أسلاف الشيعة.. طبقات .. الطبقة الثانية
جماعة ممن ضعف إيمانهم من أهل النفاق،
وهم قتلة عثمان وأتباع عبد الله بن سبأ الذين كانوا يسبون الصحابة الكرام، وهم
الذين انخرطوا في عسكر الأمير وعدوا أنفسهم من شيعته خوفا من عاقبة ما صدر منهم من
تلك الجناية العظمى، وبعض منهم تشبثوا بأذيال الأمير طمعا في المناصب العالية
ورفعة المراتب فحصل لهم بذلك مزيد الأمنية وكمال الطمأنينة، ومع ذلك فقد أظهروا
للأمير كرم الله تعالى وجهه ما انطووا عليه من اللؤم والخبائث فلم يجيبوا لدعوته
وأصروا على مخالفته، وظهرت منهم الخيانة على ما نصبوا عليه، واستطالت أيديهم على
عباد الله وأكل أموالهم، وأطالوا ألسنتهم في الطعن على الصحابة. [69]
وهذه الفرقة هم رؤساء الروافض
وأسلافهم ومسلَّمو الثبوت عندهم. فإنهم وضعوا بناء دينهم وإيمانهم في تلك الطبقة
على رواية هؤلاء الفساق المنافقين ومنقولاتهم، فلذا كثرت روايات هذه الفرقة عن
الأمير كرم الله تعالى وجهه بواسطة هؤلاء الرجال. وقد ذكر المؤرخون سبب دخول أولئك
المنافقين في هذا الباب، وقالوا إنهم قبل وقوع التحكيم كانوا مغلوبين لكثرة الشيعة
الأولى في عسكر الأمير وتغلبهم [70] ولما
وقع التحكيم وحصل اليأس من انتظام أمور الخلافة وكادت المدة
المعينة للخلافة تتم وتنقرض وتخلفها نوبة العضوض رجع الشيعة الأولى من دومة الجندل
التي كانت محل التحكيم إلى أوطانهم لحصول اليأس من نصرة الدين وشرعوا بتأييده
بترويج أحكام الشرعية والإرشاد ورواية الأحاديث وتفسير القرآن المجيد، كما أن
الأمير كرم الله تعالى وجهه دخل الكوفة واشتغل بمثل هذه الأمور، ولم يبق في ركاب
الأمير إذ ذاك من الشيعة الأولى إلا القليل ممن كانت له في دار الكوفة. فلما رأت
هاتيك الفرقة الضالة المجال في إظهار ضلالتهم أظهروا ما كانوا يخفونه من إساءة
الأدب في حق الأمير وسب أصحابه وأتباعه الأحياء منهم والأموات. ومع هذا كان لهم
طمع في المناصب أيضا لأن العراق وخراسان وفارس والبلاد الأخرى الواقعة في تلك
الأطراف كانت باقية بعد في تصرف الأمير وحكومته، والأمير كرم الله تعالى وجهه
عاملهم، كما عاملوه، كما وقع ذلك لموسى
، ولنبينا ، مع المنافقين. ولما كانت الروايات من أهل السنة في هذا الباب غير
معتد بها مزيد عداوتهم لفرق الشيعة على زعمهم، وجب النقل من كتب الشيعة المعتبرة
مما صنفه الإمامية والزيدية. وقد سبق في أول الكتاب عند ذكر الفرقة السبيئة خطبة
منقولة عن الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الزيدي المذكورة في آخر كتابه المسمى
( طوق الحمامة في مباحث الإمامة ) فلا حاجة بنا إلى إعادتها. ولما نعي الأمير بخبر
قتل محمد بن أبي بكر [71] في
مصر كتب كتابا إلى عبد
الله بن عباس، فإنه كان حينئذ عامل البصرة، وهو كما هو مذكور في كتاب ( نهج
البلاغة ) الذي هو عند الشيعة أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى: [72]
« أما بعد فإن
مصر قد افتتحت، ومحمد ابن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا وعاملا
كادحا وسيفا قاطعا وركنا دافعا. وكنت قد حثثت الناس على لحاقه، وأمرتهم بغياثه قبل
الوقعة، ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدءا، فمنهم الآتي كارها ومنهم المتعلل كاذبا،
ومنهم القاعد خاذلا. أسأل الله تعالى أن يجعل لي منهم فرجا عاجلا. فوالله لولا
طمعي عند لقاء العدو في الشهادة، وتوطيني نفسي على المنية، لأحببت أن لا أبقى مع
هؤلاء يوما واحدا ولا ألتقي بهم أبدا ». [73]
وكذا لما أُخبر بقدوم سفيان بن عوف
الذي كان من بني غامد وأمير أمراء معاوية [74] وركبانه
ببلد الأنبار وقتلهم
أهله، خطب خطبة مندرجة فيها هذه العبارة المشيرة للإرشاد وهي: « واللهِ يميت
القلب ويجلب الهم ما نرى من اجتماع هؤلاء على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، فقبحا لكم
وترحا [75] حين
صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم
ولا تغيرون، وتُغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون. فإذا أمرتكم بالمسير إليهم في
أيام الحر قلتم هذه حمارة [76] القيظ
أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام البرد فلتم هذه
صبارة [77] القر أمهلنا حتى
ينسلخ عنا البرد. كل هذا فرارا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون
فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، لكم حلوم الأطفال وعقول ربات
الحجال، [78] لوددت
أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة والله جرت ندما، وأعقبت سدما [79] ». [80]
وأيضا يقول في هذه الخطبة:
« قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب [81]التهمام [82] أنفاسا.
فأفسدتم على رأيي بالخذلان والعصيان، حتى قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له
بالحرب. لله أبوهم، وهل أحد أشد لها مراسا وأقدم فيها مقاما مني، حتى لقد نهضت
فيها وما بلغت العشرين وها أنا ذا ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع ». [83]
ويقول في خطبة أخرى: « أيها
الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع
فيكم الأعداء. تقولون في المجالس كيت وكيت، فإذا حضر القتال قلتم حيدي حياد. ما
عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم. أعاليل بأضاليل » إلخ. [84]
ويقول: « المغرور والله من
غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. [85] ومن
رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل. أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، ولا
أوعد العدو بكم ». [86]
وأيضا يقول في خطبة أخرى إذ استنفر
الناس إلى أهل الشام: « أف لكم، لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا من
الآخرة عوضا، وبالذل من العز خلفا؟ إذا دعوتكم إلى جهاد أعدائكم دارت أعينكم كأنكم
من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة، يرتج [87] عليكم
حواري فتعمون، وكأن قلوبكم مألوسة [88] فأنتم
لا تعقلون، ما أنتم لي بثقة سَجيس [89] الليالي،
وما أنتم بركن يُمال بكم، ولا زوافر عز يفتقر إليكم، وما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها،
فكلما جمعت من جانب انتشرت من جانب آخر، وبئس لعمرُ الله سَعرُ نار الحرب أنتم،
تكادون ولا تكيدون، وتنقص أطرافكم ولا تمتعضون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون ». [90]
وأيضا يقول في خطبة أخرى « منيت
بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت. لا أبا لكم، ما تنظرون بنصركم ربَّكم؟
لا دين يجمعكم ولا حمية تُحمِشُكم. أقوم فيكم مستصرخا، وأناديكم متغوثا، فلا
تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرا، حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة، فما يدرك
بكم ثأر، ولا يبلغ بكم [91] مرام.
دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة [92] الجمل
الأسر، [93] وتثاقلتم
تثاقل النضو الأدبر. [94] ثم
خرج إلى منكم جنيد متدائب [95] ضعيف
{ كأنما يساقون إلى الموت وهو ينظرون }. [96]
وأيضا يقول في ذم هؤلاء الفرقة: كم
أدار يكم كما تدارى البكار العمدة [97] والثياب
المتداعية إن حيضت من جانب تهتكت من جانب آخر، وكلما أطل عليكم منسر من ناسر الشام [98] أغلق
كل رجل منكم بابه وانحجر انحجار الضبة في جحرها والضبع في وجارها [99]
وأيضا يقول في خطبة أخرى: من رمى بكم
فقد رمى بأفوق ناص، إنكم والله لكثير في الباحات، قليل تحت الرايات. [100]
وهذه الخطب كلها ذكرها الرضي في نهج
البلاغة، وغيره من الإمامية أيضا رووها في كتبهم.
وقال علي بن موسى بن طاوس [101] سبط
محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة: إن امير المؤمنين كان يدعو الناس على
منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان، فيتنفس الصعداء وقال: أين
يقعان! ثم قال ابن طاوس: إن هؤلاء خذلوه مع اعتقادهم فرض طاعته وأنه صاحب الحق،
وأن الذين ينازعونه على الباطل. وكان
يداريهم
ولكن لا تجديه المداراة نفعا. وقد سمع قوما من هؤلاء ينالون منه في مسجد الكوفة
ويستخفون به فأخذ بعضادتي الباب وأنشد متمثلا: [102]
هنيئا مريئا غيرَ داء مخامِر ** لعزة
من أعراضنا ما استحلت
فيئس منهم كلهم، ودعا على هؤلاء
الذين يدعون أنهم شيعة بقوله « قاتلكم الله وقبحا لكم وترحا » ونحوها.
وكذا حلف على أن لا يصدق قولهم أبدا. ووصفهم في مواضيع كثيرة بالعصيان لأوامره
وعدم استماعهم وقبولهم لكلامه، وأظهر البراءة من رؤيتهم. وهؤلاء لم يكن لهم وظيفة
سوى الحط على حضرة الأمير كرم الله تعالى وجهه وذمهم له وحاشاه. وقد علم أيضا أن
شيعة ذلك الوقت كانوا كلهم مشتركين في هذه الأحوال، وداخلين في هذه المساوئ إلا
رجلين منهم، فإذا كان حال الصدر الأول والقرن الأفضل الذين هم قدوة لمن خلفهم من
بعدهم وأسوة لأتباعهم ما سمعت ذكره، فكيف بأتباعهم! فويل لهم ما يكسبون …
