الدرس
الثامن عشر مُهِمَّةٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ: «البِرُّ»
إنَّ
الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ
بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ
اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا
بَعْدُ:
فَإِنَّ
أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ
مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ،
وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا
بَعْدُ:
«مَعْنَى
الْبِرِّ»
فَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ -رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قال: «البِرُّ
حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ: ما حَاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليهِ
النَّاسُ». رواهُ
مسلمٌ فِي «صَحِحِهِ».
البِّرُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ وَكُلِّ
فِعْلٍ مَرْضِيٍّ.
البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ: ما حَاكَ في نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ
أنْ يَطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ.
وعَنْ وابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قال: أتيتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فقالَ: «جِئْتَ تَسأَلُ عن البرِّ والإثمِ؟»
قُلْتُ: نعَمْ.
قال: «استَفْتِ
قَلْبَكَ، البرُّ: ما اطمأنَّتْ إليهِ النَّفْسُ، واطمأنَّ إليهِ القلبُ، والإثمُ:
ما حَاكَ في النَّفسِ، وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ
وَأَفْتَوْكَ».
قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ
اللَّهُ-: حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَيْنَاهُ فِي «مُسْنَدَيِ الْإِمَامَيْنِ
أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيِّ» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْبِرِّ
وَالْإِثْمِ، وَبَعْضُهَا فِي تَفْسِيرِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَحَدِيثُ
النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ فَسَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ الْبَرَّ بِحُسْنِ
الْخُلُقِ، وَفَسَّرَهُ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ وَغَيْرِهِ بِمَا اطْمَأَنَّ
إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَالنَّفْسُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ تَفْسِيرُهُ لِلْبَرِّ؛
لِأَنَّ الْبَرَّ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ:
*أَحَدُهُمَا: بِاعْتِبَارِ
مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ: وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا خُصَّ
بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَيُقَالُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ،
وَيُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ عُمُومًا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا- يَقُولُ: «الْبَرُّ شَيْءٌ هَيِّنٌ: وَجْهٌ طَلِيقٌ وَكَلَامٌ لَيِّنٌ».
وَإِذَا قُرِنَ الْبَرُّ بِالتَّقْوَى، كَمَا فِي قَوْلِهِ -عَزَّ
وَجَلَّ-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]؛ فَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْبِرِّ:
مُعَامَلَةَ الْخَلْقِ بِالْإِحْسَانِ، وَبِالتَّقْوَى: مُعَامَلَةَ الْحَقِّ
بِفِعْلِ طَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، وَقَدْ يَكُونُ أُرِيدَ
بِالْبَرِّ: فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ، وَبِالتَّقْوَى: اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] قَدْ يُرَادُ
بِالْإِثْمِ: الْمَعَاصِي، وَبِالْعُدْوَانِ: ظُلْمُ الْخَلْقِ، وَقَدْ يُرَادُ
بِالْإِثْمِ: مَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِي نَفْسِهِ؛ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ،
وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَبِالْعُدْوَانِ: تَجَاوُزُ مَا أُذِنَ فِيهِ إِلَى مَا
نُهِيَ عَنْهُ مِمَّا جِنْسُهُ مَأْذُونٌ فِيهِ؛ كَقَتْلِ مَنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ
لِقِصَاصٍ وَمَنْ لَا يُبَاحُ، وَأَخْذِ زِيَادَةٍ عَلَى الْوَاجِبِ مِنَ النَّاسِ
فِي الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا، وَمُجَاوَزَةِ الْجَلْدِ فِي الَّذِي أُمِرَ بِهِ فِي
الْحُدُودِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ مَعْنَى
الْبِرِّ: أَنْ يُرَادَ بِهِ فِعْلُ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ الظَّاهِرَةِ
وَالْبَاطِنَةِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ
وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي
الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
فَالْبِرُّ بِهَذَا الْمَعْنَى يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ
الْبَاطِنَةِ؛ كَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ،
وَالطَّاعَاتُ الظَّاهِرَةُ؛ كَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ،
وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ،
وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَقْدَارِ؛ كَالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ، وَعَلَى الطَّاعَاتِ؛
كَالصَّبْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ.
وَقَدْ يَكُونُ جَوَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ شَامِلًا
لِهَذِهِ الْخِصَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ قَدْ يُرَادُ بِهِ
التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِ اللَّهِ الَّتِي
أَدَّبَ بِهَا عِبَادَهُ فِي كِتَابِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وَقَالَتْ عَائِشَةُ –رَضِيَ اللهُ
عَنْهَا-: «كَانَ خُلُقُهُ ﷺ الْقُرْآنَ»، يَعْنِي: أَنَّهُ
يَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِ، فَيَفْعَلُ أَوَامِرَهُ، وَيَتَجَنَّبُ نَوَاهِيَهُ،
فَصَارَ الْعَمَلُ بِالْقُرْآنِ لَهُ خُلُقًا كَالْجِبِلَّةِ وَالطَّبِيعَةِ لَا
يُفَارِقُهُ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَخْلَاقِ وَأَشْرَفُهَا وَأَجْمَلُهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الدِّينَ كُلَّهُ خُلُقٌ.
«طُمَأْنِينَةُ
القَلْبِ لِلْحَقِّ»
وَأَمَّا فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ –رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ-؛ فَقَالَ ﷺ: «الْبِرُّ
مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ»،
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ،
وَالسُّكُونِ إِلَيْهِ، وَقَبُولِهِ، وَرَكَّزَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةَ ذَلِكَ،
وَالنُّفُورَ عَنْ ضِدِّهِ.
وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ مَا أَمَرَ بِهِ «مَعْرُوفًا»، وَمَا
نَهَى عَنْهُ «مُنْكَرًا»، وَأَخْبَرَ أَنَّ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ تَطْمَئِنُّ
بِذِكْرِهِ، فَالْقَلْبُ الَّذِي دَخَلَهُ نُورُ الْإِيمَانِ، وَانْشَرَحَ بِهِ
وَانْفَسَحَ؛ يَسْكُنُ لِلْحَقِّ، وَيَطْمَئِنُّ بِهِ وَيَقْبَلُهُ، وَيَنْفُرُ
عَنِ الْبَاطِلِ وَيَكْرَهُهُ وَلَا يَقْبَلُهُ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ لَا يَلْتَبِسُ
أَمْرُهُمَا عَلَى الْمُؤْمِنِ الْبَصِيرِ؛ بَلْ يَعْرِفُ الْحَقَّ بِالنُّورِ
عَلَيْهِ، فَيَقْبَلُهُ قَلْبُهُ، وَيَنْفِرُ عَنِ الْبَاطِلِ، فَيُنْكِرُهُ وَلَا
يَعْرِفُهُ.
فَدَلَّ حَدِيثُ وَابِصَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ عَلَى الرُّجُوعِ
إِلَى الْقُلُوبِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، فَمَا إِلَيْهِ سَكَنَ الْقَلْبُ،
وَانْشَرَحَ إِلَيْهِ الصَّدْرُ؛ فَهُوَ الْبِرُّ وَالْحَلَالُ، وَمَا كَانَ
خِلَافَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ الْإِثْمُ وَالْحَرَامُ.
«الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي
صَدْرِكَ»
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ: «الْإِثْمُ
مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»:
إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِثْمَ مَا أَثَّرَ فِي الصَّدْرِ حَرَجًا، وَضِيقًا،
وَقَلَقًا، وَاضْطِرَابًا، فَلَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ الصَّدْرُ، وَمَعَ هَذَا؛
فَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَنْكَرٌ، بِحَيْثُ يُنْكِرُونَهُ عِنْدَ اطِّلَاعِهِمْ
عَلَيْهِ، وَهَذَا أَعْلَى مَرَاتِبِ مَعْرِفَةِ الْإِثْمِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ،
وَهُوَ مَا اسْتَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَى فَاعِلِهِ وَغَيْرِ فَاعِلِهِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ وَأَبِي
ثَعْلَبَةَ: «وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ»
يَعْنِي: أَنَّ مَا حَاكَ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ فَهُوَ إِثْمٌ، وَإِنْ
أَفْتَاهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِثْمٍ؛ فَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ،
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَ فَاعِلِهِ دُونَ غَيْرِهِ،
وَقَدْ جَعَلَهُ أَيْضًا إِثْمًا.
وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ مِمَّنْ شُرِحَ
صَدْرُهُ بِالْإِيمَانِ، وَكَانَ الْمُفْتِي يُفْتِي لَهُ بِمُجَرَّدِ ظَنٍّ أَوْ
مَيْلٍ إِلَى هَوًى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
وَهَذَا الضَّابِطُ مِنَ الأَهَمِيَّةِ بِمَكَانٍ؛ لأَنَّ إِنْسَانًا
قَدْ يَقُولُ: مَهْمَا أَفْتَانِي مَنْ أَفْتَانِي؛ فَأَنَا لَا آخُذُ الفَتْوَى
إِلَّا مِنْ قَلْبِي، وَيَكُونُ هُوَ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالزَّيْغِ،
فَمِثْلُ هَذَا إِنَّمَا يَرْكَنُ قَلْبُهُ إِلَى مَا يَأْلَفُهُ مِنْ زَيْغِهِ
وَضَلَالِهِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ أَعَدْنَا الأَمْرَ بِرُمَّتِهِ إِلَى القُلُوبِ
مَا وُجِدَت شَرِيعَةٌ وَلَا قَامَ دِينٌ؛ لأَنَّ القُلُوبَ قُلَّبٌ لَا
تَسْتَقِرُّ عَلَى قَرَارٍ، وَلَكِنْ هَكَذَا، مَسْأَلَةُ إِرْجَاعِ الأَمْرِ
إِلَى القَلْبِ وَإِنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ
صَاحِبُهُ مِمَّنْ شُرِحَ صَدْرُهُ بِالْإِيمَانِ، وَكَانَ الْمُفْتِي يُفْتِي
لَهُ بِمُجَرَّدِ ظَنٍّ أَوْ مَيْلٍ إِلَى هَوًى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
أَمَّا إِذَا أَتَاهُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ حَتَّى وَإِنْ وُجَدَ
النُّفْرَةَ فِي قَلْبِهِ؛ فَهَذَا لَا قِيمَةَ لَهُ –أَيْ هَذَا الَّذِي يَجِدُهُ فِي قَلْبِهِ لَا
قِيمَةَ لَهُ بِإِزَاءِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ-.
فَأَمَّا مَا كَانَ مَعَ الْمُفْتِي بِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ؛
فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي الرُّجُوعُ إِلَيْهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَنْشَرِحْ
لَهُ صَدْرُهُ، وَهَذَا كَالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ مِثْلُ الْفِطْرِ فِي
السِّفْرِ، وَالْمَرَضِ، وَكَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ
مِمَّا لَا يَنْشَرِحُ بِهِ صُدُورُ كَثِيرٍ مِنَ الْجُهَّالِ، فَهَذَا لَا
عِبْرَةَ بِهِ.
لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لَهُ: رَخَّصَ اللهُ –تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَكَ فِي السَّفَرِ أَنْ
تُفْطِرَ، فَلَا تُعَذِّبْ نَفْسَكَ؛ لأَنَّ القَاعِدَةَ فِي النِّهَايَةِ الَّتِي
بِهَا الجَمْعُ بَيْنَ الأَحَادِيثِ بِالإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ وَالصَّوْمِ
فِيهِ؛ القَاعِدَةُ: الرُّجُوعُ إِلَى المَشَقَّةِ وَعَدَمِ المَشَقَّةِ، فَإِنْ
كَانَ الصَّائِمُ يَجِدُ المَشَقَّةَ بِصِيَامِهِ فِي السَّفَرِ؛ فَالأَفْضَلُ فِي
حَقِّهِ أَنْ يُفْطِرَ.
وَإِذَا كَانَ الصَّائِمُ لَا يَجِدُ المَشَقَّةَ فِي السَّفَرِ؛
فَلَهُ أَنْ يَصُومَ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي دَلَّت
عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُفْطِرُ فِي السَّفَرِ أَوْ
لَا يُفْطِرُ، وَكَانَ ﷺ يَكُونُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مُفْطِرِينَ
وَيَكُونُ بَعْضُهُم صَائِمِينَ كَمَا فِي الحَدِيثِ الَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ
المُعَانَاةِ عَلَى الصَّائِمِينَ مَا فِيهِ، فَقَامَ المُفْطِرُونَ بِخِدْمَةِ
الصَّائِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ذَهَبَ
المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ».
فَهَذِهِ الرُّخَصُ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ تَجِدُ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا
يَقْبَلُهَا، وَيَقُولُ: بَلْ أَنَا آخُذُ بِالعَزِيمَةِ فِي هَذَا، فَإِذَا
أَفْتَاهُ مَنْ أَفْتَاهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَةِ وَبِمَا وَرَدَ مِنَ الدَّلِيلِ
الشَّرْعِيِّ الثَّابِتِ لَا يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لَهُ؛ لِجَهْلِهِ وَعَدَمِ
عِلْمِهِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ فِيهَا،
فَهَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَإِنَّمَا العِبْرَةُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْيَانًا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ
بِمَا لَا تَنْشَرِحُ بِهِ صُدُورُ بَعْضِهِمْ، فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ فِعْلِهِ،
فَيَغْضَبُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ،
فَكَرِهَهُ مِنْ كَرِهَهُ مِنْهُمْ، وَكَمَا أَمَرَهُمْ بِنَحْرِ هَدْيِهِمْ،
وَالتَّحَلُّلِ مِنْ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَكَرِهُوهُ، -وَذَكَرُوا كَلَامًا وَقَعَ مِنْ
عُمَرَ –رَضِيَ
اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ- فِي هَذَا الأَمْرِ الكَبِيرِ-، وَكَرِهَ الصَّحَابَةُ
مُقَاضَاتَهُ لِقُرَيْشٍ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنْ عَامِهِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ
أَتَاهُ مِنْهُمْ يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ.
وَالحَدِيثُ عِنْدَ البُخَارِيِّ فِي «الصَّحِيحِ» مِن رِوَايَةِ
المِسْوَرِ بِنِ مَخْرَمَة، وَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ مَرْوَانَ بِهِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ؛ فَمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ؛ فَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا
طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَلَقَّى ذَلِكَ بِانْشِرَاحِ
الصَّدْرِ وَالرِّضَا؛ فَإِنَّ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ
الْإِيمَانُ وَالرِّضَا بِهِ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: 65].
وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا
عَمَّنْ يُقْتَدَى بِقَوْلِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ؛ فَإِذَا
وَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الْمُطْمَئِنِّ قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ،
الْمُنْشَرِحِ صَدْرُهُ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ مِنْهُ شَيْءٌ،
وَحَاكَ فِي صَدْرِهِ لِشُبْهَةٍ مَوْجُودَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُفْتِي فِيهِ
بِالرُّخْصَةِ إِلَّا مَنْ يُخْبِرُ عَنْ رَأْيِهِ –يَعْنِي:
بِلَا دَلِيلٍ- وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِعِلْمِهِ وَبِدِينِهِ، بَلْ هُوَ
مَعْرُوفٌ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى؛ فَهُنَا يَرْجِعُ الْمُؤْمِنُ إِلَى مَا حَكَّ
فِي صَدْرِهِ؛ وَإِنْ أَفْتَاهُ هَؤُلَاءِ الْمُفْتُونَ.
وَقَد صَحَّ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ –رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: «الإِثْمُ: حَوَازُّ القُلُوبِ».
وَقَالَ: «إِيَّاكُم وَحَزَّازَ القُلُوبِ»، فَمَا حَزَّ فِي قَلْبِكَ
مِنْ شَيْءٍ فَدَعْهُ.
بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا، فَهَذَا هُوَ
الخَلَاصُ مِنَ الشُّبْهَةِ الَّتِي رُبَّمَا أَلْقَاهَا بَعْضُ شَيَاطِينِ
الإِنْسِ وَالجِنِّ بِسَبَبِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «استَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ
أَفْتَاكَ المُفْتُونَ».
وَالحَزُّ وَالحَكُّ مُتَقَارِبَانِ فِي المَعْنَى، وَالمُرَادُ: مَا
أَثَّرَ فِي القَلْبِ ضِيقًا وَحَرَجًا، وَنُفُورًا وَكَرَاهِيَةً.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدَ هَاهُنَا بِالرُّجُوعِ إِلَى حَوَازِّ
الْقُلُوبِ، وَإِنَّمَا ذَمَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى
الْوَسَاوِسِ وَالْخَطَرَاتِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ؛ حَيْثُ كَانَ كَلَامُهُمْ فِي
ذَلِكَ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ بَلْ إِلَى مُجَرَّدِ رَأْيٍ
وَذَوْقٍ، كَمَا كَانَ يُنْكِرُ الْكَلَامَ فِي مَسَائِلِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ
بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
وَالرُّجُوعُ إِلَى الْأُمُورِ الْمُشْتَبِهَةِ إِلَى حَوَازِّ
الْقُلُوبِ؛ فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ، وَفَتَاوَى
الصَّحَابَةِ.
«المَدَارُ فِي الشَّرِيعَةِ
عَلَى الأَدِلَّةِ... فَاتَّقُوا اللهَ فِي دِينِكُم»
المَدَارُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى الأَدِلَّةِ، لَا عَلَى مَا
اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ، النَّاسُ قَدْ يُشْتَهَرُ عِنْدَهُم شَيْءٌ
وَيُفْتُونَ بِهِ وَلَيْسَ بِحَقٍّ، فَالمَدَارُ عَلَى الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
عَلَى الإِنْسَانِ دَائِمًا أَنْ يُطَالِبَ بِالدَّلِيلِ، إِذَا
كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالبَحْثِ وَالمَعْرِفَةِ بِالدَّلِيلِ،
لِأَنَّ العَامِيَّ لَا يَقْوَى عَلَى فَهْمِ الدَّلِيلِ، فَإِذَا طَالَبَ
بِالدَّلِيلِ فَأُعْطَى الدَّلِيلَ فَهَذَا لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا.
عَلَى الإِنْسَانِ أَلَّا يَبِيعَ دِينَهُ، خَاصَّةً أَنَّهُ
يَبِيعُهُ رَخِيصًا، وَعَلَى المَرْءِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى آخِرَتِهِ حَتَّى
تَسْتَقِيمَ لَهُ دُنْيَاهُ.
«أَعْظَمُ البِرِّ طَاعَةُ اللهِ
تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ»
لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ –تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- عِبَادَهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ ﷺ وَطَاعَتِهِ، وَالقَصِّ
عَلَى أَثَرِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنهَا:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن
تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ
لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 131-132].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ
عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا
أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 64-65].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 14].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ
اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ
بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ
يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا
عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖوَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا
عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [ النور: 54].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. وَالآيَاتُ فِي هَذَا المَعنَى كَثِيرَةٌ.
«مِنْ أَعْظَمِ البِرِّ: بِرُّ
الوَالِدَيْنِ»
إِنَّ حَقَّ الْأَبَوَيْنِ يَلِي حَقَّ اللهِ –تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحَقَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ
الْخَلْقِ لَيُفَرِّطُونَ فِي هَذَا الْحَقِّ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ،
وَلَا يُلْقُونَ لَهُ بَالًا؛ بَلْ يَعْتَدِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا
الْحَقِّ الْمَكِينِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ الْأَمْرِ
بِعِبَادَتِهِ، فَقَالَ –جَلَّ
وَعَلَا-: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا﴾.
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا
تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ
الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ [الإسراء: 23-24].
فَأَمَرَ اللهُ –تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- بَعْدَ الْأَمْرِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ
بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَبِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، فَهَذَا مِنْ آكَدِ
الْحُقُوقِ وَمِنْ أَجَلِّهَا.
وَبَيَّنَ رَبُّنَا –تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- أَنَّهُ لَا يُجِيزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ سُوءٍ
تَنِمُّ عَنْ ضَجَرٍ يُحِسُّهُ فِي نَفْسِهِ، فَيُعْلِنُهُ بِلِسَانِهِ، ﴿ فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا
قَوْلًا كَرِيمًا﴾، فَلَمْ يُجِزْ رَبُّنَا –تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- أَنْ يَتَأَفَّفَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَبَوَيْهِ إِذَا بَلَغَا
الْكِبَرَ، وَصَارَا إِلَى حَالٍ لَا يَتَحَكَّمَانِ فِيهَا فِي الْبَوْلِ
وَالْغَائِطِ، فَيَتَأَفَّفُ مِنْهُمَا مُتَضَجِّرًا، وَقَدْ كَانَا يَرَيَانِ
مِنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَأْعَظَمَ مِنْهُ وَلَا يَتَضَجَّرَانِ، وَإِنَّمَا
يَأْتِيَانِ بِهِ بِسَمَاحَةِ نَفْسٍ وَطِيبٍ خَاطِرٍ.
فَنَهَى رَبُّنَا –تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- عَنْ تَأَفُّفِ الْمَرْءِ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا؛
لِأَنَّ اللهَ –تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- جَعَلَ حَقَّهُمَا عَظِيمًا، وَجَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَى الْعَبْدِ
تِجَاهَهُمَا وَاجِبًا جَسِيمًا، وَإِذَا فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ
إِلَّا نَفْسَهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرَ أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ
الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي
الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»، وَإِنَّ
أَوْلَى الْأَرْحَامِ بِالرِّعَايَةِ لَهِيَ مَا يَتَّصِلُ بِالْأَبَوَيْنِ،
وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَأَجَابَ ﷺ بِتَرْتِيبٍ وَاضِحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ؛ فَإِنَّ
رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛
مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟
قَالَ: «أَمُّكَ».
قَالَ: ثُمًَّ مَنْ؟
قَالَ: «أُمُّكَ».
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ: «أُمُّكَ».
قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ: «أَبُوكَ».
فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِحُسْنِ
الصُّحْبَةِ لِلْأُمِّ، وَكَرَّرَ ذَلِكَ ﷺ مِرَارًا، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَبَ
بَعْدُ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا
أَدَّتْهُ لَا يَكُونُ مَنْظُورًا؛ مِمَّا وَجَدَتْهُ مِنْ أَلَمِ الْحَمْلِ
وَالْوَضْعِ، وَمَا كَانَ مِنَ التَّرْبِيَةِ وَالرِّعَايَةِ فِي الصِّغَرِ،
فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُهُ الْمَرْءُ إِذَا عَلَتْ بِهِ السُّنُونُ،
وَإِنَّمَا يَرَى الرِّعَايَةَ مِنْ أَبِيهِ قَائِمًا، وَيَرَى الْإِنْفَاقَ
عَلَيْهِ سَارِيًا، فَقَدْ يُفَرِّطُ فِي حَقِّ الْأُمِّ حِينَئِذٍ، فَدَلَّ
النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
وَشَيْءٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ
تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا، وَلَقَدْ يَكُفُّ الرَّجُلُ عَنْ أَبِيهِ خَوْفًا مِنْ
قُوَّتِهِ، وَتَوَقِّيًا لِبَطْشِهِ، وَأَمَّا الْأُمُّ؛ فَلِضَعْفِهَا
وَلِأُنُوثَتِهَا وَلِرِقَّتِهَا؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا
مِنْ غَيْرِ مَا ضَابِطٍ مَّا يَضْبِطُهُ، وَلَا كَافٍّ يَكُفُّهُ، فَنَبَّهَ
الرَّسُولُ ﷺ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
وَشَيْءٌ آخَرُ؛ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَسْتَحْي مِنْ عُقُوقِ
أَبِيهِ فِي مَحْضَرٍ مِنَ النَّاسِ؛ خَوْفَ الْمَلَامَةِ مِنْهُمْ، وَحَيَاءً
مِنْ مُوَاقَعَةِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَسْتَفْظِعُهُ النُّفُوسُ
السَّوِيَّةُ، وَلَا تَقْبَلُهُ الْأَرْوَاحُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَلَمَّا كَانَتِ
الْأُمُّ فِي سَتْرٍ تَحُفُّهَا جُدْرَانُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُقَّهَا مِنْ
غَيْرِ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ وَلَا أَنْ يَلُومَهُ، نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
وَشَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا كَانَتْ
ضَعِيفَةً، وَكَانَتْ لِأُنُوثَتِهَا رَقِيقَةً، وَقَدْ تَكُونُ سَرِيعَةَ
الْغَضَبِ، فَإِذَا مَا عَقَّهَا لَمْ تَتَمَاسَكْ، وَلَمْ تَتَجَلَّدْ،
وَأَسْرَعَتْ فِي الدُّعَاءِ عَلَى ابْنِهَا الَّذِي عَقَّهَا أَوْ أَسَاءَ
إِلَيْهَا، فَرَاعَى النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الطَّبِيعَةَ، وَأَمَرَ
الْوَلَدَ بِأَنْ يُحْسِنَ صَحَابَتَهَا مَرَّةً وَمَرَّةً وَمَرَّةً؛ حَتَّى لَا
يُلْجِئَهَا إِلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ، فَتُصَادِفُ بِقَدَرِ اللهِ –تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَقْتًا يَسْتَجِيبُ اللهُ –تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ دُعَاءَ مَنْ
دَعَاهُ، وَيَكُونُ قَدْ ظَلَمَهَا وَأَسَاءَ إِلَيْهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهَا
فِيهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُهُ نَدَمٌ، وَلَا يَكُفُّ عَنْهُ مَا أَصَابَهُ
شَيْءٌ مِنْ حَوْلٍ وَلَا حِيلَةٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ
الْعَظِيمِ.
النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الْوَالِدَ
أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: «الْوَالِدُ
أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَخُذْ أَوْ فَدَعْ»؛ يَعْنِي:
إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ مِنْ أَوْسَطِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؛ فَدُونَكَ بِرَّ
أَبِيكَ؛ فَإِنَّ أَبَاكَ هُوَ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ
النَّبِيُّ ﷺ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي «الْمُسْنَدِ» بِسَنَدِهِ عَنْ
أُمِّنَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ –رَضِيَ
اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهَا- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «أُرِيْتُ فِي الْمَنَامِ فِي الرُّؤْيَا أَنِّي
كُنْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقُلْتُ: مَنْ
هَذَا؟»
قَالُوا: هُوَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ: «كَذَاكِ الْبِرُّ، كَذَاكِ الْبِرُّ»،
وَكَان بَرًّا بِأُمِّهِ، فَأُرِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَسَمِعَ تِلَاوَتَهُ لَمَّا
قَبَضَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ –رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ-، أُرِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا، وَسَمِعَ
تِلَاوَتَهُ فِي الْجَنَّةِ لِبِرِّهِ بِأُمِّهِ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ
بِأُمِّهِ –رَضِيَ
اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ-.
«ثَلَاثُونَ
وَصِيَّةً لِلْأَبْنَاءِ في بِرِّ الوَالِدَيْنِ»
***وَهَذِهِ نَصَائِحُ لِلْأَبْنَاءِ إِذَا أَخَذُوا بِهَا؛
اسْتَقَامَتْ حَيَاتُهُم، وَكَانُوا عَلَى رَجَاءِ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ:
1*أَطِعْ أُمَّكَ وَأَبَاكَ في كُلِّ مَا بِهِ أَمَرَاكَ مَا لَمْ
يَكُنْ مَعْصِيَةً.
2*خَاطِبْهُمَا بِلُطْفٍ وَأَدَبٍ، وَانْهَضْ لَهُمَا إِذَا
دَخَلَا عَلَيْكَ.
3*حَافِظْ عَلَى سُمْعَتِهِمَا، وَشَرَفِهِمَا، وَمَالِهِمَا،
وَعِرْضِهِمَا.
4*أَكْرِمْهُمَا، وَأَعْطِهِمَا كُلَّ مَا يَطْلُبَان مَا لَمْ
يَكُنْ مُحَرَّمًا.
5*شَاوِرْهُمَا في أَعْمَالِكَ وأُمُورِكَ.
6*أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمَا.
7*إِذَا كَانَ عِنْدَهُمَا ضَيْفٌ؛ فَاجْلِسْ بِقُرْبِ البَابِ،
وَرَاقِبْ نَظَرَاتِهِمَا لَعَلَّهُمَا يَأْمُرَانِ بِشَيءٍ خُفْيَةً.
8*اِعْمَلْ مَا يَسُرُّهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَاكَ بِهِ،
فَهَذَا إِذَا أُمِرَ بِهِ؛ قَلَّلَ مِن شَأْنِ المَسَرَّةِ.
9*لَا تَرْفَع صَوْتَكَ عَاليًا أَمَامَهُمَا، وَلا تُقَاطِعْهُمَا
أَثْنَاءَ الكلامِ.
10*ولا تُجَادِلهُمَا في أَمْرٍ، وَإِذَا كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ
مِمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ؛ فَحَاوِلْ أَنْ تُقْنِعَهُمَا بِالحُسْنَى، فَإِنْ
أَصَرَّا عَلَى رَأْيهِمَا؛ فَلَا تُعَانِدْهُمَا وَلَو كَانَا عَلَى خَطَأٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا،
وأَمَّا أمورُ الآخرةِ؛ فَيُبَيَّنُ فِيهَا الحَقُّ بِرِفْقٍ.
11*لا تَكْذِبْ عَلَى أَبَويْكَ.
12*وَلَا تَأْخُذ شَيْئًا لَم يَأْذَنَا بِأَخْذِهِ.
13*لا تُسَافِرْ إِذَا لَم يَأْذَنَا لَكَ.
14*إِذَا كُنْتَ مُبْتَلًى بِمَعْصِيَةٍ كَالتَّدْخِينِ مَثَلًا –سَلِ اللهَ العافية-؛ فَلَا تَفْعَلْ تِلْكَ
المَعْصِيَةَ أَمَامَهُمَا، وَإِنْ سَمَحَا لَكَ بِذَلِكَ.
15*لا تُزْعِج أَبَويْكَ إِذَا كَانَا نَائِمَيْنِ، -وَتَذْكُرُ
حَدِيثَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ حَبْسًا في
الغَارِ، وأَنَّ أَحَدَهُمَا تَوَسَّلَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
بِعَمَلٍ صَالِحٍ يَخُصُّ بِرَّ أَبَويْهِ، وَأَنَّهُمَا كَانَا كَبِيرَيْنِ،
وَكَانَ يَأْتِي إِذَا رَاحَ مِنْ رَعْيِهِ بِأَغْنَامِهِ فَيَحْلِبُ، ثُمَّ
يَأْتِي بِالقَعْبِ -قَدَحٌ كبيرٌ- يَجْعَلُهُ على يَدِهِ، وَيَقِفُ حَتَّى
يَشْرَبَا، فَتَأَخَّرَ مَرَّةً، ثُمَّ جَاءَ، فَوَجَدَهُمَا قَد نَامَا، فَظَلَّ
قَائِمًا عِنْدَهُمَا واللَّبَنُ عَلَى يَدِهِ، وَالصِّبْيَانُ يَتَضَاغَوْنَ - يَبْكُونَ وَيَصِيحُونَ جُوعًا- حَوْلَهُ حَتَّى
استيْقَظَا، لَا تُزْعِجهُمَا إِذَا كَانَا نَائميْن.
16*ولا تُفَضِّلْ زَوْجَتَكَ وَلَا وَلَدَكَ عَلَيْهِمَا.
17*وَلَا تَلُمْهُمَا إِذَا عَمِلَا عَمَلًا لَا يُعْجِبُكَ.
18*وَلَا تَحْمَلْ عَلَيْهِمَا بِفَضْلِ عَقْلِكَ، فَرُبَّمَا
آتَاكَ اللهُ عِلْمًا وَعَقْلًا، وَكَانَا جَاهِلَيْنِ؛ فَرُبَّمَا تَكَلَّمَ
فَأَضْحَكَا النَّاسَ بِكَلَامِهِمَا، فَلَا تَبْتَئِسْ، وَلَا
تَلُمْهُمَا إِذَا عَمِلَا عَمَلًا لَا يُعْجِبُكَ.
19*وَلَا تَضْحَكْ بِحَضْرَتِهِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ
سَبَبٌ للضَّحِكِ.
20*وَلَا تَتَنَاوَلْ طَعَامًا مِمَّا يَلِيهِمَا.
21*وَلَا تَمُدَّ يَدَكَ إلى الطَّعَامِ قَبْلَهُمَا.
22*وَلَا تَنَمْ وَلَا تَضْطَجِعْ وَهُمَا جَالِسَانِ.
23*وَلَا تَجْلِسْ قَبْلَهُما.
24*وَلَا تَمْشِ أَمَامَهُما.
25*وَلَا تُسَمِّهِما بِاسْمِهِما.
26*وَلَا تَمُدَّ رِجْلَكَ أَمَامَهُمَا.
27*وَلَا تَجْلِسْ في العُلُوِّ وَيَجْلِسَانِ في السُّفْلِ.
28*وَلَا تَمْشِ بِجَانِبِ أَبِيكَ في الطَّرِيقِ؛ بَلْ تَأَخَّرْ
عَنْهُ قَلِيلًا؛ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الطَّرِيقُ مَخُوفَةً، فَحِينَئِذٍ
تَتَقَدَّمُ أَنْتَ رِدْءًا -مُعِينًا وَنَاصِرًا- لَهُ وَحِيَاطَةً وَحِفْظًا.
29*لَبِّ نِدَاءَهُمَا مُسْرِعًا إِذَا نَادَيَاكَ.
30*لَا تُصَاحِبْ غَيْرَ رَجُلٍ بَارٍّ بِوَالديْهِ، وإيَّاكَ
وَصَاحِبَ العُقُوقِ.
اللهم اجْعَلْنَا مِنَ الْبَرَرَةِ الصَّادِقِينَ، وَلَا
تَجْعَلْنَا مِنَ العَقَقَةِ الْمُجْرِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَيَا
أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيَا ذَا الْقُوَّةِ
الْمَتِينَ.
إِنَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ على نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ
وأصحابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر:دُرُوسٌ مُهِمَّةٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق