خلق الكـون
آ ـ نشأة الكـون
قال الله
تعالى: {وهوَ الَّذي خَلَقَ
السَّمواتِ والأَرضَ في سِتَّةِ أيَّامٍ وكان عَرْشُهُ على الماءِ ليَبْلُوَكُمْ
أيُّكم أحسنُ عملاً..} 11 هود آية 7
وقال أيضاً: {أَوَ لَمْ
يَرَ الَّذين كفروا أنَّ السَّمواتِ والأرضَ كانتا رَتْقاً ففتَقْنَاهُما وجعلنا
من الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ أفلا يؤمنون} (21 الأنبياء آية
30).
ومضات
ـ من الدلائل
الكونية على عظمة الله تعالى وكمال قدرته خلق السموات والأرض.
ـ العرش
والماء سابقان في الوجود للسموات والأرض.
ـ محصِّلة
حقائق العلوم الكونيَّة لا تتناقض مع المعتقدات الَّتي جاء بها الدِّين الإسلامي
بل تتطابق.
ـ كانت
السموات والأرض كتلة واحدة، ثمَّ شاء الله تعالى انفصالها؛ لتصبح أجراماً منفصلة
عن بعضها بعضاً، كلُّ جرم منها قائم بذاته، متميِّز بخصائصه، ومنفرد بدوره في
تكامل الكون وإعماره وإمداد الحياة بأسباب بقائها إلى ما شاء الله.
ـ الماء هو
الأصل الَّذي اختاره تعالى للحياة، وجعله عنصراً فاعلاً فيها.
في رحاب
الآيات
لا يزال
العلماء حتَّى يومنا هذا يبذلون الجهود المتواصلة لمعرفة أصل الكون، ويبحثون
ويستقصون محاولين الردَّ على أسئلة مازالت تطرح نفسها حول سرِّ تكوينه وبداية
الخليقة.
وهذه الآيات
الكريمة تطوف بالعقل البشري في رحاب الكون الفسيح، الَّذي تديره يد القدرة الإلهية
بحكمة بالغة، وتوقظ الغافلين عنها وعمَّا فيها من عجائب يحار بها لبُّ كلِّ ذي قلب
سليم، وحسٍّ يَقِظ، وبصيرة نافذة منوَّرة. فتبدأ بالإشارة إلى أن التركيب الأساسي
للفضاء وما فيه من مجموعات النجوم والمجرَّات الَّتي لا تحصى واحد، بما في
ذلك المجموعة الشمسية المؤلَّفة من الشمس وتوابعها،فجميعها كانت كتلة واحدة ملتهبة ـ رتقاً ـ
ثمَّ فُتقت، فانفصلت وابتعدت عن بعضها مشكِّلة بذلك النجوم والكواكب. وما أرضنا
إلا واحدة منها قد غمرتها المياه فانطفأ سطحها وبرد، ثمَّ اهتزَّت فتصدَّعت وانحسر
الماء عن بعضها فأصبحت صالحة للحياة.
ولابأس من
الإشارة في هذا السِّياق إلى أن النظريات العلمية الصحيحة القائمة اليوم لا تتعارض
مع المفهوم الإجمالي لما جاء في القرآن الكريم، ومن ذلك بيانه بأن الله تعالى قد جعل الماء
أصلاً لخلق جميع الأحياء. وبناءً على هذه الحقيقة فإن العلماء
يستقصون في أبحاثهم إمكانيَّة وجود الماء على الكواكب الأخرى، ليقينهم أنه حيثما
يكون الماء تكون الحياة. وهذا العنصر الأساسي يحتلُّ القسم الأكبر من مساحة كوكبنا
الأرضي، فإن كانت اليابسة تشكِّل حوالى الخُمْس فهو يشكِّل الباقي، ومع ذلك فهو لا
يؤلِّف في الطبيعة الجماديَّة إلا جزءاً يسيراً منها، بينما يحتلُّ الجزء الأكبر
في تركيب الكائنات الحيَّة، لأن جميع التفاعلات الكيماوية الَّتي ترافق الأحداث
الحيوية لا تتمُّ إلا في وسـطه. ويُقسم الماء الموجود في الكائن الحي إلى قطـاعـين
كبيرين: الأوَّل هو الماء داخل الخليَّة ويضمُّ حوالى 50% من وزن الجسم كلِّه،
والثاني هو الماء خارج الخلية الَّذي يشمل 20% من وزن الجسم كلِّه؛ موزَّعة 5% في
الدَّم و15% في الخلال الَّتي بين النسج الحيَّة، وصدق الله تعالى حين قال: {وَجَعَلْنَا
مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حيٍّ}.
وقد أجاب
القرآن الكريم بإشارات عامَّة عن بدايات الخلق والتَّكوين، فأخبرنا بأن الله عزَّ
وجل قد خلق السموات والأرض في ستَّة أيَّام حسبما اقتضت حكمته. ولكنَّ تلك الأيَّام
لا تقاس بوحدتنا الزمنية المتعارف عليها، لأنها غير أيَّام الأرض، بدليل قوله
تعالى: {..وإنَّ يوماً عند ربِّك
كألف سنة ممَّا تعُدُّون} (22 الحج آية 47) وهذا ليس
بمستبعد إذا علمنا أن علماء الفلك قد أثبتوا أن أيَّام
الكواكب التَّابعة لنظام شمسنا تختلف عن أيام الأرض في طولها بحسب أجرامها
وأبعادها وسرعة دورانها.
وقد بيَّن
الرسول صلى الله عليه وسلم التسلسل الزمني في نشأة الكون فيما أخرجه أحمد والبخاري
والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي أن أهل اليمن قالوا: «يارسول الله!
أخبرنا عن أوَّل هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان الله قبل كلِّ شيء، وكان عرشه على
الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كلِّ شيء، وخلق السموات والأرض».
ب ـ خلق السموات
سورة
الذَّاريات(51)
قال
الله تعالى: {والسَّماءَ بَنَيْناها
بأَيْدٍ وإنَّا لَمُوسِعُون}
وقال
أيضاً: {وَجَعَلْنَا السَّماءَ
سَقْفاً مَحفوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرضُون}
ومضات
ـ
تمتدُّ يـد القدرة الإلهية إلى أبعد بكثير من أن تحصيها طاقة البشر وإمكاناتهم،
وكلَّما اكتشف العلماء جديداً في عالم السماء، وجدوا بأن هناك المزيد والمزيد
ممَّا لم يدركوا كنهه بعد.
ـ
حفظ سبحانه وتعالى الأرض من المؤثِّرات الكونية بما فيها من إشعاعات وشُهُب ونيازك بغطاء غير منظور، حفظاً
لسلامتها وسلامة الجنس البشري وغيره عليها.
في
رحاب الآيات
تشير
كلمة موسعون في الآية الكريمة إلى استمراريَّة عمليَّة
البناء إلى ما لا نهاية. أمَّا الأيدي: فتشير إلى القوَّة، والقوَّة أوضح
ما يُنبئ عنه بناء السماء المتماسك المتناسق، بأي معنى من معاني كلمة السماء، سواء
أكانت تعني مدارات النجوم والكواكب، أم مجموعة من المجموعات النجمية الَّتي يطلَق
عليها اسم المَجَرَّة وتحوي مئات الملايين من النجوم، وسواء أشار مدلولها إلى طبقة
من طبقات الفضاء الَّذي تتناثر فيه النجوم والكواكب، أم غير ذلك من مدلولات كلمة
السماء. أمَّا السَّعة فهي ظاهرة، فسائر النجوم الهائلة حجماً، اللامتناهية (وفق
علومنا) عدداً، لا تعدو كونها ذرَّات متناثرة في هذا الفضاء الرحيب. وهذا ما
توصَّل إليه العلماء مؤخَّراً، فكلُّ الأفلاك تسبح في كونٍ فسيح ذي أطراف مترامية،
وأبعاد لامتناهية، تحكم مسيرتها جميعاً قوَّة الجاذبية الَّتي نُدرك وجودها ولكن
لانراها، وكأن الله سبحانه وتعالى عناها بقوله: {الله الَّذي رَفَعَ السمواتِ بِغيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها..} (13 الرعد آية 2).
ونلمح
في قوله تعالى: {وجعلنا السَّماء سَقْفاً
محفوظاً} دعوة إلى تتبُّع علوم
الفلك بشكل عام، وربَّما إلى دراسة طبقات الغلاف الجوي، ومنها طبقة الأوزون الَّتي تشكِّل سقفاً
لحماية الأرض خاصَّةً. وتشير
الآية إلى الغلاف الجوِّي للأرض للأهمِّية البالغة الَّتي أثبتها له العلم،
فالإشعاعات الكهرومغناطيسية الَّتي تُصدرها الشمس، وأهمها الأشعَّة فوق البنفسجية
الفتَّاكة، تفقد طاقتها عند اختراقها له، فيعكسها ولا يبقي منها إلا جزءاً يسيراً
يصل إلى الأرض لننتفع به، كما يمنع وصول أصوات الانفجارات الفضائيَّة لبعض
الكواكب، الَّتي يمكنها أن تودي بحياة الإنسان لعظمها، كما يشكِّل حزاماً حول
الأرض كالسقف ليحفظها من الشُّهُب والنيازك، فتحترق به وتتفتَّت قبل أن تصل إليها.
ومن أجل هذه المهامِّ الجليلة حفظ تعالى هذا السقف وجعله ـ جلَّت قدرته ـ حافظاً ومحفوظاً.
وإذا
ما تفكَّرنا وتأمَّلنا بهذا كلِّه، وبمن ضبط وأحكم وقدَّر هذا السقف المحفوظ حول
الأرض، نجد أن القرآن الكريم قد دعا إلى البحث العلمي، في شتى مجالاته، بما في ذلك
العلوم الفلكية. والأمر المدهش والثَّابت اليوم هو أنه كلَّما تقدمت العلوم
الفلكية وابتكر العلماء مراصدَ ذات قدرات خارقة لكشف عالم المَجَرَّات والأكوان
الهائلة؛ كلَّما أُصيبوا بالذُّهول أمام اكتشافهم لعوالم
جديدة لم يكونوا يعرفون عنها شيئاً.
سورة
الملك(67)
قال
الله تعالى: {هوَ الَّذي جعلَ لكم
الأَرضَ ذَلُولاً فامشوا في مناكِبِها وكُلُوا من رِزْقِهِ وإليه النُّشور(15)}
سورة
النحل(16)
وقال
أيضاً: {وألْقَى في الأَرضِ
رَواسِيَ أن تَمِيدَ بكم وأَنهاراً وسُبُلاً لعلَّكم تهتدون(15)}.
ومضات:
ـ
جعل الله تعالى الأرض مذلَّلة بين يدي الإنسان ليعيش عليها ويقتات من خيراتها،
ويذكر أنها مجرَّد مَعْبَرٍ له للوصول إلى يوم البعث والقيامة.
ـ
تتجلَّى الحكمة الإلهية في خلق الجبال في أهميتها العظيمة لحفظ توازن الأرض ومن
عليها.
في
رحاب الآيات
إن
الناس لطول إلفتهم الحياة على هذه الأرض، ولسهولة استقرارهم عليها، وسيرهم فيها،
واستغلالهم لتربتها ومائها وهوائها وكنوزها،ينسَوْن مدى الإبداع والإعجاز فيها، ويتغافلون عن نعمة الخالق
في تذليلها لهم وتسخيرها لمنفعتهم. والقرآن
الكريم يذكِّرهم بهذه النعمة العظيمة، ويبصِّرهم بها، في هذا التعبير الَّذي يدرك
حقيقته كلُّ جيل بقدر ما ينكشف له من علم عن هذه الأرض الذَّلول. ولكي نفهم معنى
كلمة (ذَلول) وكيف أن الله تعالى ذلَّل الأرض وسخَّرها للإنسان لتوفير المنافع
الدنيوية له، علينا أن نجري دراسة عن حجم الأرض وتكوينها الجيولوجي، وأهمِّية
دورانها حول نفسها وحول الشمس بالنسبة لاختلاف الليل والنهار، وتغيُّر الفصول على
مدار العام، وكذلك ما تحتويه من خيرات وأرزاق، وما يحكمها من القوانين والأسباب
لقيام الحياة على وجهها. فما إِنْ نتفهَّم أهمِّية ذلك كلِّه حتَّى ندرك عظمة الخالق المنشئ،
في تذليل تلك الكتلة الجبَّارة للإنسان؛ يسرح فيها ويمرح كيفما شاء، ويزرع ويحصد،
ويبني ويشيِّد،وهي بين يديه ليِّنة العريكة كالطفل المستكين الوديع. ومع ذلك فهي تبقى مملوكة أبداً
لخالقها ومبدعها، يبقيها ما شاء لها البقاء، ويفنيها حين يشاء لها الفناء، ويزلزل
بعضاً منها لتبتلع مدناً بكاملها، أو يأمر جوفها بالانفجار، فتثور البراكين الَّتي
تدمِّر ما فوقها وما حولها، وهكذا إلى أن يحين أجلها، فتفنى وتزول إيذاناً بالبعث
والقيامة. وأمام تصريف الله لملكه يبقى الإنسان صغيراً بنفسه، كبيراً بصلته الوثيقة بالله القدير
المتعالي.
والنصُّ
القرآني يشير إلى هذه الحقائق ليَعِيَها كلُّ فرد وكلُّ جيل بالقدر الكافي، ليشعر
بيد الله وهي تتولاه وتتولى كلَّ شيء حوله، والَّتي لو تراخت لحظة واحدة عن الحفظ
لاختلَّ هذا الكون، وبمقدار ما يعي الإنسان هذه الحقيقة يلبِّي دعوة الرحمن بالمشي
في مناكبها والأكل من رزقه فيها. والرزق هنا أوسع مدلولاً ممَّا يتبادر إلى أذهان الناس؛ إذ أنه لا يقتصر
على كسب المال، وإنما يتعدَّاه ليشملاستثمار كلِّ ما أودعه الله في جوف هذه الأرض
من الأرزاق المخبوءة، من معادن صلبة وسائلة وغيرها. على أنَّ الرزق مقدَّر من قبل الله
بزمن محدَّد في علمه وتدبيره، فإذا انقضى هذا الزمن كان الموت، وكان النشور
والرجوع، فإلى أين المصير إن لم يكن إليه؟ وكيف يكون لغيره والمُلك بيديه، ولا ملجأ منه إلا إليه، وهو على كلِّ شيء قدير؟.
وتمضي
الآيات الكريمة في عرض بعض دلائل الإعجاز في الكون؛ فتقرِّر أن الجبال الرَّواسي
تحفظ توازن الأرض، فلا تميد ولا تضطرب. وحفظ التَّوازن يتحقَّق في صور شتَّى، فقد
يكون توازناً بين الضَّغط الخارجي على سطح الأرض والضَّغط الداخلي في جوفها، وهو
يختلف من بقعة إلى أخرى. أو يكون بروز الجبال في موضع ما معادلاً لانخفاض الأرض في
موضع آخر. وقد ثبت علمياً أن للجبال جذوراً في أعماق الأرض وظيفتها حماية طبقاتها من التحرُّك، وحفظ توازنها، حيث أن الطبقة الصُّلبة من
القشرة الأرضية ترقد على طبقة لـيِّنة زَلِقَة ولو كان السَّطح السُّفلي للطبقة
الصُّلبة مستوياً وكذا السَّطح العلوي للطبقة اللـيِّنة لانزلقت الأرض من تحت
أقدامنا وبيوتنا ولَمَادَت ولما استقرَّ لنا قرار ولما صلحت الأرض للعيش عليها.
وقد أثبت العلم أن الجبال مغروسة في باطن الأرض لتقوم بمهمة التثبيت كما هو شأن الوتد بالنسبة للخيمة، وما يظهر منها إلا الثُّلُث،
والثُّلُثان في باطنها، وقد عبَّر القرآن الكريم عن تلك الجذور بالأوتاد في قوله تعالى: {أَلَم نجعلِ الأَرضَ
مِهاداً * والجِبال أوْتَاداً} (78 النبأ آية 6ـ7).
وفي
ذكر السُّبُل في الآية الكريمة وهي
الطُّرُق النافذة السالكة في الجبال الَّتي تفصل بين كتلها الضَّخمة العالية؛
دلالةٌ على حكمة الصَّانع الَّذي لم يترك الجبال كتلاً هائلة من الصُّخُور
والأحجار، تحجز البلدان والأمصار وتعزل البشر، بل شقَّها وجعل فيها مسالك يستطيع الإنسان السَّير عليها والانتقال
عبرها من مكان إلى آخر، لينتفع في تجارته وشؤون حياته، وليتمكَّن الإنسان من إنشاء
العلاقات الطيِّبة مع أخيه الإنسان في المجتمعات الأخرى، ولولا ذلك لما انتشر
الناس في أرجاء الأرض، ولما استفادوا من كلِّ خيراتها.
وقد
ورد ذكر الأنهار في الآية مع الجبال لتوجيه الأنظار إلى العلاقة الوطيدة بينهما
لأن الجبال غالباً ما تكون بطونها مخازن للماء ومنها تتفجَّر الأنهار، لكونها
مساقط الثلوج والأمطار.
وظواهر
الأرض عموماً تشير بوضوح إلى أنها قد صُمِّمت لتكون صالحة ليحيا الإنسان مستريحاً على
ظهرها، مستمتعاً بخيراتها، بدليل قوله تعالى: {والأَرضَ فرشْناها فنِعْمَ الماهِدُون} (51 الذاريات آية 48) والفراش هو المكان المعدُّ لاستلقاء الإنسان وراحته.
وفي
ضوء هذه النُّصوص المعجزة، وفي ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة، الهائلة المدى، في
أجواء السماء، وفي آماد الأرض، وفي أعماق الخلائق، يهتف القرآن بالبشر ليتَّجهوا إلى خالق السماء والأرض، متجرِّدين من
كلِّ ما يثقل أرواحهم ويقيِّدها، متحرِّرين من الأغلال الَّتي تشدُّ النفس البشرية
إلى هذه الأرض، وتثقلها وتأسرها عن الانطلاق في رحاب التوحيد والعبودية لله الواحد الأحد.
ج
ـ خلق الأرض
سورة
الملك(67)
قال
الله تعالى: {هوَ الَّذي جعلَ لكم
الأَرضَ ذَلُولاً فامشوا في مناكِبِها وكُلُوا من رِزْقِهِ وإليه النشور}
سورة
النحل(16)
وقال
أيضاً: {وألْقَى في الأَرضِ
رَواسِيَ أن تَمِيدَ بكم وأَنهاراً وسُبُلاً لعلَّكم تهتدون}
ومضات:
ـ
جعل الله تعالى الأرض مذلَّلة بين يدي الإنسان ليعيش عليها ويقتات من خيراتها،
ويذكر أنها مجرَّد مَعْبَرٍ له للوصول إلى يوم البعث والقيامة.
ـ
تتجلَّى الحكمة الإلهية في خلق الجبال في أهميتها العظيمة لحفظ توازن الأرض ومن
عليها.
في
رحاب الآيات
إن
الناس لطول إلفتهم الحياة على هذه الأرض، ولسهولة استقرارهم عليها، وسيرهم فيها،
واستغلالهم لتربتها ومائها وهوائها وكنوزها، ينسَوْن مدى الإبداع والإعجاز فيها،ويتغافلون عن نعمة الخالق في
تذليلها لهم وتسخيرها لمنفعتهم. والقرآن
الكريم يذكِّرهم بهذه النعمة العظيمة، ويبصِّرهم بها، في هذا التعبير الَّذي يدرك
حقيقته كلُّ جيل بقدر ما ينكشف له من علم عن هذه الأرض الذَّلول. ولكي نفهم معنى
كلمة (ذَلول) وكيف أن الله تعالى ذلَّل الأرض وسخَّرها للإنسان لتوفير المنافع
الدنيوية له، علينا أن نجري دراسة عن حجم الأرض وتكوينها الجيولوجي، وأهمِّية
دورانها حول نفسها وحول الشمس بالنسبة لاختلاف الليل والنهار، وتغيُّر الفصول على
مدار العام، وكذلك ما تحتويه من خيرات وأرزاق، وما يحكمها من القوانين والأسباب
لقيام الحياة على وجهها. فما إِنْ نتفهَّم أهمِّية ذلك كلِّه حتَّى ندرك عظمة الخالق المنشئ،
في تذليل تلك الكتلة الجبَّارة للإنسان؛ يسرح فيها ويمرح كيفما شاء، ويزرع ويحصد،
ويبني ويشيِّد، وهي بين يديه ليِّنة
العريكة كالطفل المستكين الوديع. ومع
ذلكفهي تبقى مملوكة أبداً لخالقها ومبدعها، يبقيها ما شاء لها البقاء، ويفنيها حين
يشاء لها الفناء، ويزلزل بعضاً منها لتبتلع مدناً بكاملها، أو يأمر جوفها
بالانفجار، فتثور البراكين الَّتي تدمِّر ما فوقها وما حولها، وهكذا إلى أن يحين
أجلها، فتفنى وتزول إيذاناً بالبعث والقيامة. وأمام تصريف الله لملكه يبقى الإنسان صغيراً
بنفسه، كبيراً بصلته الوثيقة بالله القدير المتعالي.
والنصُّ
القرآني يشير إلى هذه الحقائق ليَعِيَها كلُّ فرد وكلُّ جيل بالقدر الكافي، ليشعر
بيد الله وهي تتولاه وتتولى كلَّ شيء حوله، والَّتي لو تراخت لحظة واحدة عن الحفظ
لاختلَّ هذا الكون، وبمقدار ما يعي الإنسان هذه الحقيقة يلبِّي دعوة الرحمن بالمشي
في مناكبها والأكل من رزقه فيها. والرزق هنا أوسع مدلولاً ممَّا يتبادر إلى أذهانالناس؛ إذ أنه لا
يقتصر على كسب المال، وإنما يتعدَّاه ليشمل استثمار كلِّ ما أودعه الله في جوف هذه الأرض من الأرزاق المخبوءة، من معادن صلبة وسائلة
وغيرها. على أنَّ الرزق مقدَّر من قبل الله بزمن محدَّد في علمه وتدبيره، فإذا
انقضى هذا الزمن كان الموت، وكان النشور والرجوع، فإلى أين المصير إن لم يكن إليه؟ وكيف يكون لغيره والمُلك
بيديه، ولا ملجأ منه إلا إليه،
وهو على كلِّ شيء قدير؟.
وتمضي
الآيات الكريمة في عرض بعض دلائل الإعجاز في الكون؛ فتقرِّر أن الجبال الرَّواسي
تحفظ توازن الأرض، فلا تميد ولا تضطرب. وحفظ التَّوازن يتحقَّق في صور شتَّى، فقد
يكون توازناً بين الضَّغط الخارجي على سطح الأرض والضَّغط الداخلي في جوفها، وهو
يختلف من بقعة إلى أخرى. أو يكون بروز الجبال في موضع ما معادلاً لانخفاض الأرض في
موضع آخر. وقد ثبت علمياً أن للجبال جذوراً في أعماق الأرض وظيفتها حماية طبقاتها من التحرُّك، وحفظ توازنها، حيث أن الطبقة الصُّلبة من
القشرة الأرضية ترقد على طبقة لـيِّنة زَلِقَة ولو كان السَّطح السُّفلي للطبقة
الصُّلبة مستوياً وكذا السَّطح العلوي للطبقة اللـيِّنة لانزلقت الأرض من تحت
أقدامنا وبيوتنا ولَمَادَت ولما استقرَّ لنا قرار ولما صلحت الأرض للعيش عليها.
وقد أثبت العلم أن الجبال مغروسة في باطن الأرض لتقوم بمهمة التثبيت كما هو شأن الوتد بالنسبة للخيمة، وما يظهر منها إلا الثُّلُث،
والثُّلُثان في باطنها، وقد عبَّر القرآن الكريم عن تلك الجذور بالأوتاد في قوله تعالى: {أَلَم نجعلِ الأَرضَ
مِهاداً * والجِبال أوْتَاداً}(78 النبأ
آية 6ـ7).
وفي
ذكر السُّبُل في الآية الكريمة وهي
الطُّرُق النافذة السالكة في الجبال الَّتي تفصل بين كتلها الضَّخمة العالية؛ دلالةٌ
على حكمة الصَّانع الَّذي لم يترك الجبال كتلاً هائلة من الصُّخُور والأحجار، تحجز
البلدان والأمصار وتعزل البشر، بل شقَّها وجعل فيها مسالك يستطيع الإنسان السَّير عليها والانتقال
عبرها من مكان إلى آخر، لينتفع في تجارته وشؤون حياته، وليتمكَّن الإنسان من إنشاء
العلاقات الطيِّبة مع أخيه الإنسان في المجتمعات الأخرى، ولولا ذلك لما انتشر
الناس في أرجاء الأرض، ولما استفادوا من كلِّ خيراتها.
وقد
ورد ذكر الأنهار في الآية مع الجبال لتوجيه الأنظار إلى العلاقة الوطيدة بينهما
لأن الجبال غالباً ما تكون بطونها مخازن للماء ومنها تتفجَّر الأنهار، لكونها
مساقط الثلوج والأمطار.
وظواهر
الأرض عموماً تشير بوضوح إلى أنها قد صُمِّمت لتكون صالحة ليحيا الإنسان مستريحاً
على ظهرها، مستمتعاً بخيراتها، بدليل قوله تعالى: {والأَرضَ فرشْناها فنِعْمَ الماهِدُون} (51 الذاريات آية 48) والفراش هو المكان المعدُّ لاستلقاء الإنسان وراحته.
وفي
ضوء هذه النُّصوص المعجزة، وفي ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة، الهائلة المدى، في
أجواء السماء، وفي آماد الأرض، وفي أعماق الخلائق، يهتف القرآن بالبشر ليتَّجهوا إلى خالق السماء والأرض، متجرِّدين من
كلِّ ما يثقل أرواحهم ويقيِّدها، متحرِّرين من الأغلال الَّتي تشدُّ النفس البشرية
إلى هذه الأرض، وتثقلها وتأسرها عن الانطلاق في رحاب التوحيد والعبودية لله الواحد الأحد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق