الدرس
الخامس عشر لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ: «الوَفَاءُ بِالعَهْدِ»
«دُرُوسٌ
مُهِمَّةٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ»
«الدرس
الخامس عشر»
«الوَفَاءُ
بِالعَهْدِ»
إنَّ
الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ
بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ
اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا
بَعْدُ:
فَإِنَّ
أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ
مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ،
وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا
بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي
تَعَارَفَ أَصْحَابُ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ عَلَى احْتِرَامِهَا وَتَقْدِيرِهَا
وَتَعْظِيمِ مَنْ أَتَى بِهَا؛ إِنَّ مِنْ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ: خُلُقَ الْوَفَاءِ.
وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَضْرِبُ الْأَمْثَالَ، فَمِنْ أَمْثَالِهِمْ:
«هُوَ أَعَزُّ مِنَ الْوَفَاءِ»، فَلَمَّا رَأَوْا نُدْرَةَ هَذَا الخُلُقِ
وَعِزَّةَ وُجُودِهِ فِي النَّاسِ، يَظَلُّونَ الْأَمَدَ مُفْتَقَدِينَ إِلَيْهِ
بَاحِثِينَ عَنْهُ، فَنَادِرًا مَا يَلْقَوْنَهُ، وَقَلَّ مَا يَجِدُونَهُ،
وَعَلِمُوا أَنَّهُ صَعَبُ الْمَنَالِ جِدًّا، وَلَا يُدْرِكُهُ إِلَّا
الْأَفْذَاذُ مِنَ الْبَشَرِ؛ ضَرَبُوا بِنُدْرَتِهِ الْوَفَاءَ، فَقَالُوا: «هُوَ
أَعَزُّ مِنَ الْوَفَاءِ».
فَجَعَلُوا لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَحَصَّلَ
عَلَيْهِ إِلَّا بِشِقِّ النَّفْسِ أَوْ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؛ جَعَلُوا لَهُ
الْمَثَلَ الْمَضْرُوبَ بِالْوَفَاءِ الْمَفْقُودِ.
كَانَتِ الْعَرَبُ تُقَدِّرُ هَذَا الْخُلُقَ جِدًّا، فَلَمَّا
جَاءَ سَيِّدُ الْأَوْفِيَاءِ ﷺ؛ اِرْتَكَزَ -بَعْدَ ارْتِكَازِهِ
عَلَى مَوْرُوثِ الْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ- عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ
الْمَرْعِيَّةِ.
الْوَفَاءُ: إِتْمَامُ الْعَهْدِ، وَإِكْمَالُ الشَّرْطِ.
ضِدُّهُ: الْغَدْرُ، وَهُوَ خُلُقٌ خَبِيثٌ، النَّبِيُّ ﷺ حَذَّرَ مِنْهُ كَثِيرًا، وَدَعَا فِي الْمُقَابِلِ ﷺ كَمَا دَعَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ إِلَى الْأَخْذِ بِنَقِيضِهِ،
وَهُوَ الْوَفَاءُ.
وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِصِدْقِ اللِّسَانِ
وَصِدْقِ الْفِعْلِ جَمِيعًا، وَهَذَا هُوَ الْوَفَاءُ.
الْوَفَاءُ: صِدْقُ اللِّسَانِ وَالْعَمَلِ مَعًا، وَهُوَ مُخْتَصٌّ
بِالْإِنْسَانِ، فَمَهْمَا فَقَدَ الْإِنْسَانُ الْوَفَاءَ؛ فَقَدَ حَظَّهُ مِنَ
الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا.
وَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ
بِالْوَفَاءِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ:
يَقُولُ رَبُّنَا: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40].
فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ،
بِالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى بَنِي آدَمَ فِي
عَالَمِ الذَّرِّ؛ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي
آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172].
فَهَذَا الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
بِالْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ؛ يُطَالِبُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْوَفَاءِ
بِهِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي لَمْ تَنْتَكِسْ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ
يَكُونَ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا.
