الأربعاء، 31 مايو 2017

♠{أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}

{أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}
أخرج ابن أبي حاتم عن العبَّاس بن عزوان في قوله: {وَتلك الْقرى أهلكناهم لما ظلمُوا وَجَعَلنَا لمهلكهم موعداًقال: "قضى الله الْعقُوبَة حين عصي ثمَّ أَخّرهَا حتَّى جاء أجلهَا، ثمَّ أرسلها"[1].فالعقوبة قرَّرها الله في اللوح المحفوظ بمجرد وقوع الظلم من  الظالم، لكنَّ موعد تنفيذ العقوبة يظل  في علم الله حتى يحل الموعد وتنزل الكارثة!
وأما كيفية الهلاك فقد شرحها الإمام المراغي في تفسيره قائلا:
  • وهلاك الله للأمم بالظلم ضربان:
1.     ضرب بعذاب الاستئصال للأقوام الذين بعث الله تعالى فيهم رسلا لهدايتهم بالإيمان والعمل الصالح كقوم نوح وعاد وثمود، فعاندوا الرسل فأنذروهم عاقبة الجحود والعناد بعد مجيئهم بالآيات الدالة على صدقهم.
ضرب بعذاب هو مقتضى سنته تعالى فى نظم الاجتماع البشرى، فالظلم مثلا سبب لفساد العمران وضعف الأمم، ولاستيلاء القوية على الضعيفة كما قال: {وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ} - وهو إما ظلم الأفراد لأنفسهم بالفسوق والإسراف فى الشهوات المضعفة للأبدان المفسدة للأخلاق، وإما ظلم الحكام الذي يفسد بأس الأمة ويهن من قوتها[2].

وقد اتفقت أفهام الصحابة على هذا لأنهم استقوا من معين واحد هو معين الوحي، وتربوا على  مائدة واحدة مائدة القرآن، وكان من هؤلاء الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وقد  ذُكِر الظلم في مجلس ابن عباس فقال كعب الأحبار: إني لا أجد في كتاب الله المنزَّل أنَّ الظلم يخرب الديار! فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن، قال الله،عز وجل: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا} [3].

ولذا قيل: الظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمة وتعجيل نقمة، وهي مشاهدات التاريخ ومكرورات الأحداث، واسمع صالح المري وهو يقول عما شاهده: "دخلتُ دار المورياني، فاستفتحت ثلاث آيات من كتاب الله، استخرجتها حين ذكرت الحال، فيها قوله عز وجل: {فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًاوقوله: {وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}، وقوله: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا}.

قال: فخرج اليّ أسود من ناحية الدار فقال: يا أبا بشر! هذه سخطة المخلوق، فكيف سخطة الخالق؟![4].

يقصد بهذا أن ما ادَّخر الله للظالم في الآخرة أشد، وأن قصاص المظلوم منه عند القنطرة أو الصراط الثاني أشد وطأة وأعظم ألما، فعقوبتان للظالم لازمتان لا تتخلفان: عقوبة دنيوية معجَّلة، وعقوبة أخروية مؤجَّلة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أسرع الذنوب مؤاخذة هو البغي فقال: «ما من ذنبٍ أجدر أن يُعجِّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يَدَّخِره له في الآخرة من البَغْي وقطيعة الرحم»[5].
إن الظلم يحمل في طياته  بذرة زواله، ولذا لما سمع مسلم بن يسار رجلا يدعو على من ظلمه قال له: "كِل الظلوم إلى ظلمه، فهو أسرع فيه من دعائك إلا أن يتداركه الله بعمل، وقَمِنٌ أن لا يفعل"[6].

وهو انتقام الله من عدوه، وله طريقان كما رأى ذلك جعفر بن محمد عن أبيه فقال: "إذا أراد الله أن ينتقم لوليه انتقم من عدوه بعدوه، وإذا أراد الله أن ينتقم لنفسه انتقم بوليِّه من عدوه!"[7].

«أَنا عند ظن عبدي بي»

«أَنا عند ظن عبدي بي»
في الحديث القُدُسي: «إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر»[1].
فمعاملة الله لعبده تدور مع الظن، فإذا أحسن ظنه بربه بلَّغه ما أمَّل، وإذا تشاءم وأساء الظن بالله فالعقوبة إليه أسرع والشر منه اقترب.
• جاء في عمدة القاري: "قوله أنا عند ظن عبدي بي يعني: إن ظنَّ أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك، وإن ظن العقوبة والمؤاخذة فكذلك، ويقال: إن كان فيه شيء من الرجاء رجاه لأنه لا يرجو إلا مؤمن بأن له ربا يجازي، ويقال: إني قادر على أن أعمل به ما ظنَّ أني عامله به، وقال الكرماني: وفيه إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف"[2].
وحسن الظن بالله معناه ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عندالاستغفار، وظن مجازاة الله لعبده خير الجزاء عند أداء الطاعة بشروطها، ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه موقنا بأن الله سيقبله ويغفر له، لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد، فإن اعتقد ضدَّ ذلك فهو اليأس من رحمة الله وهو من الكبائر.
كمْ فرجٍ بَعْدَ إياسٍ قد أتى *** وكمْ سرورٍ قد أتى بَعْدَ الأسى
من يحسنِ الظنَّ بذي العرشِ جنى *** حُلْوَ الجنَى الرائقَ من شَوْكِ السَّفا

ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله تعالى ما أحسن عبد بالله تعالى ظنَّه إلا أعطاه الله تعالى ذلك لأن الخير كله بيده[3]، فإذا رزق الله عبدا حسن الظن به فقد أعطاه مفتاح الخير وسر العطايا.
والذي حسن ظنه بربه يرى ببصيرة قلبه ما يتمناه قبل أن يتحقق واقعا بين يديه، وهذا ما اعتاده أحمد بن العبّاس النمري حين أنشد يقول:

وإنّي لأرجو الله حتّى كأنّني *** أرى بجميل الظّنّ ما الله صانع[4]

وحينها يكون إغلاق الأبواب كلها في وجه العبد هو الباب الوحيد المفتوح ناحية الله! والشدة عين الفرج، وهو ما قاله علي بن الْحسن بن نصر بن بشر الطَّبيب: "فإنَّا قد نستقري الكرماء، فنجدهم يرفعون من أحسن ظَنَّه بهم، ويحذرون من تخييب أمله فيهم، ويتحرَّجون من إخفاق رجاء من قصدهم، فكيف بأكرم الأكرمين؟! الذي لا يُعْوِزُه أن يمنح مؤمِّليه ما يزِيد على أمانيهم فيهِ، وأعدل الشواهد بمحبة الله جلَّ ذكره، وتمسك عبده برحابه، وانتظار الرَّوح من ظله ومآبه، أن الإنسان لا يأتيه الفرج ولا تُدْرِكه النجاة، إلَّا بعد إخفاق أمله في كل ما كان يتوجَّه نحوه بأمله ورغبته، وعند انغلاق مطالبه وعجز حيلته، وتناهي ضره ومحنته، ليكون ذلك باعثا له على صرف رجائه أبدا إلى الله عز وجل، وزاجرا له على تجاوز حسن ظنِّه به"[5].

والمقادير بيد الله وحده، وإذا رضي عنك أدهشك عطاؤه وأتحفتك نعماؤه، ولذا قيل:

إن المقادير إذا ساعَدَت *** ألحقت العاجز بالحازم

يقين أحمد!
كتب رجُلٌ من إخوان أبي عبد الله أحمد بن حنبل إليه أيام المحنة أبياتا من الشِّعر يصبِّره بها:

هذي الخطوب ستنتهي يا أحمد *** فإذا جزِعت من الخطوب فمن لها
الصَّبر يقطع ما ترى فاصبر لها *** فعسى بها أن تنجلي ولعلَّها

لكن إيمان الإمام لا يقبل الظن الذي تحتمله كلمة (لعلَّها)، وإيمانه لا يرضى الشك والارتياب بل ليس عنده إلا الثقة واليقين، ولذا أجابه الإمام أحمد قائلا:

صبَّرتني ووعظتني فأنا لها *** فستنجلي بل لا أقول لعلَّها
ويحُلُّها من كان يملك عقدها *** ثقة به إذْ كان يملك حلَّها

العبد لا يشهد حسن تدبير الله، إلا إذا انكشفت له العواقب، وليس هذا مقام أهل الخصوص في شيء لأن أهل الفهم عن الله، شهدوا حسن تدبير الله قبل أن تنكشف له العواقب وهم في ذلك على أقسام ومراتب:
فمنهم من حسن ظنه بالله، فاستسلم له لما عوده من جميل صنعه، ووجود لطفه.
ومنهم من حسن ظنه بالله علما منه، أن الاهتمام والتدبير والمنازعة، لا تدفع عنه ما قدر عليه، ولا تجلب له ما لم يقسم له:
ومنهم من حسن الظن بالله تعالى، لقوله عليه السلام حاكيا عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي».

فكان متعاطيا بحسن الظن بالله وأسبابه، رجاء أن يعامل بمثل ذلك فيكون الله له عند ظنه ولقد يسر الله للمؤمنين سبيل المنن إذ كان عند ظنونهم: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بك العسر}.



وارفع من هذه المراتب كلها، الاستسلام إلى الله تعالى، والتفويض له، بما يستحق الحق من ذلك لا لأمر يعود على العبد، فان المراتب الأول لم تخرج العبد عن رق العلل، إذ من استسلم له بحسن عوائده استسلامه معلول بعوائد الألطاف السابقة.

الثلاثاء، 30 مايو 2017

◄{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ}

{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ}
المكر هو إظهار أمر يعتقد الجاهل به غير حقيقته، والكيد والمكر لا يَدُلان أبدا على القوة؛ إنما يدلان على ضعف؛ لأن الشجاع القوي يجاهر بعدائه؛ لأنه قادرٌ على عدوه، لكنَّ الضعيف هو من يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه، والقوي لحظة أن يمسك بخصم ضعيف قد يُطلِقه وقد يعاقبه، لأنه مطمئن أن قوته تستطيع أن تنال من هذا الضعيف وقتما أراد، لكن الضعيف حين يقبض على قوي، فإنه يعتبر الأمر فرصة لن تتكرر، ويضع في اعتباره أن خصمه أقوى منه حيلة وأرجح عقلا، لذا يخفي الماكر أمر مكره ويبيِّته بليل، ولذلك أنشأ أبو تمام يقول:
وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت *** كذلك قدرة الضعفاء

ولحرمة المكر السيء وخبثه فقد ترفَّع عنه الصحابة الذين تربوا على موائد النبوة، فهذا قيس بن سعد بن عبادة- رضي الله عنهما- يقوللولا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المكر والخديعة في النّار» [1] لكُنْتُ من أمكر الناس.

والمكر مقلوب على صاحبه مرتدٌّ إلى قلبه كما استقرأ ذلك محمّد بن كعب القرظي من كتاب الله فقال: "ثلاث من فعلهنَّ لم ينْجُ حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث، وتصديقها فى كتاب الله تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]
 {إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23]
 {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِه}[2]
وإن كان المكر قبيحا في حق البشر لكنه محمود في حق الله سبحانه كما قال الشاعر:
ويَقْبُح من سواك الشيء عندي *** وتَفْعَلُه فيحسُنُ مِنْكَ ذاكا

فكيف ذلك؟!
اسمع مني: 
حين تجد صفة تستبعد أن يوصف بها الله فاعلم أنما جاءت للمشاكلة، فمكر الله يكون تارة فعلًا يُقصد به مصلحة العبد ومنفعته، فهو محمود على سبيل المقصد والغاية.
ويكون تارة معناه الجزاء والمثوبة؛ أي يُجازي أهل المكر جزاء مكرهم.
ويكون تارة بأن لا يقبِّحُ مكر أعدائه في عيونهم، بل يزيِّنه لهم.
ويكون تارة بقطع توفيقه عنهم فيتخبطون.
ويكون تارة بإعطائهم ما يتمنون من دنياهم واستعماله في غير ما يحب، فيكون قد مَكَر بهم واستدرجهم إلى مصارعهم كما قال الزمخشريمكر الله استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوِّه الكمين والبيات والغيلة[3].

ولأجل ذلك قال تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}
وهذا الذي اقتضى قول ربنا تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}، ولذا اعتروا أمن مكر الله كبيرة! قال الطاهر بن عاشورقال الخفاجي: الأمن من مكر الله كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال على المعاصي اتكالا على عفو الله»[4].

ولأن الله يعلم ما يبيِّت أي إنسان، فإذا أراد الله إنفاذ أمر فلا يستطيع أحدٌ أن يواجِه إرادة الله وأمره، ولذا فمكر الله لا قِبَل لأحد بواجهته {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54]، فمكْر العباد مفضوح عند الله، أما مكْرُه سبحانه فلا يقدر عليه أحد، ولا يحتاط منه أحد؛ لذلك كان الحق سبحانه خَيْر الماكرين.
فطوبى لمن كان الله معه فمكر له، والويل كل الويل لمن عاداه ربه فمكر به.

الاثنين، 29 مايو 2017

الفتنة قسمت الناس فريقين:

الفتنة قسمت الناس فريقين:  
صادقٍ وكاذبٍ، ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ، فمن صبر عليها كانت رحمة فى حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع فى فتنة أشد في النار والعياذ بالله، فالنار فتنة من لا صبر له على فتن الدنيا كما قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّار يفُتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هذا الّذِى كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [الذاريات: 13، 14].

◄«لأنصرنك ولو بعد حين​»

«لأنصرنك ولو بعد حين»
وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمل على الغمام؛ يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» [1].
والمعنى: لا أُضيِّع حقَّك ولا أردُّ دعاءك، ولو طال الزمن لأني حليمٌ لا أُعاجِل بالعقوبة، لعلَّ الظلمة يَرْجعُون عن ظُلمهم فيردون المظالم إلى المظلومين، وفيه دلالة إلى أن الله يُمْهِلُ ولا يُهمِل.
ولصدق دعوة المظلوم إخلاص صاحبها تصعد في سرعة البرق إلى السماء، ولقوتها ورفعة مكانتها بين الأدعية لا تواجه في طريقها أي حُجَّاب أو حرس؛ ولذا حذَّر نبينا في وضوح: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة»[2].
لذا صدق من أنذرك:
خَفْ دعوةَ المظلوم فهْي سريعةٌ *** طلعَتْ فجاءتْ بالعذابِ النازلِ
وليست إجابة دعوة المظلوم متعلِّقة بصلاحه أو فساده، وقربه من الله أو ابتعاده، والسبب واضح جليٌّ في قول نبيك: «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا، ففجوره على نفسه» [3].
بل ولا حتى ديانة الداعي تؤثِّر في إجابته! وفي هذا غاية التخويف من عاقبة الظلم مهما كان قدر من وقع عليه، ففي الحديث: «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا، فإنه ليس دونها حجاب»[4].
وتكرار لفظ «اتقوا» فيه إشارة إلى ضرورة الهرب من هذه الدعوة وكأنها شبحٌ يطارد الظالم ولعنة تُمسك بخناقه!
ولا تُتَّقى دعوة المظلوم إلا بالتوقف عن الظلم والتحلل من المظلوم.
حُكِي أن الأمير نوح بن أسد لما وضع الخراج على أهل سمرقند، بعث بريدًا  إلى أميرها، فأحضر الأئمة والمشايخ وأعيان البلد، وقرأ عليهم الكتاب، فقال الفقيه أبو منصور الماتريدي للبريد: قد أدَّيتَ رسالة الأمير، فاردُد إليه الجواب، وقل لهزِدْنا ظلمًا حتى نزيد في دعاء الليل!
ثم تفرقوا، فلم تذهب إلا أيام حتى وجدوه قتيلًا وفي بطنه زجُّ رمح مكتوب عليه:
بغَى والبغي سهامٌ تنتظر ... أنفذ في الأحشاء من وخز الإبرْ
سهام أيدي القانتاتِ في السَّحر ... يرمين عن قوسٍ لها الليل وَتَرْ

ولهذا لم يحرس الملوك أملاكهم بمثل إقامة العدل وصيانة الحقوق، وهو ما غفل عنه أكثر الولاة والأمراء اليوم فزال ملكهم واهتزت عروشهم، ولذا لما بنى ابن مروان سور آمد قال لأبي يوسف القزويني الفقيه الحنفي، وقد أراه إياه وعجَّبه من حصانته وإحكامهكيف تراه؟
فقال له العالم الرباني: "يحفظك بالليل، ويردّ عنك السبل، ولا يحجب عنك دعوة المظلوم!"[5].
وذلك أنهم أجمعوا على أنَّ المظلوم موقوف على نصرة الله له مصداقا لقول الله تعالى:  {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ}.
ولذا قال معاوية بن أبي سفيان مستشعرا قوة المظلوم لوقوف الله إلى جواره: "إني لاستحي أن أظلم من لا أجد له ناصرا عليَّ إلا الله"[6].

وبكى علي بن الفضل يوما فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حُجَّة"[7].
ولذا جاء في المثل: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم، ومن طال عدوانه زال سلطانه، ومن كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه وفناؤه.
نعوذ بالله من دعوة مظلوم!
واسمع هذه القصة تنبيك عن نفاذ سهم المظلوم في قلب الظالم ولو تأخَّرقال صاحب كتاب (روضة الأزهار، وبهجة النفوس ونزهة الأبصار): ولما مرَّ أمر المنصور بن أبي عامر بسجن المصحفي بالمُطبق (المُطبَق بضم الميم هو السجن لأنه أُطبقَ على من فيه) في الزهراء ودَّع أهله وداع الفُرقة، وقال لهم: لستم ترونني بعدها حيا! فقد أتى وقت إجابة الدعوة، وما كنت أرتقبه منذ أربعين سنة! وذلك أنّي أشركت (شاركت) في سجن رجل في عهد الناصر، وما أطلقتُه إلا برؤيا رأيتها بأن قيل لي: أطلق فلانا فقد أجيبت فيك دعوته، فأطلقته وأحضرته وسألته عن دعوته عليَّ، فقال: دعوت على من شارك في أمري أن يميته الله في أضيق السجون، فقلت: إنها قد أجيبت، فإني كنت ممن شارك في أمره، وندمت حين لا ينفع الندم، فيروى أنه كتب للمنصور بن أبي عامر بهذه الأبيات:
هبني أسأت فأين العفو والكرم *** إذ قادني نحوك الإذعان والنَّدم
يا خير من مدَّت الأيدي إليه أما *** ترثي لشيخ نعاه عندك القلم
بالغتَ في السُّخط فاصفح صفح مقتدر *** إنَّ الملوك إذا ما اسْتُرحِموا رَحِموا

فأجابه المنصور بأبيات لعبد الملك الجزيري:
يا جاهلاً بعدما زلَّت بك القدم *** تبغي التكرُّم لمّا فاتك الكرم
ندمت إذا لم تعد منّي بطائلةٍ *** وقلّما ينفع الإذعان والنَّدم
نفسي إذا جمحت ليست براجعةٍ *** ولو تشفّع فيك العُرْب والعجم
فبقي في المطبق حتى مات، نعوذ بالله تعالى من دعوة المظلوم[8].
ولهذا صار شعار شريح القاضي يحمل في طياته وعد المظلوم ووعيد الظالم، فقد أقام شريح قاضيا ما زاد عن سبعين سنة، وكان إذا جلس للقضاء يلهج بهؤلاء الكلمات التي هي سنن لا تتخلف، وقوانين ربانية لازمةإن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر[9].
 
  • أصابع الضعفاء ومجانيق الضعفاء!
    ولذا حذَّر الصالحون من أصابع الأيتام؛ يقصدون بها رفع إيديهم بالدُّعاء على الظَّالم، وحذَّروا كذلك من مجانيق الضُّعفاء أي دعواتهم، وقوة هذه الأسلحة في خفائها، حيث لا يراها إلا أصحاب البصائر والتجارب، فالظلم هو الذنب الذي لا يغفره الله لأنه تعلَّق بحقوق العباد إلا أن يعفوا ويغفروا، ولهذا لما حجَّ أبو مسلم الخراساني قام بعرفات يدعو ويقولاللهم إني تائب إليك مما لا أظنك تغفره لي، فقيل له: أيعظم على الله غفران ذنب؟ فقالإني نسجت ثوب ظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، فكم صارخة لعنتني عند تفاقم الظلم! فكيف يغفر لمن هذا الخلق خصماؤه؟![10].
وهذا من عدل الله ورحمته، ففي قانون الله: هيهات أن ينجو ظالم بظلمه، ويفلت مجرمٌ من عقوبته، واسمع البارودي يعرِّض بالحاكم المستبد ويتحدّى بطشه وغروره في عزة وشموخ:
يأيها الظالم في مُلكِه ... أغَرَّك المُلكُ الذي ينفدُ
اصنع بنا ما شئت من قسوةٍ ... فالله عدلٌ والتلاقي غَدُ
 
  • احذر قوة الضعيف
    في الحديث الصحيح: «ابْغوني الضُّعفاء، فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بِضُعفائكم»[11].
    «
    ابغوني»: بكسر همزة الوصل أي اطلبوا لي (الضعفاء) يعني مساكين المسلمين لأستعين بهم، ويُقال بَغَيْتُك الشيء: طلبته لك، والمراد به طلب الإعانة، وطلب النبي لهم ليكتبهم في ديوان المجاهدين وليستعين بهم، ولحضورهم فوائد أشار إليها بقوله: «فإنما تُرزَقون» أي تُرزَقون المطر والغنيمة في المعركة وغيرهما مما تنتفعون به، «وتُنصَرون» على أعدائكم «بضعفائكم» أي ببركة وجودهم بين أظهركم ورعايتكم لهم وبركة دعائهم، فإذا حنَّ الإنسان عليهم ورفق بهم وآتاهم مما آتاه الله؛ كان ذلك سببا لحصول النصر على الأعداء، ومفتاحا لسعة الرزق.
     
  • قال القاضي: والضعيف إذا رأى عجزه وعدم قوته تبرَّأ عن الحول والقوة بإخلاص واستعان بالله، فكانت له الغلبة بخلاف القوي، فإنه يظنُّ أنه إنما يغلب الرجال بقوته، فتُعجِبه نفسه غالبا، وذلك سبب للخذلان[12].

    ومن حكمته تعالى أنه أمر بإعداد العدة للعدو، لكنه أخبر مع ذلك أن النصر يكون بالضعفاء ليعلم الخلق أن ما أُمِروا به من الاستعداد وأخذ الحذر هو من قبيل الأخذ بالأسباب فحسب، لكن النصر في الحقيقة هو من عند الله قد يُلقيه على يد الأضعف، فمع قوة الاستعداد يكون ضعف الضعيف سبب قوة ثان له، لأنه اعتراف بأن الأمر كلَّه لله يدبِّره كيف يشاء.

قال ابن بطال في سبب إصابة دعوة الضعفاء عن غيرهمتأويل الحديث أنَّ الضعفاء أشد إخلاصًا في الدعاء وأكثر خشوعًا في العبادة، لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا[13].


[1] 
صحيح: رواه الطبراني والضياء عن خزيمة بن ثابت كما في صحيح الجامع رقم: 117.
[2] 
صحيح: رواه الحاكم عن ابن عمر كما في صحيح الجامع رقم: 118.
[3] 
حسن: رواه الطيالسي عن أبي هريرة كما في السلسلة الصحيحة رقم:767.
[4] 
حسن: رواه أحمد والضياء عن أنس كما في صحيح الجامع رقم: 119، والسلسلة الصحيحة رقم: 767.
[5] 
التذكرة الحمدونية 7/210 - أبو المعالي بهاء الدين البغدادي- ط دار صادر، بيروت.
[6] 
عيون الأخبار  1/144 – ابن قتيبة الدينوري- ط دار الكتب العلمية.
[7] 
المستطرف 1/116.
[8] 
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب 1/601.
[9] البداية والنهاية 9/29.
[10] 
ربيع الأبرار ونصوص الأخيار 3/315 – جار الله الزمخشري – ط دار مؤسسة الأعلمي ببيروت.
[11] 
صحيح: رواه أحمد ومسلم وابن حبان والحاكم عن أبي الدرداء كما في صحيح الجامع رقم: 41
[12] 
فيض القدير 1/82 بتصرف.
[13] 
تطريز رياض الصالحين 1/2000 - فيصل بن عبد العزيز بن فيصل بن حمد المبارك  الحريملي النجدي -  دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض

الأحد، 28 مايو 2017

♠"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"

"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"


ما أروع دقة الوصف القرآني لطبيعة الصراع بين الحق والباطل، ولحقائق دفائن نفوس الكافرين ومن معهم وشايعهم؛ وأن هذه معركة مستمرة استمرار الزمان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 
وهي حقائق قرآنية لا وجهات نظر شخصية أو تحليلات سياسية واستراتيجية؛ فالحق سبحانه خلقنا وهو أدرى بشؤوننا، وأعلم بمكنونات النفوس، وشاءت إرادته سبحانه لهذا الدين أن يكون الخاتم. وما كان خاتما فهو الأكمل والأشمل والمهيمن على سائر الديانات الأخرى. ومن هنا كنا خير أمة أخرجت للناس، وكان نبينا خير الأنبياء جميعا، وكان كتابنا معجزا محفوظا: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر، الآية 9).
وجاء قول الله تعالى: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ" (البقرة، 217)، ضمن آية عظيمة في آيات الجهاد في سورة البقرة، لتبين حقائق أخرى حول طبيعة الصراع بين الحق والباطل. فالعدو يحاول بكل ما أوتي أن يشوّه صورة الحق في نفوس الناس، وأن يلصق به شبهات ويضع حوله الشكوك. ومن هنا، لما حدثت سرية نخلة في العام الثاني للهجرة (قبيل بدر)، وهي المسماه سرية عبدالله بن جحش وهو أميرهم، فقد ساروا إلى ما هو أبعد من مكة، في مكان بين مكة والطائف، وبما يصوّر الجرأة والقوة التي كان عليها المسلمون. وهناك، صادفوا مجموعة من المشركين، وكان الزمان آخر رجب الحرام، فتشاوروا هل يقاتلونهم ويغنموا منهم، وسبب ذلك هو الشهر الحرام. وإن تركوهم حتى الغد، فسيخرجون من الشهر الحرام ولكن سيدخلون في المكان الحرام (مكة). وكانت نتيجة اجتهادهم أن يقاتلوهم. وحصل ذلك وغنموا منهم، وعادوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وأشاعت قريش أن محمدا انتهك الشهر الحرام. وأصاب المسلمين حرجٌ عظيم، لا لمجرد الإشاعة، بل لما ظنوه أنها مخالفة، فأنزل الله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة، 217).
هكذا هو القرآن في وضوحه وواقعيته، يرد على الكفار فيما أشاعوه؛ فلئن كان القتال في الشهر الحرام كبيرا، فإن ما يفعله المشركون تجاه المؤمنين من صد عن سبيل الله والكفر به سبحانه وبالمسجد الحرام الذي لم يراعوا حرمته، فأخرجوا منه أهله وعذبوهم وطردوهم، هذا أكبر بكثير من فعلة المسلمين. فالفتنة التي عرّضوا المسلمين لها أكبر من القتل. وهنا ندرك مسألة مهمة في ديننا، وهي فقه الموازنات. فهناك كبير وأكبر، وصغير وأصغر، مما يسمح بوجود الاجتهاد في موازنة الأمور ودرء المفاسد وجلب المصالح، والتفضيل بين الأمور من حيث الفعل وتركه، بناء على غلبة الظن في الأمور.
وجاء بعد هذه المسألة في الرد على المشركين قوله تعالى: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ"؛ فهو ديدنهم، وفي سبيل ذلك يضعون أيديهم بأيدي أصناف الكفر كله، بمن فيهم اليهود والمنافقون وغيرهم، فهو فعل مستمر لا للصد أو النواحي المعنوية والفكرية والأخلاقية فقط، بل نصّ القرآن على القتل الذي لا يهدأ بال الكفر إلا به، حيث الاستئصال والوصول إلى حد الإشباع من الرضى، فهي أخلاقهم التي يأبى الله إلا كشفها وإن تظاهروا أمام العالم بسلميتهم وحضارتهم، إذ إنه إذا وصل الأمر إلى الإسلام فالمعادلة معكوسة، والمبادئ منتقضة. فالغرب -مثلا- يزعم دعم الديمقراطية، لكنها إن كانت بين المسلمين تصير محرّمة، بل يدعمون الدكتاتوريات! وهكذا في مجال حقوق الإنسان، وغيرها من المجالات.
ولا بد من إدراك واقعي عند جميع المسلمين لهذه الحقيقة المرّة في موقف الآخرين من المسلمين. فما جرى ويجري من تصفية جسدية ينطبق تماما على الواقع. ولنا أن نراجع في ذاكرتنا ما قام به المشركون تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، ثم عبر الزمن من وقوف التجمعات الكافرة أمام المسلمين، وما كان من حروب صليبية واستعمار حديث وتصفيات عرقية ودينية في أوروبا وآسيا وأفريقيا، وكره دفين للمسلمين حتى في بلاد الغرب حيث الديمقراطية؛ فهو الخوف من هذا الدين، وتمني استئصاله واجتثاثه. هذا كله إضافة إلى نتائج الحروب الصليبية الفكرية؛ بالغزو الفكري والأخلاقي، حين أدرك بعضهم أن تحويل المسلمين عن دينهم أمر صعب، فعمدوا إلى الغزو الفكري وتشويه الإسلام والدخول في عالم الشبهات والشهوات. وأستطيع القول إنهم نجحوا في ذلك إلى حد ما، ومع ذلك تبقى التصفية الجسدية مقصودة.
والمقطع الأخير من الآية يتحدث عن الردة؛ إذ يحذرنا الله تعالى من أن نستجيب لهؤلاء الكفار فيما يريدونه. فهم يهدفون من وراء حربهم الشرسة إلى تحويلنا عن ديننا وارتدادنا عنه، فجاء التحذير: "وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"؛ فالمطلوب هو الثبات والثقة بالله تعالى وبهذا الدين. وعبثا يحاول أعداؤنا أن يوصلونا إلى درجة اليأس، خاصة والغلبة لهم، والدولة لهم. فلا بد من يقين به تعالى وبوعده على مر الزمان، فهذا الدين هو الحق ولو تركه أهله، وهذا أكثر ما يؤسَف له؛ أن المسلمين يعيشون هذه الردة العامة عن دينهم، فلم يلتزموا أحكامه وشريعته، ولو فعلوا ذلك لكانوا سادة الدنيا، ولكنها الاستجابة للكافرين والحالة المريضة التي نعيشها في تحكّم أعدائنا بنا، وشلل إرادتنا الذي طال معظم شعوبنا ودولنا وأنظمتنا، بل دخل إلى عقولنا وبيوتنا.
ولعل المعركة بين الحق والباطل تشتد هذه الأيام، لوجود طلائع البعث الإسلامي من جديد، ولأن الوعي الإسلامي ازداد، ولأن الشعوب تتطلع فعلا إلى الحرية والكرامة، خاصة التي جربت الفساد والاستعباد. فقد عرفت هذه الشعوب طريقها، وعرفت حقائق لطالما حاول الأعداء طمسها وتزويرها. ويتزعم الحرب اليوم يهود، حين تحكموا في مفاصل القرار العالمي، وهم يملون سياساتهم ويتحكمون بمصائر الشعوب بعد أن قامت من غفلتها، ويريدون للزمان أن يستدير. 
الوعي مطلوب، والدراسة لسنن الله تعالى في الحياة مطلوبة. والأهم من هذا كله الثقة بالله وبمنهجه. ومكر هؤلاء إلى زوال ولو كان عظيما تزول منه الجبال، فالله أكبر منهم جميعا وأعظم، ولم نُكَلَّف إلا الأخذ بالأسباب. والله تعالى وعد، ووعده الحق، بأن النصر لهذا الدين، فيا له من دين لو أن له رجالا!


♥{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}!

{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}!
 هي سنة عظيمة رائعة من سنن الله تعالى اسمها سنة (المداولة)، وقد عرض لها أبو سفيان قبل إسلامه، ففي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه في صحيح البخاري حول ذهاب أبي سفيان إلى هرقل، قد سأله هرقل عن حالهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "الحربُ بيننا وبينه سِجَالٌ، ينالُ منَّا وننال منه.
 فهي إذن سنة ربانية لا تتخلف، وحركة تاريخية لا تتوقف، فاليوم ترح وغدا فرح، اليوم عَبرة وغدا حَبرة، وهي سنة جارية على الأفراد والجماعات والدول.
وقد نزلت هذه الآية بعد غزوة أُحُد، وذلك أن الله أمكن المشركين من المسلمين في أحُد، فقتلوا منهم سبعين صحابيا، كما سبق وأن أمكن المسلمين من المشركين في بدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
• قال الإمام المراغي:  {نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ} أي أن مداولة الأيام سنة من سنن الله فى المجتمع البشرى، فمرةَ تكون الدولة للمبطل، وأخرى للمحق، ولكن العاقبة دائما لمن اتبع الحق، وإنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح ورعاها حق رعايتها كالاتفاق وعدم التنازع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة، وأخذ الأهبة وإعداد ما يُستطاع من القوة، فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتُحكِموها أتم الإحكام حتى تظفروا وتفوزوا، ولا يكن ما أصابكم من الفشل مُضعِفا لعزائمكم، فإنَّ الدنيا دول [1].
وجاءت صيغة المضارعة {نُداولُها} للدلالة على تجدد سنة مداولة الأيام من الأمم واستمرارها،
 وفي هذا قال القاضي أبو السعود: "وصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار للإيذان بأن تلك المداولة سنة مسلوكة بين الأمم قاطبة سابقتها ولاحقتها"[2].
فيومٌ علينا ويومٌ لنا *** ويوم نُساء ويوم نُسَرُّ [3].
 ونلحظ أن مداولة الأيام إنما هي بين الناس؛ فالأصل أن الناس سواسية إن تجردوا من منهج السماء، لكن صاحب الحيلة يغلب، وذو القوة يعلو، والأكثر عددا وعُدّة ينتصر، فما الذي يعوِّض المؤمن في مواجهة كل هذه الحيل والقوى والأعداد والعُدد؟!
ما الذي يضمن له الغلبة؟!
**إنها موالاة ربِّه له،
فلن يجرؤ مخلوق أن يكون في مواجهته إذا كان الله وليه ونصيره.
والقرآن يشهد!
 من يملك القوة في أكثر الأحيان يغتر بها، ويظن أن حصونه تمنعه من قوة الله عز وجل، وقد قال الله في شأن اليهود: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2].
 وهزيمتهم أمر لم يكن في حسبانهم، ولم يضعوه في الاعتبار، وما غفلوا عنه كان سِرَّ زوالهم ومفتاح انهزامهم.
وآية أخرى هي قوله تعالى:
{حَتّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} [يونس:24]،
فهل دام الزخرف والزينة؟! لمبارك
كلا والله بل جرت عليه السنة الإلهية: {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس:24].
• حكمة!
لكن ما الحكمة في المداولة بين المؤمنين والكافرين، والمصلحين والمفسدين؟!
ولماذا لا تكون العاقبة دائما لأهل الحق من المؤمنين؟
يجيب على هذا التساؤل في كلام بليغ وتفصيل بديع وحكمة بالغة إسماعيل حقي،
 • وذلك في تفسيره فيقول: "وليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين، وأخرى ينصر الكافرين، وذلك لأن نصره تعالى منصبٌ شريف، فلا يليق بالكافر، بل المراد أنه تعالى تارة يشدِّد المحنة على الكفار، وأخرى على المؤمنين، وأنه لو شدَّد المحنة على الكفار فى جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين فى جميع الأوقات لحصل العلم الضروري والاضطراري بأن الإيمان حقٌّ وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب، فلهذا المعنى تارة يسلِّط الله المحنة على أهل الإيمان، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية، والمكلَّف يدفعها (هذه الشبهات) بواسطة النَّظَر فى الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله، ولأن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي، فيكون إما تشديد المحنة عليه فى الدنيا أدبا له، وإما تشديد المحنة على الكافر، فإنه يكون غضبا من الله» [4].
تنبأ أبو الجوزاء بما سيجري في المستقبل وذلك من خلال تدبره لهذه السُّنة الربانية، وبلغ من يقينه أن أقسم في ثقة: "والله ليُعِزَّنَّ الله ملك بني أمية كما أعزَّ ملك من كان قبلهم، ثم ليذلنَّ ملكهم كما أذلَّ ملك من كان قبلهم، ثم تلا قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140][5].
فلا تضِقْ ذرعا يوما من سوء الحال وغموض المآل، فدوامُ الحالِ من المُحالِ، والأيام دُوَلٌ، والدَّهرُ قُلّبٌ، والليالي حُبَالى، والغيبُ مستورٌ، والحكيمُ كلَّ يوم هو في شأنٍ.. نعم .. كلَّ يوم هو في شأنٍ.
• وفي تفسير هذه الآية وتعلقها بسنة المداولة قال السعدي: {
 • كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} يُغني فقيرا، ويجبر كسيرا، ويعطي قوما، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح الملحين، ولا طول مسألة السائلين، فسبحان الكريم الوهاب، الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات، وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين، ولا استغناء الفقراء الجاهلين به وبكرمه، وهذه الشئون التي أخبر أنه تعالى كل يوم هو في شأن، هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تعالى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضته حكمته[6].
• خمس بخمس!
 وانظروا في آيتين متتاليتين في كتاب الله تلمح فيهما هذه السنة واضحة جلية بين فرعون وبني إسرائيل: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.
• خلاصة الآيتين:
1. إن فرعون علا فى الأرض.
2. استضعف حزبا من أحزاب مصر.
3. قتل الأبناء.
4. استحيا النساء.
5. إنه كان من المفسدين.
• وقد قابل سبحانه هذه البلايا الخمسة بخمسة وعود ربانية مبهرة وعد الله بها بنى إسرائيل:
1. منَّ عليهم بإنقاذهم من بطش فرعون وجبروته.
2. جعلهم أئمة مقدَّمين على غيرهم فى الدارين.
33. أورثَهُم ديار قوم آخرين على ما كانوا عليه من العظمة حتى كانوا يُعرفون بالجبابرة، وهي أرض الشام.
4. مكَّن لهم وثبَّت سلطانهم فى ما ملكوه من أرضِ الشام ومصر.
55. أرى فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون من هلاكهم وذهاب ملكهم على أيديهم.
هي قصة استضعاف وتمكين يتعاقب أحدهما مع الآخر كما يتعاقب الليل النهار، وهي سنة الله فى خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وصدقت العرب حين قالت في المثل:
 ما طار طيرٌ فارتَفَع *** إلا كما طار وقَع
***• واقرؤوا التاريخ: والتاريخ القديم يشهد!
 دخلت أم جعفر بن يحيى البرمكي على قوم في عيد أضحى تطلب جلد كبش تلبسه وقالت: هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة قائمة، وأنا أزعم أن ابني جعفرا عاق لي!
 وكانت أخت أحمد بن طولون صاحب مصر كثيرة السرف في إنفاق المال حتى أنها زوَّجت بعض لعبها، فأنفقت على وليمة عُرسها مائة ألف دينار، فما مضى إلا قليل حتى رؤيت في سوق من أسواق بغداد وهي تسأل الناس [7].
وكذلك كانت الحروب الصليبية، فقد انتهت وتطهرت القدس من الغزاة بعد قرنين كاملين من الزمان، ولم يدم الحال للغاصبين، واستطاعت المقاومة أن تحقِّق أهدافها بطرد المعتدين في نهاية المطاف، وما كان الصليبيون يمثِّلون أكثر من ظاهرة عرضية موقوتة لا تقدر على مدِّ جذورها في الأرض، وكذلك اليوم حال دولة العدو الصهيوني، فهي جسمٌ غريب زُرِع في كيان غير متجانس مع ما حوله، ولهذا فإن الأرض ستلفظ هذا الكيان حتما لأن الأجسام الغريبة محكومٌ عليها بالطرد.
كانت الدائرة بالأمس للمسلمين على غيرهم، وهي اليوم لهم علينا، فالدور الآن على هذه الأمة لتستلم مقود القيادة وتتصدى لصدارة الأمم، ونشرق بعد الغروب، ونعلو بعد الأفول.{وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا}.
• والتاريخ الحديث يشهد!
خذ على سبيل المثال: الشيوعية، كان لها دول تحميها ونظم عالمية عظيمة تتحدث باسمها وتفاخر بنشر مبادئها؟! ودام لها الأمر عشرات السنين؛ ما يقارب السبعين سنة أو تزيد قليلا, ثم ماذا؟! ثم طالتها سنة المداولة، وبدأ العدُّ التنازلي لانهيارها، فزالت من على وجه الأرض.
إن الإنسان يستطيل الأيام والشهور والأعوام، إلا أن الأمر أبعد من ذلك، فعشر أو عشرون أو ثلاثون سنة لا تساوي في حياة الأمم والشعوب شيئا؛ لكن الإنسان ابن لحظته، ولذا يرى الواقع القاتم أمامه سرمديا لا يزول.
وألمح هذا الإسقاط على أحداث التاريخ في قصيدة أبي البقاء الرندي، وقد رأى بعيني رأسه غروب شمس دولة الإسلام بالأندلس، فليست سنة المداولة جارية على غيرهم دون أن تنالهم:
• لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصان *** فلا يُغَرَّ بطِيبِ العيش إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتَها دُوَلٌ *** من سرَّه زمنٌ ساءته أزمان
لَوْ أَنَّ مَا أَنْتُمُو فِيهِ يَدُومُ لَكُمْ *** ظَنَنْتُ مَا أَنَا فِيهِ دَائِمًا أَبَدَا
لَكِنَّنِي عَالِمٌ أَنِّي وَأَنَّكُمْ *** سَنَسْتَجْدِي خِلَافَ الْحَالَتَيْنِ غَدَا