((وَمَاذَا
بَعْدَ رَمَضَانَ؟))
((الْجُمُعَةِ 1
مِنْ شَوَّالٍ 1431هـ / الْمُوَافِقِ 10/9/2010م))
إِنَّ الْحَمْدَ لِله نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ
وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ
سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ
يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّـهُ
عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ
هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ
مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ،
وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ عِبَادَةَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا تَنْقَطِعُ
إِلَّا بِالمَوْتِ؛ قَالَ رَبُّنَا –جَلَّ
ذِكْرُهُ-: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحِجْر: 99].
وَالْيَقِينُ فِي الْآيَةِ: المَوْتُ؛ وَاُعْبُدْ رَبَّكَ وَلَا
تَتَوَانَ فِي عِبَادَتِهِ، وَاُبْذُلْ فِي الْعِبَادَةِ جُهْدَكَ حَتَّى
يَأْتِيَكَ المَوْتُ، وَأَنْتَ عَابِدٌ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
((الْإِخْلَاصُ هُوَ قُطْبُ رَحَى الْعِبَادَةِ))
وَالشَّأْنُ فِي الْعِبَادَةِ لَيْسَ فِي كَثْرَتِهَا، وَإِنَّمَا
فِي تَصْفِيَتِهَا مِنَ الشَّوَائِبِ الَّتِي تُحْبِطُهَا؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ
إِذَا مَا شَابَهُ مَا يْحْبِطُهُ كَانَ مَرْدُودًا عَلَى عَامِلِهِ.
فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِعَمَلٍ تَعْمَلُهُ مِمَّا
وَفَّقَكَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- يَنْظُرُ إِلَى نِيَّتِكَ فِي عَمَلِكَ وَإِلَى دَافِعِكَ إِلَيْهِ.
وَاللهُ –جَلَّتْ
قُدْرَتُهُ- إِنَّمَا يُحَاسِبُ الْخَلْقَ عَلَى قَدْرِ نِيَّاتِهِمْ.
فَإِيَّاكَ أَنْ تُعَيِّرَ عَاصِيًا بِمَعْصِيَتِهِ أَوْ مُذْنِبًا
بِذَنْبِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ
مُعْجَبًا بِعَمَلِهِ.
وَذَنْبٌ تَذِلُّ بِهِ لَدَيْهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ
طَاعَةٍ تُدِلُّ بِهَا عَلَيْهِ، وَأَنِينُ المُسْتَغْفِرِينَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ زَجَلِ المُسَبِّحِينَ المُدِلِّينَ.
وَالمُعْجَبُ لَا يَصْعَدُ لَهُ عَمَلٌ وَلَا يُقْبَلُ،
وَمَا مِنْ بَابٍ هُوَ أَوْسَعُ فِي الْقُدُومِ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- مِنْ بَابِ الانْكِسَارِ.
وَإِنَّ أَخَاكَ إِذَا مَا اِرْتَكَبَ الذَّنْبَ، فَلَعَلَّ
تَعْيِيرَكَ إِيَّاهُ بِهِ يَكُونُ أَكْبَرَ جُرْمًا، وَأَعْظَمَ إِثْمًا مِنْ
ذَنْبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الذَّنْبَ رُبَّمَا أَوْرَثَهُ كَسْرَةً بَيْنَ يَدَيِ
الرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَاِسْتَخْلَصَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
بِهَذَا الذَّنْبِ مِنْ قَلْبِهِ مَا فِيهِ مِنْ شَوَائِبِ كِبْرِهِ وَعُجْبِهِ،
وَيَبُوءُ مَنْ عَيَّرَهُ بِذَلِكَ الذَّنْبِ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا
زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكْمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ))؛
أَيْ وَلَا يُعَيِّرْ.
وَالتَّثْرِيبُ: التَّعْيِيرُ؛ قَالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92].
وَقَدْ خَاطَبَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَعْلَمَ خَلْقِهِ
بِهِ، وَأَقْرَبَهُمْ إِلَيْهِ وَسِيلَةً، وَهُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ
كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإِسْرَاء: 74].
فَالتَّثْبِيتُ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ،
وَالْإِخْلَاصُ إِنَّمَا هُوَ مِنَّةٌ وَمِنْحَةٌ مِنْهُ يُؤْتِيهَا اللهُ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ؛ إِذْ هُوَ سِرٌّ يَجْعَلُهُ
اللهُ رَبُّ الْعَالمينَ فِي قُلُوبِ مَنْ أَحَبَّهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ.
وَيُوسُفُ الصِّدِّيقُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ دِاعِيًا
رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ
أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يُوسُف: 33].
فَالْأَمْرُ أَمْرُكَ، وَالحُكْمُ حُكْمُكَ.
فَلَا يَنْبَغِي مُطْلَقًا أَنْ يَنْظُرَ الْإِنْسَانُ إِلَى
عَاصٍ، فَيُعَيَّرُ ذَلِكَ الْعَاصِي بِمَعْصِيَتِهِ، وَلَا إِلَى مُذْنِبٍ،
فَيُثَرَّبُ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ؛ فَإِنَّ السَّوْطَ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ ذَلِكَ الْعَاصِي
بِيَدِ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ؛ فَلَا تَأْمَنْ أَنْ يُدَارَ ذَلِكَ السَّوْطُ
عَلَيْكَ.
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَخْشَعَ لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى-.
وَقَدْ كَانَ عَامَّةَ دُعَاءِ رَسُولِ
اللهِ ﷺ: ((يَا
مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))، وَهُوَ
رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَلِيلُهُ.
وَكَانَ عَامَّةَ قَسَمِ النَّبِيِّ ﷺ: ((لَا
وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ)).
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّهُ
مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ
-جَلَّ وَعَلَا-، إِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِذَا شَاءَ أَنْ
يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ)).
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ
قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5].
((بَابُ الانْكِسَارِ هُوَ أَوْسَعُ
بَابٍ لِلْقُدُومِ عَلَى اللهِ))
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَخْشَعَ لِرَبِّهِ، وَأَنْ يَسْتَكِينَ
بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ الانْكِسَارِ وَالانْطِرَاحِ بَيْنَ
يَدَيْهِ؛ إِذْ هُوَ عَبْدٌ، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ إِلَهُهُ
وَمَالِكُهُ، وَهُوَ مُصَرِّفُ أَمْرِهِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِيهِ، وَهُوَ –جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ كَانَا مُتَوَاخِيَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ عَابِدًا،
مُقْبِلًا عَلَى رَبِّهِ مُجْتَهِدًا فِي عِبَادَتِهِ، بَاذِلًا نَفْسَهُ فِي
الْعِبَادَةِ لِرَبِّهِ.
وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ
الْعَابِدُ كُلَّمَا مَرَّ بِالمُسْرِفِ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَعَظَهُ وَأَمَرَهُ
وَنَهَاهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَرْعَوِي.
فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ يَوْمًا
لَمَّا لَمْ يَكُفَّ عَمَّا هُوَ عَلَيهِ مِنَ الْإِثْمِ: ((وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لَكَ)).
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((فَقَالَ
اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: مَنْ هَذَا المُتَأَلِّي عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ
لِفُلَانٍ؟! اِشْهَدُوا يَا مَلَائِكَتِي أَنَّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأَحْبَطْتُ
عَمَلَهُ)).
قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ -رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ-: ((فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ))؛
لِأَنَّ الْعَبْدَ رُبَّمَا ((تَكَلَّمَ
بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا؛ يَكْتُبُ اللهُ -جَلَّ
وَعَلَا- عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الْعَبْدَ
لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا،
يُضْحِكُ بِهَا جُلَسَاءَهُ؛ يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)).
فَمَا مِنْ بَابٍ هُوَ أَوْسَعُ فِي الْقُدُومِ عَلَى اللهِ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ بَابِ الانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
وَكَسْرَةُ الْقَلْبِ لِلرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
يَغْفِرُ اللهُ رَبُّ الْعَالمينَ بِهَا الذَّنْبَ، وَيَرْفَعُ اللهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ بِهَا الدَّرَجَاتِ.
وَرُبَّ ذَنْبٍ أَدْخَلَ صَاحِبَهُ الْجَنَّةَ، وَرُبَّ طَاعَةٍ
أَدْخَلَتْ صَاحِبَهَا النَّارَ!!
كَيْفَ ذَلِكَ؟
رَجُلٌ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَأَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ،
فَوَقَعَ فِيهِ بِجَهَالَةٍ غَيْرَ مُجْتَرِئٍ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى-، فَلَمَّا أَنْ أَذْنَبَ الذَّنْبَ؛ أَوْرَثَهُ الذَّنْبُ
اِنْكِسَارًا لِرَبِّهِ، وَإِخْبَاتًا وَخُشُوعًا وَإِنَابَةً، وَتَوْبَةً
وَأَوْبَةً إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالمينَ، وَكَانَ كَشَأْنِ المُؤْمِنِ كَيْفَ
يَكُونُ فِيمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ المَأْمُونُ ﷺ: ((إِنَّ
المُؤْمِنَ يَرَى ذَنْبَهُ كَأَنَّهُ جَبَلٌ يُوشِكُ -أَوْ يَهُمُّ- أَنْ يَقَعَ
عَلَيهِ)).
وَرُبَّ طَاعَةٍ أَدْخَلَتْ
صَاحِبَهَا النَّارَ!!
كَيْفَ ذَلِكَ؟
يُوَفَّقُ لِلطَّاعَةِ، وَلَا يَنْظُرُ لِمَنْ وَفَقَّهُ، فَيَسْتَصْغِرُ
عَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَضِيَ عَمَلَهُ وَنَفْسَهُ
لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَهَذَا عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ لَمْ
يَرْضَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِعَمَلِهِ وَمَا يُحِيطُ
بِهِ مِنَ الْآفَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِنَفْسِهِ، وَكَانَ
عَالِمًا بِمَا يُحِيطُ بِهَا مِنَ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ؛ فَإِنَّهُ لَا
يَرْضَى عَمَلَهُ وَلَا نَفْسَهُ لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة: 27].
فَأَتَى بِالطَّاعَةِ، ثُمَّ أَخَذَ يُعْجَبُ بِهَا، وَيُدِلُّ
بِهَا عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالمينَ؛ فَأَوْرَثَتْهُ تِيهًا
وَعُجْبًا، وَمَا زَالَ ذَلِكَ كَذَلِكَ يَنْمُو فِي قَلْبِهِ،
وَيَتَرَعْرَعُ فِي فُؤَادِهِ؛ حَتَّى كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَبِئْسَ
الْقَرَارُ.
فَرُبَّ ذَنْبٍ أَدْخَلَ صَاحِبَهُ
الْجَنَّةَ، وَرُبَّ طَاعَةٍ أَدْخَلَتْ صَاحِبَهَا النَّارَ.
((طَاعَتُكَ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ
عَلَيْكَ))
فَيَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا مَنَّ اللهُ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- عَلَيْهِ بِطَاعَةٍ أَنْ يَنْسَاهَا، بَلْ يَنْبَغِي عَلَيهِ أَنْ
يَكُونَ مُشْفِقًا مِنْ أَلَّا تُقْبَلَ عِنْدَ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَالنَّاقِدُ بَصِيرٌ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ
وَالْفَحْصِ وَالتَّفْتِيشِ، وَالتَّنْقِيرِ فِي الدَّوَافِعِ وَالْبَوَاعِثِ
الَّتِي تَكُونُ مِنْ وَرَاءِ الْأَعْمَالِ.
فَإِذَا عَمِلَ المَرْءُ عَمَلًا مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ
وَيَرْضَاهُ، وَوَفَّقَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَيْهِ؛ فَيَنْبَغِي
أَنْ يُطَالِعَ المِنَّةَ عَلَيْهِ فَيهِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللهَ –جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- قَدْ وَفَّقَهُ إِلَيْهِ،
وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَوَجَّهَ قَلْبَهُ إِلَى فِعْلِهِ؛ مَا قَوِيَ عَلَى أَنْ
يَأْتِيَ بِهِ، وَلَا أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِهِ.
فَحِينَئِذٍ يَنْظُرُ مُطَالِعًا إِلَى المِنَّةِ -مِنَّةِ
المَنَّانِ الْعَلِيمِ-، ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى قُصُورِ النَّفْسِ،
وَيَنْظُرُ إِلَى حَالِهَا فِي تَرَدِّيهَا؛ فَحِينَئِذٍ يُطَالِعُ
تَقْصِيرَ النَّفْسِ مَعَ مُشَاهَدَةِ المِنَّةِ.
فَإِذَا عَمِلَ عَمَلًا مِمَّا
يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ؛ فَيَنْبَغِي عَلَيهِ
أَنْ يَكُونَ مُشْفِقًا مِنْ أَلَّا يَقْبَلَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
مِنْهُ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا –جَلَّتْ
قُدْرَتُهُ-: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}[المؤمنون: 60].
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُصَحِّحًا لِعَائِشَةَ -رَضِيَ
اللهُ عَنْهَا- مَا فَهِمَتْهُ؛ إِذْ قَالَتْ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! هُوَ
الرَّجُلُ يَزْنِي، وَيَسْرِقُ، وَيَشْرَبُ الخَمْرَ؟
قَالَ: ((لَا يَا
اِبْنَةَ الصِّدِّيقِ، وَإِنَّمَا هُوَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، وَيَتَصَدَّقُ،
وَيَفْعَلُ الخَيرَ، وَيَخْشَى، وَيُشْفِقُ أَلَّا يَقْبَلَ اللهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ مِنْهُ)).
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}[المؤمنون: 60].
فَإِذَا عَمِلَ الْمَرْءُ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ،
وَوُفِّقَ إِلَى طَاعَةٍ مِنَ الطَّاعَاتِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُشْفِقًا
مِنْ أَلَّا يَقْبَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يُهَذِّبِ الْعَمَلَ، وَلَمْ
يُصَفِّهِ؛ حَتَّى يَكُونَ حَقِيقًا بِالقَبُولِ عِنْدَ اللهِ، وَحِينَئِذٍ
يُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِهِ وَجْهُهُ
-عِيَاذًا بِاللهِ، وَلِياذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.
وَأَمَّا إِذَا عَمِلَ سَيَّئَةً: فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ
إِلَيْهَا دَائِمًا كَأَنَّمَا هِيَ جَبَلٌ يَهُمُّ أَنْ يَقَعَ عَلَيهِ؛
لِأَنَّهُ إِذَا اِسْتَصْغَرَ السَّيِّئَةَ وَالذَّنْبَ؛ فَهَذَا دَلَالَةٌ عَلَى
النِّفَاقِ فِي الْقَلْبِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَإِنَّ
المُنَافِقَ لَيَنْظُرُ إِلَى ذَنْبِهِ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ
بِهِ هَكَذَا))، ثُمَّ لَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُفَكِّرُ
فِيهِ بَعْدُ، وَقَدِ اِسْتُنْسِخَ فِي صَحَائِفِ السِّيِّئَاتِ.
وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ
عَامِلٍ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَنْصِبُ المَوَازِينَ الْقِسْطِ لِيَوْمِ
الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ
خَرْدَلٍ أَتَى بِهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَكَفَى بِهِ حَاسِبًا.
وَاللهُ رَبُّ الْعَالمينَ يُقِيمُ الْعَدْلَ، وَيُحِقُّ
الحَقَّ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
((ذِكْرُ الْعَبْدِ للهِ مَحْفُوفٌ
بِذِكْرَينِ مِنَ اللهِ))
وَعَلَى المَرْءِ أَلَّا يُعْجَبَ بِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ
الخَيْرِ وُفِّقَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا المِنَّةُ كُلُّ المِنَّةِ لِمَنْ
وَفَّقَهُ إِلَيْهِ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَذْكُرَ اللهَ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَّا ذَكَرَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَمَا قَالَ
اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي الحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الصَّحِيحِ: ((مَنْ
ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ
ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ)).
فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُعْطِي وَيُجْزِلُ، وَهُوَ
سُبْحَانَهُ الجَوَادُ الْكَرِيمُ، وَنَفْسُ اللهِ أَعْظَمُ.
فَمَنْ ذَكَرَ اللهَ فِي نَفْسِهِ
ذَكَرَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي نَفْسِهِ، وَمَنْ ذَكَرَ اللهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ فِي مَلَأٍ ذَكَرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي مَلأٍ خَيْرٍ
مِنْهُ، ذَكَرَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي المَلَأِ الأَعْلَى.
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ مَنْ ذَكَرَهُ
ذَكَرَهُ، فَأَنْتَ إِذَا ذَكَرْتَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ذَكَرَكَ اللهُ،
وَلَنْ تَذْكُرَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يَذْكُرَكَ أَوَّلًا
بِتَوْفِيقِهِ لِذِكْرِهِ.
فَذِكْرُكَ لِرَبِّكَ مَحْفُوفٌ بِذِكْرَينِ، بِذِكْرٍ
قَبْلَهُ وَبِذِكْرٍ بَعْدَهُ، فَالمِنَّةُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ،
وَلَيْسَ لِلْمَرْءِ مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا التَّوْفِيقُ مِنَ اللهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَالْمَالُ مَالُ اللهِ، وَالمُوَفِّقُ لِلْإِنْفَاقِ
وَالْبَذْلِ هُوَ اللهُ، فَإِذَا وَفَّقَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِلْبَذْلِ،
فَالمَالُ مَالُهُ، وَإِنَّمَا اِسْتَعْمَلَكَ عَلَيْهِ فَوَفَّقَكَ لِبَذْلِهِ
وَإِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِهِ، ثُمَّ يَمُنُّ عَلَيْكَ بَعْدُ بِقَبُولِهِ.
فَاُنْظُرْ إِلَى المِنَنِ المُتَتَابِعَاتِ هَاهُنَا، أَنْ
وَفَّقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِكَسْبِ الرِّزْقِ الحَلَالِ، وَهَدَى
إِلَيْهِ وَأَنْعَمَ عَلَيْكَ بِهِ، ثُمَّ هَدَى الْقَلْبَ لِلتَّخَلِّي عَنْهُ؛
بَذْلًا لِيَقَعَ فِي يَدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ
فِي يَدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ الْأَمِينُ ﷺ:
((أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ
وَقَعَتْ فِي يَدِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ))، ((وَأَنَّ
الْإِنْسَانَ لَوْ تَصَدَّقَ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ، فَإِنَّ اللهَ
-جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- يُنَمِّيهَا لَهُ، وَيُكَثِّرُهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي
أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ -أَيْ:
مُهْرَهُ-؛ حَتَّى تَصِيرَ جَبَلًا مِنَ التَّمْرِ)).
وَهَذَا كُلُّه مِنْ مِنَنِ رَبِّنَا المُتَتَابِعَاتِ، فَإِذَا
أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِالرِّزْقِ، ثُمَّ وَفَّقَكَ لِإِنْفَاقِهِ، فَقَدْ بَقِيَ
أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْكَ.
فَإِذَا قَبِلَ مِنْكَ مَا رَزَقَكَ إِيَّاهُ، وَوَفَّقَكَ
لِإِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِهِ وَهَدَاكَ، ثُمَّ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْكَ بَعْدُ، فَأَيُّ
مِنَّةٍ لَكَ فِي هَذَا؟!
وَإِنَّمَا هُوَ المَانُّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ
الجَوَادُ الْكَرِيمُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
((رَمَضَانُ مَدْرَسَةٌ تُعَلِّمُ
الْعَبْدَ وَتُهَذِّبُهُ))
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَلَّمَ الْأُمَّةَ فِي شَهْرِ
رَمَضَانَ كَيْفَ تَكُونُ عَابِدَةً للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَصَارَ
الشَّهْرُ مَدْرَسَةً لِتَعَلُّمِ الطَّاعَاتِ، وَالْإِقْبَالِ عَلى رَبِّ
الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، وَطَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ.
جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الصِّيَامَ مَدْرَسَةً؛ مِنْ
أَجْلِ أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَعْبُدُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَكَيْفَ
نُحَصِّلُ التَّقْوَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
فَأَنْتُمْ تُحَصِّلُونَ التَّقْوَى
بِصِيَامِكُمْ لِرَبِّكُمْ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ،
وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَى صَائِمًا وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ مُفْطِرٌ، آتٍ بِكُلِّ مَا
حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الصِّيَامِ عَلَيهِ.
وَلَكِنْ لَا يَطَّلِعُ عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهِ سِوَى
اللهِ، وَهُوَ يُرَاقِبُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ.
فِي السِّرِّ بِأَلَّا يَفْسَخَ نِيَّةَ الصَّوْمِ،
فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ النِّيَّةَ، وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ
يَأْتِ بِمُفَطِّرٍ؛ فَقَدْ أَفْطَرَ، فَهَذَا سِرٌّ بَاطِنٌ لَا يَطَّلِعُ
عَلَيهِ إِلَّا اللهُ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى نِيَّةِ الصِّيَامِ لَا يَفْسَخُهَا.
ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ بَعِيدٌ عَنْ كُلِّ مَا
يُفْطِرُ، فِي الجَلْوَةِ كَمَا هُوَ فِي الخَلْوَةِ، فِي السِّرِّ كَمَا هُوَ فِي
الْعَلَنِ، وَالَّذِي يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَالصِّيَامُ يُعَلِّمُنَا التَّقْوَى، وَشَهْرُ رَمَضَانَ
مَدْرَسَةٌ؛ يَتَعَلَّمُ الْإِنْسَانُ فِيهَا كَيْفَ يَكُونُ للهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ مُحَصِّلًا لِلتَّقْوَى.
ثُمَّ هُوَ مَدْرَسَةٌ يَتَعَلَّمُ المَرْءُ فِيهَا كَيْفَ
يُصَلِّي للهِ، وَكَيْفَ يَقُومُ اللَّيْلَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ؛ لِأَنَّ اللهَ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ قِيَامَ اللَّيْلِ شَرَفَ المُؤْمِنِ.
فَشَرَفُ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ كَمَا أَوْحَى
اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِذَلِكَ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ –رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ-: أَنَّ
جِبْرِيلَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: ((يَا
مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاِعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ
مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاِعْلَمْ أَنَّ
شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَأَنَّ عِزَّهُ فِي اِسْتِغْنَائِهِ
عَنِ النَّاسِ)).
((عِشْ مَا
شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ))
وَهَذَا الحَدِيثُ مِنْ أَجَلِّ الْأَحَادِيثِ -وَكُلُّهَا
جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ-، بَيَّنَ فِيهِ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَذَا
الحَدِيثِ المُوحَى بِهِ عَنْ طَرِيقِ جِبْرِيلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الإِنْسَانَ مَا عَاشَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَلْقَى المَوْتَ
كِفَاحًا.
وَقَدْ غَيَّبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عِلْمَهُ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
فَالإِنْسَانُ لَا يَعْلَمُ النِّهَايَةَ: أَيْنَ تَكُونْ، وَلَا
مَتَى تَكُونُ، وَلَا كَيْفَ تَكُونُ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
اِسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ هَذَا وَحْدَهُ، وَهُوَ مِنْ مَفَاتِحِ الْغَيْبِ
الخَمْسَةِ الَّتِي اِسْتَأْثَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِعِلْمِهَا، فَلَمْ
يُطْلِعْ عَلَيْهَا مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا.
فَالمَرْءُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُشْفِقًا؛ ((عِشْ
مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ))، وَعَجَبًا لِمَنْ تُقَرِّبُهُ
أَنْفَاسُهُ مِنْ نِهَايَتِهِ كَالْجَوَادِ الَّذِي يَعْدُو فِي مِضْمَارِهِ إِلَى
قَصَبِ سَبْقِهِ!!
فَمَا مِنْ نَفَسٍ إِلَّا وَهُوَ مُقَرِّبٌ لِلنِّهَايَةِ نَفَسًا،
وَمَا مِنْ لَحْظَةٍ تَمُرُّ إِلَّا وَهِيَ مُقَرِّبَةٌ إِلَى الْقَبْرِ لَحْظَةً،
فَكَيْفَ بِالْأَيَّامِ؟!! فَكَيْفَ بِالْأَعْوَامِ وَالدُّهُورِ تَتَطَاوَلُ
عَلَى المَرْءِ لَا يَرْعَوِي وَلَا يَتُوبُ؟!!
فَبَيَّنَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ الْإِنْسَانَ
مَهْمَا عَاشَ لَا بُدَّ أَنْ يَلْقَى المَوْتَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْقَاهُ
المَوْتُ.
وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَلَكَ المَوْتِ
-وَكَانَ يَأْتِي كِفَاحًا- إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَفَقَأَ
عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَأَرْجَعَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى
مُوسَى، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ المَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: ((ضَعْ
يَدَكَ عَلَى جِلْدِ ثَوْرٍ، فَمَا مِنْ شَعْرَةٍ تَكُونُ تَحْتَ يَدِكَ إِلَّا
وَلَكَ بِهَا سَنَةٌ)).
قَالَ: ((ثُمَّ مَاذَا بَعْدُ؟))
قَالَ: ((ثُمَّ المَوْتُ)).
قَالَ: ((فَالْآنَ)).
لِأَنَّ المَرْءَ لَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى نِهَايَتِهِ،
وَلَا بُدَّ أَنْ يَصِلَ إِلَى غَايَتِهِ، وَالمَوْتُ آتٍ لَا مَحَالَةَ؛ ((يَا
مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ
مُفَارِقُهُ))،وَأَمَّا الَّذِي يُحَبُّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ
يُفَارَقَ أَبَدًا فَهُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
إِنْ أَحْبَبْتَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَهُوَ
مُؤْنِسُكَ فِي الحَيَاةِ، يُزِيلُ وَحْشَتَكَ، وَيُفَرِّجُ كُرْبَتَكَ،
وَيَكْشِفُ هَمَّكَ، وَيَرْفَعُ غَمَّكَ، وَيَحْنُو عَلَيْكَ، وَيُوَصِّلُ كُلَّ
مَحَبَّةٍ وَمَكْرُمَةٍ إِلَيْكَ.
كُلُّ هَذَا وَأَكْثَرُ إِذَا مَا أَحَبَّكَ اللهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ، وَالشَّأْنُ أَنْ يُحِبَّكَ، وَلَيْسَ الشَّأْنُ
أَنْ تُحِبَّهُ، لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُحِبَّ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ
تُحَبَّ.
فَالْكُلُّ يَدَّعِي المَحَبَّةَ لِلرَّبِّ، وَلَكِنَّ
الشَّأْنَ كُلَّ الشَّأْنِ أَنْ يُحِبَّكَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلَا
يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ تُطِيعَ رَسُولَ اللهِ، وَأَنْ تَتَّبِعَ خَلِيلَ
اللهِ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ- {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عِمْران: 31].
فَالشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ أَنْ يُحِبَّكَ، لَيْسَ الشَّأْنُ
أَنْ تُحِبَّهُ، فَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ المَحَبَّةَ وَلَا
يُحَبُّونَ!!
((وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ
فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ)): فَلْتُعَلِّقْ قَلْبَكَ بِمَنْ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ وَمِنَ
الْأَشْيَاءِ، فَلَا بُدَّ أَنْ تُفَارِقَهُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُفَارِقَكَ،
وَأَمَّا الَّذِي لَنْ يُفَارِقَكَ أَبَدًا إِذَا مَا أَحَبَّكَ وَأَحْبَبْتَهُ
بِصِدْقٍ، فَهُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، هُوَ الْبَاقِي
الَّذِي لَا يَحُولُ، وَلَا يَزُولُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
((اعْمَلْ مَا
شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ))
((وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ
فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاِعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ)): لِأَنَّ النَّاسَ يَحْسَبُونَ
أَنَّ مَا عَمِلُوهُ مِنْ عَمَلٍ فَنَسُوهُ، قَدْ نَسِيَهُ اللهُ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى-، وَأَنَّهُ صَارَ هَبَاءً مَنْثُورًا؛ بِحَيْثُ لَا يُرْجَعُ إِلَيْهِ
وَلَا يُحَاسَبُ عَلَيهِ.
وَهَذَا وَهْمٌ عَظِيمٌ مُدَمِّرٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ
الْعَظِيمِ الْأَخِيرِ فِي الْآخِرَةِ بِرِضْوَانِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-،
وَتَحْصِيلِ جَنَّتِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
اِعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ مِنْ صَغِيرٍ
وَكَبِيرٍ، حَتَّى مَا يَأْتِي مِنْكَ مِنْ دَخِيلَةِ الْقَلْبِ، وَمِنْ مَكْنُونِ
السِّرِّ مِمَّا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْفُؤَادُ بِتِلْكَ الْآفَاتِ؛ فَأَنْتَ
مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ يَقِينٍ كَامِنٍ فِي الْقَلْبِ، وَأَمَّا
مَا كَانَ مِنْ إِيمَانٍ مُسْتَكِنٍّ فِي الضَّمِيرِ، فَذَلِكَ عَلَيهِ الْعَطَاءُ
الْكَبِيرُ، وَالْفَضْلُ الجَزِيلُ.
((اعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ
قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ))
((اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ
مَجْزِيٌّ بِهِ، وَاِعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ)): وَشَهْرُ رَمَضَانَ مَدْرَسَةٌ فِي تَعْلِيمِ الْأُمَّةِ كَيْفَ
تَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا -جَلَّ وَعَلَا- سَائِرَ الْعَامِ.
فَهَذَا الْقِيَامُ الَّذِي كَانَ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ،
وَالَّذِي سَنَّهُ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، هَذَا الْقِيَامُ مَمْدُودٌ
طُولَ الْعَامِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَا
يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ، وَالنَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا، فَيَحْسَبُونَ أَنَّ
رَمَضَانَ إِنَّمَا خُصَّ بِالْقِيَامِ دُونَ سَائِرِ لَيَالِي الْعَامِ، وَهَذَا
خَطَأٌ شَنِيعٌ!
بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مُعْلَنٌ بِهِ فِي مَسَاجِدِ اللهِ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِيَجْتَمِعَ المُسْلِمُونَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلِكَيْ
يَسْمَعَ مَنْ لَا يَحْفَظُ، وَمَنْ لَا يُحْسِنُ فِي الْقُرْآنِ يَقْرَأُ؛
لِيَسْمَعَ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى، حَتَّى يَسْتَنِيرَ بِهَا قَلْبُهُ، وَحَتَّى
يَطْمَئِنَّ بِهَا فُؤَادُهُ، وَحَتَّى تُشْرِقَ بِهَا رُوحُهُ، إِذَا كَانَ
غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى تِلَاوَتِهَا، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ حَامِلٍ لَهَا.
ثُمَّ إِنَّ الْعِبَادَةَ فِي مَجْمُوعٍ مِنَ الخَلْقِ
تَكُونُ أَهْوَنَ.
وَنَزِّلْ ذَلِكَ عَلَى صِيَامِكَ فِي رَمَضَانَ،
وَصِيَامِكَ فِي سَائِرِ أَيَّامِ الْعَامِ دُونَ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّكَ تَجِدُ فِي
صَوْمِ رَمَضَانَ خِفَّةً؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَصُومُونَ جَمِيعًا، وَهَذَا
يُهَوِّنُ الْأَمْرَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَيُخَفِّفُهُ عَلَى الْآتِي بِهِ.
فَسَنَّ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ الْقِيَامَ فِي لَيَالِي
رَمَضَانَ، وَهَذَا فِي الْعَامِ كُلِّهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَقُومُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
مَا تَيَسَّرَ لَهُ أَنْ يَقُومَ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُمْ لَيْلَةً
لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شُغُلٍ؛ فَإِنَّهُ يَقْضِي ذَلِكَ -رُبَّمَا فِي
النَّهَارِ- ﷺ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ كَبِيرٌ فَهُوَ شَرَفُ المُؤْمِنِ.
وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا الشَّرَفِ فَإِنَّهُ لَا شَرَفَ
لَهُ، وَمَنْ لَا شَرَفَ لَهُ فَهُوَ وَضِيعٌ مُنْحَطٌّ.
((وَاِعْلَمْ
أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ)): هَكَذَا بِالتَّأْكِيدِ
بِالْجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ وَبِإِدْخَالِ ((إِنَّ)) عَلَيْهَا، وَبِهَذَا
الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى شَحْذِ الهِمَّةِ؛ مِنْ أَجْلِ تَلَقِّي مَا يُلْقَى
إِلَى الْعَقْلِ وَالرُّوحِ بَعْدُ.
((عِزُّ المُؤْمِنِ فِي
اِسْتِغْنَائِهِ عَنِ النَّاسِ))
((وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ
المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَأَنَّ عِزَّهُ فِي اِسْتِغْنَائِهِ عَنِ
النَّاسِ)): أَنْ يَكُفَّ اللهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ حَاجَتَهُ؛ حَتَّى لَا تَكُونَ مَمْدُودَةً إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ،
وَإِنَّمَا تَبْسُطُ يَدَيْكَ لَهُ وَحْدَهُ، وَتَطْلُبُ مِنْهُ وَحْدَهُ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ قَدْ أَخَذَ الْعَهْدَ
عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَلَّا يَسْأَلَ الْوَاحِدُ أَحَدًا مِنَ
الخَلْقِ شَيْئًا، فَرُبَّمَا وَقَعَ مِنْ أَحَدِهِمْ سَوْطُهُ وَهُوَ عَلَى
نَاقَتِهِ، فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ نَزَلَ فَالْتَقَطَهُ، فَيُقَالَ لَهُ: فَهَلَّا
أَمَرْتَنَا حَتَّى نَأْتِيَكَ بِهِ، وَلَا تُعَنِّ نَفْسَكَ بِهَذَا الْبُرُوكِ
لِلنَّاقَةِ، ثُمَّ هَذَا النُّزُولِ عَنْهَا، ثُمَّ هَذَا الانْحِنَاءِ
لِالْتِقَاطِ السَّوْطِ، فَهَلَّا أَمَرْتَنَا فَنَاوَلْنَاكَهُ؟!
فَيَقُولُ: إِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قَدْ عَاهَدَنَا أَلَّا نَسْأَلَ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ شَيْئًا.
وَإِنَّمَا نَسْأَلُ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالَّذِي عِنْدَهُ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ، وَمَاذَا يَمْلِكُ النَّاسُ مَهْمَا مَلَكُوا، مَاذَا يَمْلِكُونَ؟!!
إِنَّمَا هُمْ يَمْلِكُونَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا مَلَّكَهُمُ اللهُ
رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَلْنَرْفَعْ حَوَائِجَنَا إِلَيْهِ، وَلِنُنْزِلْ
حَاجَاتِنَا بِهِ؛ فَهُوَ لَا يَرُدُّ سَائِلًا.
وَإِذَا سَأَلْتَهُ فَإِنَّهُ -جَلَّ
وَعَلَا- لَا بُدَّ أَنْ يَحْبُوَكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُعْطِيَكَ، وَلَكِنَّنَا
قَوْمٌ مُسْتَعْجِلُونَ؛ لِأَنَّنَا إِذَا طَلَبْنَا شَيْئًا فَإِنَّنَا نُرِيدُ
أَنْ يُحَقِّقَهُ اللهُ لَنَا بِعَيْنِهِ كَمَا طَلَبْنَاهُ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي أُصُولِ الْعَطَاءِ الَّتِي
دَلَّ عَلَيْهَا سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ ((مَا مِنْ
عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَاجَةً مِمَّا يُحِبُّهُ
اللهُ وَيَرْضَاهُ؛ إِلَّا أَعْطَاهُ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ
مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا سَأَلَ، وَلَا يُعْطِيَهُ شَيْئًا، وَإِمَّا أَنْ
يُعْطِيَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَا سَأَلَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُفَّ
عَنْهُ مِنَ الْبَلَاءِ بِقَدْرِ مَا سَأَلَ)).
فَأَنْتَ مُعْطًى عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَنْتَ مَحْبُوٌّ مِنَ
عَطَاءِ الْكَرِيمِ الجَوَادِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
فَلْتَرْفَعْ حَاجَتَكَ إِلَيْهِ، وَلْتُنْزِلْ حَوَائِجَكَ
بِهِ وَحْدَهُ؛ فَاِقْصِدْهُ؛ فَإِنَّ بَابَهُ لَا يُرَدُّ عَنْهُ سَائِلٌ، وَلَا
يُخَيَّبُ لَهُ قَاصِدٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الحَكِيمُ.
وَهُوَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُعْطِي عَلَى مُقْتَضَى
حِكْمَتِهِ، وَرُبَّمَا طَلَبْتَ شَيْئًا كَانَ فِيهِ هَلَاكُكَ، فَإِذَا كَفُّهُ
عَنْكَ فَقَدْ أَعْطَاكَ، فَهَذَا عَطَاءٌ وَإِنْ بَدَا سَلْبًا، وَإِنْ ظَهَرَ
حِرْمَانًا، وَلَكِنَّهُ عَطَاءٌ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ عَطَاءٌ
عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ.
وَاللهُ يَعْلَمُ مَا سَيَكُونُ، فَإِذَا حَمَاكَ مِنَ الدُّنْيَا؛
فَكَالْمَرِيضِ الَّذِي تُحِبُّهُ، تَحْمِيهِ مِمَّا يَشْتَهِيهِ مِنْ طَعَامٍ،
وَشَرَابٍ، وَمَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ وَأَنْتَ تُحِبُّهُ.
كَالْمَرِيضِ الَّذِي تُحِبُّهُ،
تَمْنَعُ عَنْهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَأَنْتَ تُحِبُّهُ، وَإِنَّمَا
تَمْنَعُهُ؛ لِأَنَّكَ تُحِبُّهُ؛ لِأَنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَهُ مِنْ هَذَا الَّذِي
يُحِبُّهُ؛ لَقَضَى وَمَضَى، وَكَانَ فِي ذَلِكَ هَلَاكُهُ، فَأَنْتَ لَمْ
تَمْنَعْهُ بُغْضًا وَلَا بُخْلًا، وَإِنَّمَا مَنَعْتَهُ عَلَى مُقْتَضَى
الْحِكْمَةِ؛ لِمَحَبَّتِكَ إِيَّاهُ، وَلِتَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ، وَالْقِيَامِ
عَلَى مَا يَنْفَعُهُ.
وَللهِ المَثَلُ الْأَعْلَى؛ فَإِنَّ اللهَ –جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- قَدْ تَسْأَلُهُ فَلَا
يُعْطِيكَ، لَا تَحْسَبَنَّ أَنَّكَ لَا مَنْزِلَةَ لَكَ عِنْدَهُ، وَمَنْ
أَدْرَاكَ؟! لَعَلَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَرَادَ أَنْ يَحْمِيَكَ كَمَا
تَحْمِي مَرِيضَكَ أَنْتَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، فَلَمْ يُعِطْكَ؛ لِأَنَّهُ
لَوْ أَعْطَاكَ أَرْدَاكَ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ عَطَاءً مَا أَعْطَاكَ، بَلْ
يَكُونُ سَلْبًا وَحِرْمَانًا فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ.
((وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ
المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَأَنَّ عِزَّهُ فِي اِسْتِغْنَائِهِ عَنِ
النَّاسِ)).
((كَيْفَ نُحَقِّقُ الْإِخْلَاصِ
وَالتَّقْوَى؟))
شَهْرُ رَمَضَانَ يُعَلِّمُنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ
أُصُولَ الْعِبَادَةِ: كَيْفَ نْخْلِصُ الْأَعْمَالَ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-، كَيْفَ
نُحَصِّلُ التَّقْوَى؟
وَالتَّقْوَى فِي أَجْمَعِ التَّعْرِيفَاتِ هِيَ: فِعْلُ
المَأْمُورَاتِ، وَتَرْكُ المَنْهِيَّاتِ، أَنْ تَفْعَلَ مَا بِهِ
أُمِرْتَ، وَأَنْ تَكُفَّ عَمَّا عَنْهُ نُهِيتَ.
فَهَذِهِ هِيَ التَّقْوَى، وَهَذَا
مِنْ أَجْمَعِ مَا يَكُونُ، فَإِنْ فَعَلْتَهُ؛ فَقَدِ اِسْتَوَى ظَاهِرُكَ
وَبَاطِنُكَ، وَكَانَ لَكَ مِنَ اللهِ الْمَحَلُّ الْأَسْنَى، وَكُنْتَ مِنْهُ
قَرِيبًا، وَلَدَيْهِ حَبِيبًا؛ لِأَنَّكَ تَأْتِي مَا يُحِبُّهُ، وَتَذَرُ مَا
يُبْغِضُهُ.
وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُحِبُّ أَوْلِيَاءَهُ، وَهُوَ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُدَافِعُ عَنْهُمْ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ
عُدْوَانًا عَلَيْهِمْ.
فَإِذَنْ، تُحَصَّلُ التَّقْوَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
بِالصِّيَامِ، تَتَعَلَّمُ الصَّبْرَ فِيهِ، وَالصَّبْرُ فِيهِ إِنَّمَا يَكُونُ
صَبْرًا عَلَى الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ وَالْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ؛ لِأَنَّ
أَوَامِرَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ المُنَزَّلَةَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
شَرْعِيَّةٌ وَكَوْنِيَّةٌ.
وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ،
وَخَلَقَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ مُتَنَزَّلًا بَيْنَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، شَرْعًا وَقَدَرًا؛ لِكَيْ نَعْرِفَ اللهَ رَبَّ
الْعَالَمِينَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهَذَا تَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ
وَالصِّفَاتِ.
وَتَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوْحِيدِ
الْأُلُوهِيَّةِ، وَمُسْتَلْزِمٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَهُوَ تَوْحِيدٌ
كُلُّهُ، {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}[الطَّلَاق: 12].
مِثْلُهُنَّ عَدَدًا لَا صِفَةً، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي الصِّفَةِ وَالْكَمِّ وَالْمِقْدَارِ،
وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ سَبْعًا وَهَذِهِ سَبْعًا، فَهِيَ
كَمِثْلِهَا عَدَدًا لَا صِفَةً، {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} قَدَرًا وَشَرْعًا.
الْأَوَامِرُ الشَّرْعِيَّةُ فِيمَا يَصْلُحُ بِهِ الخَلْقُ، وَمَا
يُوحِيهِ الرَّبُّ -جَلَّ وَعَلَا- لِرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ؛ لِهِدَايَةِ
النَّاسِ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الْوَحْيُ.
وَسُمِّيَ وَحْيًا؛ لِأَنَّهُ تَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ،
فَالْحَيَا الَّذِي هُوَ الْمَطَرُ تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ بَعْدَ مَوْتِهَا إِذَا
مَا أَصَابَهَا غَيْثُ السَّمَاءِ بِأَمْرِ رَبِّهَا وَخَالِقِهَا وَإِلَهِهَا،
فَكَذَلِكَ الْوَحْيُ، تَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ المَيِّتَةُ، وَتُسْتَنْقَذُ بِهِ
الْأَرْوَاحُ الشَّارِدَةُ، وَتُعَادُ بِهِ الْأَجْسَامُ عَنْ شُرُودِهَا وَنِفَارِهَا؛
لِكَيْ تُقَامَ عَلَى صِرَاطِ رَبِّهَا.
فَيُنَزِّلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ السَّمَاءِ
إِلَى الْأَرْضِ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ، وَالْأَمْرَ الْقَدَرِيَّ الْكَوْنِيَّ
فِي تَصْرِيفِ خَلْقِهِ، فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتِةِ، فِي الرِّزْقِ، فِي
المَعَزَّةِ وَالمَذَلَّةِ، فِي الْإِعْزَازِ وَالْإِذْلَالِ، فِي الرَّفْعِ
وَالْخَفْضِ، فِي الْعَطَاءِ وَالمَنْعِ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا رَادَّ
لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، {يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} قَدَرًا وَشَرْعًا {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ
قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}[الطَّلَاق: 12].
يُعَلِّمُنَا هَذَا الشَّهْرُ بِالصِّيَامِ كَيْفَ نَصْبِرُ عَلَى
أَوَامِرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَلَى أَقْدَارِهِ
الْكَوْنِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَرَضَ عَلَيْنَا الصِّيَامَ،
وَفِيهِ حِرْمَانٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ.
فِيهِ ضَبْطٌ لِلْغَرِيزَةِ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَنْكَحٍ.
فِيهِ ضَبْطٌ لِلنَّفْسِ عَلَى صِرَاطِ اللهِ المُسْتَقِيمِ.
وَهَذَا أَمْرٌ تَتَمَلْمَلُ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَتَجْزَعُ مِنْهُ
الْقُلُوبُ إِلَّا إِذَا اِطْمَأَنَّتْ بِذِكْرِ رَبِّهَا، وَأَنَابَتْ إِلَى
أَوَامِرِ نَبِيِّهَا ﷺ، فَفِي هَذَا مَشَقَّةٌ،
فَيَحْتَسِبُ المَرْءُ مَا يَجِدُ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَمِنَ الْعَنَاءِ، وَمِنَ
الْعَطَشِ، وَمِنَ الجُوعِ، وَمِنَ الحِرْمَانِ...هَذَا كُلُّهُ يَحْتَسِبُهُ
عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَهُوَ يَصْبِرُ عَلَى مَا فَرَضَ عَلَيْهِ رَبُّهُ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ أَمْرٍ، وَيَكُونُ مُحْتَسِبًا فِيمَا أَصَابَهُ مِنَ
الْأَمْرِ شَرْعًا وَقَدَرًا، وَلَا يَنَالُهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إِلَّا
الخَيْرُ.
((الصِّيَامُ وَالْقِيَامُ
مُمْتَدَّانِ طُوَالَ الْعَامِ))
يُعَلِّمُنَا هَذَا الشَّهْرُ بِصِيَامِهِ كَيْفَ نَفْزَعُ إِلَى
اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِحِرْمَانِ النَّفْسِ مِنْ بَعْضِ مَا تُحِبُّ؛
حَتَّى نُحِسَّ بِالمَحْرُومِ حَقًّا وَصِدْقًا: بِمَنْ لَمْ يُؤْتِهِ اللهُ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَا آتَانَا، بِالَّذِي يَجِدُ مَسَّ الجُوعِ، وَالَّذِي
يُعَانِي مِنْ حَبْسِ الْقَطْرِ عَنِ الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُ قَطْرَةَ المَاءِ،
وَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يُعَانُونَ مِنَ الجَفَافِ فِي الْعَالِمِ!!
فَإِذَا أَنْتَ وَصَلْتَ إِلَى الرِّيِّ؛ فَاِحْمَدِ اللهَ عَلَى
مَا آتَاكَ، وَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ مَلْكِكَ، وَبِغَيْرِ قُدْرَةٍ
مِنْكَ وَلَا حَوْلٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا طَوْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ المُتَفَضِّلُ
وَحْدَهُ، وَهُوَ المَانُّ وَحْدَهُ،
يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَقْضِي بِمَا يُرِيدُ.
*فَضْلُ صِيَامِ
سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ:
وَهَذَا مُمْتَدٌّ فِي سَائِرِ
الْعَامِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ: مَا يَكُونُ بِعَقِبِ عِيْدِ الْفِطْرِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ
كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوبَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-
يَرْفَعُهُ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا
مِنْ شَوَّالٍ؛ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)).
وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا، وَبَيَّنَ هَذَا
الْإِجْمَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، قَالَ: ((شَهْرٌ
بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ، وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بِشَهْرَينِ)) أَيْ:
بِسِتِّينَ يَوْمًا؛ إِذِ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهَذَا تَمَامُ
الْعَامِ؛ فَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ؛ كَانَ
كَأَنَّمَا صَامَ الْعَامَ كُلَّهُ.
*فَضْلُ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ
مِنْ كُلِّ شَهْرٍ:
وَدَلَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْوَصْفَةِ النَّبَوِيَّةِ
نَسْتَخْرِجُ بِهَا غِشَّ الصَّدْرِ، نُخْرِجُ بِهِ مَا فِي هَذَا الصَّدْرِ مِنْ
غِشِّهِ وَوَسَاوِسِهِ، وَمَا يُحِيطُ بِالْقَلْبِ مِنْ غَبَشِهِ وَنَكَدِهِ؛
لِكَيْ يَكُونَ خَالِصًا للهِ، مَحَلًّا لِنُزُولِ فُيُوضَاتِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ؛
إِذْ هُوَ مَحَلُّهُ وَمَرْبَاهُ، وَلَا مَرْبَى لَهُ سِوَاهُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((صِيَامُ
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ)).
وَوَحَرُ الصَّدْرِ: غِشُّهُ، وَوَسَاوِسُهُ.
فَمَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ غِشًّا
عَلَى المُسْلِمِينَ -وَيَنْبَغِي عَلَى المَرْءِ أَنْ يُنَقِّبَ فِي قَلْبِهِ؛
إِلَّا إِذَا كَانَ قَدِ اِسْتَحْكَمَ الْغِشُّ فِي قَلْبِهِ، وَدَخَلَ عَلَى
فُؤَادِهِ مِنْ أَقْطَارِهِ جَمِيعًا فَصَارَ قَلْبُهُ فِي غُلَافٍ، فَصَارَ
أَغْلَفَ، حِينَئِذٍ لَا يَنْفُذُ إِلَيْهِ مِنْ نُورِ الهِدَايَةِ شَيْءٌ إِلَّا
أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا- فَمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛
فَهَذَا دَوَاؤُهُ كَمَا وَصَفَهُ لَهُ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ: ((صِيَامُ ثَلَاثَةِ
أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ)).
إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ يَوْمًا قُعُودًا عَنِ الانْطِلَاقِ
فِي تَحْصِيلِ الطَّاعَاتِ فَخَفْ عَلَى نَفْسِكَ؛ لِأَنَّ اللهَ ذَكَرَ
أَقْوَامًا فَقَالَ: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ
فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}[التَّوْبَة: 46].
فَإِذَا وَجَدْتَ تَثْبِيطًا عَنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ
فَخَفْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ قَدْ كَرِهَ انْبِعَاثَكَ، فَثَبَّطَكَ،
فَيَكُونُ التَّثْبِيطُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ انْبِعَاثَكَ، لَا يُرِيدُكَ
بَيْنَ يَدَيْهِ، نَسْأَلُ اللهَ عَائِذِينَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ
عَلَيْنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ هُوَ الْجَوَادُ الرَّحِيمِ.
فَيَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَخَافَ، وَقَدْ بَيَّنَ
لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ
شَهْرٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ فَكَأَنَّمَا صَامَ الْعَامَ، فَحَدَّدَ لَنَا
أَيَّامَ الْبِيضِ ﷺ: «الثَّالِثَ
عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالخَامِسَ عَشَرَ».
وَهِيَ الْأَيَّامُ الَّتِي يَكُونُ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا
سَوَاءً، فِي أَيِّ شَيْءٍ؟
فِي الْإِنَارَةِ وَالظُّهُورِ؛ لِأَنَّ الْقَمَرَ لَا يَغِيبُ،
فَيَظَلُّ نُورُهُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَالشَّمْسُ تَكُونُ طَالِعَةً
بِالنَّهَارِ، فَهِيَ الْأَيَّامُ الْبِيضُ.
وَللْقَمَرِ جَذْبٌ بِجَزْرٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَيُؤَثِّرُ
الْقَمَرُ بِجَذْبِهِ عَلَى الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ وَالْعُقُولِ فِيمَا
يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ -فِي عِلْمِ وَظَائِفِ الْأَعْضَاءِ فِي تَجَارِبِهِمْ-
يُسَمُّونَهُ بِالجُنُونِ الْقَمَرِيِّ؛ لِأَنَّ الجَرِيمَةَ تَكْثُرُ فِي هَذِهِ
الْأَيَّامِ؛ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِصِيَامِهَا، لَا لِهَذَا،
وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِصِيَامِهَا، فَعَلِمَ النَّاسُ
حِكْمَةً مِنَ الحِكَمِ فِي الْأَمْرِ بِالصِّيَامِ فِيهَا، وَهُوَ هَذَا، وَمِنْ
وَرَاءِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ.
ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ بِثَلَاثِينَ؛ إِذِ
الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَحَبُّ
الصِّيَامِ إِلَى اللهِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ الَّذِي
تُسَمُّونَهُ المُحَرَّمُ)).
فَالصِّيَامُ فِي شَهْرِ اللهِ الحَرَامِ المُحَرَّمِ
أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ بَعْدَ الصِّيَامِ فِي رَمَضَانَ، وَأَحَبُّ
الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ: مَا كَانَ فِي
جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى-.
فَبَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ طَرِيقَةَ الصِّيَامِ فِي سَائِرِ
الْعَامِ، وَبَيَّنَ أَنَّ «أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ
دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا».
وَحَضَّنَا عَلَى صَوْمِ يَوْمِ
عَرَفَةَ، وَصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهُنَالِكَ أَيْضًا مَا يَكُونُ
هُنَالِكَ مِنْ صَوْمِ تِسْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ أَوَائِلِ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ،
وَفِيهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَهِيَ أَيَّامٌ مُبَارَكَاتٌ،
وَمَوْسِمٌ جَلِيلٌ مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ.
وَيَتَطَوَّعُ المَرْءُ لِلرَّبِّ -جَلَّ وَعَلَا-؛ لِأَنَّ
الْإِنْسَانَ إِذَا صَامَ للهِ يَوْمًا، وَكَانَ صِيَامُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛
بَعَّدَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا،
وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ
صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ؛ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَيْنَهُ
وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)).
وَجَاءَ أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! دُلَّنِي
عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ.
قَالَﷺ: ((عَلَيْكَ
بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ)). أَيْ: لَا يُعَادِلُهُ
وَلَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ، لَا مُسَاوِيَ لَهُ.
فَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لَا يُرَى فِي
بَيْتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ دُخَانٌ [1]؛ إِذْ كَانُوا صُوَّامًا، فَإِذَا رُئِيَ الدُّخَانُ فِي بَيْتِ
أَبِي أُمَامَةَ؛ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ طَرَقَهُمْ ضَيْفٌ، رِضْوَانُ اللهِ
-تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ.
*فَضْلُ قِيَامِ اللَّيْلِ:
وَبَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْقِيَامَ مُمْتَدٌّ فِي الْعَامِ، وَأَنَّ
الرَّبَّ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ،
فَمَنِ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ
فَلْيَكُنْ.
أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ
الْآخِرِ، وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ فِي سُجُودِهِ بَيْنَ
يَدَيْ رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ، يُعَفِّرُ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ ذُلًّا للهِ،
وَخُضُوعًا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاهُ، فَإِذَا رُوجِعَ قَالَ: ((أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا))
ﷺ.
النَّبِيُّ ﷺ
أَخْبَرَنَا أَنَّ ((مَنْ
قَامَ اللَّيْلَ بِعَشْرِ آيَاتٍ؛ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ
اللَّيْلَ بِمِائَةِ آيَةٍ؛ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ
بِأَلْفِ آيَةٍ؛ كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِينَ)).
وَالمُقَنْطِرُونَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ قِنْطَارًا مِنَ
الْأَجْرِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَمَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ فِي لَيْلَةٍ؛ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ
الْغَافِلِينَ.
وَ((مَنْ
قَامَ بِاللَّيْلِ، فَأَيْقَظَ اِمْرَأَتَهُ، فَصَلَّيَا جَمِيعًا رَكْعَتَينِ؛
كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا
وَالذَّاكِرَاتِ)) كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ.
وَدَعَا نَبِيُّنَا ﷺ بِالرَّحْمَةِ لِمَنْ يَقُومُ بِاللَّيْلِ يُصَلِّي
رَكْعَتَيْنِ، وَيُوقِظُ اِمْرَأَتَهُ، فَإِنْ قَامَتْ وَإِلَّا نَضَحَ فِي
وَجْهِهَا المَاءَ؛ ((رَحِمَ
اللهُ رَجُلًا قَامَ بِاللَّيْلِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَيْقَظَ أَهْلَهُ،
فَإِنْ قَامَتْ وَإِلَّا نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ اِمْرَأَةً
قَامَتْ بِاللَّيْلِ فَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ
قَامَ وَإِلَّا نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ)).
إِنَّ الْأَمْرَ جِدُّ خَطِيرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ ((فِي الجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ
بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا)).
قَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا
فِي حَدِيثِ اِبْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ
اللهِ؟
قَالَ: ((لِمَنْ
أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ، وَقَامَ
بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)).
عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ
وَمِنْ أَحْبَارِهِمْ قَبْلُ، ثُمَّ أَسْلَمَ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- -رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ؛ انْجَفَلَ النَّاسُ لِلِقَائِهِ،
قَالَ: وَذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ فِي وَجْهِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ
وَجْهَهُ؛ عَلِمْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ ﷺ، قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَا
سَمِعْتُ مِنْهُ أَنْ قَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلَامَ،
وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا
الجَنَّةَ بِسَلَامٍ)).
فَهَلُمَّ إِلَى قِيَامِ اللَّيْلِ،
وَمَا كَانَ مِنْ قِيَامٍ فِي رَمَضَانَ فَقِسْ عَلَيْهِ، وَأَقْصَى ذَلِكَ كَمَا
بَيَّنَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فِي رَمَضَانَ
وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ، كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا ﷺ ))، وَرُبَّمَا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ قُعُودٍ ﷺ.
وَأَقَلُّهُ: أَنْ تُصَلِّيَ للهِ رَكْعَةً وَاحِدَةً.
*مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الْوِتْرَ أَبَدًا:
وَالنَّبِيُّ ﷺ
مَا تَرَكَ الْوِتْرَ أَبَدًا، لَا فِي حَلٍّ وَلَا فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي
الْوِتْرَ ﷺ، وَهُوَ قِيامُ اللَّيْلِ،
فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ؛ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، فَتُوتِرُ لَهُ مَا كَانَ شَفْعًا قَبْلُ
مِنْ صَلَاتِهِ.
وَصَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى،
وَلِصَلَاةِ اللَّيلِ صُوَرٌ دُونَ ذَلِكَ، فَكَانَ ﷺ لَا يَدَعُ الْوِتْرَ، لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ – صَلَّى
اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِفِعْلِ الطَّاعَاتِ،
وَاِجْتِنَابِ المُنْكَرَاتِ، وَأَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا
تُرْضِيهِ وَيَرْضَى بِهَا عَنَّا؛ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى
آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحينَ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى
يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ دِيمَةً))
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، كَانَ عَمَلُهُ دَائِمًا لَا
يَنْقَطِعُ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ.
فَلْتَكُنْ مُوَاظِبًا عَلَى فِعْلِ الخَيْرِ وَإِنْ كَانَ
قَلِيلًا، وَلَكِنْ دَاوِمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّكَ إِنْ دَاوَمْتَ عَلَيْهِ؛ كَانَ
سَجِيَّةً وَعَادَةً، فَلَا تَكَادُ النَّفْسُ تَنْقَطِعُ عَنْهُ بَعْدُ حَنِينًا
إِلَيْهِ، وَإِقْبَالًا عَلَيْهِ، وَأَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ.
وَكَانَ عَمَلُهُ ﷺ
دِيمَةً؛ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامٍ بِاللَّيْلِ بِصَلَاةٍ، وَلَوْ كَحَلْبِ شَاةٍ،
وَلَا بُدَّ مِنْ صِيَامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ؛ وَلَوْ أَنْ يَصُومَ الاِثْنَيْنَ
وَالخَمِيسَ، فَإِنْ كَانَ شَاقًّا عَلَيْهِ؛ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ الْبِيضِ.
لَا بُدَّ أَنْ يَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ شَيْئًا؛ لِكَيْ تَعْتَادَ
النَّفْسُ فَطْمَهَا عَمَّا تُحِبُّ وَتَهْوَى؛ لِكَيْ تَكُونَ قَائِمَةً عَلَى
مَرْضَاةِ رَبِّهَا الْعَلِيِّ الْأَعْلَى.
*الْإِقْبَالُ عَلَى قِرَاءَةِ،
وَمُدَارَسَةِ الْقُرْآنِ طُوَالَ الْعَامِ:
وَالنَّبِيُّ ﷺ
عَلَّمَنَا فِي رَمَضَانَ كَيْفَ نُقْبِلُ عَلَى كِتَابِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ
وَتَعَالَى- تَالِينَهُ، مُتَدَارِسِينَهُ، مُتَعَلِّمِينَهُ، فَاقِهِينَهُ.
فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي
رَمَضَانَ؛ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ
أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي
وَنَفْسِي ﷺ.
وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَيُدَارِسُهُ
الْقُرْآنَ مَرَّةً فِي رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ
الَّذِي قُبِضَ فِيهِ؛ دَارَسَهُ جِبْرِيلُ مَرَّتَيْنِ.
فَمُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ مَعْلَمٌ مِنْ مَعَالِمِ رَمَضَانَ،
وَهِيَ مُمْتَدَّةٌ طُولَ الْعَامِ، وَقَدْ أَنْذَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنْذَارٍ شَدِيدٍ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَسَمًا
بِالْعَلِيِّ الحَمِيدِ المَجِيدِ، فَقَالَ: ((وَالَّذِي
نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ إِنَّهُ –يَعْنِي:
الْقُرْآنَ- أَشَدُّ
تَفَصِّيًا –أَيْ:
تَفَلُّتًا- مِنَ
الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا)).
تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، وَاظِبُوا عَلَى النَّظَرِ فِيهِ،
وَتِلَاوَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ، وَالْإِحَاطَةِ بِمَرَامِيهِ.
((تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ؛ فَوَالَّذِي
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَأَشَدُّ تَفَصِّيًا –أَيْ: تَفَلُّتًا- مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا)).
((مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ
الْإِبِلِ المُعَقَّلَةِ –أَيِ:
الْإِبِلِ الَّتِي عَقَلَهَا، فَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهَا عِقَالًا؛ بِحَيْثُ
إِنَّهُ قَيَّدَهَا فَلَا تَذْهَبُ-، إِذَا
عَاهَدَ عَلَيْهَا حَفِظَهَا، وَإِذَا تَرَكَهَا ذَهَبَتْ)).
وَتَأَمَّلْ هَذَا المَثَلَ؛ فَإِنَّهُ نَادِرٌ وَعَزِيزٌ: لَوْ
عِنْدَكَ إِبِلٌ لَمْ تَعْقِلْهَا؛ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ مِنْكَ فِي كُلِّ سَبِيلٍ،
وَتَصِيرُ شَرُودًا لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ أَنْ تَجْمَعَ مِنْهَا وَاحِدًا،
وَكَذَلِكَ آيَاتُ الْكِتَابِ المَجِيدِ؛ إِذَا لَمْ تُعَاهِدْ عَلَيْهَا
بِمُدَوَامَةِ النَّظَرِ فِيهَا، وَتِلَاوَتِهَا، وَمُرَاجَعَتِهَا؛ فَإِنَّهَا
تَذْهَبُ عَنْكَ، وَقَدْ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، لَمْ
يَكْذِبْ، ولَمْ يُكْذَبْ ﷺ.
وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ، كَمَا فِي
حَدِيثِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ
أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)).
يَرْفَعُ أَقْوَامًا يَتْلُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ، يَرْفَعُ
أَقْوَامًا يُطَبِّقُونَهُ، يَأْخُذُونَ بِحَلَالِهِ وَيَدَعُونَ مَا حَرَّمَ،
وَيَنْزَجِرُونَ بِزَوَاجِرِهِ وَيَتَّعِظُونَ بِمَوَاعِظِهِ، وَيُحَوِّلُونَهُ
إِلَى سُلُوكٍ وَحَيَاةٍ نَابِضَةٍ خَافِقَةٍ بِالطُّهْرِ وَالْعَفَافِ، فَيَكُونُ
فِي الدُّنْيَا النَّمَاءُ وَالْبَقَاءُ وَالْعَطَاءُ، وَيَنْمَحِي عَنِ
الدُّنْيَا الشَّقَاءُ وَالظُّلْمُ وَالْعَسْفُ وَالْجَوْرُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ
تَطْبِيقَ كِتَابِ اللهِ يَنْفِي عَنِ الدُّنْيَا هَمَّهَا وَكَرْبَهَا
وَشَقَاءَهَا وَأَلَمَهَا.
إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا يَتْلُونَهُ،
يَفْقَهُونَ مَعَانِيهِ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ، وَيَضَعُ آخَرِينَ،
يُذِلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَلَوْهُ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، لَا أَنَّهُمْ لَمْ
يَنْظُرُوا فِيهِ أَصْلًا، وَلَمْ يَتْلُوهُ، لَا! بَلْ إِنَّهُمْ يَتْلُونَهُ وَلَا
يُطَبِّقُونَهُ، فَتَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِتِلَاوَتِهِمْ، وَيُلْزِمُهُمُ
اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْحُجَّةَ فِي أَعْنَاقِهِمْ يَوْمَ الْعَرْضِ
عَلَيْهِ.
إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ
آخَرِينَ، وَلَا حَيَاةَ لِلْقَلْبِ أَبَدًا إِلَّا بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ
رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدَرِيٌّ.
لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَضَى وَقَدَّرَ أَنْ
جَعَلَ لِكُلِّ حَيٍّ غِذَاءً، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-
لِلْإِنْسَانِ غِذَاءً؛ غِذَاءَ جَسَدِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاللُّحُومِ
وَالْبُقُولِ وَالثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ، فَهَذَا غِذَاءُ الْبَدَنِ.. غِذَاءُ
الجَسَدِ.
لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ خَالَفَ هَذَا الَّذِي قَضَاهُ
اللهُ وَقَدَّرَهُ، وَتَرَكَ هَذَا الْغِذَاءَ الَّذِي يَصْلُحُ الْبَدَنُ بِهِ،
فَذَهَبَ يَتَقَوَّتُ بِالتُّرَابِ وَبِالْحَطَبِ وَبِالرِّيشِ؛ يَمُوتُ جَسَدُهُ.
وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ جَعَلَ اللهُ حَيَاتَهُ فِي الْوَحْيِ
الْمَعْصُومِ، فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذَا تَرَكَ الْإِنْسَانُ
الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَذَهَبَ يُقِيتُ –يُغَذِّي-
قَلْبَهُ بِغَيرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ مَاتَ الْقَلْبُ.
وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ مَيِّتٍ لَا
تَنْفَعُ فِيهِ مَوْعِظَةٌ، وَلَا يُنَبِّهُهُ مِنْ مَوْتِهِ زَجْرٌ وَلَا
تَخْوِيفٌ!
فَتُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-،
تَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِلَى خَاتَمَتِهِ لَا يَتَأَثَّرُ؛
لِأَنَّهُ صَارَ أَغْلَفَ، صَارَ فِي غُلافٍ لَا يَنْفُذُ إِلَيْهِ الهُدَى
وَالنُّورُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ قَلْبَهُ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المُطففين: 14].
أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟
فَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا اِرْتَكَبَ
الذَّنْبَ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، إِلَى أُخْتِهَا، إِلَى
أُخْتِهَا، حَتَّى يَصِيرَ الْقَلْبُ أَسْوَدَ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا،
كَالْكُوزِ المَنْكُوسِ الْأَسْوَدِ.
وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَنْكُوسًا، مَا أَقْبَلَتْ
عَلَيهِ نَفْسٌ، وَلَا تَطَلَّعَتْ إِلَيْهِ رَغْبَةٌ؛ إِذْ هُوَ أَسْوَدُ
مُرْبَادٌّ؛ سَوَادٌ بِقَلِيلِ بَيَاضٍ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كَالْكُوزِ مُجَخِّيًّا)).
وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَنْكُوسٌ لَا يَعْتَدِلُ، فَأَيُّ نَفْعٍ
فِيهِ؟! ((لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ
مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)).
وَفِي المُقَابِلِ إِذَا عَمِلَ الصَّالِحَاتِ، كُلَّمَا
أَتَى بِحَسَنَةٍ فَاقْتَرَفَهَا، وَاِكْتَسَبَهَا نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ
نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، وَمَا يَزَالُ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ
قَلْبُهُ أَبْيضَ كَالصَّفَا، لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ
وَالْأَرْضُ، كَمَا فِي الحَدِيثِ، {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ
مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
((فَلَاحُ
الْأُمَّةِ وَنَجَاتُهَا فِي الْأَخْذِ بِكِتَابِ رَبِّهَا))
فَنَقِّ قَلْبَكَ، وَطَهِّرْ رُوحَكَ؛ فَإِنَّكَ قَدْ خَرَجْتَ
مِنْ مَدْرَسَةٍ عَلَّمَتْكَ الْكَثِيرَ، فَاحْذَرْ أَنْ تَنْتَكِسَ، فَإِنَّ
اللهَ قَدْ أَقَامَ عَلَيْكَ الحُجَّةَ، عَلَّمَكَ كَيْفَ تَصُومُ، وَعَلَّمَكَ
كَيْفَ تَقُومُ، وَعَلَّمَكَ كَيْفَ تَنْظُرُ فِي كِتَابِ رَبِّكَ، أَوْ كَيْفَ
تَسْمَعُ آيَاتِهِ تُتْلَى عَلَيْكَ.
وَأَمَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَذْلِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ، وَذَكَرٍ
وَأُنْثَى، فَعَلَّمَكَ الْبَذْلَ وَالْعَطَاءَ، عُلِّمْتَ؛ فَإِنِ اْنْتَكَسْتَ
فَلَا تَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَكَ!
وَاحْذَرْ أَنْ تَدَعَ كِتَابَ رَبِّكَ؛ فَإِنَّهُ هُوَ هَادِيكَ
إِلَى الجَنَّةِ، وَهُوَ قَائِدُكَ إِلَيْهَا، وَهُوَ نُورُكَ عَلَى صِرَاطِ
رَبِّكَ، وَهُوَ شَفِيعُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي قَبْرِكَ، كَمَا قَالَ
رَسُولُ اللهِ:
((الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: يَا رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ
وَالشَّهْوَةَ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: يَا رَبِّ، مَنَعْتُهُ
النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ)).
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مَنَازِلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِي الجَنَّةِ عَلَى
عَدَدِ آيَاتِ الْقُرْآنِ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ،
وَارْتَقِ وَرَتِّلْ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُهَا)).
وَالثَّوَابُ عَظِيمٌ، قَالَ ﷺ: ((لَا أَقُولُ ((الم)) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ
حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ))، وَالحَرْفُ بِعَشْرِ
حَسَنَاتٍ.
فَهَذَا أَمْرٌ كَبِيرٌ، ثُمَّ إِنَّهُ يَطْرُدُ عَنْكَ
شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالجِنِّ، هُوَ حِصْنُكَ، وَهُوَ مَلَاذُكَ، وَهُوَ هَادِي
الْأُمَّةِ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، لَا فَلَاحَ لَهَا إِلَّا فِي
الْأَخْذِ بِهِ، وَالتَّعْوِيلِ عَلَيهِ، وَتَرْكِ زِبَالَاتِ أَفْكَارِ الْأُمَمِ
الَّتِي أَفْسَدَتْ عَلَى الْأُمَّةِ المَرْحُومَةِ عَقِيدَتَهَا، وَكَذَلِكَ مَا
يَكُونُ مِنْ مُمَارَسَاتِ الْأُمَمِ، كَزُهْدِ الهِنْدِ وَفَارِسٍ، الَّذِي
أَفْسَدَ عَلَى الْأُمَّةِ عِبَادَتَهَا.
فَالْأَخْذُ بِالْقُرْآنِ أَخْذٌ بِالنَّهْجِ الْأَحْمَدِ، وَقَدْ
أَخْرَجَ اللهُ بِالقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَبِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ الشَّرِيفَةِ
-بِالْوَحْيِ المَعْصُومِ- أُمَّةً كَانَتْ غَارِقَةً فِي كُفْرِهَا
وَوَثَنِيَّتِهَا، يَنْحِتُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ حَجَرًا؛ لِكَيْ يَعْبُدَهُ
وَيُقَرِّبَ إِلَيْهِ وَيَقْصِدَهُ.
فَإِذَا رَأَى حَجَرًا أَحْسَنَ مِنْهُ عَدَلَ عَنْ هَذَا الَّذِي
كَانَ إِلَهًا قَبْلُ، وَاسْتَبْدَلَهُ بِإِلَهٍ سِوَاهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ
لَيَجْعَلُ صَنَمًا مِنْ عَجْوَةٍ يَعْبُدُهُ، فَإِذَا جَاعَ أَكَلَهُ!! أَكَلَ
إِلَهَهُ!!
كَانَتْ أُمَّةً غَارِقَةً فِي وَثَنِيَّتِهَا، يَشْرَبُونَ
الخَمْرَ، وَيَئِدُونَ الْبَنَاتِ، وَيَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَيَسْفِكُونَ
الدِّمَاءَ، وَكَانُوا يَأْتُونَ الْفَوَاحِشَ، وَيَأْكُلُونَ المَيْتَةَ، وَلَا
يَتَوَرَّعُونَ عَنْ حَرَامٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ الهُمَامُ ﷺ، بِأَيِّ شَيْءٍ جَاءَ،
وَكَيْفَ خَرَجَتِ الْأُمَّةُ مِنْ هَذَا الدَّيْجُورِ المُظْلِمِ المُدْلَهِمِّ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ
المُسْتَقِيمِ حَيْثُ النُّورُ وَالحَيَاةُ؟
إِنَّمَا خَرَجَتْ بِكِتَابِ اللهِ، فَهُوَ حَيَاتُكُمْ أَيُّهَا
المُسْلِمُونَ، إِيَّاكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ، أَوْ أَنْ تَغْفُلُوا عَنْهُ، حُلُّوا
وَاِرْتَحِلُوا وَاِقْرَأُوهُ وَاتْلُوهُ، أَقِيمُوا حُرُوفَهُ، وَهِيَ أَوَّلُ
مَرَاتِبِ تِلَاوَتِهِ، الَّذِينَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ لَيْسُوا هُمُ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ حُرُوفَهُ بِقَانُونِ التِّلَاوَةِ، وَيُعْطُونَ كُلَّ
حَرْفٍ حَقَّهُ وَمُسْتَحَقَّهُ، هَذَا أُولَى المَنَازِلِ وَأَدْنَاهَا، وَفَوْقَ
ذَلِكَ مَنَازِلُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ
المَجِيدِ.
وَهَجْرُ الْقُرْآنِ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ يُحْسِنُ تِلَاوَتَهُ،
بِحَيْثُ يِأْتِي بِهِ طَرِيًّا غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَتْلُوهُ
حَقَّ تِلَاوَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُهُ، لَا يَعِي مَا يَقْرَأُ، يَمُرُّ
عَلَيْهِ صَفْحًا، وَيَطْوِي عَنْهُ كَشْحًا.
وَإِنَّمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهِ وَيَهْضِبُ بَيْنَ شِدْقَيْهِ
لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَ مَا يَتْلُوهُ؛ لِذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، فَلَا بُدَّ
مِنْ عُكُوفٍ عَلَى مَعَانِيهِ.
وَكَذَلِكَ كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ
اللهُ عَنْهُمْ-، لَمْ يَحْفَظُوا الْقُرْآنَ إِلَّا عَشْرَ آيَاتٍ عَشْرَ آيَاتٍ،
وَكَانُوا بِقَدَرِ اللهِ فِي الذَّوَاكِرِ حَافِظِينَ لَاقِطِينَ، كَانَ
الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْكُفَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي
ضَحْوَةٍ مِنْ نَهَارٍ، فَيَحْمِلَهَا، بَلْ رُبَّمَا سَمِعَهَا مَرَّةً
وَاحِدَةً، فَإِذَا هِيَ مَنْقُوشَةٌ عَلَى صَفْحَةِ قَلْبِهِ، وَلَكِنْ
((تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ عَشْرَ آيَاتٍ عَشْرَ آيَاتٍ، لَا نَتَجَاوَزُهُنَّ؛
حَتَّى نَفْقَهَهُنَّ، وَنَعِيَهُنَّ، وَنَعْمَلَ بِهِنَّ، فَتَعَلَّمْنَا
الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا))، بِهَا سَبَقُوا.
أَمَّا نَحْنُ؛ فَنُتْقِنُ جِدًّا قَضِيَّةَ التِّلَاوَةِ
اللَّفْظِيَّةِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ الْكِتَابَ لِأَجْلِهِ
مَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ تَدَبُّرُهُ، إِنَّمَا أَنْزَلَهُ اللهُ؛
لِيُتَدَبَّرَ، وَلِيُنْظَرَ فِي مَعَانِيهِ، وَلِيُعْمَلَ بِمَا فِيهِ، لَا مِنْ
أَجْلِ أَنْ يَكُونَ تَرْتِيلًا فَحَسْبُ، هَذَا أُولَى مَرَاتِبِ التِّلَاوَةِ
وَأَدْنَاهَا، وَفَوْقَ ذَلِكَ حَقِيقَةُ التِّلَاوَةِ لِلْكِتَابِ المَجِيدِ.
لَقَدْ تَعَلَّمْنَا فِي رَمَضَانَ الْكَثِيرَ مِنَ الخَيْرِ،
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الخَيْرِ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا إِلَى
الرُّشْدِ، وَأَنْ يُقِيمَنَا عَلَيْهِ حَتَّى نَلْقَى وَجْهَ اللهِ الْكَرِيمِ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى
آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ
[1] أَخْرَجَهُ
النَّسَائِيُّ فِي (الصِّيَامِ, 43: 1, رَقْم 2220), وَأَحْمَدُ (5/ 255, رَقْم
22195), وَ(5/ 258, رَقْم 22220), وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ
التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ)) (986).