وَلَا يَسْتَطِيعُ هَذَا الْخُلُقَ إِلَّا الْأَفْذَاذُ
الْأَقَلُّونَ مِنَ الْبَشَرِ، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا رَبُّنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، يَقُولُ
رَبُّنَا: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: 102]؟
فَأَكْثَرُهُمْ كَمَا تَرَى لَا عَهْدَ لَهُ، وَمَنْ لَا عَهْدَ
لَهُ مِنْ أَهْلِ الْغَدْرِ لَا مَحَالَةَ، فَأَخْبَرَنَا اللهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ بِأَنَّ أَهْلَ التَّحَقُّقِ بِهَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ هُمُ
الْأَقَلُّونَ عَدَدًا، الْأَرْفَعُونَ قَدْرًا.
الْوَفَاءُ: وَفَاءٌ بِالْعَهْدِ، وَوَفَاءٌ بِالْعَقْدِ، وَوَفَاءٌ بِالْوَعْدِ.
هَذَا مِنْ حَيْثُ الْمُوفَى بِهِ، فَالْوَفَاءُ: صِدْقُ
اللِّسَانِ وَالْفِعْلِ جَمِيعًا، وَأَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا
النَّحْوِ مِنَ الصِّدْقِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَحِينَئِذٍ إِذَا مَا تَعَلَّقَ
الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ مَا نُكْثٍ وَلَا
غَدْرٍ، وَمِنْ غَيْرِ مَا ارْتِكَاسٍ فِي تِلْكَ الْحَمْئَةِ الْوَبِيلَةِ
بِالْبُعْدِ عَنِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي جَاءَ الرَّسُولُ ﷺ لِيُتَمِّمَهَا «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ
الْأَخْلَاقِ» ﷺ.
وَيَقُولُ فِي رِوَايَةٍ ﷺ: «إِنَّمَا
بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».
أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» بِسَنَدِهِ عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –فِيمَا يَأْتِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدُ-
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحٍ–رَحِمَهُ اللهُ-: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى
مُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ
الطَّعَامَ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ –وحُقَّ لَهُ؛ إِذْ هُوَ مِمَّنْ رَبَّاهُمْ عَلَى
عَيْنِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ- مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ
يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ –لِيُطْعِمَهُمْ-،
فَقُلْتُ –يقولُ
عَبْدُ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ في سِيَاقِ حَدِيثِهِ، يَعْنِي: قَالَ لِنَفْسِهِ أَوْ
لِأَهْلِهِ مُحَرِّضًا وَحَاثًّا- فَقُلْتُ: أَلَا أَصْنَعُ طَعَامًا
فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي –وَأَفْعَلُ
كَمَا يَفْعَلُ أَبُو هُرَيْرَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ-؟ فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ –فَأَمَرَ أَهْلَهُ وَمَنْ كَانَ هُنَالِكَ فِي
خِدْمَتِهِ أَنْ يَصْنَعُوا طَعَامًا-؟
قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيِّ –يَعْنِي: فِي آخِرِ النَّهَارِ-، فَقُلْتُ:
الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ –كَانُوا
فِي رَمَضَانَ كَمَا ذَكَرَ-، فَقَالَ: سَبَقْتَنِي، قُلْتُ: نَعَمْ،
فَدَعَوْتُهُمْ.
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ –وَعِنْدَنَا
فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ –رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- بِذَاتِ السِّيَاقِ
لِنَفْسِ الرَّاوِي فِي ذَاتِ الْقِصَّةِ وَنَفْسِ الْحَدَثِ أَنَّهُمُ انْتَهَوْا
إِلَى بَيْتِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ وَمَعَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ –رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ- وَلَمَّا يُدْرِكِ
الطَّعَامُ بَعْدُ، يَعْنِي: هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْحَالِ، وَهَذَا فَارِقُ مَا
بَيْنَ (لَمْ) وَ(لَمَّا)، وَلَمْ يُدْرِكِ الطَّعَامُ بَعْدُ: فَهَذَا قَطْعٌ
لِلصِّلَةِ بِالْحَالِ، وَلَمَّا يُدْرِكِ الطَّعَامُ بَعْدُ: يَعْنِي: وَلَمَّا
يَنْضُجِ الطَّعَامُ بَعْدُ؛ وَلَكِنَّهُ عَلَى شَفَا نُضُوجٍ-.
يَقُولُ:–يَعْنِي: لَمَّا جَلَسُوا وَالطَّعَامُ لَمْ
يُؤْتَ بِهِ بَعْدُ- أَلَا تُحَدِّثُنَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ مِنْ
أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا،
حَتَّى يَنْضُجَ طَعَامُنَا؟
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ
حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ –يَعْنِي:
مَا أَخْتَارُ لَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا مِنْ حَدِيثِكُمْ
مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ-، ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ
اللهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ –جَاءَ
مِنَ الْمَدِينَةِ فِي جُنْدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُقَاتِلِينَ
مُجَاهِدِينَ لِفَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ نُكْثِ الْعَهْدِ، وَبَعْدِ نَقْضِ
الْعَقْدِ، وَبَعْدَ إِخْلَافِ الْوَعْدِ، فَمَا هَيَّجَ عَلَيْهِمْ جُنْدَ
الْإِسْلَامِ إِلَّا الْغَدْرُ، وَجَاءَ النَّبِيُّ الْوَفِيُّ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ-، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى
الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى –الْمُجَنِّبَتَانِ: الْجَنَاحَانِ بَيْنَهُمَا
قَلْبُ الْجَيْشِ-، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ –الَّذِينَ لَا خِوَذَ لَهُمْ، وَالَّذِينَ لَا
أَدْرُعَ تَسْتُرُ صُدُورَهُمْ-، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي –يَعْنِي: فَمَضَوْا فِي بَطْنِ الْوَادِي مَعَ
أَبِي عُبَيْدَةَ، أَعْنِي الحُسَّرَ-، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَةٍ –وَالْكَتِيبَةُ: الْقِطْعَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ
الْجَيْشِ-.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ –رِضْوَانُ
اللهِ عَلَيْهِ-: فَنَظَرَ فَرَآنِي، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ».
قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
فَقَالَ: «لَا
يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ» -يَعْنِي: صِحْ بِهِمْ، اِهْتِفْ
بِهِمْ، اِهْتِفْ بِالْأَنْصَارِ صِحْ بِهِمْ، وَادْعُهُمْ إِلَيَّ؛ وَلَكِنْ لَا
يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ- قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ –وَحَذَفَ هَاهُنَا حَدَثًا وَكَلَامًا، قَالَ
النَّبِيُّ ﷺ: «لَا
يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ».
قَالَ: فَأَحَاطُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَأَطَافُوا بِهِ، اِهْتِفْ لِي
بِالْأَنْصَارِ، اُدْعُهُمْ إِلَيَّ، فَذَهَبْتُ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ
أَدْعُو الْأَنْصَارَ وَاحِدًا وَاحِدًا؛ هَلُمُّوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ وَاحِدٍ إِلَّا أَسْرَعَ طَائِرًا
بِجَنَاحَيِ الشَّوْقِ إِلَى لِقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى كَانُوا عِنْدَهُ،
فَأَطَافُوا بِهِ، حَذَفَ ذَلِكَ كُلَّهُ.
فَأَطَافُوا بِهِ، وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا
وَأَتْبَاعًا –يَعْنِي:
جَمَعَتِ السِّفْلَةَ وَالْأَوْبَاشَ وَسَقَطَ الْمَتَاعِ مِنَ النَّاسِ،
فَجَعَلَتْهُمْ تَقْدِمَةً يَلْقَوْنَ مُحَمَّدًا وَجُنْدَهُ ﷺ، فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ
كُنَّا مَعَهُمْ –يَعْنِي:
إِنْ أَصَابُوا مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوْزًا وَنَصْرًا كُنَّا
مَعَهُمْ-، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ
لِلْأَنْصَارِ: «تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ،
وَأَتْبَاعِهِمْ»، ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى
الْأُخْرَى –كَأَنَّ
النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَكَذَا–وَأَمْسَكَ الشَّيْخُ كَفَّهُ بِكَفِّهِ إِشَارَةً
لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِمْ-، «تَرَوْنَ
إِلَى أَوْبَاشِ
قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ» -يَعْنِي: قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْكُمْ، وَقَالَ بَعْضُ
الشُّرَّاحِ –وَهُوَ
الَّذِي يُصَارُ إِلَيْهِ-: فَأَخْفَى شِمَالَهُ ﷺ، وَأَمْضَى عَلَيْهَا يَمِينَهُ
هَكَذَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَرَوْنَ
إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ»، ثُمَّ جَعَلَ
يَدَيْهِ هَكَذَا، يَعْنِي: اِفْرُوهُمْ فَرْيًا، وَمَثِّلُوا بِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ-،
قَالَ النبي ﷺ: «حَتَّى
تُوَافُونِي بِالصَّفَا».
قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ
أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ –لَا
يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ-، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا
شَيْئًا –يَعْنِي:
هُمْ لَا يُدَافِعُونَ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُدْفَعُونَ، لَا يَصْنَعُونَ
شَيْئًا-، قَالَ –فَلَمَّا
وَقَعَ ذَلِكَ مَاذَا حَدَثَ؟-: جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ، أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ –جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْعَى حَثِيثًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ –وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ- أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ
قُرَيْشٍ –يَعْنِي:
أُبِيدَتْ وَاسْتُأْصِلَتْ، وَيُقَالُ لِلْأَجْمَاعِ الَّذِينَ يُجْمَعُونَ مَعًا،
وَلِلْأَوْزَاعِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِذَا مَا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؛
يُقَالُ لِذَلِكَ: خَضْرَاءُ، وَخَضْرَاؤُهُمْ: جَمَاعَاتُهُمْ، يَقُولُ
لِلنَّبِيِّ ﷺ: أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ
يَا رَسُولَ اللهِ.
النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ يَمُرُّ بِأَمْرَيْنِ كَبِيرَيْنِ:
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدْ أَخْرَجْتُمُونِي بَعْدَمَا
طَارَدْتُمُونِي، وَحَاوَلْتُمْ قَتْلِي، فَتَرَصَّدْتُمْ بِي رَصَدًا،
وَأَرَدْتُمْ أَنْ تَهْتَبِلُوا مِنِّي غِرَّةً لِلْقَضَاءِ عَلَيَّ، وَخَرَجْتُ،
وَتَرَكْتُ، وَمَضَيْتُ، وَقَاتَلْتُ، وَجَاهَدْتُ، وَتَعِبْتُ، وَدَافَعْتُ عَنْ
دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ أُبْتُ وَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَرْجِعْ
إِلَّا لِنُكْثِكُمْ بِعَهْدِكُمْ، وَنَقْضِكُمْ لِعَقْدِكُمْ، وَخَيْسِكُمْ
بِوَعْدِكُمْ، فَلَمْ أَفْتَتْ عَلَيْكُمْ؛ فَمَاذَا تُرِيدُونَ؟!! لَكِنَّهُ
الصَّبُورُ الْحَلِيمُ ﷺ، وَصَّى الْأَنْصَارَ قَبْلُ
بِالْإِشَارَةِ هَكَذَا –أَمْسَكَ
كَفَّهُ بِكَفِّهِ-، أَوْبَاشُهُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ يَدْفَعُونَ بِهِمْ فِي
وُجُوهِكُمْ –هَكَذَا
وَأَمْسَكَ كَفَّهُ بِكَفِّهِ-، وَالْآنَ مَاذَا يَكُونُ الشَّانُ مَعَ
الْأَنْصَارِ –رِضْوَانُ
اللهِ عَلَيْهِمْ-؟
لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ
دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»، فَقَالَتِ
الْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ –يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، مَا الَّذِي أَلْجَأَهُمْ إِلَى
هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَهُمْ مُلُوكُ الْبَيَانِ، وَسَلَاطِينُ الْبَلَاغَةِ،
وَأَسَاطِينُ التَّعْبِيرِ أَيْضًا؟!! أَوَ مَا كَانَتْ هُنَالِكَ لَفْظَةٌ
يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَاهُنَا مُعَبِّرَةً مُؤَدِّيَةً لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ
سِوَى هَذَا الْإِطْلَاقِ؟!- أَمَّا الرَّجُلُ؛ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ
بِعَشِيرَتِهِ –تَدْرِي..
لَقَدْ قَالُوهَا كَأَنَّهَا تَوْطِئَةٌ لِعُذْرٍ؛ بَلْ كَأَنَّمَا دَفَعُوا بِهَا
اعْتِذَارًا؛ يَعْنِي: النَّبِيُّ ﷺ حِينَمَا رَأَوْا رَأْفَتَهُ
بِقَوْمِهِ، وَكَفَّهُ الْقَتْلَ عَنْهُمْ ﷺ؛ جَنَحَتْ بِهِ الطَّبِيعَةُ
الْبَشَرِيَّةُ فِي أَعْلَى مَرَامِيهَا وَأَجْلَى مَسَامِيهَا، فَلَا عَتْبَ
عَلَيْهِ هَاهُنَا، وَلَهُ الْعُذْرُ كُلُّهُ ﷺ، لِمَاذَا أَمَّنَ وَقَدْ أَمَرَ
بِأَنْ نَجْعَلَ فِيهِمُ السَّيْفَ؟ لِمَاذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي
سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ
عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ؛ وَقَدْ أَمَرَنَا قَبْلُ وَانْتَدَبَنَا
وَحْدَنَا: لَا تَدْعُ لِي إِلَّا الْأَنْصَارَ، وَلَا يَأْتِينِي إِلَّا
أَنْصَارِيٌّ؟ وَهَذِهِ كَتِيبَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأْتِيهَا الْأَمْرُ
الْمُبَاشِرُ بِالْفِعْلِ، وَهِيَ تَفْعَلُ مَا أُمِرَتْ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ
مِنْ غَيْرِ مَا تَقْصِيرٍ، حَتَّى يَأْتِيَ الْأَمْرُ مِنَ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ
«مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»،
نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ ﷺ؛ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ
بِعَشِيرَتِهِ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ –لَمْ يَنْقُلْهَا، أَعْنِي: الْقَوْلَةَ الَّتِي
قِيلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ-، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ
لَا يَخْفَى عَلَيْنَا، فَإِذَا جَاءَ –يَعْنِي:
الْوَحْيَ-؛ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ،
فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ»
قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: «قُلْتُمْ:
أَمَّا الرَّجُلُ؛ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ
بِعَشِيرَتِهِ؟».
وَهَذَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ
بِالسُّنَّةِ يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِالطَّرِيقِ الْمُبَاشِرِ هَكَذَا.
قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ.
قَالَ: «كَلَّا» –وَكَلَّا
هَاهُنَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَصْلِهَا –يَعْنِي: لَا، لَمْ يَحْدُثْ أَنْ أَخَذَتْنِي
رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِي وَقَدْ خَرَجْتُ مِنْهَا مُهَاجِرًا، فَلَا أَعُودُ مِنْ
هِجْرَتِي، وَإِنَّمَا أَنَا مُسْتَمِرٌّ عَلَى مَا كَانَ، وَأَيْضًا: لَا
رَأْفَةَ فِي الْفِعْلِ الَّذِي كَانَ مِنْ كَفِّ الْقَتْلِ عَنْهُمْ وَلَا
شَيْءَ؛ لِأَنَّهُمْ عَشِيرَةٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ، وَيُمْكِنُ
أَنْ تَكُونَ (كَلَّا) هَاهُنَا بِمَعْنَى: حَقًّا، نَعَمْ، أَدْرَكَتْنِي
رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِي وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِي؛ وَلَكِنِّي لَا أَسِيرُ عَلَى
مُقْتَضَى رَغَبَاتِي الشَّخْصِيَّةِ، وَلَا أَعُودُ إِلَى قَنَاعَاتِي الذَّاتِيَّةِ، وَإِنَّمَا –كَمَا قَالَ ﷺ، قَالَ: كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَإِذَنْ؛ فَمَاذَا
سَيَكُونُ بَعْدُ؟-
قَالَ: «كَلَّا،
إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ،
وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ».
يَا لَلْوَفَاء... الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ
مَمَاتُكُمْ، وَهَذِهِ أَرْضِي وَأَرْضُ آبَائِي، وَهَذِهِ دِيَارِي وَدِيَارُ
أَجْدَادِي، وَهَذَا الْبَيْتُ بِأَشْرَفِ قَرْيَةٍ بِبَلْدَةٍ عَلَى ظَهْرِ
الْأَرْضِ، حَبِيبٌ إِلَيَّ، عَزِيزٌ عَلَيَّ، بَنَاهُ أَبَوَايَ إِبْرَاهِيمُ
وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِنِّي لَأَوَدُّ، وَإِنِّي لَوَادٌّ أَنْ أَظَلَّ عِنْدَهُ
أَطُوفُ بِهِ، وَأَسْتَلِمُ حَجَرَهُ، وَأَظَلُّ هَاهُنَا، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ
كَمَا أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَقَدَّرَ، وَإِنَّهُ ﷺ لَا يَصْدُرُ فِي شَيْءٍ عَنْ
شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهِ،
وَإِنَّمَا كَمَا قَالَ لَهُ رَبُّهُ وَهُوَ يُتَرْجِمُ عَنِ الْوَحْيِ
بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، يَقُولُ النَّبِيُّ: «وَالْمَحْيَا
مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ»، فَأَظَّلُ بَيْنَكُمُ الْحَيَاةَ
الْبَاقِيَةَ، فَإِذَا مِتُّ فَبَيْنَكُمْ أَمُوتُ، وَبِدِيَارِكُمْ أُدْفَنُ،
وَقَبْرِي عِنْدَكُمْ وَلَدَيْكُمْ ﷺ.
وَفَاءٌ مَا بَعْدَهُ وَفَاءٌ...
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَاللهِ؛ مَا
قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ﷺ.
وَاللهِ مَا قُلْنَا مَا قُلْنَا إِلَّا أَنَّا أَشِحَّةٌ
عَلَيْكَ، وَإِلَّا إِنَّا بُخَلَاءُ بِكَ غَايَةَ الْبُخْلِ، لَا نُفَرِّطُ فِيكَ
أَبَدًا، وَلَا نَتَصَوَّرُ أَنْ نَعُودَ وَنُخَلِّيَكَ بَعْدَنَا، وَلَا أَنْ
نُغَادِرَكَ فِي مَكَانٍ لَا تَكُونُ مَعَنَا فِيهِ ﷺ.
وَعَيْنًا بِعَيْنٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَوَفَاءً بِوَفَاءٍ «الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ
مَمَاتُكُمْ».
فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِ الْأَوْفِيَاءِ ﷺ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«إِنَّ
اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ».
إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ فِيمَا قُلْتُمْ،
وَيَعْذِرَانِكُمْ فِيمَا لَفَظْتُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنَ
الْحُبِّ كَمَا أَعْلَنْتُمْ عَنِ الضِّنِّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ،
وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ –يُحَصِّلُونَ
الْأَمَانَ-، قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ، فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ
الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ –أَهَذَا
إِلَهٌ؟!! أَهَذَا يَنْفَعُ أَوْ يَضُرُّ؟!! أَهَذَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ؟!! أَهَذَا
يَدْفَعُ لَا يَنْفَعُ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ يَنْزِلُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، أَوْ
يُصِيبُ لَا بِالْقَذَى، وَإِنَّمَا بِسِيَةِ الْقَوْسِ مِحْجَرَهُ وَعَيْنَهُ؟!!
فَلْنَرَ.
قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْسٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ –يَعْنِي:
بِطَرَفِ الْقَوْسِ الْمَحْمِيِّ-، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ؛ جَعَلَ ﷺ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ –يَطْعَنُ
بِهَذَا الْقَوْسِ الَّذِي فِي يَدِهِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الصَّنَمِ-، وَيَقُولُ ﷺ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: 81].
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيْهِ
حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللهَ،
وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ ﷺ.
النَّبِيُّ ﷺ مُعَلِّمُ البَشَرِيَّةِ الوَفَاءَ...
أَخْرَجَ
الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:
أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ هَذِهِ
خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ
طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا
السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ
قَصَبٍ –مِنْ
لُؤْلُؤٍ مُجَوَّفٍ أَوْ مِنْ ذَهَبٍ مَنْظُومٍ بِالْجَوْهَرِ- لَا صَخَبَ فِيهِ –لَا اخْتِلَاطَ لِلْأَصْوَاتِ بِارْتِفَاعِ
غَوْغَائِيَّتِهَا- وَلَا نَصَبَ –لَا
مَشَقَّةَ وَلَا تَعَبَ-». فَصَفَاءٌ فِي الْمَكَانِ، وَصَفَاءٌ فِي الْمَكِينِ،
وَصَفَاءٌ فِي الْجَوِّ، وَصَفَاءٌ فِي الضَّمِيرِ، وَهِيَ الصَّفَاءُ كُلُّهُ –رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا أُمِّنَا-.
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا-، قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ,
وَمَا رَأَيْتُهَا».
عَجِيبٌ!! هِيَ الَّتِي لَمْ تَرَهَا، وَهِيَ الَّتِي تَغَارُ
مِنْهَا، وَبَلَغَتِ الْغَيْرَةُ مِنْهَا مَبْلَغَهَا، وَمَا غَارَتْ غَيْرَتَهَا
مِنْهَا عَلَى وَاحِدَةٍ مِمَّنْ عَاصَرَتْهُنَّ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِمَ؟! قَالَتْ: «وَلَكِنْ
كَانَ رسول الله ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا, وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثُمَّ
يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً, ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ –فِي
صُوَيْحِبَاتِهَا-». هَذِهِ كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، أَنْعِمْ
بِأَيَّامِ خَدِيجَةَ، اِذْهَبُوا بِهَذِهِ إِلَيْهَا، وَهَذِهِ كَانَتْ تَطْرُقُنَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ،
وَأَنْعِمْ بِأَيَّامِ خَدِيجَةَ، اِذْهَبُوا بِهَذِهِ إِلَى صَاحِبَةِ خَدِيجَةَ،
وَهَكَذَا.
تَقُولُ عَائِشَةُ: «فَرُبَّمَا قُلْتُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا
امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ».
فَيَقُولُ: «إِنَّهَا
كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ».
مَزَايَا عَدِيدَةٌ، وَخِصَالٌ حَمِيدَةٌ، وَمَآثِرُ مَجِيدَةٌ،
وَمِنْ مَآثِرِهَا: أَنَّهُ ﷺ
لَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهَا فِي عِشْرَتِهَا بِطُولِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَا
أَغْضَبَتْهُ مَرَّةً قَطُّ، وَلَا رَاجَعَتْهُ فِي شَيْءٍ أَبَدًا –رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا-.
فَوَفَاؤُهُ وَفَاؤُهُ.
وَإِذَا صَحِبْتَ رَأَى الْوَفَاءَ
مُجَسَّمَا فِي
بُرْدِكَ الْأَصْحَابُ وَالْخُلَطَاءُ
وَإِذَا أَخَذْتَ الْعَهْدَ أَوْ
أَعْطَيْتَهُ
فَجَمِيعُ عَهْدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفَاءُ ﷺ.
وصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى
آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق