون ذلك منهم جميعا.
ج – أهمية الأخذ بالأسباب المادية ولكن الاتكال والاعتماد على الله وحده لا على الأسباب المادية ويتضح ذلك من قوله (بِإِذْنِ اللَّهِ) وقوله (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ).
2 – وهنا درس كبير من دروس هذا المشهد وحقيقة من حقائق التوحيد واليقين والتوكل على الله وهي إن النصر من الله وحده ومن خصائصه التي تفرد بها ولم يشاركه فيها أحد(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [ الأنفال : 10].
فعلى المؤمنين بذل ما في وسعه والأخذ بكل الأسباب المادية والشرعية الممكنة وليعلموا أن النصر بيد الله ، ولكنه قريب بقدر قربهم من طاعته وبقدر بعدهم عن معصيته (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [البقرة :214].
3 - اظهر الله للناس حقارة وضعف الطاغية جالوت لأنه قتله رجل واحد من جنود طالوت الذين يحتقرهم جالوت ولا يراهم في عينه شيئا (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ)! وقيل : أن داود أصغر القوم سنا .
4 - فضل داود وشجاعته وموقفه البطولي الذي نقطة تحول في تاريخ ذلك الزمن.
5 - تواضع طالوت ورجاحة علمه وعقله وفضله حين اعترافه بفضل داود وأشركه معه في الملك وكان بإمكان طالوت أن يقصي داود حين ظهر أنه منافسا له قويا وجديرا بالملك، ثم صار الملك إلى داود ثم ابنه سليمان وصار عصرا ذهبيا لبني اسرائيل.

قال الله في ختام هذه القصة النافعة ( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) [البقرة : 250].
ختم الله القصة بهذه الآيات التي بين فيها أن هذه القصة وما ذكر فيها من آيات الدالة على كمال ربوبيته ، وآيات قدرته وحكمته وآيات نصره للمؤمنين ، وآيات صدق رسوله وكمال رسالته وتصديقها لما قبلها وبين يديها من الكتب، (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) لأنك أخبرت بقصص الأولين كما وقعت وأنت أمي لا تقرأ ولا تكتب فدل ذلك على أن ما جئت به هو وحي أوحاه الله إليك.
ونختم هذه النبذة الموجزة في ذكر هذه القصة بذكر بعض الدروس العامة من قصة طالوت :
1 - تقرير الحكمة الربانية من الجهاد وأنه لم يشرع للسلب والمغنم كما يزعم أولياء الشيطان ولم يكتبه الله على عباده المؤمنين للزهو والاستعلاء وبناء مجد أمة على ذل أمة أخرى ولكن شرع الله الجهاد لإصلاح أهل الأرض وحفظ الضروريات التي لا تصلح الأرض ودين الناس وحياتهم إلا بها (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)[الأنفال : 39] فالهدف من الجهاد إخضاع الناس لسلطان ربهم الذي خلقهم ورزقهم وهو أرحم بهم من أنفسهم وتحريرهم من عبودية شياطين الإنس وحكمهم بشريعة السماء بدلا من شرائع الأهواء التي جعلتهم أذلة أهون وأحقر من الجعلان.
2 – أهمية التربية الجهادية وشحذ الهمم لدفع العدو الغازي ، وقد كان لمثل هذه القصة من قصص الجهاد والتضحية في سبيل الله أكبر الأثر في حياة الصحابة وثباتهم أمام الأعداء من الوثنيين واليهود والروم والفرس وصبرهم على حفظ الدين ونشره ، فانظر إلى أثر القرآن على أصحابه!
3 – أن الذل الذي أصاب بني اسرائيل في هذه الفترة من التاريخ بسبب فسقهم وما شاع بينهم من تبرج نسائهم وانتشار الزنا وأكل الربا وظلم الناس وتعطيل العمل بكتاب الله والأعراض عن هدي رسوله فسلط الله عليهم عدوهم يسومهم سوء العذاب فأصبحوا مهجرين ولاجئين كحال الكثير من المسلمين اليوم.
4 – خطر أصحاب المصالح الشخصية على الإصلاح العام في الأمة وتحقيق مصالحها العامة لأن هؤلاء النفعيين عائق كبير وخطير للإصلاح وهم لا يقدمون للمناصب إلا من يحقق مصالحهم ولو كان من اسوأ الناس وأفسدهم ، ودورهم الكبير في التخذيل والإرجاف وإثارة البلبلة بين الأمة وتفريق الصف ، وذلك كله بسبب جهلهم وضعف إيمانهم وسطحية فهمهم وتقديمهم لأهوائهم على هدى الله.
5 – أهمية معرفة سنة الله في دفع الطغاة الغزاة المحتلين عن بلاد المسلمين وإزالتهم عنها لا يكون إلا بجهادهم حتى القضاء عليهم ونصر المسلمين عليهم والصمود أمام طغيان هذا العدو والصبر على جهاده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد : 7].
6 – قال الله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) [ البقرة : 243] المقارنة بين الفئة القليلة في قصة طالوت وبين الألوف الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت وطلبا للحياة (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا) كما في الآية التي قبل آيات هذه القصة ، فوقعوا فيما فروا منه وأتاهم الموت من من حيث يظنون ويطلبوا السلامة !!
وأما هؤلاء المؤمنين الصادقين الصابرين الموقنين بنصر الله ، ففروا من الحياة طلبا للموت في سبيل الله وتقدموا إلى الموت المحقق فحفظ الله حياتهم ووهب لهم حياة أكرم وأفضل وهي حياة النصر والعز والتمكين لدينهم في الأرض، فزادهم الله هذه الحياة بنصره المؤزر العظيم ليكون ذلك آية من آيات الخالق العظيم الكبرى الدالة على عظمة ربوبيته وبرهان ساطع قاطع على قوة سلطانه وشمول ملكه وإحاطة بكل شيء.
7 – إن هذه القصة مر أصحابها بابتلاءات متعددة من أول القصة إلى نهايتها ، ابتلاهم الله بفرض القتال عليهم ثم بمعارضة مُلك طالت وما أثاره بعضهم من شبهات ثم ابتلاهم بالنهر ثم ابتلاهم بالرهبة من جالوت وجنوده ، وكل ذلك في فترة زمنية وجيزة ، فدل ذلك على أن المؤمن سيبتلى في جميع أموره وحياته (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء :35] ، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)[العنكبوت : 2].
فلا نصر ولا تمكين إلا بعد جهاد وتضحية وصبر وثبات وصمود وصدق.
8 - إن بني اسرائيل في هذه القصة هم من كان على الرسالة الربانية التي جاء بها موسى ويعملون بكتاب التوراة الذي أنزله الله عليه ، وكذلك بني اسرائيل الذين امتن الله عليهم بنعمته وفضلهم على العالمين (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [ البقرة : 122] ، فهم من كان على الدين الصحيح دين الإسلام ومتبعون للملة الحنيفة ملة إبراهيم وذريته من المرسلين.
وأما من تولى عن دين الله والعمل بكتابه وخالف رسله فهم الكفرة الفجرة الذين قال الله فيهم (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) [ المائدة : 60] ، ومن هؤلاء الكفرة الفجرة اليهود المحتلون لبيت المقدس وأرض فلسطين !
فهؤلاء – يهود اليوم - لا علاقة لهم بإسرائيل – يعقوب عليه السلام - لا من جهة الدين ولا من جهة النسب !
وإنما هم خليط اجتمعوا في فلسطين من انحاء العالم من المرتزقة وأصحاب المصالح والحاقدين على الإسلام والمتعصبين لديانة اليهود الباطلة والعنصرين لقوميتهم .



الخميس، 26 يناير 2017

◄مستنقع اللادينيين!!

مستنقع  اللادينيين!!

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، والصلاة والسلام على الكوكب الدرّي، وصاحب الوجه البدري، من كان على الدوام كوكباً يهتدي به المدلجون، وغيثاً ينتجعه الظامئوون، وعلى آله وصحبه وبعد :

يتساءل المسلمون
 : ما هذه الكلمات التي نقرؤها، والأسلوب الذي لم نعهده؟ واللحن النشاز الذي نسمعه؟ والتي تنطلق من الحناجر اللادينية؟

من أيّ مستنقع خرج؟ وفي أيّ الكهوف المظلمة درج؟ وما مسقط رأسه .. .وموطيء قدمه؟

فإلى هؤلاء المتسائلين .. أهدي لكم طرفاً من الخبر .. من (بصير) دخل تلك الكهوف مسضيئاً بقبس من أنوار الهدى .. فشهد مايدور خلف الكواليس مما يستخفون به من أعين الناس .. إنها جرّة قلم .. وقطرة حبر .. بها تعلمون حقيقة المشهد .. وتبصرون دمامة الوجه قبل وضع المساحيق عليه .. وقد جعلتها محطّات منوّعة .. وبوارق خاطفة .. تكفي الأريب الأديب .. والحصيف العاقل .. واللبيب بالإشارة يفهم !
المحطة الأولى : توطئة لابدّ منها
ثمة شخصيات هزلية .. سيدور الحديث عنها .. قد لايعرفها بعض القرّاء .. إننا سنستخدم بكثرة لفظة ( اللاديني واللادينية ) .. وبعيداً عن متاهات التعريفات المنطقية والحدود الفلسفية فاللادينية ببساطة : عدم الإيمان بوجود ديانات سماوية .. وأنها من صنع الإنسان .. والفرق بينها وبين ( الإلحاد ) هو أنك تجد الملحد لا يؤمن بوجود الله .. بينما يؤمن اللاديني بوجوده مع عدم الإيمان بالنبوات .. هذا في الأصل .. أما من نتحدث عنهم اليوم فهم ليسوا مجرّد شخصيّات لم تصلهم دلائل النبوّة .. بل هم مخلوقات حاقدة تريد هدم الإسلام ومنع الناس من الدخول فيه باسم (اللادينية ) .

وعن ( اللاأدرية ) فهم من يجيبون عن جميع التساؤلات بقولهم : لا أدري ! .. كأن يقولوا : ربما الإسلام على حق..وربما على باطل .. وربما ثمّة أنبياء وربما لا .. وهكذا تعصف بهم رياح الشكوك من كل جانب .. جزاء لمن أعرض عن ذكر الله وآياته . 
المحطة الثانية : وكانت البداية
في مملكة الظلام..وأوحال الغدر .. حيث الأنفاس المنتنة..والأجواء الموبوءة .. خرجت أرواح خبيثة في أجساد بشر .. جمعها الجحد للحق والخديعة للخلق .. وقامت قيامة كفرهم لما رأوا نور الله يسري في بحرٍ وبرّ .. فتداعوا من أصقاع الأرض .. في هجمة فكريّة كفريّة ..لطمس هويّة الأمة .. وتشكيكها في ثوابتها.

لقد رأوا تداعي أساليب النصارى والمستشرقين وتهاويها أمام قلعة الإسلام المحصّنة بالعلم والبرهان .. فوضعوا أجندتهم .. وحدّدوا أهدافهم .. وأحدّوا سلاحهم .. ورسموا خططهم..جنّدوا خلالها لفيفاً من المرتزقة..الذين يبيعون ذممهم بأبخس الأثمان ليشتروا حقير المتاع .

قال قائلهم : لتكن لكم نعومة الأفعى في انسلالكم إلى قلوب المسلمين ..فإن المسلم لا يغيّر دينه بسهولة..فلا بد من تخديرشعوره وإلهاء نفسه عن الحقيقة قبل شقّ صدره وبذر الشكوك في قلبه.

ومنذ ذلك اليوم وهم يرمون بقوس الشبهات النبال..وتتكسّر النصال على النصال .. يحسبون أنهم قادرون على هدم صرحٍ أطنابهُ في أعماق الأرض..وهامته تشقّ الفضاء .. فأنّى لهم ذلك !!

المحطّة الثالثة : يرقات لادينيّة
وبعد مرور خمس سنين على (أكاديميّة) بني لادين .. انتقلوا إلى مرحلة ثانية .. وهي ما عبّر عنها المراقبوان بــ(تفريخ اليرقات اللادينيّة)..وقد جاءت هذه المرحلة بعد سقوطهم المدوّي وافتضاح أمرهم..على يد ثلّة من فتيةٍ مؤمنة .. أظهروا للناس حقيقتهم..وردّوا أكاذيبهم .. في منتدى التوحيد وحرّاس العقيدة وغيرهما..فلم تعد دعوتهم تلقى رواجاً..ومما زاد الأمر سوءا عندهم قوافل العائدين ممن زالت الغشاوة عن أعينهم..وانقشعت عن سمائهم ضبابة الأوهام .. بعد أن كانوا قد أحسنوا الظن في مبدئهم بالملاحدة واللادينيين..وظنّوها دعوة حقيقيّة لتحرير الفكر (كما زعموا ) .. فلما أشرقت شمس الهداية تبيّن الحقّ من الباطل .. والأصيل من البهرج .. والفرس .. من الحمار.

في ذلك المُناخ تحديداً .. انبثقت أذهانهم عن استراتيجيّة جديدة .. تقضي بنشر ( يرقاتهم ) في منتديات المسلمين العامّة .. مستغلّين الثغرات ( القانونيّة ) فيها .. خصوصاً إذا وجدوا عبارات لا تنظّم الحريّة في الطرح .. أو أبصروا شعارات تنادي بـ( عصريّة الفكر ) .. عندها يرفع اللاديني عقيرته منادياً بني قومه : أدركتم العشاء والمبيت!!

تبدأ عمليّات ( تبويض اليرقات !! ) بأطروحات تساؤليّة حول قضايا شرعيّة تقوم في الأصل على المغالطة وتشويه الحقائق .. وسرعان ما تملأ هذه الشبهات الإنشائيّة مجاري الصحّي طافية إلى السطح لتُغرق أرجاء المنتدى رغم تفاهتها وانعدام ترابطها.

وبالرغم من الردود الإسلاميّة الكثيرة والكافية .. إلا أننا نجدهم يقابلون الإجابة على تساؤلاتهم بالحيدة والتهرّب والشبهات الجديدة بقصد تشتيت الأنظار عن فشلهم في الدفاع عن أطروحاتهم .. وهي حيلة الكاذب عندما يكذب كذبته ثم يكذب ألف كذبة ليصرف الناس عن الكذبة الأولى .. والمحصّلة النهائية لما سبق : استنزاف الجهود..وتضييع الأوقات .. وتحقيق أهدافهم المنشودة ( زرع بذور التشكيك) وكفى بها من مصيبة.

ولو رجعنا إلى المنتديات المعنيّة بحوار هذه الكائنات العجيبة .. لوجدنا أن (قطار الحوار) الذي يسعى الموحّدون إلى وضعه على السكّة .. يخرج عن مساره باستمرار .. نتيجة لتصرّفات اللادينيّة الرعناء .. حيث يصرّون على ممارسة هوايتهم المحبّبة في إفساد الردود .. مرّة بتشعيب الموضوع .. وثانية بالحيدة عن الجواب .. وثالثة بالإصرار على إيراد جملة من الشبهات في مرّة واحدة .. ورابعة بالسخريّة والاستهزاء على القيم والأخلاق .. بل وعلى المقدّسات الإسلاميّة .

وبعد ذلك تجدهم يتساءلون بكلّ براءة ووداعة : لماذا لا تتاح لنا حريّة أكبر للحوار في منتديات المسلمين؟

إن هذا التساؤل على قصره يحتوي على ما يُسمّى بالــ(Hidden Words ) ..كلمات كامنة ما بين السطور .. ويمكننا أن نقرؤها كالتالي : (( لماذا لا تتاح لنا فرصة تمرير الشبهات وتشعيب الموضوع وإخراجه عن مساره .. ولماذا لا تتاح لنا حريّة الهمز واللمز بالمقدّسات .. والفرصة لتمرير الشبهات على المسلمين دون إحراج لنا بالرجوع إلى قواعد التفكير ومنطق العقل ومناقشة الأدلة )) ؟؟

من هنا .. كان لابد من وقفة جديدة نجدها في المحطّة التالية : 
المحطّة الرابعة : نصيحة إلى أصحاب المنتديات الإسلاميّة
ما هي الغاية التي تسعى منتدياتكم إلى تحقيقها..؟
هل فتحتموها قاصدين النقاش مع الملاحدة واللادينيين؟؟؟
إن كان كذلك فكيف تقدمون على هذه الخطوة وليس لديكم العدّة والعتاد ولا الكادر الكافي لصدّ غزوهم منتدياتكم ؟؟

وإن لم يكن كذلك : فلماذا تسمحون لهم بالكتابة فيها ؟؟؟
ألا تعلمون أن كلّ مسبّة يكتبونها يُكتب عليكم وزرها ووزر من اطّلع عليها ؟؟؟ألا تعلمون أنكم قد تكونون سببا لفتنة ضعفة الناس فن دينهم..؟؟

فنصحي لكم أن تحكموا السيطرة على الوضع برقابة صارمة وردود حاسمة وكتّاب متخصّصين .. .أو تقفلوا المنتدى .. فذلك أفضل من السماح باستباحة المقدّسات والتمكين للعهر الفكري من التواجد في منتديات المسلمين..

تريدون هداية هؤلاء؟؟؟ فإنهم غير صادقين حتى ينفعهم الصدق ويعودوا إليه.. إنما هم ( مسوخ ) تم إعدادها في منتدياتهم لغزو المسلمين في عقر دارهم والتشويش عليهم – كا تفعل الحشرات عندما ترى بيتاً جديداً مليئاً بالخير .. لم يأتوا للبحث عن الحق فقد سمعوه وأٌسمعوه فكروا به .. وصدق ربّنا القائل : (( وودوا لو تكفرون))

فإن سألتم ما نفعل بهم إذاً ؟ فليكن من شروط التسجيل عندكم عدم نشر ما يخالف الدين الإسلامي ، ومن خالف ذلك تُوقف عضويّته ويطرد وهذا جزاؤهم لتعدّيهم على المقدّسات وقدحهم في المسلّمات وتكذبيهم البيّنات.. .أو تعتذروا من تواجدهم مع إحالتهم للمنتديات المتخصصة للحوار مع أمثالهم كمنتدى التوحيد وحراس العقيدة .. والجامع .. وابن مريم .. وهذا أشدّ شئ عليهم .. وأثقله على ظهورهم .

وفي حال موافقتكم على مشاركتهم في حال توافر كوكبة من طلبة العلم العارفين بهم والقائمين لهم بالمرصاد .. فعليكم بالحزم في متابعة مواضيعهم .. وحذف إساءاتهم التي تنال من المقدّسات الإسلاميّة .. وتحذيرهم من تكرار المخالفة .. وإخبارهم بأن حريّتهم تنتهي عندما تتماسّ مع حريّات الآخرين .. وإن تكرّر منهم ذلك فليتم إيقافهم ثم طردهم .. وبذلك تضمنوا جدّية الحوارات بعيداً عن المهاترات الإلحاديّة .
المحطّة الخامسة : هل سمعتم عن الشيخ (جوجل) !!
ليس في الورى أكثر من (الظرفاء اللادينيين) حبّاً للظهور والتعالم..فتراهم يكثرون من عبارات على غرار : " وفي مكتبتي آلاف الكتب " و " منذ عشرين سنة وأنا أبحث في كذا " و " وقد سألت شيوخ الدين فكان التهرّب من الجواب " وغيرها من العبارات (البالونيّة ) التي ينفخون بها كتاباتهم .

فإذا أزلت أثواب الزور التي يلبسونها ( تشبّعاً بما ليسوا له بأهل) لوجدت معرفتهم المدّعاة خواء في خواء .. .وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم إذ يقول : " المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور " .

كلّهم متحف الغباء وكلّهم يدّعي أنه محيط المعاجم .. فإذا تكلّم فضحته رطانة الأعاجم .. وربّما تسمّى أحدهم بألقاب برّاقة لا تليق إلا بالعظماء ليعوّض عن نقصه ..كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد .

معاشر القرّاء : أرأيتم بعوضاً يدّعي علم المدينة؟؟ ما حجمه .. ما ثقله .. وما أثره؟؟..لن تجدوا سوى طنين لن يبدو مرتفعاً إلا لأنه وجد آذانا تسمع له .. وأجساداً تسمح باقترابه (والتعايش السلميّ معه)..!!


وهنا قد يسأل القاريء العزيز : ما علاقة ما سبق بالعنوان .. ؟؟ وحاصل الإجابة : لقد كان بنو لادين عالةً على شيخهم (جوجل)..الذي قرّب لهم البعيد .. وسهّل عليهم النسخ واللصق .. ليحسب الناس أنهم على شئ .. وليسوا بشئ!!

ولذلك : لو دعينا هؤلاء إلى الحوار المباشر مع العارفين المتخصّصين بواسطة البرامج الصوتيّة المباشرة .. لانكشف الغطاء..وظهرت السوءات..وسقطت الأقنعة..وبانت الحقيقة.
المحطّة السادسة : شنشنة نعرفها من أخزم!!
كثيراً ما نسمع من معاشر اللادينيين ادعاءهم أنه كان مسلماً يوماً ثم ارتدّ .. وهذا مع أنّه كذبٌ رخيص تفضحه شواهد الحال والمقال عند المناظرة والمحاورة .. فإنه يعدّ أسلوباً دعائيّاً نفسيّاً يستمدّ قوّته لا من صحّته .. ولكن من الإيحاءات الكاذبة التي تُلقي بظلالها على أفهام السذّج والبسطاء .. فيثير الرهبة في مشاعرهم والريب في ثوابتهم .. وهنا تكمن خطورته .

ومن اللافت للنظر أن سياسة التنصير قد جعلت النصارى واللاحدة في خندقٍ واحد ضد الإسلام .. فشجّعت دعاة التنصير على نشر الإلحاد بين المسلمين وتقمّصه في خطابهم معهم .. وذلك من أجل التشكيك في الإسلام دون الجرأة على مواجهته بالدين النصراني المحرّف .. وما فيه من المخازي التي ينكرها العقل .. وتأباها الفطرة .

وترتكز استراتيجيّتهم على تكرار أمثال هذه القصص المفبركة بأساليب متنوّعة وسيناريوهات مختلفة .. وهذا كفيلٌ - في ظنّهم - بترسيخ فكرة غير حقيقيّة .. وهي أن الرّدة صارت (ظاهرة) .. وبيدأ الشيطان بالوسوسة بأن (ثمّة ما يدعو للشكّ في الإسلام) – بدلاً من الشكّ في الأكاذيب التي يروّجها بنو لادين - !! .

وهكذا تبدأ الأصوات تتعالى وتقول : " أنقذوني من الشكّ " و " أخاف على نفسي من الكفر " وغيرها من الأصوات التي بدأنا نسمعها أخيرا .

ولهؤلاء نقول : حنانيكم .. كيف تصدّقون مثل تلك الترّهات ؟؟ ألا تعلمون أن (سيناريو ادّعاء الإسلام ) قديم؟؟ حمل لواءه أهل الكتاب من قبل حسداً وجحداً للحق ؟؟ ألم تسمعوا قول ربّكم : ((وقالت طائفة من أهل الكتاب  آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون))..ألا تعلمون – وقاكم الله شرّ أهل الزندقة - أن أمثال هذه القصص ملفّقة مخترعة ؟؟؟ وشواهد الصدق على ذلك تجدونها في سقطات كلامهم وفلتات ألسنتهم .. و" ولتعرفنهم في لحن القول"؟؟

حدث ذات مرّة أن ادّعى لاديني أنه كان مسلماً .. فسأله أحد الأفاضل عن مشروعيّة الأذان خارج المسجد .. سؤال انتقاه بعناية بعد تيقّنه من أن ( جوجل ) لن يسعفه هذه المرّةhttp://www.eltwhed.com/vb/images/smilies/sm_smile.gif .. فكانت إجاباته المضحكة تكذيباً لادّعائه وإبطالاً لقوله  .. ومثله آخر كان يستخدم ألفاظا (كنسيّة) ما اعتاد المسلمون التعبير بها .. ففضحه لسانه وأرداه .. وثالث جاء بقصّة رائعة تستحقّ أن تكون من المعلّقات .. لكن ( حيث ترمى القمامة !!) .. فقد قال العلاّمة النحرير في معرض حديثه عن ردّته : " ذهبت في السابق في رحلة دعويّة إلى أفريقيا .. منطلقاً من مطار مكّة " ومنذ متى كان في مكّة مطار حتى يطير منه http://www.eltwhed.com/vb/images/smilies/tongue.png؟؟؟؟؟

ولذلك معاشر القرّاء نقول : إن المؤمن كيّس فطن .. لا يُلدغ من حجرٍ مرّتين .. فلا تصدّقوا كل ما يُقال لكم ممّن لا يُؤمن كذبه ولا يُعرف صدقه .. وإذا أردتم فضح هؤلاء الكذبة فعليكم أمرهم بسؤالهم عن مسائل دقيقة تخفى على غير المسلم .. مما لا يوجد جوابه مباشرة في المنتديات والمواقع .. كما يمكنكم دعوتهم إلى الحوار الصوتي المباشر لتأتي الإجابات من غير تحضير.

ولا ننفي هنا وجود أعداد قليلة ممن يعانون اضطراباً في الفهم وفساداً في التصوّر .. قد غلبتهم الشبهات لضعفهم لا لقوّتها .. ولجهلهم لا لأحقّيتها ..فانتقلوا إلى مرحلة (اللاأدرية) .. ووقعوا في عذاب الشكّ ومرارة الريب .. وأمثال هؤلاء تجدهم يقصدون المنتديات المتخصّصة باحثين عمّن يدحض لهم الشبهات..ويجيبهم عمّا (يؤرّقهم )..يجدوا ما فقدوا من الطمأنينة وراحة البال.

لاحظوا معي كلمة (يؤرّقهم) .. فإنها الصفة الكاشفة لهذه الفئة .. ستجدون أمامكم شخصا خائفا مضطرباً .. تنهش ثعابين القلق صدره .. وتلسع عقارب الشكّ فؤاده .. أين هؤلاء من أولئك الكاذبين المدّعين .. الذين يتبجّحون بالرّدة وهم الشاخصين بأبصارهم كبراً وعلوّاً؟؟
المحطّة السابعة : سؤالان وجيهان !!
كلّما أبصر لادينيّاً يكتب في عموم المنتديات الإسلاميّة يقفز إلى ذهني تساؤل : لماذا يصرّ هؤلاء القوم على قصد المنتديات غير المتخصّصة ؟؟

من الطبيعي عندما يكون في ذهني تساؤل عن مسألة طبّية أن أبادر بالبحث عن تلك المنتديات المعنيّة بأمور الطبّ والمحتوية على الكثير من البارعين في هذا المضمار .. ومن الحماقة إذاً أن أطرح مثل هذا التساؤل ( الطبّي ) في منتديات ( الرسم ) أو منتديات (الرياضة ) .. 

وبناء على ما سبق .. فإن من يحترم عقله وذاته .. إذا كان لديه تساؤل حول حديث نبوي .. أن يتوجّه بشكل تلقائي إلى ملتقى أهل الحديث .. وإذا كان لديه إشكال حول تفسير آية .. أن يذهب إلى ملتقى أهل التفسير .. وهكذا ( يوجّه ) أسئلته في العقيدة أو البلاغة أو النحو أو ما يتعلّق بثوابت الإسلام إلى مكانها المناسب .

أما أن تتوجّه أطروحات اللادينيين التخصّصية لمنتديات ( طلاّبية ) أو ( شبابيّة ) ثم يطالبون بالإجابة عنها .. فذلك ليس له سوى معنى واحد .. أنهم يريدون التشكيك فحسب .. ودعوا عنكم زخرف قولهم حول ضرورة الحوار المتمدّن وأن امتناع ( غير المتخصّصين ) عن الإجابة دليل على ضعف ديانتهم .. فكلّ هذه عبارات استفزازيّة لإدخال المسلم البسيط في مستنقع الشكوك .. حيث لا يخرج منها في الغالب سليماً .

وفي المقابل .. إذا تمّت دعوة هؤلاء اللادينيين إلى المنتديات المتخصّصة .. تراهم يتذرّعون بعدم رقيّ الحوار أو عدم حصولهم على الراحة التامّة في التشتيت والإغراق .. على نحوٍ يوحي بوجود ( حساسيّة مفرطة http://www.eltwhed.com/vb/images/smilies/sm_smile.gif) من تلك المنتديات . 

حسناً !! دعونا نسلّم جدلاً بصدقهم في كلّ دعاواهم .. وأن المحاورين المتخصّصين ( وحْشين وأشرار !! ) .. وأن معاشر اللادينيين ( حلوين وشطّار ويشربون الحليب !!http://www.eltwhed.com/vb/images/smilies/tongue.png ) .. فإن هناك سؤالاً مهمّاً ينسف كلّ ما سبق .. سؤال يقول : ولماذا يصرّ اللادينيون على عدم النقاش في الأقسام الخاصّة المخفيّة عن عامّة الزوّار ؟؟ .. سؤال أترك إجابته لكم
المحطّة الثامنة : ليطفؤوا نور الله
أترون معاشر القرّاء كل هذه الصفحات التي يسطّرها بنو لادين .. هل انطلت عليكم حيلة ( فهم الآخر والنقاش المنفتح ) ؟؟ .. إن كلّ همّهم أمرٌ واحد يبصره المؤمن بقلبه وعقله : (( يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم )) .. ووالله لا يكون لهم ذلك : (( فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا )) .. لقد تكفّل الله بحماية هذا الدين .. ومهما حاولوا وأجلبوا خليلهم وهزّوا رماحهم فلا سبيل لهم إلى ذلك : (( ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون )) 
عادوا بخيبتهم والأرض تلفظهم ... والريح والصخر والأشجار والغار
فكل إفك وبهتان يُراد به ... محو الحقيقة لا ينجو من العطب

كم من دعيّ عدا نحو لينطحني .. فعاد من صخرتي والقرن مكسور 

كناطح صخرة يوماً ليوهنها .. من البلاهة قطع الصلب بالخشب
وأخيرا :

فهذه الجولة السريعة لمعالم تلك الجزيرة الموحشة .. وأغلب الظنّ أن تتبعها جولة أخرى لمناطق جديدة إن يسّر الباري تبارك وتعالى .. والحمد لله رب العالمين